تابع لمنهج الملك الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود
الفصل الثاني
وسائل تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة عند الملك الإمام عبد العزيز آل سعود - ﵀ -.
ترتبط المقاصد الكبرى بوسائلها العظمى – كمًا وكيفًا – ويتفاضل رواد الإصلاح على قدر نجاحهم في تحقيق أهدافهم المرسومة، وخططهم المحددة، دون تنازل عن ثوابتهم ومبادئهم، ولا يغيب عن الذهن، أن قيام فرد واحد ببناء أمة وإصلاح شعب وتوحيد فئات متناحرة، مهمة في غاية المشقة والخطورة، لا يستطيعها إلا القلة الأكفاء، الذين ألهمهم الله التوفيق وأخذ بأيديهم وسدد خطاهم، فحققوا ما عجز عنه غيرهم، وبنوا ما هدمه خصومهم، ولا مست جهودهم شغاف القلوب ومشاعر الوجدان، ووقعت في حياة الناس موضع الشفاء للمريض المضنى، والري للناهل الصادي، ويأتي في طليعتهم في هذا العصر الحديث الملك الإمام عبد العزيز آل سعود – ﵀ – الذي استخدم ما وقع تحت يديه من الوسائل المتاحة والمباحة شرعًا لتحقيق ونبذ الفرقة بين مواطنيه، وأبناء جلدته ومن أهمها:
المبحث الأول: الجهاد في سبيل الله:
[ ٤١ / ٤٦٥ ]
اقتضت ضرورة المرحلة، إلزام الملك عبد العزيز – ﵀ – اقتحام لجج المخاطر ولجب المهالك، وركوب الصعب والذلول، لإزالة العقبات الصادة والسدود المانعة أمام الكبرى، مما ليس منه بد فقد بدأ بقوة صغيرة – زهاء أربعين رجلًا – خرج بهم من الكويت على حين غفلة من أعين أعداءه وهو لا يشك أبدًا في نجاح أعدائه مهمته، المتمثل في إزالة رمز سلطة ظالمة، وطغمة حاكمة، أطبقت بكلكلها على رقاب العباد، ولم تراع حرمة، أو تحفظ حقًا؛ وبمجرد أن سمع الناس صوت الصارخ بعد فتح الرياض الملك لله ثم لعبد العزيز – إلا وانعطفوا إليه انعطاف الأم الرؤوم على ابنها المفقود، وأقبلت الرياض بعلمائها وأعيانها فرحين مستبشرين، بعهد جديد، طال انتظاره، ولما عظمت مسؤولية التحدي أمام جهود الملك الإمام، وأقبلت قوى الشر بقضها وقضيضها، اضطر إلى مقابلة القوة بمثلها على قدر استطاعته وإمكانياته، يقول الأمير نايف بن عبد العزيز – حفظه الله – عن الملك الإمام: "لم يثن عزيمته، قلة ما معه من عتاد ولا تردد في إنفاذ مسيرته الفذة، رغم قلة العدد من الرجال، ولا توقع الاستحالة في اجتياز الفيافي والجبال، بل اندفع بقوته وقدراته المحدودة مستمدًا العون من الله الذي آزره وقواه – من إرادته حتى واجه التحديات المختلفة، وفرق الخصوم والحشود بلا تردد ولا خوف" [١] ولم يكن ذلك حبًا في الحرب، وتعلقًا بها حيث قال: "لست من المحبين للحرب وشرورها وليس أحب إلي من السلم والتفرغ للإصلاح" [٢] . مما يدل على أن الحرب كانت ضرورة، دفع إليها دفعًا، ولم يلجأ إليها إلا بعد استنفاذ كافة الوسائل.
[ ٤١ / ٤٦٦ ]
يقول الملك فيصل -﵀-: "وهو يتوخى حل المشكلات بالسلم، كما أنه يتسامح مع خصومه، واسع الصدر، لا يدخر وسعًا في استخدام المرونة، ووسائل اللين، ولا يلجأ إلى الشدة حتى يستنفذ هذه الوسائل" [٣] . ولكنه لا يتردد في استخدام القوة إذا تعرضت العقيدة والوطن إلى المخاطر يقول -﵀-: "عندي أمران لا أتهاون في شيىء منهما ولا أتوانى في القضاء على من يحاول النيل منهما ولو بشعرة.
الأول: كلمة التوحيد، لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله وبارك عليه، إني والله وبالله وتالله أقدم دمي ودم أولادي وكل آل سعود فداء لهذه الكلمة.
[ ٤١ / ٤٦٧ ]
الثاني: هذا الملك الذي جمع الله به شمل العرب بعد الفرقة وأعزهم به بعد الذلة، وكثرهم بعد القلة فإني كذلك لا أدخر قطرة من دمي في سبيل الذود عن حياضه" [٤]، ومن أجل ذلك أعد جيشًا قويًا على عينه، ورباهم على نهجه، حتى خلصت نفوسهم من الشوائب وقدموا أرواحهم عند النوائب، يبتغون نصرة الدين الحق وسماهم جنود التوحيد يقول ﵀: "إن ورائي ما لا يقل عن أربعمائة ألف مقاتل، إن بكيت بكوا، وإن فرحت فرحوا، وإن أمرت نزلوا على أرائي، وإن نهيت انتهوا، وهؤلاء هم جنود التوحيد" [٥] وبهذا الوصف الدقيق لجيشه، واجه قوى الشر وأعداء الوحدة، وقد تعرض ﵀ للأخطار، وأصيب في جسده مرات عدة، ولم يثنه ذلك عن هدفه يقول ﵀: "لقد أوذينا في سبيل الدعوة إلى الله وقوتلنا قتالًا شديدًا، ولكنا صبرنا وصمدنا" [٦] ولم تزل ندب الجراح باقية في جسده شاهدة على تلك المعاناة الملحمية يقول أحد وزرائه: "خاض عبد العزيز أكثر من مائة معركة، ولما مات وجدوا على جسمه ثلاثًا وأربعين ندبة وأثر جرح" [٧] ولكنه خرج من هذه جميعًا منتصرًا بفضل الله تعالى ثم إيمانه العميق بنصر الله وعدالة قضيته المتمثلة في جمع أمته وإقامة شريعة الله وتحكيمها بها ونشر الدعوة الإسلامية يقول ﵀: "إن ربي لم يعطني ما أعطاني من قوة مني بل أعطاني ما أعطانيه عن ضعف مني وقوة منه، اعتدت أن أحزم أمري وأجمع ما استطيع جمعه من قوة وأحيانًا يفوتنا النصر مع القوة الكبيرة، حتى إذا قل عددنا، وكاد اليأس يقرب من القلوب هدانا الله إلى الطريق التي نسلكها للنصر، فيفتح لنا لنعلم أن النصر من عنده يؤتيه من يشاء" [٨] .
المبحث الثاني: إقامة الدولة المسلمة:
[ ٤١ / ٤٦٨ ]
لا ينكر بحال أثر السلطان الصالح في استتباب الأمن، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوحيد صفوف الأمة في منظومة واحدة، توثق فيها عرى الأخوة والمودة بين أفراد الوطن الواحد، وليس من شك أن تأليف القلوب واجتماعها على إمام واحد يسوس الأمة بالكتاب والسنة، من أجل نعم الله بركة، وأكثرها نفعًا وخيرًا لا يقتصر فضلها على فرد، أو يخص قومًا دون قوم، بل يسري تأثيرها إلى الحياة برمتها، فيحفظ الله بالسلطان الصالح ما ضاع من الحقوق، وما ضيع من الواجبات وما انتهك من الحرمات، وما انخرم من العهود والمواثيق، اتفاقًا مع الاجتماع البشري الذي لا يقوم أوده، وينسق أمره على الفوضى السياسية، والتشرذم الاجتماعي والتقاتل الفئوي، الذي من مفرزاته المشئومة الحروب الأهلية المبددة للطاقات والمنزعة في سفك الدماء، وانتهاك الحرمات ولا سيما في بلاد مترامية الأطراف كحال جزيرة العرب، مما دفع الملك الإمام عبد العزيز – ﵀ – إلى إقامة دولة مسلمة ذات شوكة، يقودها إمام مسلم، تتوفر فيه شروط وآداب الإمامة والإمارة الشرعية، تكون سياسته بلسمًا شافيًا لأدواء المجتمع ومفتاحًا لأمان الوطن، ونبراسًا للإشعاع الحضاري، ومظلة للهداية وتحكيمًا لشرع الله على نحو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [٩] طبق الملك الإمام مضمون هذه الآية الكريمة، وأصل منطوقها في النظام الأساسي للحكم بعد إعلان دولته كما ورد نصه:
[ ٤١ / ٤٦٩ ]
"الدولة دولة ملكية شورية إسلامية – مستقلة في داخلها وخارجها، إدارة المملكة بيد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل وهو مقيد بأحكام الشرع، جميع أحكام المملكة تكون منطبقة على كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه الصحابة والسلف الصالح" [١٠] فقامت دولته المباركة على نهج السلف الصالح، أخذت على عاتقها نشر الإسلام الصحيح، وكان الملك الإمام ينوه بذوي الكفاءات الفاعلة والعاملة لخدمة الإسلام والمسلمين قائلًا: "إني أفتخر بمن خدم الإسلام والمسلمين، وأعتز بهم، بل أخدمهم، وأعطيهم وأساعدهم، وإنني أمقت كل من يحاول الدس على الدين، وعلى المسلمين، ولو كان من أسمى الناس مقامًا وأعلاهم مكانةً" [١١] .
وبهذه الرؤية النورانية الواضحة أقام الملك الإمام دولته السعودية السلفية والتي تدرج في إعلانها مراعيًا الظروف المناسبة لاكتمالها، وتحرير كامل أرضها، من براثن الفرقة، وعوامل التجزئة، وأسباب الخلاف والكراهية، ولم تلبث أن شقت طريقها نحو المجد والعلياء بخطى ثابتة جامعة بين الانفتاح على الجديد النافع واستيعابه والتكيف معه باستقلالية متميزة، والمحافظة في الوقت نفسه على شخصيتها وتراثها انطلاقًا من دستورها الشرعي الصالح لكل زمان ومكان، وأضحت -بفضل الله- رائدة العالم الإسلامي أجمع، تشرئب إليها الأعناق وتتعلق بها الأفئدة، محتضنة لمؤسسات ومنظمات إسلامية فاعلة حملت على كاهلها هموم العالم الإسلامي وقضاياه.
المبحث الثالث: نشر العلم:
[ ٤١ / ٤٧٠ ]
إن إدراك الحقائق الماثلة، والتعامل معها بوعي مستنير، مسلك حضاري ومظهر إيماني، ينم عن عقلية متزنة، وفهم بصير، وعند الإخلال بهذه المعطيات، ينفرط عقد الحقيقة، وتغيب وسط دياجير الغفلة وحوالك الظلم المفضي إلى الخلافات المستعصية، والثارات الدائمة، والخلاف المتكلف الممجوج، ولقد حرص الملك الإمام عبد العزيز – ﵀ – منذ خطواته الأولى نحو الوحدة ونبذ الفرقة، على إنارة العقل العربي، وتزويده بمدارك الفهم والعلم على أسس متينة، وثوابت علمية، حيث أدرك بثاقب بصره، ونور بصيرته، وسداد رأيه، أن أكثر ما يعانيه مواطنوه – قبل الوحدة – من انحراف عقدي وصراع قبلي، وتخلف اقتصادي يرجع إلى مكنة الجهل في صدورهم، والفراغ في عقولهم، والقسوة في قلوبهم، فعالج – ﵀ – كل ذلك بالقيام بحركة علمية واسعة النطاق، في طول البلاد وعرضها، وفق منظومة مترابطة الحلقات، فكلف الدعاة، وشجع العلماء، وعين القضاة، وبثهم في البلاد هداة مرشدين، وأساتذة مبجلين، لاجتثاث الجهل من جذوره، وتوطين العلم في أصوله، ومحاصرة الغفلة في مكمنها، وإخراجها من قمقمها، رغم ضيق ذات اليد، ولم يلبث حتى خرج من رعيته علماء محققون وفقهاء مدققون، ومتخصصون في جميع المجالات، وقامت في عصره نواة نهضة علمية مباركة أذكى جذوتها، وأشعل أوارها، أبناؤه البررة من بعده وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – الذي تولى وزارة المعارف في بداية تأسيسها.
وكان الملك الإمام – ﵀ – يزور بنفسه مدارس العلم ويشجع الطلبة على التزود بالعلم والتحصيل، ومن ذلك قوله: "أبنائي، إن من كان فيكم، من بيت رفيع، فليحرص على أن لا يكون سببًا في خفضه، ومن كان منكم، من بيت آخر فليبني لنفسه مجدًا فقد منّ الله عليكم وأرشدكم إلى طريق الخير فاعلموا فلعلمكم منتظرون" [١٢] .
[ ٤١ / ٤٧١ ]
وقد بلغ عدد المدارس المختلفة بمراحلها في عهد الملك الإمام وبالتحديد في سنة ١٣٧٣هـ ٣٢٦ مدرسة، و١٦٥٢ مدرس و٤٣٧٢٤ طالب [١٣] هذا عدا الحلقات العامة في المساجد، والرحلات الدورية للعلماء، فضلًا عن المرشدين المستوطنين في سائر القرى والأرياف والأقاليم والذين عينهم الملك الإمام، بحيث لا توجد قرية دون مدرس أو معلم وخير مثال يضرب في هذا المجال، ما قدمه الملك الإمام من تشجيع ومساعدة وعون للشيخ الداعية (القرعاوي) –﵀-، في سبيل نشر العلم والمعرفة في جنوب المملكة حيث بلغت المدارس ٢٨٠٠ مدرسة وبلغ عدد الطلبة ١٧٥ ألف طالب منهم ١٥ ألف طالبة [١٤] ولم يقتصر اهتمامه بنهضة شعبه ورقيه فحسب بل دعا إلى نهضة العرب، ولزوم أخذهم بالأسباب المدنية، إذ يرى أن العلم سبيل حتمي لنهضة العرب والمسلمين، ولا مندوحة من الدخول من بابه، والعكوف في محرابه يقول ﵀: "إذا نهض العرب مرة أخرى، وأخذوا بقسطهم العلمي في سائر العلوم المادية، فإنهم لا يأتون ببدعة، بل يعتبرون محيين لعهد آباءهم، الذين ملكوا ناصية العلم حقبة من الزمن وقدموا خدمات لا تنكر" [١٥] .
وجاءت دعوته للعلم، بريئة من نفثات الفكر العلماني، الذي عشى نظر وعقول كثير من الأدباء والمفكرين من أبناء العرب إذ يقول -﵀- ردًا عليهم: "يقولون إن المسلمين في تأخر وبحثوا ليجدوا طريقة لتقدم المسلمين، فما وجدوا طريقة أمامهم، إلا أن يقلدوا الأوربيين، فيما لم يكن سببًا لقوتهم ومنعتهم بل قلدوهم فيما يخالف ما ينتسب إليه المسلم" [١٦] .
المبحث الرابع: عقد المؤتمرات:
[ ٤١ / ٤٧٢ ]
لا ينكر بحال، أثر تبادل الآراء، وغربلتها في استخلاص النتائج الصحيحة والسلامة من عثرات الرأي الفطير الذي يؤدي دائمًا إلى النتائج العكسية، ولا جرم أن اجتماع ذوي الرأي والمشورة مفتاح كل المعضلات، وتفادي كثير من الأزمات، التي مردها الانغلاق والاعجاب بالذات، ولم تغب هذه الحقائق عن ذهن الملك الإمام عبد العزيز – ﵀ – الذي مرت جهوده نحو الوحدة، ونبذ الفرقة بعدد من المشكلات المتكررة، مما حمله إلى دعوة أهل الحل والعقد عند ظهور بوادر أزمة أو استفحالها، جمعًا للقلوب، ودفعًا للشبهات والأراجيف والدعايات الكاذبة، ومن أول تلك المؤتمرات ما تم في سنة ١٣٢٠هـ. حين حضر العلماء وكبار رجالات الرياض وأعيانها بعد صلاة الجمعة وأعلن فيه الإمام عبد الرحمن الفيصل – ﵀ – نزوله عماله من حقوق الإمارة لكبير أبنائه عبد العزيز، وأهدى إليه سيف سعود الكبير، نصله ومنصبه محلاة بالذهب وقرابه مطعمة بالفضة، وفي سنة ١٣٤٥هـ دعا الملك الإمام إلى مؤتمر لزعماء الإخوان عقده في الرياض، شرح فيه سياسته ومنهجه في الاصلاح، ورد فيه على جميع الشبهات والأكاذيب فوصف نفسه بأنه خادم الشريعة، والمحافظ عليها، وأنه هو الذي يعهدونه من قبل لم يتغير كما يتوهم بعض الناس، ولا يزال ساهرًا على مصالح العرب والمسلمين. وفي سنة ١٣٤٧هـ. دعا إلى مؤتمر في الرياض حضره ٣٤٧ من العلماء والزعماء، ورؤساء الحواضر والبوادي، عدا من انضم إليهم من كبار رجالاتهم حتى قدر عدد الجميع بثمان مائة، وافتتح المؤتمر في جمادى الأولى بخطبة ارتجلها قال فيها: "أيها الإخوان، تعلمون عظم المنة التي منّ الله بها علينا بدين الإسلام إذ جمعنا بعد الفرقة، وأعزنا به بعد الذلة، واذكروا قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [١٧] الآية، إن شفقتي عليكم وعلى ما منّ الله به علينا، خوفي من تحذيره ﷾ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
[ ٤١ / ٤٧٣ ]
لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [١٨] كل هذا دعاني لأن أجمعكم في هذا المكان لتذكروا.
أولًا: ما أنعم الله به علينا، فنرى ما يجب عمله لشكران هذه النعمة.
ثانيًا: لأمر بدا في نفسي وهو أني خشيت أن يكون في صدر أحد شيىء يشكوه مني أو أحد من نوابي وأمرائي بإساءة كانت عليه، أو يمنعه حقًا من حقوقه، فأردت أن أعرف ذلك منكم، لأخرج أمام الله بمعذرة من ذلك، وأكون قد أديت ما عليّ من واجب.
ثالثًا: لأسألكم عما في خواطركم، وما لديكم من الأراء مما ترونه يصلحكم في أمر دينكم ودنياكم.
أيها الإخوان إن القوة لله جميعًا، وكلكم يذكر أنني يوم خرجت عليكم كنتم فرقًا وأحزابًا، يقتل بعضكم بعضًا، وينهب بعضكم بعضًا وجميع ولاة أمركم من عربي أو أجنبي كانوا يدسون لكم الدسائس، لتفريق كلمتكم، وإضعاف قوتكم لذهاب أمركم، ويوم خرجت كنت محل الضعف، وليس لي من عضد ومساعد إلا الله وحده، ولا أملك من القوة إلا أربعين رجلًا تعلمونهم، ولا أريد أن أقص عليكم ما من الله به عليّ من فتوح، ولا بما فعلت من أعمال معكم كانت لخيركم، لأن تاريخ ذلك منقوش في صدر كل واحد منكم وأنتم تعلمونه جميعًا، وكما قيل السيرة تبين السريرة. إنني لم أجمعكم اليوم خوفًا أو رهبة من أحد منكم، فقد كنت وحدي قبل ذلك، وليس لي مساعد إلا الله، فما باليت الجموع، والله هو الذي نصرني، إنما جمعتكم كما قلت لكم خوفًا من ربي، ومخافة من نفسي أن يصيبها زهو أو استكبار، جمعتكم هنا لأمر واحد، ولا أجيز لأحد أن يتكلم هنا في غيره، ذلك هو النظر في أمر شخصي وحدي، فيجب أن تجتنبوا في هذا المجلس الشذوذ عن هذا الموضوع، أما الأشياء الخارجية عن هذا، فسأعين لكم اجتماعات خاصة وعامة للنظر فيها.
[ ٤١ / ٤٧٤ ]
أريد منكم أن تنظروا أولًا فيمن يتولى أمركم غيري، وهؤلاء أفراد الأسرة أمامكم فاختاروا واحدًا منهم تتفقون عليه، وأنا أقره وأساعده، وكونوا على يقين أني لم أقل هذا القول استخبارًا، لأنني ولله الحمد، لا أرى لأحد منكم منة عليّ في مقامي هذا، بل المنة لله وحده، ولست في شيىء من مواقف الضعف. لا يحملني على القول إلا أمران.
الأول: محبة راحتي في ديني ودنياي.
والثاني: إني أعوذ بالله من أن أتولى قومًا وهم كارهون لي فإن اجبتموني إلى هذا فذلك مطلبي، ولكم أمان الله فإن من يتكلم في هذا فهو آمن، ولا أعاتبه لا آجلًا ولا عاجلًا فإن قبلتم طلبي هذا فالحمد لله، وإن كنتم لا تزالون مصرين على ما كلمتموني به إثر دعوتي لكم، فإني أبرأ إلى الله أن أخالف أمر الشرع في اتباع ما تجمعون عليه، مما يؤيده شرع الله وهنا ارتفع صياح الحضور "لا نريد بك بديلًا لن نرضى بغيرك"واستمر في الخطابة فقال: "إذا لم يحصل ذلك منكم، فأبحثوا في شخصي وأعمالي، فمن كان له عليّ - أنا عبد العزيز - شكوى أو حق أو انتقاد في أمر دين أو دنيا فليبينه ولكل من أراد الكلام عهد الله وميثاقه وأمانه، أنه حر في كل نقد يبينه ولا مسؤولية عليه، وإني لا أبيح لإنسان من العلماء، ولا من غيرهم، أن يكتم شيئًا من النقد في صدره، وكل من كان عنده شيىء فليبينه، ولكم عليّ، أن كل نقد تذكرونه أسمعه، فما كان واقعًا أقررت به، وبينت سببه، وأحلت حكمه للشرع يحكم فيه، وما كان غير بين، وهو عندكم منه شيئًا، أما الذي تظنونه مما لم يقع، فأنا أنفيه لكم، وأحكم في كل ما تقدم شرع الله، فما أثبته أثبته، وما نفاه نفيته.
[ ٤١ / ٤٧٥ ]
أنتم أيه الإخوان، ابدوا ما بدا لكم، وتكلموا بما سمعتموه، وبما يقوله الناس من نقد ولي أمركم، أو من نقد موظفيه المسؤول عنهم، وأنتم أيها العلماء، اذكروا أن الله سيوقفكم يوم العرض، وستسألون عما سئلتم عنه اليوم، وعما أئتمنكم عليه المسلمون، فابدوا الحق في كل ما تسألون عنه، لا تبالوا بكبير ولا صغير، بينوا، ما أوجب الله للرعية على الراعي، وما أوجب للراعي على الرعية، في أمر الدين والدينا، وما تجب فيه طاعة ولي الأمر، وما تجب فيه معصيته، وإياكم وكتمان ما في صدوركم في أمر من الأمور، التي تسألون عنها، ولكل من تكلم بالحق عهد الله وميثاقه، أنني لا أعاتبه، وأكون مسرورًا منه، وأني أنفذ قوله الذي يجمع عليه العلماء، والقول الذي يقع الخلاف بينكم فيه، أيها العلماء، فإني أعمل فيه عمل السلف الصالح، إذ أقبل ما كان أقرب إلى الدليل من كتاب الله وسنة رسوله أو قول أحد العلماء الأعلام المعتمد عليهم عند أهل السنة والجماعة.
إياكم أيها العلماء، أن تكتموا شيئًا من الحق، تبتغون بذلك مرضاة وجهي، فمن كتم أمرًا يعتقد أنه يخالف الشرع فعليه من الله اللعنة. أظهروا الحق وبينوه وتكلموا بما عندكم".
[ ٤١ / ٤٧٦ ]
بهذا الخطاب العظيم، الذي حوى بين دفتيه، ما يصح أن نطلق عليه منهج الملك الإمام في السياسة الشرعية، حيث تجلت فيه سمات الحاكم المخلص الذي ينشد الحقيقة، ويتفانى في بذل النصح لرعيته، ولا يستنكف من النقد، مما يجعل جميع الطروحات الفكرية في السياسة المعاصرة تتصاغر أمام هذا الطرح السليم والمنهج القويم الذي أوضحه الملك الإمام عبد العزيز - ﵀ - على الملأ جهارًا نهارًا، بمصداقية وإلحاح اقترن فيها الوعد بالوفاء، والقول بالعمل، والفهم بالدليل بوضوح وجلاء، لا لبس فيه ولا خفاء، وصل إلى حد التنازل عن الملك من أجل سلامة الذمة، وبراءة العرض، ونقاء السريرة وصحة العمل، بإصرار لا مواربة فيه، وحث لا لبس معه حتى إذا عرف أنه لن يطاع فيما أمّله، دعا إلى النظر في سياسته ووضعها تحت مجهر النقد، مذكرًا العلماء بمسؤوليتهم وعظيم أمانتهم في وجوب النصح لولاة الأمر - ويقول من حضر ودوّن ما رأى فيه، إن العلماء أجابوا، بأنهم يبرأون إلى الله من كتمان ما يظهر لهم من الحق، وأعلنوا أنهم ما نصحوه إلا انتصح ولو رأوا في عمله ما يخالف الشرع لما سكتوا عنه، وهم ما رؤا منه إلا الحرص على إقامة شعائر الدين، واتباع ما أمر به الله ورسوله [١٩] .
[ ٤١ / ٤٧٧ ]
وفي سنة ١٢٤٨هـ دعا الملك الإمام إلى اجتماع، في قرية الشعراء بين الرياض ومكة، وتم الاجتماع في أول جمادى سنة ١٣٤٨هـ للنظر في أحوال بعض العصاة ومن شايعهم الذين هددوا الوحدة ونزعوا إلى الفرقة، رغم الإعذار لهم والصفح عن مسيئهم والإحسان إليهم [٢٠] ومن المؤتمرات خارج نجد المؤتمر الذي دعا الملك الإمام إلى عقده في مكة المكرمة سنة ١٣٤٤هـ وجاء في نص الدعوة الرسمية "خدمة للحرمين الشريفين، وأهلهما، وتأمينًا لمستقبلهما، وتوفيرًا لوسائل الراحة للحجاج والزوار، وإصلاحًا لحال البلاد المقدسة من سائر الوجوه، التي تهم المسلمين جميعًا، ووفاء بوعودنا التي قطعناها على أنفسنا، وميلًا في تكاتف المسلمين وتعاضدهم في خدمة هذه الديار الطاهرة – رأينا الوقت المناسب لانعقاد مؤتمر عام يمثل البلاد الإسلامية والشعوب الإسلامية يكون في٢٠ذي القعدة ١٣٤٤هـ وقد أرسلنا الدعوة لكل من يهمه أمر الحرمين من المسلمين وملوكهم وأملي أن مندوبيكم سيكونون حاضرين في التاريخ المحدد والله يتولانا جميعًا بعنايته" [٢١] وقد أدت هذه المؤتمرات أهدافها في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة ففي المؤتمر الأول حددت معالم النظام السياسي للدولة الناشئة، ودفع عن البلاد شبح الفراغ السياسي، وأعاد للجزيرة العربية نواة وحدتها المشروعة المتمثل في إعادة أسرة الملك الإمام، الذي تعد أمل أبناء الجزيرة دون استثناء، وفي المؤتمر الثاني نجح الملك الإمام في إزالة الشبهات والترهات، التي أشاعها العصاة، وفي المؤتمر المنعقد سنة ١٣٤٥هـ إزدادت أواصر الوحدة ووشايجها بين أفراد الأمة، وتأكد للملك الإمام بما لا يدع مجالًا للشك أن الوحدة الوطنية بخير، ولا خوف عليها من تهديد فئة قليلة شاذة، لا تمثل رأيًا عامًا، وأن جميع أفراد الأمة يقفون خلفه صفًا واحدًا. وفي مؤتمر قرية الشعراء، وضعت الخطوط العريضة لتأديب أعداء الوحدة، أما مؤتمر مكة المنعقد في سنة ١٣٤٤هـ، فقد كانت خطوة
[ ٤١ / ٤٧٨ ]
موفقة جدًا، حققت أهدافها كاملة، حيث اجتمع أهل الرأي والفكر من عموم العالم الإسلامي، وأطمأنوا بأنفسهم على رعاية الملك الإمام للبلاد المقدسة، واطلعوا على حقيقة الدعوة السلفية، وعرفوا عن كثب حقيقة الواقع على الأرض، واطمأنوا بأنفسهم أن الأراضي المقدسة، بأيدي مؤمنة أمينة، فكان هذا المؤتمر فرصة ذهبية لإزالة جميع المخاوف التي أثارها أعداء الوحدة، فجاءت قرارات المؤتمر اعترافًا واضحًا للعهد الصالح الجديد، وشرعيته ومبشرًا بعهد زاهر للربوع المقدسة، في ظل حكم الملك الإمام.
المبحث الخامس: إقامة الهجر وتوطين البادية:-
العارف بأحوال الجزيرة العربية وسعة رقعتها وتناثر سكانها، يدرك مدى الصعوبة البالغة في تقديم الخدمات لأهلها، مما يؤدي إلى بعثرة الجهود وهدر الطاقات، دون فائدة تناسب مقابلة ذلك الجهد المبذول، وهذا ما حمل الملك الإمام عبد العزيز - ﵀ - أثناء قيامه بلم شعث الجزيرة العربية إلى جمع وتوطين فلول البادية ومن في حكمهم، في كيانات ثابتة تتوفر فيها أسباب العيش الكريم، يمكن من خلالها تقديم الخدمات بأيسر السبل، وأقل التكاليف، وتحقق في ذات الوقت سهولة توجيه البادية عقديًا وعلميًا نحو منهج موحد يحقق الوحدة المنشودة، بعيدًا عن القالة والإشاعة التي تقف عادة وراء كل فتنة، وعند سماع مناد الجهاد يهب الجميع من قرب وبقوة دافعة وجماعة شاملة نحو المقصد المحدد دون تأخير، وقد كانت خطوة بارعة اتخذها الملك بمشاورة والده الحكيم، أدت إلى تربية أبناء البادية وبث روح الجهاد والحماس بينهم، وتوجيه حماسهم وتوظيف مناقبهم في نصرة الدين الحق.
[ ٤١ / ٤٧٩ ]
وقد أنشئت أول هجرة، على آبار الأرطاوية الواقعة على الطريق بين الزلفي والكويت سنة ١٣٣٠هـ، وسكنها سعد بن مثيب أحد شيوخ حرب ثم أعطيت لفيصل الدويش وجماعته من (مطير) [٢٢] . وأصبحت خلال بضع سنوات مدينة عامرة فيها من السكان ما يزيد على عشرين ألفًا، ثم ازداد عدد الهجر والتي تكونت بفضل حركة الهجرة، التي سرت دعوتها وفضلها بين أوساط البادية باعتبار أنها هجرة دينية محضة فباعوا الإبل، وأقبلوا على دراسة الدين، وغصت بهم المساجد حتى بلغ عدد الهجر في عهد الملك الإمام ١٥٣ هجرة [٢٣] وصفها أحد الكتاب بأنها معسكرات في أنحاء البادية، والإخوان سكان هذه المعسكرات، وقسمت كل هجرة إلى ثلاث فئات فيما يلي بيانها.
١- الفئة الأولى، التي يجب على أفرادها أن يكونوا دائمًا مستعدين لتلبية أمر الجهاد، متى أصدره الإمام، ومن ثم فإن كل فرد من أفرادها يجب أن يكون مسلحًا، وعنده ناقة يمتطيها بالإضافة إلى الذخيرة التي تلزمه..
٢- الفئة الثانية: وهي التي يجب على أفرادها تلبية نداء الإمام عندما يعلن أن الجهاد (مثنى) ويكون كل مجاهد مكلف بإحضار مجاهد آخر بين رفاقه يردفه على جمله.
٣- الفئة الثالثة: يكون كل فرد من أفرادها على استعداد لتلبية دعوة الجهاد، عندما يعلن العلماء هذه المرة، بناء على اقتراح الإمام، النفير العام للدفاع عن الوطن، فيشترك فيها الذكور البالغين، بينما يبقى العمل في الأرض والتجارة على عاتق المسنين من الرجال والأولاد والنساء [٢٤] . وقد كان لهذه الوسيلة الفذة، أثرًا عظيمًا في توسيع نطاق الجهاد المبارك، وتمكين العربي من أداء رسالة واضحة، ومهمة محددة في بناء الوحدة الكبرى، تنصهر في بوتقتها الإيمانية وشايج العلاقات الأسرية والقبلية، جنودًا مجاهدين ومحاربين مخلصين، ينشدون الشهادة في سبيل الله، ونصرة دعوة الحق المبين.
المبحث السادس: البلاغات والخطب:-
[ ٤١ / ٤٨٠ ]
يعد الاتصال بآحاد الناس مطلبًا ضروريًا، لكل من رام النجاح الدعوي والتأثير الأممي، حيث يتيح ذلك توسعًا أفقيًا غير محدود، ويغطي ما قد يكون قصورًا وضعفًا في الوسائل الأخرى، وتحقيق طموحات الدعاة التي قد لا تسع أعمارهم، ولما كان الملك الإمام عبد العزيز - ﵀ - بصدد وحدة كبرى، لم يدع وسيلة نافعة، لتحقيق هدفه المنشود إلا استخدمها، مراعيًا الوسيلة المناسبة في الوقت المناسب، فكان -﵀ - حريصًا على الاتصال بآحاد الناس، وجمهور الأمة وحثهم على لزوم الوحدة ونبذ الفرقة وتحقيق العدالة، فعمل على إخراج البلاغات الدعوية لفئة من الناس التي لا يتسنى للملك الإمام اللقاء بهم مباشرة، وذلك من خلال منشورات توزع على الناس أو تعلق في الأماكن العامة، أو تنشر في الصحف الرسمية، أما إذا أتيحت له الفرصة في اللقاءات العامة فإنه لا يدع الفرصة تمر إلا اهتبلها لعرض منهجه الوحدوي ومسلكه الوطني نحو الوحدة، ولا يسعني في هذا المقام استعراض تلك البلاغات والخطب وأكتفي بإيراد نموذج واحد منها يفي بالمقصود -إن شاء الله-. ففي بلاغ علق في المسجد النبوي ورد فيه ما يلي:-
"من عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود إلى شعب الجزيرة العربية على كل فرد من رعيتنا يحس أن ظلمًا وقع عليه، أن يتقدم إلينا بالشكوى، وعلى كل من يتقدم بالشكوى أن يبعث بها بطريق البرق أو البريد المجاني على نفقتنا. وعلى كل موظف بالبريد أو البرق، أن يتقبل الشكاوي من رعيتنا ولو كانت موجهة ضد أولادي أو أحفادي أو أهل بيتي، وليعلم كل موظف، يحاول أن يثني أحد أفراد الرعية، عن تقديم شكواه مهما تكن قيمتها، أو يحاول التأثير عليه، ليخفف من لهجتها أننا سنوقع عليه العقاب الشديد.
[ ٤١ / ٤٨١ ]
لا أريد في حياتي أن أسمع عن مظلوم ولا أريد أن يحملني الله وزر ظلم أحد، أو عدم نجدة مظلوم، أو استخلاص حق مهضوم، ألا قد بلغت، اللهم فاشهد" [٢٥] ونلاحظ في هذا البلاغ التأكيد الجازم على رفع المظالم، إلى مقام الملك الإمام، دون عائق أو تدخل من جهة رسمية أو غيرها متخذًا من التحذير الشديد، أسلوبًا واضحًا لطمأنة المواطنين بأن شكاياتهم، ستجد طريقها إلى الحل، دونما إخلال بفحواها أو تغيير ألفاظها أو تخفيف لهجتها، وستنقل كما هي بنصها، معلنًا أنه سينصف المظلوم من الظالم، مهما كان مصدر الظلم أو جهته، وليس من شك في تأثير هذا البلاغ وانعكاسه على تقوية الوحدة وتماسكها إذ يجد الناظر بين دفتي البلاغ العدالة ناطقة والنصفة راسخة، والبراءة من الظلم صرخة مدوية، وتلك أسباب بناء العمران البشري، والاستقرار البشري على مر العصور. وأما خطبه فجاءت مفعمة بالصدق طافحة بالإخلاص، تسرى روح الإيمان إلى قائلها فضلًا عن سامعها، فقد أعطي أزمة الفصاحة وأعنة البلاغة، مع صدق اللهجة، والبعد عن التكلف والتصنع يقول أحد معاصريه، والمقربين منه "لم يكن يهيئ الخطبة كما يفعل أكثر الناس ويعرف أنه يخطب، إلا من ارتفاع صوته هادرًا، يتحدث حين يخطب منطلقًا على سجيته، غير متأنق ولا متكلف، ويتناول الموضوع، فإن كان عاديًا تكلم هادئًا متمهلًا، تتخلل قوله ابتسامة خفيفة، يجتذب قلوب سامعيه وإن لم تكن الابتسامة، فليس هناك عبوس ولا تجهم، أما إذا كان الموضوع لأمر جلل، فكان الخطيب حقًا، المتجهم المزمجر، لا يتلكأ ولا يتعلثم ولا يتمتم ولا يجمجم، وإذا كان في الخطباء، من يدركه العثار حين يستثار، فالملك عبد العزيز كان أبين ما تراه حين يجد الجد ويقندح الزند، فكان عجبًا في سرعة الخاطر إذا تحدث، وفي قول الحجة إذا أراد الإقناع" [٢٦] ومن نماذج خطبه العظيمة، ما ألقاه في زيارته إلى المدينة النبوية حيث قال: "إننا نبذل النفس والنفيس في سبيل راحة هذه
[ ٤١ / ٤٨٢ ]
البلاد وحمايتها، من عبث العابثين، ولنا الفخر العظيم في ذلك، وإن خطتي التي سرت عليها، ولا أزال أسير عليها هي إقامة الشريعة السمحة كما أنني أرى من واجبي، ترقية جزيرة العرب، والأخذ بالأسباب التي تجعلها في مصاف البلاد الناهضة، مع الاعتصام بحبل الدين الإسلامي الحنيف، إنني اعتبر كبيركم بمنزلة الوالد، وأوسطكم أخًا وصغيركم ابنًا، فكونوا يدًا واحدة، وألفوا بين قلوبكم لتساعدوني على القيام بالمهمة الملقاة على عاتقنا، إنني خادم في هذه البلاد العربية، لنصرة هذا الدين، وخادم للرعية، الملك لله وحده، وما نحن إلا خدم لرعايانا، فإذا لم ننصف ضعيفهم، ونأخذ على ظالمهم، وننصح لهم ونسهر على صالحهم فنكون قد خنا الأمانة المودعة إلينا.
إننا لا تهمنا الأسماء والألقاب، وإنما يهمنا القيام بحق الواجب لكلمة التوحيد، والنظر في الأمور التي توفر الراحة والاطمئنان لرعايانا، إن من حقكم علينا النصح لكم، فإذا رأيتم خطأ من موظف، أو تجاوزًا من إنسان، فعليكم برفع ذلك إلينا، ننظر فيه، فإذا لم تفعلوا ذلك فقد خنتم أنفسكم ووطنكم وولاتكم" [٢٧] .
وهذا غيض من فيض خطبه الحكيمة، التي لا مست أحاسيس المواطنين وأجابت على تساؤلاتهم المكنونة. وعمقت جذور وحدتهم المصونة، وانسابت في جوارحهم بلسمًا شافيًا، مكن أواصر المحبة وأوثق وشايج المواطنة الصالحة، بين عموم سكان المملكة.
المبحث السابع: الاستعانة بالعلماء:-
[ ٤١ / ٤٨٣ ]
ثمة عوامل استكشافية، عن ما هية الدولة الخيرة في الإسلام، والتي يعد بروزها في الواقع منطقيًا، أو تحصيل حاصل، لامتلاكها حق الظهور والديمومة، المنبثق من تناغم وتوائم، بين السنان والبرهان، في وحدة البناء والتصور والتطبيق، وتلك الخاصية سمة بارزة، للدول الخيرة في التاريخ الإسلامي، ويأتي في طليعتها الدولة السعودية في عهودها الثلاثة، حيث كانت الدعوة إلى الله، علة نشأتها، وسر قوتها، وعامل استمرارها يقول الشيخ العلامة عبد الله عبد اللطيف - ﵀ -: "فتجرد الحبر الجليل للدعوة إلى الله أي -الشيخ محمد بن عبد الوهاب - وآزره على ذلك، من سبقت له من الله سابقة السعادة، من أسلاف آل مقرن الماضين وآبائهم المتقدمين -﵏ رحمة واسعة وجزاهم عن الإسلام خيرًا - فما زالوا على ذلك، على آثار حميدة، ونعم عديدة، يصنع لهم تعالى من عظيم صنعه، وخفي لطفه، ما هداهم به إلى دينه الذي ارتضاه لنفسه، واختص من شاء كرامته وسعادته من خلقه، وأظهر لهم الدولة والصولة، ما ظهروا به على كافة العرب، وغدت لهم الرياسة والإمامة، لا تزاحمهم فيها العرب العرباء، ولا يتطاول إليها بنو ماء السماء" [٢٨] ولم يزل يتوارث الأحفاد ما سار عليه الأجداد من إكرام أهل العلم، واتخاذهم أعوانًا وبطانة ومستشارين، فمنذ أن دخل الملك الإمام عبد العزيز -﵀الرياض، سانده العلماء، فكلفهم بالتعليم والقضاء، والتوجيه والإرشاد، وحين بدو بذور الفتنة وسنوح مظاهر المعصية، من بعض الفئات، وجه إليهم العلماء لإقامة الحجة، وإزالة الشبهة، فنزلوا بساحتهم، معلمين مرشدين منهم: الشيخ عبد الله بن سليم، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد الله بن بليهيد، والشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، -﵏ رحمة واسعة - فحرصوا على توطيد دعائم الوحدة، وتأصيلها وفق قواعد الشرع ففي رسالة للشيخين الجليلين محمد بن عبد اللطيف والشيخ
[ ٤١ / ٤٨٤ ]
عبد الله بن عبد العزيز العنقري رحمهما الله جاء فيها "ومما أدخل السطان إساءة الظن بولي الأمر، أو عدم الطاعة، فإن هذا من أعظم المعاصي وهو من دين الجاهلية، الذين لا يرون السمع الطاعة لولي الأمر في العسر واليسر، والمنشط والمكره حتى قال النبي ﷺ: "أسمع وأطع، وإن أخذ مالك وضرب ظهرك" [٢٩] فتحرم معصيته، والاعتراض عليه في ولايته، وفي معاملته وفي معاقدته، لأنه نائب المسلمين، والناظر في مصالحهم، ونظره لهم، خير لهم من نظرهم لأنفسهم، لأن بولايته يستقيم نظام الدين، وتتفق كلمة المسلمين، لا سيما وقد منّ الله عليكم بإمام ولايته ولاية دينية، وقد بذل النصح لعامة رعيته من المسلمين خصوصًا المتدينين" [٣٠] .
وحين اعترض بعضهم على استخدام المخترعات الحديثة، وتسخيرها في خدمة الحياة اليومية، انبرى العلماء بفقه حكيم، وإرشاد سليم، إلى توضيح روح الشريعة الإسلامية، وموقفها المساند، لكل نافع مفيد، وتكيفها واستيعابها لكل جديد، وكان الملك الإمام يجل العلماء ويتودد إليهم، وفي رسالة تفيض حبًا وثناءً، وجهها الملك الإمام للعلماء، تدل على مدى العلاقة الحميمة بينه وبين العلماء يقول -﵀-: "من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل. إلى حضرات الإخوان الكرام، قرة عيني وبهجة قلبي، علماء المسلمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
[ ٤١ / ٤٨٥ ]
وصلني، كتابكم المكرم، الذي هو غاية مرادي، والذي ابتهج به قلبي، سرني غاية السرور، وقد أخذته بعين القبول، وهذا الذي يجعلني أزداد حبًا لكم ووثوقًا بكم، وهذا الذي أرجوا أن يكون دائمًا منكم لي، ولأمثالي بالنصيحة، وأن الله يجعل القبول مني، وممن ولاة الله أمر المسلمين، بذلك أني أقول: رب إني ظلمت نفسي فأغفر لي، فما عملته من عمل موافق لكتاب الله فهو من الله، وما عملته مخالفًا لأوامر الله فهو مني ومن الشيطان واستغفر الله، وبحول الله وقوته سترون إن شاء الله - مايسركم في أمر يعلي الله به كلمته، ويزيل الله به كل أمر يخالف أوامره بحوله وقوته، وإني لاأزال رهين فضلكم، ونصائحكم الثمينة وأرجو من الله أن يحيينا على ملة الإسلام، ويقيم بنا أوامره ويرسل الله فضله وكرمه - والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته" [٣١] .
على هذا المنوال، كانت العلاقة بين العلماء والملك الإمام عبد العزيز -﵀- حيث أصبح، ذلك نهجًا ثابتًا للملك الإمام وأبنائه البررة من بعده، وهكذا ندرك مدى عناية الملك الإمام بحشد ما تطاله قدرته من وسائل الوحدة لإنجاح طلبته، وإدراك غايته، بيد أنه حرص على إضفاء روح الشريعة وآدابها على وسائله، فجاءت في قالب من الكمال الحقيقي والسمو الأدبي، حيث اصطبغت بالأساليب المؤثرة والطرائق النافعة.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] المصدر السابق ص٣٠١.
[٢] الوجيز ص ٤٨.
[٣] المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود ص٢٩٥.
[٤] أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح العمراني والديني في جزيرة العرب للفقي ص١-١١.
[٥] السعوديون والحل الإسلامي لجلال كشك ص ٥٨٧-٥٨٨.
[٦] جريدة أم القرى العدد ٣٣٣ عام ١٣٤٩هـ.
[٧] الوجيز ص٣٣٠.
[٨] الوجيز ص٣٣٠.
[٩] سورة الحج آية ٤١.
[١٠] شبه الجزيرة للزركلي ج١ ص٣٥٤.
[ ٤١ / ٤٨٦ ]
[١١] عبد العزيز آل سعود وعبقرية الشخصية الإسلامية ص١٥٦.
[١٢] جريدة أم القرى العدد ٣٤٢ سنة ١٣٥٠هـ.
[١٣] الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ت: محمد ناصر الشثري ج١ ص٢٤٤.
[١٤] المصدر السابق ج٢ ص٧٨٧-٧٩٤.
[١٥] جزيرة العرب في القرن العشرين لحافظ وهبه ص١١٣.
[١٦] جريدة أم القرى العدد ٣٣٣ سنة ١٣٤٩هـ.
[١٧] سورة التوبة، من الآية (١٠٥) .
[١٨] سورة الرعد، من الآية (١١) .
[١٩] الوجيز ص١١٢-١١٦.
[٢٠] المصدر السابق ص ١٢٠.
[٢١] تاريخ الدولة السعودية حتى الربع الأول من القرن العشرين ت د/ مديحة درويش ص١٤٢.
[٢٢] الوجيز ص ٧٠.
[٢٣] الوجيز ص٧٠.
[٢٤] تاريخ الدولة السعودية حتى الربع الأول من القرن العشرين لمديحة درويش ص١٦٢-١٦٤.
[٢٥] الوجيز ص ١٥٨-١٨٧.
[٢٦] الوجيز باختصار ص٢١١-٢١٣.
[٢٧] المصدر السابق ص٢١٥-٢١٦.
[٢٨] الدرر السنية ج٧ ص٢٩٧.
[٢٩] رواه مسلم ج٣ ص١٤٧٦، وابن حبان انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج٧ ص٤٥ عن عبادة بن الصامت ﵁.
[٣٠] الدعوة في عهد الملك الإمام عبد العزيز ج١ ص١٥٢.
[٣١] جريدة أم القرى العدد ٣٤١ سنة ١٣٥٠هـ.
[ ٤١ / ٤٨٧ ]