وأثره في التربية والتعليم
إعداد
د. أحمد بن عبد الفتاح ضليمي
أستاذ مساعد بقسم التربية بكلية الدعوة وأصول الدين
بالجامعة الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن نعم الله على الإنسان عظيمة، وأفضاله عليه كثيرة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ (١) ومن نعم الله على الإنسان منحة القدرة على التعلم، وتزويده بأدوات التعلم ووسائله، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣) . وقد زوّد الإسلام المسلم بالمنهج السليم للتعلم، وأرشده إلى أدواته وطرائقه والتي من أهمها السؤال، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٥) . ولأهمية السؤال في التعلم والتعليم فقد عدّه بعض علماء الإسلام مفاتيح العلم، كما عدّه بعضهم نصف العلم. والمتأمل في السؤال وأهميته يجد أنه يشغل حيزًا كبيرًا وهامًا في النشاطات التعليمية والتربوية، بل ويشكل أهمية كبيرة لمختلف عناصر الموقف التعليمي من معلم ومتعلم وطريقة ومحتوى وتقويم وأهداف تعليمية. وانطلاقًا من هذه الأهمية بالإضافة إلى قلة البحوث التربوية الإسلامية في مجال السؤال ولا سيما ما يتعلق منها بالسؤال في القرآن الكريم تبرز أهمية هذا البحث والذي يهدف الباحث - من خلاله - إلى إلقاء الضوء على مكانة
_________________
(١) سورة إبراهيم: آية:٣٤.
(٢) سورة البقرة: آية:٣١.
(٣) سورة النحل: آية:٧٨.
(٤) سورة النحل: آية:٤٣.
(٥) سورة الفرقان: آية:٥٩.
[ ٤٢ / ٣٥٣ ]
السؤال في القرآن الكريم، والآداب التي أرشد المتعلمين والمعلمين إلى التمسك بها في هذا الصدد، فضلًا عن بيان الخصائص التربوية للسؤال والجواب في ضوء المنهج التربوي القرآني، ويأمل الباحث أن يكون هذا البحث خطوة في طريق إبراز وبلورة منهج إسلامي تربوي متكامل.
المبحث الأول: أهمية السؤال التربوية.
أولًا: قدم طريقة السؤال.
ثانيًا: أهمية السؤال في التربية الحديثة:
أ) - أهمية السؤال للطفل.
ب) - أهمية السؤال للمتعلم.
ج) - أهمية السؤال للمعلم.
د) - أهمية السؤال للدرس وطريقة التدريس.
هـ) - أهمية السؤال في مراحل التعليم المختلفة.
ثالثًا: أهمية السؤال عند المربيين المسلمين المتقدمين.
رابعًا: أهمية السؤال في السنة.
تمهيد:
للسؤال أهمية بالغة في التربية والتعليم، وقد كان السؤال وما زال من أفضل الطرق التربوية وأحسنها أثرًا وأعظمها نفعًا.
ويُعدّ السؤال الطريقة التي يتعرّف الطفل من خلالها على العالم المحيط به، كما أنه يقدم الكثير من المنافع للمتعلم فيحرك تفكيره، ويثير نشاطه، ويقوي صلته بالموضوعات التي يدرسها، كما يعتمد المعلم على السؤال في تحقيق كثير من الأهداف التعليمية والتربوية، كما أن حسن استخدام المعلم للسؤال يعد آية نجاحه، ومقياس مهارته، ويعد السؤال قوام الدرس، وأساس الطريقة التدريسية، ولأهمية السؤال فإنه لا يمكن الاستغناء عنه في أي مرحلة من المراحل التعليمية، حيث تستمر الحاجة إليه من قبل المتعلم والمعلم على حد سواء.
وانطلاقًا من أهمية السؤال ودوره في التربية والتعليم، فإننا سوف نعرض في هذا المبحث لأهمية السؤال التربوية لكل من المتعلم والمعلم، كما نبرز الاهتمام الذي أولته التربية الإسلامية السؤال والمكانة الرفيعة التي نالها في ضوء هذه التربية.
أولًا: قدم طريقة السؤال
[ ٤٢ / ٣٥٤ ]
تعدّ طريقة السؤال من أقدم الطرق التعليمية والتربوية التي عرفها الإنسان، حيث استعملت المجتمعات الإنسانية على اختلافها هذه الطريقة، فاستعملها المربون والمعلمون والمصلحون في تلك المجتمعات.
وإن الذين درسوا تاريخ التربية يعلمون أن طريقة السؤال طريقة قديمة قدم التربية ذاتها.
ثانيًا: أهمية السؤال في التربية الحديثة
أ) - أهمية السؤال للطفل (مرحلة ما قبل الابتدائية)
يطلق البعض على هذه المرحلة مرحلة السؤال، حيث تكثر فيها أسئلة الطفل ويسمع فيها من الطفل دائمًا (ماذا؟، لماذا؟، متى؟، أين؟، كيف؟، من؟، الخ) والطفل في هذه المرحلة علامة استفهام حية بالنسبة لكل شيء، فهو يحاول الاستزادة العقلية والمعرفية. إنه يريد أن يعرف الأشياء التي تثير انتباهه، وأن يفهم الخبرات التي يمر بها. ويقدر بعض الباحثين أن حوالي ١٠-١٥ % من حديث الطفل في هذه المرحلة يكون عبارة عن أسئلة. كما يشاهد سلوك الاستطلاع والاستكشاف بكثرة عند طفل الحضانة.
ب) - أهمية السؤال للمتعلم:
يقوم السؤال بدور فاعل ومؤثر لدى المتعلم، حيث يجعله محور العملية التعليمية ومركز الفاعلية عوضًا عن المدرس.
ويقدم السؤال للمتعلم العديد من الفوائد والإيجابيات، وذلك كما يلي:
١٠- يعدّ السؤال عماد المعلم في تعليم صغار التلاميذ الذين لا يطيقون التلقي والاستماع طويلًا دون إثارة انتباههم وتجديد نشاطهم بالمناقشة وتوجيه الأسئلة.كما تفيد الأسئلة في توجيه الأطفال إلى التعرف على صفات المحسات وخواصها.
٢ - يدفع السؤال والمناقشة المتعلم إلى إعمال العقل والتفكير لمعرفة ما يتصل بموضوع النقاش. كما يقود السؤال التلاميذ إلى الطريقة الصحيحة للتفكير، كما يحدث عند قيام المتعلم بفحص الجزئيات والمقدمات، بغرض الوصول إلى العموميات والكليات، كما يؤدي السؤال دورًا هامًا في الجانب العقلي لدى المتعلم، وذلك عندما يكسبه القدرة على الربط والموازنة والاستنتاج.
[ ٤٢ / ٣٥٥ ]
٣ - يؤدي السؤال إلى تركيز انتباه التلاميذ وإثارة اهتمامهم نحو الحقائق التي يراد الوصول إليها. فالأسئلة تثير مزيدًا من الانتباه والنشاط والحيوية في حجرة الدراسة، ولا سيما إذا كان الموضوع مما يتصل بميول التلاميذ وحاجاتهم ومشكلاتهم.
٤ - يقوم السؤال بإثارة نشاط التلاميذ ويجعلهم فاعلين، ويحملهم على الاشتراك العملي في الدرس، فالأسئلة التي يطرحها المعلم تحمل التلاميذ على المشاركة والاستماع والفهم والسؤال عما لا يدركونه من الحقائق.
٥ - يعمل السؤال على إقامة علاقة قوية ومستمرة بين التلاميذ وبين حقائق الدرس ومعلوماته، ومن ثم فهو يكفل حضور التلاميذ العقلي وارتباطهم بالدرس وعدم انقطاع صلتهم به ومتابعتهم إياه، كما يؤدي اتباع طريقة السؤال في التعليم إلى عدم ملل التلاميذ من الدروس كما يحدث عند الاقتصار على طريقة الإلقاء.
٦ - تؤدي طريقة الأسئلة والمناقشة إلى ثبات المعلومات واستمرارها لدى المتعلمين حيث يلاحظ أن المعلومات التي يصل إليها المتعلم بجهده عن طريق السؤال تتصف بالثبات والاستمرار فترة أطول من المعلومات التي تصله عن طريق التلقي ولا يبذل جهدًا في معرفتها والتوصل إليها.
٧ - تعمل طريقة السؤال - في التدريس - على إكساب التلاميذ مهارات التحدث والاستماع، وإبداء الملاحظات، وتقبل الانتقادات.
٨ - تؤدي مشاركة المتعلم في الدرس من خلال المناقشة والسؤال إلى الشعور بقيمته الذاتية مما يعزز ثقته بنفسه ويدفعه نحو المزيد من النمو والتقدم في دراسته وتعلمه.
ج) - أهمية السؤال للمعلم:
يعدّ توجيه الأسئلة إلى المتعلمين والإجابة عن أسئلتهم ووضع الأسئلة الملائمة لتقويم تعلمهم من أهم المهارات التي يحتاجها المعلم.
[ ٤٢ / ٣٥٦ ]
ولأن إتقان وضع الأسئلة وإجادة المعلم طريقة مناقشتها مع تلاميذه فن لا يتقنه إلا كل بارع عليم بطرق التدريس، خبير بطبائع التلاميذ، فقد عد استعمال طريقة السؤال مقياس مهارة المعلم، وجودة طريقته، ووضوح منهجه في التدريس.
ويُقدم استعمال السؤال في التدريس فوائد عديدة إلى المعلم من أهمها ما يلي:
١- دفع المعلم إلى التفكير العميق في جوانب الموضوع الذي يزمع القيام بتدريسه.
٢ - تشجيع روح النقد الذاتي لديه لمراجعة أفكاره وخبراته بين الحين والآخر، فالحوار مع النفس أو الآخرين يعد من طرق التعلم الفاعلة، والتي ترافق الفرد في جميع مراحل حياته.
٣ - مناقشة ما يتلقاه من تلاميذه في الإجابة عن الأسئلة، وإصلاح ما قد يقعون فيه من خطأ.
٤ - اكتساب اليقظة والثقة بالنفس، وحضور البديهة، والاستعداد لحل أي مشكلة تعرض أثناء الدرس حلًا سريعًا وموفقًا.
٥ - اشتراك التلاميذ مع المعلم في استنباط المعلومات.
٦ - يعد السؤال من أفضل الوسائل التي يستخدمها المعلم للمراجعة والتطبيق.
٧ - كشف نواحي اهتمام التلاميذ وقدراتهم.
٨ - حصر النقاط الهامة في الدرس وتلخيصها.
د) - أهمية السؤال للدرس وطريقة التدريس:
لا يستطيع أحد أن ينكر ما للأسئلة من قيمة في التدريس فالسؤال قوام الطريقة التحاورية، وركن أساسي من أركان الطريقة الاستقرائية.
فهو يقوم بتنويع مسلكية الدرس، وذلك بالانتقال من الإلقاء إلى الحوار، فيقوم بذلك بتبديد السأم عن التلاميذ وتجديد نشاطهم.
كما أنه أشبه بالقوة الدافعة في الدرس، فيسير ويتحرك في اتجاه أهدافه.
كما أن الأسئلة تعتبر بحق الوسيلة المنظمة للمناقشة بين الطلاب والأساتذة.
كما تستخدم الأسئلة في جميع خطوات الدرس الأساسية من تمهيد، وعرض، وربط، وتعميم، وتطبيق.
[ ٤٢ / ٣٥٧ ]
وتستخدم طريقة الأسئلة والمناقشة في كثير من الدروس والخطوات الدرسية التفصيلية، فيستخدمها المعلم عقب سرد القصص، فيكون في توجيهها وإجابة التلاميذ عنها تدريب على الاستعمال اللغوي السليم.
وما يقال عن الأسئلة والمناقشات عقب سرد القصص يقال عن الأسئلة والمناقشات عقب دروس المطالعة، فهناك أسئلة تعقب القراءة الصامتة، وأسئلة تتخلل المناقشات التفصيلية، وكذلك الحال في دروس التعبير عقب انتهاء المتحدث من حديثه.
هـ) - أهمية السؤال في مراحل التعليم المختلفة:
للسؤال أهمية كبيرة في جميع مراحل التعليم: الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية والجامعية حيث تستخدم طريقة السؤال على نطاق واسع في المراحل الأولى من التعليم بل ويجب أن تكون عماد التدريس فيها، أما في المراحل المتقدمة فهي تقتصر في الغالب على مناقشة المقدمات للوصول إلى النتائج العامة، كما تستخدم للربط والاستنتاج.
وعلى الرغم من أهمية طريقة السؤال وشيوع استعمالها في جميع مراحل التعليم، إلا أن من الحقائق ما لا يمكن الوصول إليها عن طريق السؤال، ولا يستطيع التلاميذ استنباطها مهما دارت الأسئلة حولها، ولا سبيل لمعرفتها إلا بتوضيحها وإلقائها عليهم من قبل المعلم.
ثالثًا: أهمية السؤال عند المربيين المسلمين المتقدمين
[ ٤٢ / ٣٥٨ ]
يبين أحد الدارسين المعاصرين أن طريقة السؤال كانت من أهم الطرق التعليمية وأكثرها شيوعًا على امتداد التاريخ الإسلامي. وأن هذا الأسلوب كان معروفًا وشائعًا لدى الصحابة والتابعين ومن أوائل من طبق هذا الأسلوب على ابن أبي طالب - ﵁ - والذي أثر عنه قوله: "العلم خزائن، ومفتاحه السؤال، فاسألوا يرحمكم الله، فإنه يؤجر فيه أربعة: السائل، والمعلم، والمستمع، والمحب لهم". وكان هذا الأسلوب شائعًا استعمله عبد الله بن عباس وشجع تلاميذه عليه، وكان يرى فيه أداة تساعد على تمييز التلاميذ ومعرفة مستوياتهم العلمية، كما استعمله الحسن البصري، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وعكرمة.وخلصت آراؤهم إلى أن المعلم إذا لم يتح للمتعلمين أن يسألوه ويسألهم ينقص علمه، ويتوقف نموه، وينتهي بهم جميعًا إلى ركود في التفكير، ومن هنا اهتموا بصياغة السؤال وحسن طرحه وقرروا أن ذلك نصف العلم".
ومن العلماء الذين أكدوا على طريقة السؤال ودعوا إلى رعايتها والاهتمام بها:
١- علي بن محمد الماوردي (٣٦٤-٤٥٠هـ):
وقد شدّد على استعمال الأسئلة، وتشجيع المتعلم على السؤال، حيث كان يرى أن كثرة السؤال فيما التبس ليست إعناتًا، وأن الأسئلة مفاتيح العلم، وأن الأحاديث النبوية تحضّ المتعلم على السؤال، وأنها جعلت حسن السؤال نصف العلم.
٢- أحمد بن علي الخطيب البغدادي (٣٩٢-٤٦٣هـ):
وقد ركزّ على أسلوبين من أساليب التعليم كان يرى أن لهما علاقة وثيقة بالاجتهاد والتحرر من التقليد، وهما: أسلوب الأسئلة، وأسلوب المناظرة.
٣- بدر الدين بن جماعة (٦٣٩-٧٣٣هـ):
وقد دعا المعلم - بعد فراغه من الدرس - أن يطرح بعض الأسئلة التي تكشف عن مدى فهم التلاميذ لما شرح، شريطة أن تنطلق هذه الأسئلة من منطلق واضح ومحدد. كما يرى أن العلم إنما يتوصل إليه بطرح المسائل، ودعا إلى حسن فهم السؤال.
٤- ابن قيم الجوزية (٦٩١-٧٥١هـ):
[ ٤٢ / ٣٥٩ ]
وقد اهتم بالسؤال وأولاه عناية كبيرة، حيث أكدّ أن الحياء من معوقات التعلم وذلك بعدم السؤال وبيّن أن العلم له ست مراتب أولها حسن السؤال.
وفي أهمية السؤال في التعلم يقول الإمام ابن القيم:
"من الناس من يحرم العلم لعدم حسن سؤاله، إما أنه لا يسأل بحال، أو يسأل عن شيء وغيره أهم منه".
٥- عبد الرحمن بن خلدون (٧٣٢- ٨٠٨ هـ):
وقد اهتم اهتماما كبيرًا بالسؤال والحوار، وكان يرى "أن أيسر طرق ملكة التعلم فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها".
فطريقة المناقشة عنده من أجدى وسائل التعلم، ولذلك أخذ على المغاربة عدم أخذهم بها في التعليم.
رابعًا: أهمية السؤال في السنة
اهتمت السنة بالسؤال اهتمامًا كبيرًا، حيث يتضح هذا الاهتمام من استخدام النبي ﷺ للسؤال وكثرة الطرق والموضوعات التي استخدمه فيها:
١- فقد استخدم النبي ﷺ أسلوب الحوار كوسيلة فاعلة ومؤثرة في تعليم أصحابه أمور دينهم وركائز عقيدتهم، وتوضيح كثير من الأمور الدينية والدنيوية التي تهمهم، ومن أمثلة ذلك: الحوار الذي جرى بين النبي ﷺ وجبريل ﵇، بطريقة مشوقة شدت انتباه الصحابة الحاضرين وهيأت عقولهم للتلقي والفهم ومتابعة الحوار من بدايته إلى خاتمته، بوعي وتركيز شديدين.
٢- كما كان ﷺ حريصًا على أن يكون أصحابه هم البادئون بالسؤال في بعض الأحيان:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "سلوني"، فجاء رجل فجلس عند ركبتيه، فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "لا تشرك بالله شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان الحديث".
ويؤخذ من هذا الحديث فوائد تربوية من أهمها:
أ) - مشروعية ترغيب المتعلمين في أن يكونوا هم السائلين، ليكون التعليم مبنيًا على رغبتهم، وليكون أشدّ وقعًا في نفوسهم.
[ ٤٢ / ٣٦٠ ]
ب) - إجراء حوار أمام المتعلمين ليتابعوا الحوار، ويتعلموا منه أمور دينهم.
وهذه الطريقة ربما كانت مقصودة بدليل قوله ﷺ في الحديث المتقدم: "هذا جبريل أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا" (١) .
٣- وقد كانت طريقة السؤال تروق أصحاب النبي ﷺ، عن أنس بن مالك ﵁، قال: "نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله ونحن نسمع الحديث".
٤- وقد استخدم أسلوب السؤال في السنة استخدامات كثيرة ومتنوعة منها ما يلي:
- تعليم المسلمين أمور دينهم، كما في حديث جبريل المشار إليه آنفًا.
- لفت أنظار المسلمين إلى بعض الأفعال التي يؤدي الوقوع فيها إلى سوء العاقبة والتي لا ينفع معها القيام بأعمال صالحة، كقوله ﷺ: "أتدرون ما المفلس؟ الحديث".
- التنبيه على بعض المفاهيم والحقائق الأساسية، وكيفية ترجمتها إلى جانب عملي مثل حقيقة الإسلام، والهجرة، وأنهما ليسا ادعاء، وإنما هما عمل وتطبيق.
عن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (٢) .
- تصحيح مفاهيم وسلوكيات خاطئة، مثل مؤازرة الإخوان، والأقارب والأصدقاء، ونحوهم في الخير والشر.
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا قالوا: يا رسول هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: "تأخذ فوق يديه" (٣) .
- غرس خصال الخير، وتشجيع العطاء والبذل لدى المسلم والتشجيع على التفكير.
_________________
(١) صحيح مسلم: ١/٤٠، باب: ٢، ح: ١٠.
(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري: ١/٥٣، كتاب الإيمان، باب: ٤، ح: ١٠.
(٣) نفس المرجع: ٥/٩٨، كتاب المظالم، باب: ٤، ح: ٢٤٤٣.
[ ٤٢ / ٣٦١ ]
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله، قال: "هي النخلة" (١) .
المبحث الثاني: مكانة السؤال في القرآن الكريم
أولًا: الحث على السؤال والترغيب فيه.
ثانيا: السؤال في قصة موسى والخضر ﵉.
تمهيد:
عني القرآن الكريم بالسؤال عناية كبيرة، فالسؤال في المنهج التربوي وسيلة من أهم وسائل التعلم، بل هو الأداة التي يتوصل عن طريقها إلى الإلمام بالحقائق والمعلومات التي يرغب المتعلمون في معرفتها، لذلك وجه القرآن إلى الانتفاع بأسلوب السؤال وحثّ عليه ورغّب فيه. وسوف نوضح في هذا المبحث الأهمية التي أولاها القرآن السؤال والمكانة التي تبوأها السؤال في ظل المنهج التربوي القرآني.
أولًا: الحث على السؤال والترغيب فيه
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)
فقد وجه القرآن الكريم كفار قريش إلى سؤال علماء التوراة والإنجيل عن حقيقة إرسال الله رسلًا من البشر عندما استعظموا ذلك وأنكروا أن يرسل الله بشرًا،فكان سؤال أهل العلم والاختصاص وسيلة استخدمها القرآن لتثبيت حقيقة إيمانية، وترسيخها في النفوس، فلا يتطرق إليها الشك بعد ذلك
وفي استعمال السؤال في التعلم، والانتفاع بسؤال أهل الخبرة والمعرفة، يقول أحد الدارسين: "من الأدبيات القرآنية المهمة في مجال العلم وجوب الرجوع إلى أهل الخبرة في كل علم وفن، وسؤال أهل الذكر في كل موضوع، فهم الذين يستطيعون أن يحلوا العقد، ويعالجوا العضل من المسائل والعويص من القضايا".
_________________
(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري: ١/١٤٥، كتاب العلم، باب: ٤، ح: ٦١.
(٢) سورة النحل: آية: ٤٣.
[ ٤٢ / ٣٦٢ ]
وقد استعمل السؤال في القرآن لزيادة طمأنة الرسول ﷺ بشأن نبوته ورسالته وذلك بسؤال أهل التوراة والإنجيل عن وجود هذه الحقيقة في كتبهم. قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١) .
ومرة ثالثة يوجه القرآن الكريم إلى أخذ الحقائق من أهلها العارفين بها ويكون أقرب الطرق وأصدقها في ذلك هو السؤال، قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٢) .
ثانيًا: السؤال في قصة موسى والخضر ﵉
لقد كان السؤال في هذه القصة من أهم طرق التعلم ووسائله، وقد حقق السؤال الكثير من الفوائد والإيجابيات، نبين بعضها في هذا الجزء من البحث، ونبين البعض الآخر في مكانها المناسب من البحث.
وقد تكرر استعمال السؤال مرات عديدة في هذه القصة، وكان استعماله فيها جميعها استعمالًا راشدًا وموفقًا
_________________
(١) سورة يونس: آية: ٩٤.
(٢) سورة الفرقان: آية: ٥٨، ٥٩.
[ ٤٢ / ٣٦٣ ]
١- فقد استخدم نبي الله موسى ﵇ السؤال ليعرف مكان الخضر ﵇ ويتعلم منه، روى الإمام البخاري عن ابن عباس - ﵄ - أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فمرّ بهما أُبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ فقال أُبي: نعم سمعت النبي ﷺ يذكر شأنه يقول: "بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: أتعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال موسى: لا فأوحى الله ﷿ إلى موسى: بلى عبدنا خضر. فسأل السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه الحديث".
٢- كما استخدم ﵇ السؤال في اتباعه الخضر والتعلم منه، قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (١) قال الإمام القرطبي في تفسير الآية: "هذا سؤال الملاطف المستنزل المبالغ في حسن الأدب، والمعنى هل يتفق لك ويخف عليك". وقد استخدم نبي الله موسى ﵇ السؤال هنا لتحقيق أغراض منها: الاتباع، والتعلم الراشد.
٣- إن طلب الخضر من نبي الله موسى أن لا يسأله عن شيء حتى يبينه له، يدل على أن السؤال من الوسائل الأولية والهامة لمعرفة أسباب القيام ببعض الأمور التي لا يرى لها حكمًا ظاهرة، فيكون السؤال من أهم أسباب اجتلاء كنهها، ومعرفة أسرارها وخفاياها.
_________________
(١) سورة الكهف: آية: ٦٦.
[ ٤٢ / ٣٦٤ ]
٤- إن السؤال هو الوسيلة الوحيدة التي استخدمها نبي الله موسى ﵇ للتعبير عن إنكاره لما جرى أمام عينيه من تعدٍّ وظلم، كما كان ظاهر ما حدث، وذلك كما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْس﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (٣) .
٥- إن أسئلة نبي الله موسى المتكررة هي التي جعلت الخضر ﵇ لا يجد مناصًا من تبيين حكمة ما فعل لموسى ﵇، وهذا يدل على فاعلية السؤال وقوة تأثيره في القصة، إذ أثمر معرفةً وفهمًا وتفسيرًا لأمور كانت أسبابها غير معروفة وغير ظاهرة للعيان.
٦- إن التزام المتعلم بعدم سؤال المعلم فيما لا يجب أن يسأل فيه من الأسباب المؤدية إلى استمرار العلاقة بين المعلم والمتعلم وقوتها، فالاستخدام الحكيم للسؤال يدل على أهمية السؤال في تحقيق الهدف المتقدم وغيره من الأهداف التعليمية والتربوية الإيجابية.
المبحث الثالث: آداب السؤال لدى المتعلمين
(١) - احتمال عناء السؤال.
(٢) - الحرص على السؤال والتعلم.
(٣) - التلطف في السؤال.
(٤) - السؤال عن العلم النافع.
(٥) - التريث وعدم الاستعجال في السؤال.
(٦) - حسن السؤال.
(٧) - الاعتذار إلى المعلم عند سؤاله فيما لا يرغب أن يسأل فيه.
(٨) - أن يقيم المتعلمون مناقشتهم معلمهم على الأدلة والبراهين.
(٩) - عدم السؤال عن الحقائق بغرض التشكيك فيها والاستهزاء بها.
تمهيد
_________________
(١) سورة الكهف: آية:٧١.
(٢) سورة الكهف: آية: ٧٤.
(٣) سورة الكهف: آية: ٧٧.
[ ٤٢ / ٣٦٥ ]
يعدّ السؤال من أهم وسائل بناء الجانب التعليمي لدى المتعلم، فعن طريق السؤال يستطيع المتعلم أن ينمي هذا الجانب، وذلك بما يضيفه إليه من خبرات تعليمية عديدة ولكن استخدام السؤال من قبل المتعلم لتحقيق الهدف المتقدم لا يمكن أن يتحقق ما لم يلتزم المتعلم بضوابط ومعايير يتحقق في ضوء التمسك بها ذلك الهدف، لذلك أرشد المربون والمختصون في مجال التربية التعليم إلى ضرورة التزام المتعلم بتلك الضوابط والمعايير والتمسك بها من أجل تحقيق ما يطمح إليه.
ولقد سبق القرآن الكريم إلى تنبيه المتعلم إلى تلك الضوابط والمعايير، وتوجيهه إلى ضرورة التحلي بها وجعلها أساسًا ومنطلقًا لنشاطاته التعليمية، ومن أهم ضوابط وآداب السؤال التي أرشد إليها القرآن الكريم ما يلي:
(١) - احتمال عناء السؤال:
وقد قص علينا القرآن الكريم قصة رحلة نبي الله موسى ﵇ وتحمله المشقة والتعب من أجل الالتقاء بالخضر ﵇ والتعلم منه. ومما هو جدير بالذكر هنا أن سبب هذه الرحلة كان السؤال، فسؤال بني إسرائيل موسى ﵇ أي الناس أعلم كان سبب خروجه وطلبه ملاقاة الخضر وقد احتل السؤال مكانًا بارزًا في القصة: مرة عند سؤال موسى ﵇ الخضر أن يسمح باتباعه يتعلم منه، ومرات عند سؤاله عما كان يقوم به من أفعال لم تكن حكمتها ظاهرة لديه.
[ ٤٢ / ٣٦٦ ]
وإذا كان السؤال يكلف صاحبه عناءً ومشقةً، إلا أن فيه فوائد جليلة ومنافع عظيمة. قال الإمام القرطبي: "في هذا - أي في رحلة موسى إلى الخضر ﵉ - من الفقه: رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم. واغتنام لقاء الفضلاء وإن بعدت أقطارهم، وذلك كان دأب السلف الصالح، وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح، وحصلوا على السعي الناجح، فركزت لهم في العلوم أقدام، وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام". وقال الزجاج: "فيما فعل موسى وهو من جملة الأنبياء من طلب العلم والرحلة في ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم وإن كان قد بلغ نهايته".
وقال الشيخ السعدي: "في هذه القصة - قصة موسى والخضر - فضيلة العلم والرحلة في طلبه وأنه أهم الأمور، فإن موسى - ﵇ - رحل مسافة طويلة ولقي النصب في طلبه، وترك القعود عند بني إسرائيل لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك".
(٢) - الحرص على السؤال والتعلم
[ ٤٢ / ٣٦٧ ]
وقد وجه القرآن الكريم المتعلمين إلى الحرص على السؤال والتعلم حتى لو كان من يتعلم منه أقل فضلًا ممن يتعلم، فنبي الله موسى ﵇ كان حريصًا على التعلم من الخضر مع كونه أفضل من الخضر، قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (١) قال الإمام الرازي: "إن موسى ﵇ مع كثرة علمه وعمله وعلو منصبه واستجماع موجبات الشرف التام في حقه، ذهب إلى الخضر لطلب العلم وتواضع له". وقال الإمام الشوكاني: "في الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب، وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى، فقد يأخذ الفاضل عن الفاضل، وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية والقضاء بظاهرها، وكان علم الخضر علم بعض الغيوب ومعرفة البواطن". وقال الشيخ السعدي: "ومن فوائد الآية: تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه، فإن موسى بلا شك أفضل من الخضر". وقال: "كان موسى أعلم من الخضر بأكثر الأشياء، وخصوصًا في العلوم الإيمانية والأصولية، لأنه من أولي العزم من المرسلين الذين فضلهم الله على سائر الخلق بالعلم والعمل وغير ذلك".
(٣) - التلطف في السؤال
ومن آداب المتعلم التلطف والتواضع والاستئذان عند سؤال المعلم، وقد كان نبي الله موسى في غاية التلطف عند سؤال الخضر في اتباعه والتعلم منه، قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (٢) .قال الإمام الشوكاني في تفسير الآية: "في هذا السؤال ملاطفة ومبالغة في حسن الأدب، لأنه استأذنه أن يكون تابعًا له على أن يعلمه مما علمه الله من العلم".
وفي الآداب التي اشتملتها الآية يقول الإمام الرازي:
_________________
(١) سورة الكهف: آية: ٦٦.
(٢) سورة الكهف: آية: ٦٦.
[ ٤٢ / ٣٦٨ ]
"اعلم أن هذه تدل على أن موسى ﵇ راعى أنواعًا كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر، فأحدها أنه جعل نفسه تابعًا له لأنه قال ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾، وثانيها أنه استأذن في إثبات هذه التبعية، فإنه قال هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعًا لك وهذا مبالغة عظيمة في التواضع".
وقال الإمام ابن القيم: "كان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يلطف لابن عباس في السؤال، فيعزه بالعلم عزًا".
وقال ابن جريج: "لم أستخرج العلم الذي استخرجت من عطاء إلا برفقي به". ويرى بدر الدين بن جماعة أن على المتعلم: "أن يحسن خطابه مع الشيخ بقدر الامكان، ولا يقول له لم؟ ولا نسلم، ولا من نقل هذا؟ وأين موضعه؟ وشبه ذلك، فإن أراد استفادته تلطف في الوصول إلى ذلك".
(٤) - السؤال عن العلم النافع
والعلم النافع هو العلم الذي يهدي إلى الحق والخير والصواب والهدى، "فكل علم يكون فيه علم وهداية لطريق الخير، وتحذير عن طريق الشر أو وسيلة لذلك، فإنه من العلم النافع، وما سوى ذلك فإما أن يكون ضارًا أو ليس فيه فائدة".
وينبغي للمتعلم ألا يسأل عما لا فائدة عملية أو مصلحة حقيقية ترجى من ورائه لأن ذلك لا يعود عليه بفائدة في دينه أو دنياه، وقد ذكر القرآن أنواعًا من الأسئلة بعضها عن المشركين، مثل: السؤال عن الساعة، وبعضها عن اليهود مثل: السؤال عن الروح وهي أسئلة لا ثمرة لها، لذلك كان الجواب أن ذلك من أمر الله ولا يعلمه سواه.
قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٢) .
(٥) - التريث وعدم الاستعجال في السؤال
_________________
(١) سورة الأعراف: آية: ١٨٧.
(٢) سورة الإسراء: آية: ٨٥.
[ ٤٢ / ٣٦٩ ]
وهو من الآداب الضرورية والهامة للمتعلم، إذ كثيرًا ما تأتي اعتراضات المتعلمين ومناقشاتهم وسؤالاتهم نتيجة التعجل وعدم التثبت، أو عدم فهم مراد المعلم وقصده، قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (١) قال القاضي أبو السعود في تفسير الآية: "قوله تعالى: ﴿فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ تشاهده من أفعالي أي لا تفاتحني بالسؤال عن حكمته فضلًا عن المناقشة والاعتراض ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي حتى أبتدأ ببيانه، وفيه إيذان بأن كل ما صدر عنه فله حكمة وغاية حميدة البتة، وهذا من أدب المتعلم مع العالم".
ويقول الشيخ السعدي: "من فوائد الآية: التأني والتثبت وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء حتى يعرف ما هو المراد منه وما هو المقصود".
(٦) - حسن السؤال
وقد سبق أن ذكرنا قول بعض السلف أن حسن السؤال نصف العلم، وقول ابن القيم: "إن أول مراتب العلم حسن السؤال، وإن من الناس من يحرم العلم لعدم حسن سؤاله".
وقد دعا القرآن الكريم إلى حسن السؤال والبعد عن الأسئلة السيئة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ (٢) وقد ذكر العلماء عديدًا من صور السؤال المجانبة لحسن المسألة، والتي منها ما يلي:
(أ) - السؤال عما لا يعني السائل.
(ب) - المسائل التي نزلت فيها قول الله عزوجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ .
_________________
(١) سورة الكهف: آية:٧٠.
(٢) سورة المائدة: آية: ١٠١، ١٠٢.
[ ٤٢ / ٣٧٠ ]
(ج) - الإكثار من تفريع المسائل، ومن ثم كره جماعة من السلف السؤال عما لا يقع، لما يتضمن من التكلف في الدين، والتنطع، والرجم بالظن من غير ضرورة. وعن الزهري قال: "بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان، حدث فيه بالذي يعلم والذي يرى، وإن قالوا: لم يكن، قال: فذروه حتى يكون" "وعن عبادة بن نسي الكندي وسئل عن المرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي، فقال: أدركت أقوامًا ما كانوا يشددون تشديدكم ولا يسألون مسائلكم".
(د) - السؤال عما لا فائدة فيه
قال الحافظ بن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ هذا تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها".
(هـ) - السؤال عما يسوء وتشق إجابته
قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها، فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث: "إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته" (١) .
(و) - السؤال على سبيل الاستهزاء والعناد
كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ (٢) أي قد سأل هذه المسائل المنهي عنها قوما من قبلكم، فأجيبوا عنها، ثم لم يؤمنوا بها، فأصبحوا بها كافرين، أي بسببها أن بينت لهم، فلم ينتفعوا بها، لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، بل على وجه الاستهزاء والعناد".
(ز) - الأسئلة التعجيزية
_________________
(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري: ١٣/٢٦٤، كتاب الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال، ح: ٧٢٨٦.
(٢) سورة المائدة: آية: ١٠٢.
[ ٤٢ / ٣٧١ ]
التي يراد منها إظهار عدم قدرة المعلم على الإحاطة والإلمام بضروب المعرفة، وقد سأل اليهود النبي ﷺ عن أصحاب الكهف للحكم على صدق نبوته في ضوء إجابته ولكن الله أنزل وحيه على نبيه مجيبًا إياهم عن أسئلتهم التي سألوها، ومع ذلك فقد ذكر بعض المفسرين أن النبي ﷺ لا يلزمه أن يكون عالمًا بجميع القصص والأخبار كما أن ذهاب نبي الله موسى إلى الخضر ليتعلم منه يدل على المعنى ذاته.
وفي البعد عن هذا النوع من الأسئلة يقول الإمام ابن القيم:
"إذا جلست إلى عالم فسل تفقهًا لا تعنتًا".
(٧) - الاعتذار إلى المعلم عند سؤاله فيما لا يرغب أن يسأل فيه
قال تعالى: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ (١) .
فقد يرغب بعض المعلمين في تأجيل الأسئلة إلى آخر الدرس، أو عدم السؤال عن أمور بعينها، أو عدم السؤال فيما لا علاقة له بالدرس، أو نحو ذلك، وينبغي للمتعلم أن يحترم رغبة المعلم في ذلك، وإذا بدر منه خلاف ما وجه إليه المعلم، فعليه أن يسارع بالاعتذار والتعهد بعدم تكرار ذلك، وقد وجه القرآن المتعلمين إلى هذا الأدب الرفيع من خلال قصة موسى والخضر ﵉، فقال تعالى: ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (٢) . إن على المتعلم أن يسأل في الوقت المناسب، وفي الحال المناسب، ولا يكثر من الأسئلة فيما لا طائل تحته.
(٨) - أن يقيم المتعلمون مناقشتهم معلمهم على الأدلة والبراهين
_________________
(١) سورة الكهف: آية: ٧٦.
(٢) سورة الكهف: آية: ٧٣.
[ ٤٢ / ٣٧٢ ]
وليس على مجرد الظن، فالمناقشة السليمة هي التي تبنى على الدليل، أما المناقشة التي تبنى على عدم المعرفة بموضوع النقاش فلا تقبل من المتعلم، وهكذا كان التوجيه الرباني لنوح ﵇ عندما ذهب يسأل ربه الرحمة بابنه، قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) .
وهكذا يقرر القرآن الكريم أن المعرفة بالحقائق والمعلومات شرط أساسي لمناقشتها، لذلك يجب على المتعلم أن يكون على معرفة وفهم وإلمام بما يناقش فيه معلميه.
(٩) - عدم السؤال عن الحقائق بغرض التشكيك فيها أو الاستهزاء بها
وذلك لأن الحقائق لا تقبل التشكيك فيها والاستهزاء بها، كحقائق الإسلام، وما ثبت من حقائق العلم، وإنما تؤخذ مأخذ اليقين والتسليم والإذعان، وإن التشكيك في الحقائق أو الاستهزاء بها يعد تفريطًا في أدب هو من أعظم آداب المتعلم.
وقد بين القرآن الكريم أن التشكيك في الحقائق هو من شأن الكافرين، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ (٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: "أي يقول: متى يكون يوم القيامة؟ وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه وتكذيب لوجوده".
ومن ثم يتضح أن القرآن الكريم يوجه طالب العلم المسلم إلى احترام الحقائق والتسليم بها وعدم التشكيك فيها أو استبعاد وقوعها وحدوثها.
_________________
(١) سورة هود: آية: ٤٥-٤٧.
(٢) سورة القيامة: آية: ٦.
[ ٤٢ / ٣٧٣ ]