تابع لمنهج الملك الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود
الفصل الثالث
أساليب الملك الإمام عبد العزيز في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة
تقاس نتائج الجهود والأنشطة على قدر ارتباط وسائلها بأساليبها كمًا وكيفًا، فالوسيلة يوجهها الأسلوب ويستنفذ طاقاتها، فعلى قدر حسن الأسلوب وفعاليته تحسن الوسيلة وتثمر والعكس صحيح، فقد تتفق الوسيلة بين عدة أفراد، وغاياتهم واحدة، ولكنهم يتفاضلون في النتائج والثمرات، على قدر حسن استخدامهم للوسائل وتوجيهها نحو هدفها بحكمة واتزان، وهذا ما نسمية الأسلوب، وكذا ارتبط منهج الملك الإمام عبد العزيز -﵀- في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة، بحسن الوسيلة والأسلوب معًا - دون انفصام في أي وقت، وكانت جهوده على مستوى الحدث دون مبالغة أو تفريط، فتجاوز العقبات التقليدية والطارئة، على نمط يثير الإعجاب ويأخذ الألباب، وأشير هنا إلى أهم الأساليب والتي يندرج تحتها عدد لا حصر له من الشواهد والصور مما لا يمكن جمعه في بحث موجز، وفيما يلي بيان بأهم أساليب الملك الإمام، لتحقيق الوحدة الكبرى.
المبحث الأول: الحكمة:-
[ ٤١ / ٤٨٨ ]
اصطبغت تطبيقات الملك الإمام عبد العزيز -﵀- في سبيل تحقيق الوحدة بالحكمة قلبًا وقالبًا، علمًا وعملًا، ترسخت في نفسه وتأصلت في نهجه، وغدت ملكة طيعة في متناول يده، وجاءت قراراته مناسبة لمقتضى الحال، ومن شواهد حكمته، انطلاقه من الكويت بقوة صغيرة محدودة العدد، لم يفطن لحركتها ولا ترصد مسيرتها وإن كان باستطاعته تجنيد العدد الكبير من أفراد القبائل، واستدراجها تحت مظلة المغنم والغزو والنهب، مما يألفه العرب في ذلك الوقت ولا سيما الموتورون والفقراء، وما أكثرهم يومئذ!! ولكنه آثر إخفاء أمره، وتعمية مقصده، بعيدًا عن الأنظار، ليقينه بنجاح مهمته فكان ذلك آية حكمته، ودليل بصيرته، مما مكنه - بفضل الله - من فتح الرياض، واستسلام حاميتها، وشروعه مباشرة، في بناء التحصينات الدفاعية، حول الرياض في خلال شهر [١] ومن دلائل حكمته، عنايته بالعقيدة وجعلها محور دعوته إلى الوحدة وركيزتها حرصًا على إصلاح المنهج، وسلامة المقصد، وضمانًا للنجاح، حيث أن النفوس لا تخلص من أهوائها، وتنسلخ من غلوائها، إلا بالعقيدة الصحيحة التي من شأنها توحيد الرؤى وحشد العواطف والطاقات، نحو أهدافها السامية وغاياتها النبيلة، مما يصرف عن العثار ويحقق النصر المؤزر -بإذن الله - وهذا ما سار عليه آباء الملك الإمام من قبل، فكانت تجربة سعودية متوارثة، اقتداء بالسلف الصالح، فقد ثبت بالبرهان، أن أي جهد في الإصلاح، بمعزل عن العقيدة الصحيحة مآله الفشل، ونهايته الخسران، فمن المحال جمع القلوب على المصالح الدنيوية، مهما كانت ضخامتها، وعظيم امتيازاتها، فإنها ببساطة لا تستوعب الناس جميعًا إلا حفنة من المنتفعين الذين سرعان ما تتعارض مصالحهم، ويحل بعضهم بعضًا موضع النقمة والنقد اللاذع، الذي يؤول طبيعيًا إلى طلب التشفي والانتقام، فتنفرط عقدتهم، وتزول ألفتهم، وتغدوا تلك المصالح علة الشقة وعامل الشقاق والخلاف، وأما العواطف، وإن تأجج أوارها
[ ٤١ / ٤٨٩ ]
فلا تصلح أساسًا للوحدة، حيث تستحيل عادة إلى سآمة وملل، وتنتهي إلى مصارمة وجفاء، وبهذا فإن المال والعاطفة لا يصلحان أساسين لبناء الوحدة كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [٢] ومن شواهد حكمته.
عنايته ببناء الهجر وتوطين البادية فيها، مما مكنه من جمعهم وتربيتهم وفق مضامين العقيدة الصحيحة، مما أدى إلى إقبال سكان الهجر على الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، في أي وقت يطلب منهم الملك الإمام، فأصبحوا جنود التوحيد، مما يعد تحولًا جذريًا في حياتهم صيرهم نحو التمسك بالإسلام الحق، وصرفهم عن مسلكهم السابق إلى غير رجعة - بفضل الله- ومن صور حكمته تعامله بأناة ولباقة، مع أحداث عصره، فإبان الحربين العالميتين لازم جانب الحياد، مراعيًا حساسيات المواقف الدولية مما جنب وطنه وشعبه ويلات الحرب، يقول الملك فيصل - ﵀ - في حج عام ١٣٥٩هـ: "ولا يجهل أحد ما فيه العالم اليوم من نكبات ومحن، حتى البلاد التي لم تشترك في الحرب، لا تخلو من أزمات اقتصادية وغيرها، أما نحن فلله الحمد من أسعد الناس وهذا لا شك من نعم الله التي تستوجب الشكر" [٣] ووسط آتون الحرب والصراع المحتوم بين الدول الكبرى على مناطق النفوذ، والسيطرة على الممرات المائية وطرق الملاحة، بدت سياسة الملك الإمام، تتسم بالهدوء والواقعية، دون المساس بعقيدته ومصالح بلاده العليا، مهتمًا في ذات الوقت، بحسن الاستعداد، في كل عمل يقوم به، مبتعدًا عن الإرتجالية، مع صرف الهمة إلى حسن التنظيم والدقة وتوقع المفاجآت والإعداد لها بلباقة وحزم، وتلك غيض من فيض حكمته، التي لا يتسع المقام لاستقراء شواهدها وصورها. وحسبنا الإشارة إلى بعضها فيما تقدم ذكره.
المبحث الثاني: اللطف واللين:-
[ ٤١ / ٤٩٠ ]
لا جرم أن جمع القلوب المتنافرة على الحق مهمة عسيرة، لا يستطيعها إلا الأكفاء الملهمون والزعماء الموفقون، مما فتح الله لأحدهم باب التوفيق على مصراعيه، ونزع له من معينه بملء يديه، فإن استمالة القلوب آية البصيرة، وعنوان التوفيق وبرهان النجاح، فرب كلمة بليغة، تأخذ بمجامع الأفئدة، وكم من صفح وعفو ينسي الضغائن، ويقشع وحر الصدور، وما فتئ الملك الإمام يعامل خصومه ومناوئيه ومضطهدي مواطنيه بألوان التسامح والصفح، رغم نقض العهود ونكث الوعود، ولا يلجأ إلى القوة إلا مكرهًا، حين استنفاذ جميع الحلول المتاحة، يقول -﵀-: "ليس لدينا أحب من السلام يغمر هذه الربوع، فنحن لسنا طالبي حرب، ولا نشهر السلاح إلا في وجه من يبارزنا بالسلاح، لقد آن لهذه البلاد أن تعرف السكينة، وتنعم بالسلام، فلنوحد صفوفنا وكلمتنا" [٤] .
وسمع يتمثل كثيرًا بقول الفرزدق
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم
إذا أثقل الأعناق حمل المغارم [٥]
ويصف أحد شهود العيان [٦] أثر أسلوب اللطف واللين في خصوم الملك الإمام يقول الأستاذ عبد الرحمن عزام﵀-: "كنت في عام ١٩٣٨م ضيفًا له - يقصد الملك الإمام - في شمال نجد، وبقيت أيامًا في البادية للقنص، وكلما جلسنا إلى طعام، وجدت حوله من قاتلوه أو قاتله آباؤهم، يمزحون ويمزح معهم ويشاركهم في قوله وماله ومتاعه، وهو يستمع لقصصهم، وقصص آبائهم معه، والهزائم التي ابتلي بها في قتالهم، والنصر الذي آتاه الله عليهم ويقسم إنه يراهم كما يرى أبنائه، ولا يرضى فيهم إلا ما يرضى لأبنائه".
[ ٤١ / ٤٩١ ]
ويقول شاهد آخر: "إني التقيت ببعض خصوم الملك السابقين فوجدتهم الآن، من أكبر أعوانه، ومن أكبر المطيعين والمؤيدين له، ويعود هذا إلى معامله الحلم، وهو النهج والأسلوب الذي كان يعامل به خصومه" [٧] وهكذا يتجلى لنا أثر أسلوب اللطف واللين للملك الإمام، وضرورته الوحدوية الناجحة، مما يدل قطعًا على أهمية استخدام هذا الأسلوب الحيوي، في تأليف القلوب ورص الصفوف، وتقوية أواصر المحبة والأخوة.
المبحث الثالث: الجدل الممدوح:-
[ ٤١ / ٤٩٢ ]
لا مناص لأي مصلح نبيه وداعية حصيف، من أخذ أهبة الاستعداد لمواجهة الخصوم، وامتلاك ناصية التأثير، لإرشاد الضال، وتعليم الجاهل وإقناع المستنكف، وإقامة الحجة على المجادل، إمتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن﴾ [٨] وما كان للملك الإمام عبد العزيز -﵀ - وقد تصدى لمهمة شاقة تنوء بأعناق عظماء الرجال، أن يغفل عن هذا الأسلوب، حيث أن خصوم الوحدة يومئذ كثيرون مختلفوا المآرب والرؤى، ولدى بعضهم من الشبهات على الدعوة السلفية ما يلزم تفنيدها حيث أن حملات خصوم الدعوة، بدأت تظهر على صفحات المجلات البارزة يومئذ وانطلقت تؤججها قوى شريرة، مارست التشويه لجهود الملك الإمام عن عمد، ولوثت عقول الكثير من أبناء المسلمين، مما دفع الملك الإمام اضطرارًا إلى استخدام الجدل لإقناع مستمعيه، واهتبل كل فرصة سانحة لبيان منهجه في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة وسلامة مقصدها والرد على خصومها، وقد اكتسب خبرة في حياته وشبابه في هذا المضمار، إذ كلفه والده الإمام عبد الرحمن -﵀- بإصلاح ذات البين بين القبائل العربية المتناحرة، فأدى ما أوكل إليه ببراعة واقتدار، بين أقوام عرفوا بسرعة البديهة ودقة الملاحظة وذلاقة اللسان، وحين حمل على عاتقه وحدة بلاده وشعبه، لم يزل يواجه بين الفينة والأخرى بعض العصاة، فكان يسعى إلى استمالتهم بالحجة والإقناع ولم يستنكف قط من سماع وجهات النظر الأخرى، ومناقشتها وكان -﵀- يحب الحوار والمناقشة.
[ ٤١ / ٤٩٣ ]
يقول أحد أفراد خاصة الملك الإمام: "كان دستور الملك عبد العزيز، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [٩] يعن له الأمر، أو يرفع إليه فيحيل فيه فكرته، وينتهي إلى حل له في نفسه يرضاه، ويجتمع مستشاروه، فيطرحه عليهم ويدرسونه، فإذا اتجهوا إلى البت فيه بما يتفق مع ما وصل إليه هو، أخذ بقولهم وأمضاه، وإلا ناقشهم، وأفضلهم عنده من يعترض ويناقض ثم يعمل بما يستقر عليه الرأي" [١٠] ومن أقواله النيرة في سبيل غربلة الأراء ومناقشتها قوله: "أريد الصراحة في القول، لأن ثلاثة أكرههم ولا أقبلهم رجل كذاب يكذب علي عن عمد، ورجل ذو هوى، ورجل متملق، فهؤلاء أبغض الناس عندي" [١١] .
[ ٤١ / ٤٩٤ ]
واهتبل -﵀ - موسم الحج، يرد على خصوم الدعوة السلفية التي أحياها الشيخ محمد بن عبد الوهاب -﵀- إذ يقول في إحدى مجالسة الموسمية "يسموننا بالوهابيين، ويسمى مذهبنا بالوهابي، باعتبار أنه مذهب خاص، هذا خطأ فاحش نشأ عن الدعايات الكاذبة، التي يبثها أهل الأغراض، نحن لسنا أصحاب مذهب جديد أو عقيدة جديدة، ولم يأت محمد بن عبد الوهاب بالجديد، فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح، التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه السلف الصالح. نحن نحترم الأئمة الأربعة، ولا فرق بين الأئمة، مالك والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، كلهم محترمون في نظرنا" [١٢] ونلاحظ في هذا الطرح الجدلي امتلاك الملك الإمام، ناصية الجدل الممدوح، ففي البدء طرح الشبهة، ثم أبان سبب ظهورها وعلته، ثم كر عليها بالتفنيد العقلي والاستقراء التاريخي، مع التزامة بآداب الجدل، وعفة اللسان، وبعده عن الإسفاف والبذاءة التي يقع فيها الكثير من المتناظرين، تحت تأثير الانتصار لما يذهبون إليه، مما دل قطعًا على اقتداء الملك الإمام عبد العزيز - ﵀ - بسلف الأمة وعلماءها الربانيين، وقد كان لهذه المقدرة الخطابية -بفضل الله- الأثر الكبير، في تقوية الوحدة الوطنية، وبيان حقيقة الدعوة السلفية.
نتائج منهج الملك الإمام عبد العزيز -﵀-
في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة
[ ٤١ / ٤٩٥ ]
تمخضت جهود الملك الإمام عبد العزيز - ﵀ - في سبيل تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة إلى نتائج باهرة وثمرات يانعة، لا يزال أبناء شعبه، ينعمون ببركاتها المتدفقة وخيراتها المستمرة دون منّ ولا أذى، وحين استعراض النتائج تلك، ندرك مدى المنّنّ الربانية، التي أسبغها الله على هذه البلاد الطيب أهلها، والتي تدفعنا في ذات الوقت، إلى لزوم غرز الملك الإمام والمحافظة على ثمرات جهاده ومكتسبات حصاده التي ضحى من أجلها بالنفس والمال والولد، في ثلاثة عقود من عمره المبارك، طافحة بلآلام، وشاهدة على تحمل المشاق والصبر والمرابطة، ومن أبرز تلك النتائج:-
١- بعث أمة خامدة ممزقة الأوصال، مختلفة الرؤى، متناحرة القوى، فنقلها - بفضل الله - إلى أمة قوية الوشايج عظيمة الجانب، متعددة المناقب، أعادت مكانتها الكبيرة وقيادتها التاريخية بين الأمم.
٢- تجديد الدعوة الإسلامية، وتوحيد جهود الدعاة نحو تصفية العقيدة، وإصلاح العبادة، وتقويم السلوك، وإقامة مجتمع مسلم زكي، يفيض بالهداية وينعم بالاستقامة.
٣- إقامة دولة إسلامية تحكم بشرع الله تستثمر طاقاتها ومكتسباتها لخدمة الإسلام، وبسط نوره في المشارق والمغارب، وتقديم العون والمساعدة للمسلمين، ونصرة قضاياهم.
٤- تحقيق الأمن المفقود في جزيرة العرب وتأمين طرقها للسالكين، وتهيئة مشاعر الحج لقاصديها بما يليق بقداستها وحرمتها، وفي مقدمة ذلك، عمارة الحرمين الشريفين، على أعلى المستويات وأرقاها.
٥- القضاء على عوامل التخلف، من جهل صارف، وشرك وبدع خوالف، فعادت راية التوحيد خفاقة على جزيرة العرب من جديد، تحت قيادة الملك الإمام عبد العزيز -﵀- وأبنائه البررة المخلصين من بعده.
[ ٤١ / ٤٩٦ ]
٦- البرهنة العملية على إمكانية إعادة أمجاد المسلمين وفق مضامين الشرع الحنيف، وإثبات أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، مع الأخذ بأسباب الحياة العصرية وتطورها، دون التنازل عن المضامين العقدية والشرعية.
الخاتمة
وفيها الدروس والعبر
لا يخفى على الباحث أن المقصود من تاريخ العباقرة والنابغين، لا ينحصر في مفهوم ضيق يقف عند حد تسجيل الرواية التاريخية، وإنما يتجاوزها إلى الدراسة والتحليل، والفحص والتنقيب عن العوامل والأسباب المؤثرة في نجاحهم، وكيفية توظيفها في قوالب عملية وتربوية قابلة للتنفيذ، وليس من شك أن حياة الملك الإمام عبد العزيز -﵀ - حافلة بالدروس والعبر، ولا سيما في نهجه السديد نحو تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة. والذي يعد معلمًا بارزًا في جهاده ومنارة رائعة في حياته، ويظهر لنا بادي الرأي أنه يمكن تلخيصها على النحو التالي:-
١- ضرورة أن يعنى المربون بغرس عقيدة التوحيد في نفوس الناشئة، وأخذهم بلباقة إلى دراسة مفرداتها منذ الصغر لتكون وسيلة لتشكيل عقولهم وتوجيه سلوكهم وفق مضامينها وحقائقها، فقد اكتسب الملك الإمام، منذ صغره حصانة عقدية، أسهمت بوضوح في تجديد نهجه، وبناء شخصيته، وتوجيه سلوكه، نحو معالي الأمور غير هياب ولا وجل، متطلعًا في الوقت نفسه إلى تحقيق ما شيده آباؤه وزيادة.
٢- لزوم أن يروض الآباء أبناءهم على تحمل المسؤولية وإسناد المهمات الصعبة إليهم وفق استعدادهم الفطري وتدرجهم المعرفي لتقوية عودهم، وإنضاج تجربتهم، ليخرجوا إلى الحياة وتحمل تبعاتها، بكفاءة، واستعداد واقتدار.
[ ٤١ / ٤٩٧ ]
٣- وجوب توطين النفس على المشاق والمتاعب لصقل موهبتها، وإصلاح رعونتها، وتوسيع مداركها، وإثراء خبرتها لإستقبال ما يوكل إليها في المستقبل من الأعمال الشاقة، وتمثل حياة الملك الإمام عبد العزيز -﵀ - ملحمة رائعة لزعيم تهيأ تحت مطارق الشدة والابتلاء، لبعث أمة خامدة، خبر عللها، وسبر غورها، وألم بمشكلاتها وتلظى بآلامها، مما مكنه الله تعالى، من تحقيق حلمه الرشيد وأمله السديد، رغم شدة الصوارف، وكلبة الأعداء، وقلة الأعوان، وندرة الوسائل المادية الأخرى.
٤- لا ريب أن الاحتكاك بأهل الخبرة والتجربة، تحقق للمرء سعة في الأفق وبسطة في العقل وتوسعًا في الفهم، يصعب نيله في قمقم العزلة وزاوية الانطواء، وقد أتيح للملك الإمام عبد العزيز -﵀- صحبة والده الإمام عبد الرحمن -﵀ - الذي عرف عنه رجاحة الرأي، والخبرة بأحوال الجزيرة وأهلها مع وفرة العقل والدين، فاكتسب منه وعلى عينه الخلال الحميدة والصفات القيادية السديدة، وفي أثناء إقامته بالكويت، بجانب أميرها الشيخ مبارك الصباح -﵀ - لازم جليسًا نابهًا، وأنيسًا فطنًا، وسميرًا بارعًا، تعرف بواسطته على مجريات السياسة الدولية وأطلع على مجريات الصراع بينها، مما جعله يحدد وجهته، وسط هذا الصراع المحتدم، والتعامل معه ببراعة وذكاء، سخره لخدمة دينه وبلاده وشعبه.
[ ٤١ / ٤٩٨ ]
٥- إن الإرادة القوية والهمة المتوثبة وصف لأي داعية يروم الإصلاح ويتطلع إلى الغد المشرق لأمته، فاليأس والقنوط لم يعرف طريقه إلى نفس الملك الإمام عبد العزيز -﵀ - وهو يحشد طاقاته ويدير أموره ويحبك خططه، وكان أمله غير المحدود، وإيمانه بالنصر هجيري وسميري قلبه ونجيي فؤاده، رغم بعض النكسات والهزائم، فالمستحيل وغير الممكن لا يصح اعتبارهما عائقًا في سبيل الإصلاح، لمن فهم صيرورة الحياة وسبر مسيرتها وحذق قانون الصراع البشري، الذي تؤثر فيه الأهواء، وتدفعه الرغبات، فتحديد الهدف النبيل وتوفير الحد الأدنى من الوسائل المناسبة لتطبيقه، مؤشر قوي على تحقيق الغاية، وتسجيل النصر المؤزر بإذن الله.
[ ٤١ / ٤٩٩ ]
٦- لا تدور عجلة الإصلاح، دون قوة كامنة ورغبة صادقة وحركة دؤوبة، وكل ذلك يستلزم قوة لا تقهر، وطاقة لا تستنفذ، تمد القائمين على برامج الإصلاح، بالإرادة المعنوية دون أن تقعدهم السآمة، أو يفت في عضدهم الملل، فضلًا عن الوقوف بصلابة أمام الشدائد والمحن، ومن أجل ذلك جعل الملك الإمام عبد العزيز -﵀- العقيدة الصحيحة محور استراتيجيته الإصلاحية، وروح حركته الوحدوية، مما وفر عليه الكثير مما يحتاجه في دعم إصلاحاته، فأقبلت إليه الجموع، كل يرغب أن ينال شرف نصرة الدين، وإعلاء كلمة التوحيد، ابتغاء وجه الله ﷾. فليس ثمة وسيلة تجمع القلوب، وتؤلف النفوس دون أن تسوقهم رغبة أورهبة، كمثل عقيدة التوحيد. التي وحدت العرب في سالف دهرهم وغابر زمانهم، رغم شدة أنفتهم، ورهافة إحساسهم، وقوة شكيمتهم، والذين يعدون التواضع مذلة، والتنازل عن الحقوق ضعفًا، ويعترفون بالفوارق العرقية، ويعظمون الوشايج القبلية، فصهرتهم عقيدة التوحيد، قلبًا واحدًا وانسلخوا من تلك المشاعر الاستفزازية إلى مرسى الأخلاق الإسلامية، فحقق الملك الإمام- بفضل الله - للأحفاد ما نعم به الأجداد، واتصل الماضي بالحاضر، وبرهنت العقيدة على ديمومتها في الوحدة، ومعجزتها في التغيير والإصلاح.
٧- من الضرورة أن تنطلق حركة الإصلاح، وتتجة جهود القائمين عليها، على نحو من التناسب والتقسيم، ليحمل كل فرد نصيبه ومسؤوليته وأمانته، على قدر طاقته وقدرته، ولم يغب عن ذهن الملك الإمام عبد العزيز -﵀- إشراك أفراد أسرته وشعبه، وفي طليعتهم الأمراء والعلماء، والذي كان الجميع رهن إشارته وطوع أمره، مما فتح الباب واسعًا أمام التنافس والتسابق الشريف، تحت ظل حكم الملك الإمام بطواعية ورغبة صادقة، يحدوا الجميع حبهم الكامن للملك الإمام، ومعرفتهم بنبل مقصده، وجلالة هدفه.
[ ٤١ / ٥٠٠ ]
٨- إن اصطباغ الحياة بشرع الله، وتقييد حركة الإصلاح به عصمة من الزلل، وضمان من الإنحراف والفشل، ولقد كان الملك الإمام عبد العزيز -﵀ - حريصًا على تتبع خطى الشرع الحنيف، والالتزام بأحكامه، حيث مكنه الله في الأرض، ونيل ثمرات الوحدة دون الوقوع في المحاذير والآفات، وفي هذا درس لسائر المصلحين الذين ينشدون الإصلاح والخير للناس، ويسعون في هداهم وإرشادهم أن يعلموا ضرورة الالتزام المطلق بالشريعة في الوسائل والأساليب والأهداف.
٩- كل ذي غاية نبيلة ومقصد طيب حري أن ينعكس هذا على مظهره ومدخله ومخرجه، ليعطي صورة طبق الأصل لما يدعو إليه، وحينئذ فإن النصر حليفه، والتوفيق قرينه، فقد اتصف الملك الإمام عبد العزيز -﵀ - بحسن النية وصلاحها، مع اجتهاده -﵀- بالتضرع لله في الخلوات والإكثار من الاستغفار، وتعفير الجبين في الطاعات، فأعلى الله مقامه ورفع شأنه وسط أعداء كثيرين يزيدون عليه عددًا وعدة، فزالت قوتهم واندثرت هيبتهم وتلاشت سطوتهم، ونصر الله عبده الملك الإمام الصالح عبد العزيز -﵀- وحقق مناه، وأبدله بعد الفقر غنى، وصير ضعفه قوة، وخوفه أمنًا، وغدت المملكة العربية السعودية روضة فيحاء للأمن والأمان ومثابة للسعادة والاطمئنان.
أدام الله عزها ورفع شأنها
المصادر والمراجع
القرآن الكريم
الحديث الشريف
الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان
ترتيب الأمير علاء الدين الفارسي
مؤسسة الكتب الثقافية بيروت ط ١ ١٤٠٧هـ.
الكتب الأخرى:
١- أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح العمراني والديني في جزيرة العرب:
ت محمد حامد الفقي ط١ القاهرة ١٣٥٤هـ.
٢- تاريخ العرب الحديث والمعاصر:
ت عبد الرحيم عبد الرحمن ط٢ القاهرة.
٣- تاريخ الدولة السعودية حتى الربع الأول من القرن العشرين:
ت د/ مديحة أحمد درويش ط٣ جده ١٤٠٥هـ.
[ ٤٢ / ١ ]
٤- تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها وحاضرها:
ت صلاح الدين مختار منشورات دار الحياه بيروت.
٥- توحيد المملكة:
ت محمد المانع ط١ الدمام.
٦- جزيرة العرب في القرن العشرين:
ت حافظ وهبة ط١ القاهرة ١٩٥٥م.
٧ - حالة الأمن في عهد الملك عبد العزيز:
ت رابح لطفي جمعة منشورات دارة الملك عبد العزيز.
٨ - الحركة الوهابية:
(رد على مقال الدكتور محمد البهي في نقد الوهابية) بقلم د/ محمد خليل هراس طبع توزيع الجامعة الإسلامية ١٣٩٦هـ.
٩ - الدعوة في عهد الملك عبد العزيز:
ت د / محمد ناصر الشثري ط١ ١٤١٧هـ.
١٠- الدرر السنية في الأجوبة النجدية:
جمع عبد الرحمن قاسم ط بيروت ١٣٨٥هـ.
١١- السعوديون والحل الإسلامي:
ت محمد جلال كشك ط ١ القاهرة ١٤٠٤هـ.
١٢- شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز:
ت خير الدين الزركلي ط ١ دار الملايين بيروت.
١٣- عبد العزيز وعبقرية الشخصية الإسلامية:
ت د/ عبد العزيز شرف / محمد إبراهيم شعبان ط١ ١٤٠٣هـ مصر.
١٤- عنوان المجد في شارع نجد:
ت عثمان بن بشر ط٤ الرياض ١٤٠٢هـ.
١٥- المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود:
ت محمد منبر أحمد البديوي ط١ ١٣٨٧هـ.
١٦- المصحف والسيف:
ت محي الدين القابسي ط٢ الرياض.
١٧- الملك عبد العزيز ووضع قواعد التنظيم القضائي في المملكة:
ت سعود سعد الدريب ط١ جدة ١٤٠٨هـ.
١٨- من تاريخ الملك عبد العزيز ومواقفه النادرة:
ت سعد الرويشد منشوارت جامعة الإمام.
١٩- الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز:
ت خير الدين الزركلي دار العلم للملايين بيروت ط٤ ١٩٨٤م.
الجرائد:
جريدة أم القرى العدد ٢٢٨ - ٣٣٣ - ٣٤١ - ٣٤٢ - ٤٣٢ - ٩٨٩.
[ ٤٢ / ٢ ]
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الوجيز ص٣٠
[٢] سورة الأنفال آية ٦٣
[٣] الوجيز ص٢٤٩
[٤] عبد العزيز والشخصية الإسلامية ص٣٨
[٥] المصدر السابق ص٦٤
[٦] هو الأستاذ عبد الوهاب عزام ﵀
[٧] المتوكل على الودود ص٣٤٢
[٨] سورة النحل آية ١٢٥
[٩] سورة الشورى آية ٣٨
[١٠] الوجيز ص١٦٠
[١١] المصدر السابق ص ١٦١
[١٢] المصدر السابق ص٢١٧.
[ ٤٢ / ٣ ]