كتابة العدل
"ولاية التوثيق"
في المملكة العربية السعودية
د/ عبد الله بن محمد بن سعد الحجيلي
الأستاذ المشارك في قسم القضاء والسياسة الشرعية
بكلية الشريعة في الجامعة الإسلامية
المقدمة
الحمد لله الذي أنزل القرآن المبين، على قلب سيد المرسلين، فجعله حجة على العالمين، وأودع فيه من الحكمة والعلوم ما به سعادة البشرية جمعاء إلى يوم الدين، فمن أخذ به نجا، ومن نبذه هلك، والحجة قائمة عليه، ولا يضر إلا نفسه، ولله ميراث السماوات والأرض.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله الأمين، أفضل الأنبياء والمرسلين، الذي جاء بهذا النور المبين، وأبلغه للناس كافة، فلم يلتحق بالرفيق الأعلى إلا وقد ضرب الإسلام بسرادقه، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وعلى آله وذريته وعلى الخلفاء الراشدين، الذين ورثوا ميراث النبوة، وقاموا بالأمر من بعده على سننه وهداه وعلى صحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
ومن الأئمة المقتدين بآثار الرسول الكريم ﷺ، والخلفاء الراشدين، الإمام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -رحمه الله تعالى-، الذي غامر بنفسه، مع فئة قليلة من أصحابه، ففتح مدينة الأباء والأجداد، الرياض في ٥/١٠/١٣١٩هـ، فكان فتحه للرياض فتحًا للجزيرة العربية بكاملها، وانطلق من الرياض مشرقًا ومغربًا، ومُشمِلًا ومجنبًا، حتى هدم الحصون المفرقة لأجزاء مناطق الجزيرة العربية فوحدها، وإلى قلاع الشرك فاجتثها، وإلى بذور الجاهلية ومفاخرها فقلعها، وإلى القلوب العمياء فأنارها بمنار العلوم، فأضحت المملكة العربية السعودية اليوم مضرب المثل في الأمن والتآلف، والوحدة، والعلم، والعقيدة الصحيحة، والأخوة الصادقة، والتقدم المستمر.
فلله ما أعظمه من قائد!!، ولله ما أجلها من فتوح!!
[ ٤٢ / ٤ ]
وبمناسبة الاحتفال المئوي بتأسيس المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه، أحببت أن أشارك في موضوع بعنوان "كتابة العدل ولاية التوثيق في المملكة العربية السعودية"، والأهداف التي من أجلها كتبت في هذا الموضوع كثيرة أهمها ما يلي:
١- كانت الجزيرة العربية قبل الملك عبد العزيز، تعيش في ظلام دامس، نتيجة الفتن والحروب بين القبائل المتناحرة المتغالبة، التي كل منها يريد الزعامة، والظفر بملك الجزيرة، مهما كلفه ذلك من ثمن، ولو كان الثمن إهلاك الحرث والنسل، فجاء الملك عبد العزيز فقطع دابر الفتن القائمة.
٢- كانت الأمم المجاورة للجزيرة العربية تتدخل في شئون الجزيرة العربية حتى تتمكن من تحقيق أهدافها في هذا الجو المضطرب، فجاء الملك عبد العزيز فوحد الجزيرة وحماها من الطامعين.
٣- كانت الأمم الأوربية وبعض الدول العربية الإسلامية تعيش في نهضة تعليمية وعلمية، وجزيرة العرب تعيش في جهل وظلام دامس، فجاء الملك عبد العزيز فأبدل ظلامها نورًا، وجهلها علمًا.
٤- أقام الملك عبد العزيز الدولة السعودية الثالثة على أساس متين من العلم والمعرفة، والنظم الحضارية المأخوذة من الشريعة الإسلامية، وهذا -هو بيت القصيد- فضرب المثل الرائع لكل أحد في سن الأنظمة المأخوذة من الشريعة الخالدة.
٥- كان كثير من الدول الإسلامية والعربية معجبة بأنظمة الغرب، فقامت بنقل تلك الأنظمة وترجمتها إلى العربية، وهي غريبة في اللسان المنتزع فكان عملهم مزيجًا من الخلط الفكري والاستعمار الثقافي، فجاء الملك عبد العزيز -﵀- فأقام الحجة على كافة المسلمين في عصره بأن في شرع الله الخالد الغني عن تلك الأنظمة المستوردة.
[ ٤٢ / ٥ ]
٦- عهد الملك عبد العزيز إلى مجلس الشورى سن الأنظمة المأخوذة من الشريعة الغراء، وبعد الاطلاع عليها واعتمادها قام بإبلاغها لكافة مُدراء الإدارات الحكومية في عصره، وهي أحكام إمامية سلطانية واجبة التطبيق على كل أحد، ولا يعفى من تجاوزها أحد؛ لأن في تطبيق الأنظمة حفظ هيبة الدولة، وفرض سلطانها، وإعطاء كل ذي حق حقه بموجب الأنظمة المرعية، فيسود الأمن ويتحقق العدل.
٧- الأنظمة التي عهد الملك عبد العزيز -﵀- إلى مجلس الشورى بسنها لكافة المصالح الحكومية، وقد بلغ عددها في عصره بضع مئات من الأنظمة، لا زال الكثير منها مطبقًا إلى اليوم، وهذه الأنظمة كما هو معلوم عند علماء السياسة الشرعية يراعى فيها الحال، والزمان، والمكان، عند الإصدار والتطبيق، ويعيد النظر فيها ولي الأمر المرة تلو الأخرى، أو في أجزاء وفقرات منها، فما وافق العصر أقره، وما تجاوزه العصر عدله.
٨- من أهم الأنظمة التي أصدرها الملك عبد العزيز، الأنظمة القضائية من قضاء وكتابة العدل، وديوان المظالم والحسبة وغير ذلك.
وقد اخترت نظام كتابة العدل موضوعًا لبحثي، وسأوضح معالم البحث في موجز خطتي في الفقرة التالية.
هذه هي أهم الأسباب الداعية لاختيار هذا الموضوع وهي أسباب وجيهة تدعو كل قارئ لحفز الهمة لقراءة هذا البحث لمعرفة بعض جهود الملك عبد العزيز -﵀- في هذا الجانب، والله من وراء القصد.
خطة البحث
يتكون البحث من فصلين وكل فصل يحتوي على عدة مباحث ومطالب.
أما الفصول فهي كالتالي:
[ ٤٢ / ٦ ]
الفصل الأول: ولاية التوثيق "خطة العدالة"في الفقه الإسلامي، والقصد من هذا الفصل والمباحث المتفرعة عنه، إلقاء الأضواء على بعض أحكام ولاية التوثيق، والتعريف بها، ومعرفة مكانتها من الولايات القضائية، والإحاطة بأهم شروط الموثق وآدابه، وهو جهد تأصيلي في هذا الجانب حتى يكون لدى القارئ عند انتقاله إلى قراءة الفصل الثاني العلم التام بأهم الأحكام الشرعية لهذه الولاية الجليلة في الفقه الإسلامي.
أما الفصل الثاني: فألقيت فيه الأضواء على تاريخ كتابة العدل في المملكة العربية السعودية منذ إنشائها، وأهم النظم الصادرة المنظمة لها من عهد الملك عبد العزيز إلى الوقت الحاضر، وإرشاد القارئ الكريم إلى أهم مواد نظام كتابة العدل، وهي الولاية العظيمة التي لها دور مباشر في حياة كل فرد من أفراد الأمة، وما هنالك فرد من أبناء هذه البلاد الطاهرة إلا قد احتاج لهذه الولاية الجليلة فراجعها بنفسه أو نيابة عن الغير.
هذه أهم الموضوعات التي سوف يطالعها القارئ الكريم في هذا البحث.
وفي الختام أزجي شكري الجزيل إلى الجامعة الإسلامية ومديرها فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور/ صالح بن عبد الله العبود، الذي حضنا على الكتابة وسهل لنا كافة سبل البحث، ولوكيليه المكرمين، وأسدي شكري الجزيل لفضيلة وكيل وزارة العدل الشيخ الدكتور/ عبد الله محمد اليحيى لتفضله بإصدار توجيهاته لإدارة كتابتي العدل بالمدينة المنورة تسهيل مهمتي البحثية، وأشكر المشايخ الأفاضل الشيخ خالد الحصين، والشيخ عبد العزيز المهنا، والشيخ مريشيد البذيلي لما وجدته منهم من تعاون صادق واستجابة سريعة لكل ما طلبته منهم، وقد استفدت من خبرتهم العريقة في هذا الميدان الشرعي، وأشكر كل من ساعدني بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إعداد هذا البحث، وأسال الله الكريم أن يغفر لي ولوالدي ولحكامنا آل سعود الميامين السابقين والمعاصرين، والحمد لله رب العالمين.
[ ٤٢ / ٧ ]
د. عبد الله بن محمد بن سعد الحجيلي
الفصل الأول
ولاية التوثيق والموثق
(كتابة العدل في الفقه الإسلامي)
المبحث الأول: تعريف الولاية في اللغة والاصطلاح.
المبحث الثاني: أنواع الولايات الدينية (السلطانية) .
المبحث الثالث: أولاية التوثيق ولاية عامة أم جزئية؟.
المبحث الرابع: تعريف التوثيق في اللغة والاصطلاح.
المبحث الخامس: تعريف ولاية التوثيق "العدالة"وذكر بعض أحكامها.
المبحث السادس: مشروعية تعيين ولاة التوثيق وكتاب الوثائق الشرعية.
المبحث السابع: شروط الموثق (كاتب العدل عند الفقهاء) .
المبحث الثامن: آداب كاتب الوثائق الشرعية (كاتب العدل) .
المبحث التاسع: شروط صحة كتابة الوثيقة الشرعية عند الفقهاء.
المبحث الأول
تعريف الولاية في اللغة والاصطلاح
المطلب الأول: تعريف الولاية في اللغة [١]:
الولاية -بفتح الواو- تأتي بمعنى النصرة والسلطة.
تقول: وليت الأمر، أًلِيْهِ -بكسرتين- وِلاية -بالكسر-: توليته، وَوَلِيت البلد، وعليه، والفاعل: (والٍ)، والجمع ولاة.
ولي الشيء وِلايةً، ووَلاية، وهي المصدر-، وبالكسر، والمراد بها: الخطة، والإمارة، والسلطان، وهو المراد هنا.
المطلب الثاني: الولاية في اصطلاح الفقهاء:
قسم فقهاء الإسلام الولاية إلى نوعين رئيسين هما:
النوع الأول: الولاية العامة:
عرّفها الفقهاء بصورة موجزة فقالوا: "الولاية حق تنفيذ القول على الغير شاء أم أبى" [٢]، وهذا الحق تدخل فيه كل الولايات العامة والخاصة، ومن الولايات العامة (ولاية السلطان، وولاية القاضي، والمحتسب، ووالي التوثيق، وغيرهم من أصحاب الولايات الدينية والإدارية) .
وعرفها بعض المعاصرين وهو د. نزيه حماد بقوله:
[ ٤٢ / ٨ ]
"سلطة تدبير المصالح العامة للأمة، وتصريف شؤون الناس، والأمر والنهي فيهم" [٣]، ويندرج تحت هذا التعريف كل الولايات الشرعية كالإمامة العظمى، وإمارات الأقاليم، والبلدان، والوزارة، والقضاء، والشرطة..، الخ.
وهناك تعريف آخر ذكره الأستاذ الزرقا:
"هي سلطة شرعية لشخص في إدارة شأن ما، وتنفيذ إرادته فيه على الغير" [٤] .
وهذا التعريف أوجز من سابقة، ولكن السابق أشمل وأعم لكل الولايات الشرعية، ويؤخذ على الثاني قوله: "تنفيذ إرادته فيه"، والحقيقة أنَّه لا يجوز له أن ينفذ إرادته، إنما ينفذ ما توصل إليه باجتهاده في تنفيذ الأحكام أو الأنظمة التي خولته إياها السلطات، وولاية التوثيق جزء من الولاية العامة في الشريعة الإسلامية.
وهي لب الحديث في هذا البحث المقصور عليها وعلى أحكامها.
النوع الثاني: الولاية الخاصة:
وعرفها الأستاذ/ صالح جمعة الجبوري بقوله:
"هي قدرة الإنسان على التصرف الصحيح النافذ لنفسه أو لغيره جبرًا أو اختيارًا" [٥] .
وهي بهذا الاعتبار أنواع كثيرة وباعتبارات متعددة بحسب طبيعة ما تتناوله وهذه إشارة موجزة لأهم أنواعها [٦]:
أ - الولاية على النفس: كقيام الكبير العاقل بإدارة شئون القاصر الخاصة به غير المالية كالتربية أو التعليم أو التزويج، أو أخذ الدية أو تنفيذ القصاص، ونحو ذلك.
ب - الولاية على المال: وهي القدرة على إنشاء العقود الخاصة بالمال وتنفيذها، كقيام الكبير العاقل الراشد على مال المحجور عليه ونحو ذلك.
ج – الولاية على النكاح، وهي ولاية النظر في أمر النكاح أو الإذن فيه أو المنع منه.
وذكرتها هنا موجزة لأنها ليست من صميم البحث، إنما استدعى الحديث عنها الحديث عن أقسام الولاية الشرعية.
المبحث الثاني
نواع الولايات الدينية (السلطانية)
[ ٤٢ / ٩ ]
حصر بعض الفقهاء المصنفين في علم الأحكام السلطانية والولايات الدينية أنواع الولايات الدينية، وليس قصدهم عند ذكرهم العدد الحصر، إنما هو تفصيل بعض أحكام الولايات الذائعة المشهورة في عصرهم، ومن هؤلاء الأئمة الإمام أبو يعلى الفراء الحنبلي في كتابة "الأحكام السلطانية"، والإمام الماوردي الشافعي كذلك، ومن المتأخرين الإمام ابن جماعة الشافعي، والإمام القرافي المالكي، والإمام ابن فرحون المالكي وغيرهم، وهذا سرد مجمل لأهم الولايات الدينية التي ذكروها كما نص عليها الإمام أبو يعلى الحنبلي:
١ - الإمامة العظمى "الخلافة". ٢ - الوزارة.
٣ - إمارة البلدان والأقاليم. ٤ - ولاية القضاء.
٥ - ولاية المظالم.
٦ - ولاية النقابة على ذوي الأنساب.
٧ - ولاية الإمامة على الصلوات. ٨ - ولاية الحج.
٩ - ولاية الصدقات. ١٠ - ولاية الجرائم.
١١ - ولاية الحسبة، وغير ذلك كثير.
وكلٌ من الإمامين أبي يعلى الفراء والماوردي لم يذكرا ولاية التوثيق صراحة ضمن الولايات الدينية إنما ذكروا أحكامها مندرجة ضمن ولاية القضاء.
ولكن هنالك من ذكرها صراحة كالإمام القرافي في الأحكام، والإمام ابن خلدون في مقدمته، والإمام ابن الأزرق في كتابه بدائع السلك، فهي عند الإمام القرافي خمسة عشر ولاية، هي [٧]:
١ - الإمامة الكبرى.
٢ - الوزارة.
٣ - ولاية الإمارة على البلدان والأقاليم.
٤ - وزير الأمير المولى على القطر.
٥ - الإمارة الخاصة بتدبير الجيوش.
٦ - ولاية القضاء.
٧ – ولاية المظالم
٨ - ولاية نواب القضاة.
٩ - ولاية الحسبة.
١٠ - الولايات الجزئية المستفادة من القضاة وغيرهم [كولاية التوثيق] .
١١ - الولاية المستفادة من آحاد الناس (التحكيم) .
١٢ - ولاية السعاة وجباة الصدقة.
١٣ - ولاية الخرص.
[ ٤٢ / ١٠ ]
١٤ - ولاية قسم الغنائم ونحوها.
١٥ - ولاية المقوم والمترجم.
فالإمام القرافي بعد هذا التعداد تكلم عن الفروق بينها، وعد ولاية التوثيق ولاية جزئية، أما الإمام ابن خلدون فعدها ولاية عامة، وذكرها كإحدى "الخطط الدينية الخلافية".
ومما قاله: "اعلم أًنًّ الخطط الدينية الشرعية من الصلاة والفتيا والقضاء والجهاد والحسبة كلها مندرجة تحت الإمامة الكبرى التي هي الخلافة، فكأنها الإمام الكبير، والأصل الجامع، وهذه كلها متفرعة عنها، داخلة فيها، لعموم نظر الخلافة، وتصرفها في سائر أحوال الملة الدينية والدنيوية، وتنفيذ أحكام الشرع فيها على العموم" [٨]، ثم ذكر الخطط الدينية الخلافية ومنها:
١- إمامة الصلاة. ٢- خطة الفتيا.
٣- خطة القضاء. ٤- خطة النظر في المظالم.
٥- خطة صاحب الشرطة. ٦- خطة العدالة [أي ولاية التوثيق] .
٧- خطة الحسبة والسكة.
وماذكره الإمام ابن خلدون فيما مضى من إندراج كل الوظائف الإدارية والدينية والأمنية والحربية تحت مظلة الإمامة الكبرى، هذا هو الحق الذي لا محيد عنه، وتابعه في هذا القول الإمام ابن الأرزق في كتابة (بدائع السلك في طبائع الملك)، ومما قاله:
"إن حقيقة الخلافة نيابة عن الشارع في حفظ الدين وسياسة الدنيا به، وأن الملك مندرج فيها، وتابع للقصد بها، وعند ذلك، فتمام القيام به اتباعًا لمقاصد الخلافة ما أمكن ذلك، متوقف على تولية خططها، من يقوم بها على التعين، لتعذر وفاء السلطان بها مباشرة، وأمهات ما يذكر منها جملة" [٩] .
ثم ذكر أمهات الخطط الدينية وهي [١٠]:
الخطة الأولى: "إمامة الصلاة".
الخطة الثانية: "الفتيا".
الخطة الثالثة: "التدريس".
الخطة الرابعة: "القضاء".
الخطة الخامسة: "العدالة" [أي ولاية التوثيق] .
الخطة السادسة: "الحسبة".
[ ٤٢ / ١١ ]
الخطة السابعة: "السكة".
ونختم الحديث عن الخطط الدينية بقول الإمام ابن خلدون: "وبالجملة فقد اندرجت رسوم الخلافة ووظائفها في رسوم الملك والسياسة في سائر الدول في هذا العهد"، وما قاله الإمام ابن خلدون حق وصدق، فكل الولايات الحكومية، هي ولايات شرعية مهما كان نوعها وحالها، وقد نصَّ على ذلك الإمام ابن تيمية حين قال: "جميع الولايات هي في الأصل ولايات شرعية، ومناصب دينية، فكل من عدل في ولاية من هذه الولايات فساسها بعلم وعدل، وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان، فهو من الأبرار الصالحين، وكل من ظلم وعمل فيها بظلم فهو من الفجار الظالمين، وإنما الضابط قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [١١]، [والآيتان من سورة الانفطار (١٣،١٤)] .
المبحث الثالث
أولاية التوثيق ولاية عامة أم جزئية؟
تمهيد: حدود الولاية الشرعية:
ذهب الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم والإمام ابن فرحون معتمدا على كلامهما، مورده في مجال الاستشهاد بهما والانتصار لهما، أن الولاية الشرعية لا حد لها في عرف الشرع، وأًن هذا راجع إلى العرف والعادة والتنظيمات التي يقوم ولي الأمر بإصدارها والعمل بها في أي زمان أو مكان، قال الإمام ابن فرحون عن الولاية الدينية:
"واعلم أن الذي ينبغي أن يعول عليه العرف، وقد قال الإمام العلامة شمس الدين محمد بن قيم الجوزية الحنبلي: "اعلم أن عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية، يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف، وليس لذلك حد في الشرع، فقد يدخل في ولاية القضاء في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمنة، ما يدخل في ولاية الحرب، وقد يكون في بعض الأمكنة والأزمنة قاصرة على الأحكام الشرعية فقط" [١٢] .
وقال الإمام ابن تيمية في تفصيل أكثر لما شاع في عصره من تنوع اختصاصات أصحاب الولايات الشرعية قال:
[ ٤٢ / ١٢ ]
"فولاية الحرب في عرف هذا الزمان في هذه البلاد الشامية والمصرية تختص بإقامة الحدود التي فيها إتلاف، مثل قطع يد السارق، وعقوبة المحارب، ونحو ذلك، وقد يدخل فيها من العقوبات ما ليس فيه إتلاف كجلد السارق، ويدخل فيها الحكم في المخاصمات والمضاربات، ودواعي التهم التي ليس فيها كتاب ولا شهود، كما تختص ولاية القضاء بما فيه كتاب وشهود، وكما تختص بإثبات الحقوق والحكم في مثل ذلك، والنظر في حال نُظَّار الوقوف، وأوصياء اليتامى، وغير ذلك مما هو موقوف، وفي بلاد أخرى كبلاد المغرب، ليس لوالي الحرب حكم في شيء، وإنما هو منفذ لما يأمر به متولي القضاء، وهذا اتباع للسنة القديمة" [١٣] .
فيستفاد من ولاية القضاء في كل قطر ما جرت به العادة واقتضاه العرف، وهذا هو التحقيق في هذه المسألة، والله ﷾ أعلم.
واستشهد الإمام ابن فرحون على صحة ما ذهب إليه الإمام ابن القيم بذكر واقعة تاريخية فقال: "وقد جمع للقاضي أبي العباس عبد الله بن أحمد بن طالب -قاضي أفريقيا- النظر والولاية" [١٤] .
فهذا القاضي له ولايات متعددة ولم يحصره ولي الأمر بالقضاء بل أطلق يده في كل الولايات، وهذا جائز شرعًا وعرفًا، ولا حجر في الاصطلاح الشرعي لمصطلح الولاية.
ولاية التوثيق ولاية كاملة أم جزئية:
مرَّ معنا أن الولاية الشرعية لا حدَّ لها في الشرع المطهر، فقد تكون في بعض العصور ولاية تامة كاملة، وقد تكون في بعض العصور ولاية جزئية متحدة مع بعض الولايات الشرعية الأخرى كالقضاء، وهذا ما رجحه بعض الأئمة كالإمام ابن تيمية وابن القيم وابن فرحون وغيرهم وقالوا: لا حد لها في الشرع المطهر، بل ذلك راجع إلى العرف والعادات والمصالح الراجحة، وما قيل عن بعض الولايات الشرعية، ينطبق على ولاية التوثيق، وهذا يعرف من خلال الاستقراء لبعض النصوص التاريخية كشواهد علمية لما ذهبت إليه.
[ ٤٢ / ١٣ ]
كانت كتابة الوثائق في كثير من الدول الإسلامية الماضية عملًا رسميًا من أعمال الدولة، بل ولاية من ولاياتها، وخطة من خططها كبقية الولايات الإسلامية، لهذا أفردها في أبواب مستقلة كخطة من الخطط الإسلامية الإمام ابن الأزرق وابن خلدون في كتبهما تحت مسمى (خطة العدالة)، وفي كتاب الصلة لابن بشكوال في ترجمة (أحمد بن محمد الأموي) قال عن بعض ولاياته الرسمية: "وتولى عقد الوثائق لمحمد المهدي أيام تولية الملك بقرطبة" [١٥] .
وقال ابن بشكوال في ترجمة الحسين بن حي التجيبي: "ولي خطة الوثائق السلطانية في صدر دولة المظفر عبد الملك بن عامر" [١٦] .
والخطة الولاية الكاملة؛ بل إن التجيبي بعد ولايته لخطة الوثائق السلطانية تولى القضاء في عدد من مدن الأندلس كباجة ومدينة سالم وجيان وغيرها.
وفي الغالب لا يتولى هذه الخطة الشريفة إلا من برع في فقهها، فها هو الإمام أحمد بن محمد بن عفيف بن عبد الله الأموي، -الماضي ذكره- يقول عنه ابن بشكوال: "وعني بالفقه، وعقد الوثائق والشروط فحذقها، وشهر بتبريزه فيها" [١٧]، فلما فاق المعاصرين من أقرانه كان جديرًا بأن يتولى هذه الولاية العظيمة التي عرف أسرارها، وأجاد فقهها، وحذق فنونها.
وقد فصل القول الإمام القرافي في حديثه عن الولايات الشرعية وأحكامها وما تفيده كل ولاية وهذا بعض ما قاله:
[ ٤٢ / ١٤ ]
"من الولايات ما لا يفيد أهلية شيء من الأحكام، ومنها ما يفيد أهلية الأحكام كلها، ومنها ما يفيد أهلية بعض الأحكام، ومنها ما يحتملها من حيث الجملة، ثم الولاية لها طرفان وواسطة، فأعلاها الخلافة التي هي الإمامة الكبرى، وأدناها التحكيم الذي يكون بين المتنازعين، وبين هذين الطرفين وسائط كثيرة" [١٨]، ثم سرد الولايات الشرعية وأنواعها وأحكامها، وقال عن الولاية الجزئية المستفادة من القضاة وغيرهم -ككتاب الوثائق، ومأذوني الأنكحة، وغيرهم، وجعلهم في الرتبة العاشرة من الولايات الشرعية- ما نصه:
"الولاية الجزئية المستفادة من القضاة وغيرهم كمن يتعاطى العقود والفسوخ في الأنكحة فقط، أو النظر في شفاعات الأيتام أو عقودهم فقط، فيفوض إليه في ذلك النقض والإبرام على ما يراه من الأوضاع الشرعية، فهذه الولاية شعبة من ولاية القضاء، وله إنشاء الأحكام في غير المجمع عليه، وذلك كله فيما وليه فقط، وماعداه لا ينفذ له في حكم البتة" [١٩] .
أما إذا عُدَّت ولاية التوثيق خطة مستقلة، وولاية منفصلة، كما في بعض العصور الإسلامية الماضية، كما هو الحال في عصرنا، فيُعدُّ الموثق نائبًا عن القاضي، وقال القرافي عن نواب القضاة وهم في المرتبة الثانية ضمن درجات الولايات الشرعية، ما نصه:
"نواب القضاة في كل عمل من أعمالهم ومطلقاتهم، مساوون للقضاة الأصول، في أن لهم إنشاء الحكم في غير المجمع عليه، وتنفيذ المجمع عليه، إذا قامت الحجاج، وتعينت الأسباب، وولايتهم مساوية لمنصب الحكم من غير زيادة ونقصان، غير أن الفرق بقلة العمل وكثرته من جهة كثرة الأقطار وقلتها" [٢٠] .
[ ٤٢ / ١٥ ]
وقد يباشر القاضي أو قاضي الجهة الإشراف على الوثائق، فقد ذكر ابن حارث في "قضاة قرطبة"في ترجمة أحمد بن بقي بن مخلد "أنه كان يتعقب كتاب الوثائق، وكان حسن الانتقاء والفطنة في الوثائق، وكان لا يوقع شهادته في وثيقة حتى يقرأ جميعها، من أولها إلى آخرها، وكان بصيرًا على ذلك، وإن كان قائمًا على قدميه" [٢١] . وهذا يدل على أن الوثائق في الغالب خاصة الوثائق التي تصدر من المحاكم الشرعية لا يكتبها إلا العدول، ولابدَّ من تصديق القاضي عليها، وأن القاضي هو المرجع الأعلى لكتاب العدل، وأنه يتعقب أعمالهم ومدى مطابقتها للشرع المطهر، وانضمام مجموعة من الولايات بعضها إلى بعض مذهب معروف مشتهر في التاريخ الإسلامي.
"فهذا أبو جعفر المنصور يضم إلى قاضيه سوار بن عبد الله القاضي ولاية الصلاة والشرطة مع القضاء، وقبله كان عبد الله بن مسعود ﵁ ينظر في أمور بيت المال والقضاء بولاية من عمر بن الخطاب ﵁، وكان عبد الله بن الحسن القاضي في زمن عمر وعثمان ينظر في الصدقة، ومرم الأنهار، ومشاكل المياه، وذكر الكندي أن سليم بن عتر قاضي مصر المشهور جمع له القضاء مع الشرطة، وأن الحسين بن علي بن النعمان فوض له الحاكم الإشراف على دار الضرب والدعوة والقضاء، وذكر وكيع أن عبد الرحمن بن زيد بن حارثة الأنصاري كان قاضيَ المدينة وواليها في عصره، بل قد يصل القاضي إلى درجة الوزارة، فذكر النباهي أن ابن ذكوان قد ولي الوزارة مجموعة إلى قضاء القضاة" [٢٢] .
[ ٤٢ / ١٦ ]
فلا ريبَ بعد هذا كله أن تكون ولاية التوثيق مندرجة في بعض الولايات الشرعية في بعض العصور، وأن تكون مستقلة في عصور أخرى، فهذا يعود لعظم الدولة الإسلامية واتساع سلطانها، ومدى حاجة الناس إلى هذه الولاية، فإذا كثر الناس تعددت الولايات، وإذا قل الناس قلت الولايات؛ لأن القصد من الولايات كلها تصريف شئون الأمة بسهولة ويسر، مع الحزم والصرامة، وإنهاء الحقوق، وحفظها في أقل مدة، وأقصر طريق، وهذا كله يعود إلى نظر الإمام الأعظم "الخليفة"القائم بالأمر في ذلك العصر.
المبحث الرابع
تعريف التوثيق في اللغة والاصطلاح
أولًا: التوثيق في اللغة [٢٣]:
كلمة التوثيق مأخوذة من قولك "وثق بالشيء"-أي قوي وثبت، فهو وثيق: ثابت محكم، وأخذ فلان بالوثيقة في أمره: أي بالثقة، والجمع وثائق، قال ابن فارس: "إن مادة الواو والثاء والقاف -وهي جذر كلمه (وثق) - تدل على "عقد وأحكام"فوثقت الشيء: أحكمته، والميثاق: العهد، والتوثقة في الأمر: إحكامه، وتوثق بالأمر مثله، واستوثق فلان، وتوثقت من الأمر: إذا أخذت فيه بالوثاقة، ومنه: "عقد وثيق: أي محكم"، واستوثقت منه: أخذت في أمره بالوثيقة، ومنه الميثاق والمَوْثق: هو العهد والجمع مواثيق.
وسمي الحلف موثقًا: لأنَّه توثق به العهود وتؤكد.
مما سبق نجد أن معنى الوثيقة في اللغة العربية يطلق على معانٍ عدة منها:
١- العقد والأحكام.
٢- التقوية والثبوت والثقة.
٣- الشدّ والإحكام.
٤- الأخذ بالوثاقة والوثيقة.
٥- العهد والأيمان.
ثانيًا: التوثيق والوثيقة في الاصطلاح:
عرفه الأستاذ الفاضلي بقوله: "التوثيق في الاصطلاح هو: علم يبحث فيه عن كيفية إثبات العقود والالتزامات والتصرفات وغيرها، على وجه يصح الاحتجاج والتمسك به" [٢٤]، والموثق: "هو من يقوم بالتوثيق، أي بكتابة العقد أو الإقرار أو التصرف ونحو ذلك" [٢٥] .
[ ٤٢ / ١٧ ]
والوثيقة هي: "الورقة التي يكتب فيها الموثق، وسميت هذه الورقة وثيقة لأن مادة "وثق"تنبئ عن الربط، فهي شريط كل من المتعاقدين بما التزم به".
والوثيقة الشرعية هي: "الورقة التي يدون فيها ما يصدر من شخص أو أكثر من التصرفات أو الالتزامات أو الإسقاطات أو نحو ذلك، على وجه يجعله منطبقًا على القواعد الشرعية، ومستوفيًا لجميع الشروط التي اشترطها الفقهاء لجعل هذا المدون صحيحًا بعيدًا عن الفساد" [٢٦] .
ويسمى الفقهاء علم التوثيق بعلم الشروط والمحاضر والسجلات، وفيه كتب كثيرة مؤلفة عند كل المذاهب الإسلامية قديمًا وحديثًا.
المبحث الخامس
تعريف ولاية التوثيق "العدالة"وذكر بعض أحكامها
عرفت ولاية التوثيق عند علماء المغاربة باسم "خطة العدالة"وهذا الاسم ليس مقصورًا عليهم بل هو عندهم أشهر، فلقد عرف الشهود باسم "العدول"منذ عصر متقدم من هذا ما روي عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب قوله:
"والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول" [٢٧] .
وقد عرفها بصورة شاملة جامعة الإمام ابن خلدون في مقدمته، وعنه نقل كل من جاء بعده كابن الأزرق في بدائع السلك في طبائع الملك، وغيره من المعاصرين، قال الإمام ابن خلدون عنها [٢٨]:
"العدالة: وظيفة رئيسية تابعة للقضاء ومن مواد تصريفه، وحقيقة هذه الوظيفة القيام عن إذن القاضي بالشهادة بين الناس فيما لهم وعليهم، تحملًا عند الإشهاد، وأداء عند التنازع، وكتبًا في السجلات، تحفظ به حقوق الناس، وأملاكهم، وديونهم، وسائر معاملاتهم"وهذا التعريف يُلاحَظُ فيه نوعٌٍ من الخلط بين ولاية العدالة، ووظيفة العدول "المزكين"في القديم وفي عصره، ولكنه عند ذكر مهامهم الوظيفية يوضح بجلاء الصورة الحقيقية لولاية العدالة في عصره فقال عن طبيعة وظائفهم:
[ ٤٢ / ١٨ ]
"القيام بكتب السجلات والعقود من جهة عباراتها، وانتظام فصولها، ومن جهة إحكام شروطها الشرعية، وعقودها، فيحتاج حينئذٍ إلى ما يتعلق بذلك من الفقه ولأجل هذه الشروط وما تحتاج إليه من المران على ذلك والممارسة له اختص بذلك ببعض العدول" [٢٩]، ولم تكن في عصر الإمام ابن خلدون - وهو العصر المملوكي - لها استقلال تام عن ولاية القضاء، بل كان للقضاة الإشراف عليهم، فقد ذكر مراقبة القضاة لهم وأنها وظيفة تابعة للولاية القضائية من جهة الإشراف ونحوه.
فقال: "ويجب على القاضي تصفح أحوالهم، والكشف عن سيرهم رعاية لشرط العدالة فيهم وأن لا يهمل ذلك، لما يتعلق عليه من حفظ حقوق الناس، فالعهدة عليه في ذلك كله، وهو ضامن دركه" [٣٠] .
وذكر أنها وظيفة مساعدة للعملية القضائية، وأن حاجة الناس إليها ماسة، وكذلك القضاة، فقال: "إذا تعين هؤلاء لهذه الوظيفة، عمت الفائدة في تعيين من تخفى عدالته على القضاة، بسبب اتساع الأمصار، واشتباه الأحوال، واضطرار القضاة إلى الفصل بين المتنازعين بالبينات الموثوقة فيعولون غالبًا في الوثوق بها على هذا الصنف" [٣١] .
ثم ذكر أماكن جلوسهم وتواجدهم في المدن الإسلامية، والفرق بين العدالة والشهادة والجرح.
فقال: "لهم - في سائر الأمصار - دكاكين ومصاطب يختصون بالجلوس عليها فيتعاهدهم أصحاب المعاملات للإشهاد وتقيده بالكتاب، وصار مدلول هذه اللفظة مشتركًا بين هذه الوظيفة التي بين مدلولها وبين العدالة الشرعية التي هي أخت الجرح وقد يتواردان ويفترقان" [٣٢] .
وعقد الإمام ابن الحاج في المدخل فصلًا بعنوان (العدالة) وذكر حال ولاتها في عصره وآداب كاتب العدل ومما قاله:
[ ٤٢ / ١٩ ]
"فإذا تقرر ما ذكر من الهرب من المناصب فمن آكدها الهرب من العدالة، والتشوف إليها، إذ أن الخطر فيها أعظم مما تقدم في القضاء، إذ إن القاضي ليس له أمر ولا نهي في الغالب إلا بشهاداتهم فكأنه أسيرهم، لأنه بحسب ما قالوه حكم، فهم الباعثون له على الحكم" [٣٣] .
ومن خلال كلام ابن خلدون السابق يمكن أن نخرج بالنتائج التالية:
١- أن ولاية العدالة ولاية منفردة عن القضاء، ومن اختصاصات القضاة أو قاضي الجماعة الإشراف عليهم وتسمى في المغرب الإسلامي "بخطة عقد الشروط" [٣٤]، أو "خطة العدالة".
٢- أن وظيفة العدل القيام بدلًا عن القاضي بضبط شهادات الخصوم في السجلات، وكتابة الحقوق، وإصدار الصكوك والحجج الشرعية الخاصة بالديون والأملاك وغير ذلك.
٣- لابدَّ أن يكون المتولي لها عالمًا بعلم الفقه والشروط والسجلات وأحكامها الشرعية، وأن يمارس هذه المهنة ويتمرن عليها حتى يحذقها.
٤- يجب على القاضي تصفح أحوال هؤلاء الشروطيين والعدول والكشف عن سيرهم وأحوالهم.
٥- أن اتساع الأمصار واشتباه الأحوال، وانشغال القضاة سبب من أسباب وجود هذه الولاية الشرعية.
٦- العدول: الشرطيون يجلسون في عصر المماليك في دكاكين خاصة بهم ويحصلون على إجازات وتصريح بالعمل في هذه المهنة الشرعية الجليلة من قبل رئيس القضاة في عصرهم.
٧- أن الفرق شاسع بين مهنة العدول وهم الشروطيون، والعدول الآخرون الذين يشهدون على الناس من جهة العدالة وضدها -"أخت الجرح"- كما وصفهم بذاك الإمام ابن خلدون.
المبحث السادس
مشروعية تعيين ولاة التوثيق، وكتاب الوثائق الشرعية
لقد ثبتت مشروعية تعين ولاة التوثيق وكتاب الوثائق الشرعية بأدلة الكتاب والسنة القولية والفعلية، والإجماع والمعقول.
المطلب الأول: مشروعيته من الكتاب الكريم:
[ ٤٢ / ٢٠ ]
لقد أنزل الله ﷿ في الأمر بكتابة الديون ونحوها أطول آية كريمة في كتابه الكريم، وأحدث آية نزولًا بالعرش.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُب ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢] .
هذه الآية الكريمة أمرت بالكتابة وقد اختلف الفقهاء والمفسرون هل الأمر هنا للوجوب أم للندب؟، وسواء أكان الأمر للندب أم للفرض، فالآية تقرر مبدأ مشروعية الكتابة، ونصب الكتبة، وهم "ولاة التوثيق"، وهذا النصب لا يكون إلا من قبل ولاة الأمر، للآثار العظيمة المترتبة على حجية الوثائق الشرعية وقوة نفاذها، وحاجة الناس إليها في كل زمان ومكان، والاعتماد عليها عند الجحود والإنكار، وحفظ الحقوق بها أزمنة متطاولة، وفصل النزاعات فيها عند القضاء عند التخاصم والتجاحد.
يقول الدكتور/ محمد الزحيلي موضحًا الشاهد من هذه الآية الكريمة: "إن هذه الآية الكريمة أمرت بكتابة الدين لدى كاتب موثوق معتمد، مع توثيق الكتابة بالإشهاد عليها، وهذا السند العادي أو العقد الرسمي الذي يستعمل اليوم في أنحاء العالم، وانتشر استعماله في كل الأمور، وعند كل الأشخاص، يُعَدُّ سندًا في الدين، وحجة في القضاء، يلزم صاحبه، ويلزم القاضي الحكم به ما لم يثبت تزويره أو تغييره" [٣٥] .
وما ذكره الدكتور الزحيلي هو ما نصَّ عليه وفهمه علماء السلف الأجلاء، كالإمام مالك وغيره، قال مالك:
"لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها، عدل في نفسه مأمون، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [٣٦] .
[ ٤٢ / ٢١ ]
ووضح الشاهد من هذه الآية الكريمة الإمام الجصاص بقوله في معرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾: "فيه أمر لمن تولى كتابة الوثائق بين الناس، أن يكتبها بالعدل بينهم، والكتاب وإن لم يكن حتمًا، فإن سبيله إذا كتب أن يكتب على حد العدل والاحتياط، والتوثق من الأمور التي من أجلها يكتب الكتاب، بأن يكون شرطًا صحيحًا جائزًا على ما توجبه الشريعة وتقتضيه، وعليه التحرز من العبارات المحتملة للمعاني، وتجنب الألفاظ المشتركة، وتحري تحقيق المعاني بألفاظ مبينة، خارجة عن حد الشركة والاحتمال، والتحرز من خلاف الفقهاء ما أمكن، حتى يحصل للمتداينين معنى الوثيقة والاحتياط المأمور بها في الآية" [٣٧] .
ومن هنا ترى أنَّه ليس بوسع كل أحد، أن يقوم بكتابة الوثائق، فلابد أن يقوم ولي الأمر باختيار ولاة عدولٍ لهم خبرة ودراية وعلم في فقه الشروط والوثائق، حتى يقوموا بهذا الواجب على أكمل وجه، هذا ما ذكره علماء الإسلام وفهموه من قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ قال الجصاص: "يعني والله أعلم ما بينه من أحكام العقود الصحيحة، والمداينات الثابتة الجائزة، ولأن الكاتب بذلك إذا كان جاهلًا بالحكم لا يأمن أن يكتب ما يفسد عليهما ما قصداه، ويبطل ما تعاقداه"، ومتى كتب فواجب أن يكون على هذه الشريطة كما قال ﷿: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، فانتظم ذلك صلاة الفرض، والنفل غير واجب عليه ولكن من قصد فعلها وهو محدث فعليه ألاَّ يفعلَها إلا بشرائطها من الطهارة وسائر أركانها، فكذلك كتابة الدين والإشهاد عليه ليسا بواجبين ولكنه متى كتب فعلى الكاتب أن يكتبه على الوجه الذي أمره الله تعالى به وأن يستوفي فيه شروط صحته ليحصل المعنى المقصود بكتابته" [٣٨] .
[ ٤٢ / ٢٢ ]
هذا بعض ما فهمه العلماء من قول الله ﷿ عن الكاتب بأن يكتب كما علمه الله تعالى، وهذا يفيد أنَّه لا يجوز أن يتولى هذه الولاية والٍ جاهل بشروطها وأركانها وواجباتها، لهذا جعل العلماء وولاة الأمر في القديم والحديث شروطًا واجبة وشروطًا مستحبة لكل من تقدم لشغل هذه الولاية الشريفة الجليلة.
ولا يستغني عن كُتّاب العدل وولاة التوثيق أحد، خاصة في عصرنا الحاضر الذي شاعت فيه المعاملات التجارية، وكثرت العقود بشتى أنواعها، وتشابكت المصالح بين الأفراد والدول والحكومات تشابكا قويًا لا يمكن أن تقوم المصالح المناطة بهذه المعاملات على سنن العدل إلا بإدارات كتابات العدل.
يقول الشيخ محمد عبده:
"إن كاتب العقود والوثائق بمنزلة المحكمة الفاصلة بين الناس، وليس كل من يخط بالقلم أهلًا لذلك، إنما أهله من يصح أن يكون قاضيَ العدل والإنصاف"، وقال عن وجوب نصب كتاب العدل في معرض شرحه للآية السابقة: "فهذا إرشاد للمسلمين إلى أنَّه ينبغي أن يكون منهم هذا الصنف من الكتاب، فهذه قاعدة شرعية لإيجاد المقتدرين على كتابة العقود، وهم ما يسمون اليوم "بالعقود الرسمية" يتحتم ذلك على هذا القول بأن الكتابة واجبة وعليه العمل الآن فإن للعقود الرسمية كتابًا يختصون بها" [٣٩] .
المطلب الثاني: مشروعيته من السنة المطهرة:
[ ٤٢ / ٢٣ ]
اتخذ النبي الكريم ﷺ الكتابة وسيلة من وسائل تبليغ الرسالة إلى الناس في عصره من عرب وعجم، وكتب بعض الكتب إلى بعض ولاته في بيان الحلال والحرام، وكتب المعاهدات مع قريش وغيرهم، وكتب عقود الصلح والأمان، وأعطى كل من وفد إليه من أمراء الأعراب القطائع العظيمة، وكتب لهم بذلك كتبًا معروفة عند أهل العلم مفردة في كتب لديهم، وكتب إلى أمرائه في البلدان النائية عنه، وكتب كتبًا لقادة السرايا، بل استعملها في عقود البيع والشراء والوصية والقضاء وغير ذلك مما ذكره العلماء في كتب الحديث والفقه والسيرة والتاريخ وغيرها، وهذه نبذ من هذه الكتب العظيمة.
أولًا: حدث أبو هريرة فقال: "لما فتحت مكة قام رسول الله ﷺ - فذكر الخطبة خطبة النبي ﷺ - ثم قال: فقام رجل من اليمن يقال له أبو شاه، فقال: يا رسول الله اكتبوا لي، فقال ﷺ: "اكتبوا لأبي شاه" [٤٠] .
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ أمر بكتابة الحديث له، والأمر بالكتابة يدل على مشروعية كتابة الأحاديث؛ لأنها سبب الحفظ والتذكر والاعتماد عليها عند الحاجة [٤١]، وهذه الخطبة تضمنت أحكامًا شرعية وبلاغًا عامًا للحجاج ولكل من نقلت إليه، وله أن يسمعها ويقرأها ويبلغها غيره، وللغير العمل بها، ولاشك أن حفظ أحكام شرائع الإسلام وتبليغها أهم من حفظ حق آحاد الناس، وما جعل أداة في حفظ الحقوق العامة فهو في الحقوق الخاصة أوجب لأنها تبع لها، لهذا قال الإمام القاري: "قد أمر رسول الله أمته بالتبليغ وقال: "ليبلغ الشاهد الغائب"، فإذا لم يقيدوا ما يسمعونه منه تعذر التبليغ، ولم يؤمن ذهاب العلم، وأن يسقط أكثر الحديث، فلا يبلغ آخر القرون من الأمة، ولم ينكرها أحد من علماء السلف والخلف، فدلَّ ذلك على جواز كتابة الحديث للعلم، والله أعلم [٤٢] .
[ ٤٢ / ٢٤ ]
ثانيًا: كتب النبي ﷺ في المعاهدات والصلح والأمان والصدقات ونحوها:
ومن هذه الكتب أو ما أذن فيه:
أ- كتاب الرسول ﷺ لآل الخطاب في الصدقات ونحوها [٤٣] .
ب- كتاب الرسول ﷺ لعمرو بن حزم في الديات والفرائض والسنن [٤٤] .
ج- صحيفة علي بن أبي طالب في حدود المدينة المنورة وتخوم الأرض [٤٥] .
د- الصحيفة التي كتبها عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ [٤٦] .
هـ- كتاب النبي ﷺ لسراقة بن جعشم فيه أمان له يوم الهجرة [٤٧] .
وكتب النبي ﷺ في الصلح لأهل مكة ويهود المدينة المنورة وغيرهم [٤٨] .
ز- كتب النبي ﷺ لبعض أصحابه قبل موته بشهر في جلد الميتة [٤٩] .
ح- كتاب النبي ﷺ في الأمان لأهل نجران مع خالد بن الوليد [٥٠] .
وجه الدلالة:
فهذه الكتب الصادرة من النبي الكريم ﷺ في أنواع شتى من أحكام الشريعة المطهرة، دليل واضح جليٌّ على أن الكتاب حجة عند من حمل الكتاب ومن بلغه بالخطاب، وعلى هذا كان العمل من قبل أصحاب النبي ﷺ، لهذا اعتبر الفقهاء هذه الكتب حجة شرعية، وبلاغًا عامًّا للأمة، ونقل الكتاب أهل الحديث والسير، وبنى عليه الفقهاء القواعد، واستخرجوا منه الفوائد، ولو لم تكن تلك الكتب حجة شرعية لما رأيناها مدونة في كتب العلماء، ولما أخذ منها العلم الفقهاء، وأضحت نوعًا من العبث، وهذا محال في حق المبلغ والشريعة الغراء.
[ ٤٢ / ٢٥ ]
لهذا عدها العلماء حجة شرعية، وشرعًا باقيًا إلى قيام الساعة، وبناءً على ما مضى فكل كتاب صادر من ذي ولاية شرعية كالإمام أو القاضي أو الموثق فكتابه حجة شرعية يجب العمل بها عند كل العلماء، وتقوم بها الحجة عند الاختصام لدى قضاة العدل في كل زمان، وهذا ما جرى عليه العمل من عهد النبي الكريم ﷺ إلى عصرنا الحاضر.
ثالثًا: كتاب النبي ﷺ في العقود من البيع والشراء وغيره:
أخرج البخاري تعليقًا والترمذي وغيره عن عبد المجيد بن وهب قال: قال لي العداء بن خالد ﵁: "ألا أقرئك كتابًا كتبه لي رسول الله ﷺ؟ قلت: بلى، فأخرج إلي كتابًا: "هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذه من محمد ﷺ، اشترى منه عبدًا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم من المسلم" [٥١] .
وجه الدلالة:
هذا الحديث نص جليٌّ في مشروعية الكتابة وحجيتها والاعتماد عليها عند التنازع؛ فإن الرسول ﷺ كتب وثيقة في البيع، لتكون حجة على المتبايعين عند الاختلاف، وقد فعل النبي ﷺ ذلك تعليمًا منه لأمته، -وإلا فحاشاه ﷺ من الجحود- فهذا دليل صريح على حجية كتابة الوثائق الشرعية، وردّ على من عاند في ذلك، وإلا لما كان لفعل النبي ﷺ فائدة البته.
رابعًا: كتب النبي ﷺ إلى ملوك الأرض من عرب وعجم:
[ ٤٢ / ٢٦ ]
قام الشيخ الإمام عبد الله بن علي بن أحمد الشهير بابن حديدة الأنصاري بحصر ذلك في كتاب سماه "المصباح المضيء في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي" [٥٢]، ولم ينفرد هذا الإمام بهذا التأليف بل سبقه كثير من العلماء كالإمام ابن سعد، وابن شيبة، والقضاعي، وابن عساكر، والسهيلي، والمزني، وابن القيم، وابن كثير، ومن بعدهم ابن طولون، ومن المعاصرين د، محمد حميد الله، وغيرهم كثير.
وكتب من بعد النبي الكريم الخلفاء الراشدون، وهي سنة جارية عند الخلفاء والملوك والأمراء إلى اليوم.
وجه الدلالة:
إن كتب النبي الكريم إلى ملوك الأرض في عصره، دليل على حجية الكتابة في إبلاغ دعوة الإسلام إليهم، وقيام الحجة عليهم عند الله وعند رسوله الكريم، وهذا ما صرح به الفقهاء، نقل الإمام السبكي عن الإمام ابن إسحاق قوله: "إن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر وكتبه حجة عليهم عند الله" [٥٣] .
خامسًا: كتب النبي ﷺ في الإقطاع:
كل من وفد إلى النبي ﷺ من أمراء العرب وغيرهم وطلب منه أن يعطيه شيئًا من الأرض أقطعه إياه، إذا لم تكن هذه الأرض ملكًا خاصًا، أو ذات نفع عام كالمناجم والأودية ونحوها؛ لأن عادية الأرض لله ولرسوله والأئمة من بعده، وقد عقد كل من الإمامين أبي عبيد والإمام ابن زنجويه في كتابيهما في الأموال وهما من علماء السلف، فصولًا خاصة بالقطائع النبوية، ومما ذكروه أَنَّ النبي ﷺ أقطع الزبير بن العوام أرضًا بالمدينة وأرضًا بخيبر، وأقطع بلال بن الحارث المزني العقيق أجمع، وأقطع فرات بن حيان العجلي أرضًا باليمامة، وأقطع أبا ثعلبة الخشني أرضًا بالروم قبل الفتح، وأقطع تميمًا الداري قُريّات بالشام [٥٤]، وغيرهم كثير.
وجه الدلالة:
[ ٤٢ / ٢٧ ]
فكتب القطائع وثائق شرعية من قبل النبي الكريم لأمرائه في عصره وبعد عصره، في إنفاذ ما أقطع لهم، وعدم منازعتهم في الأراضي المقطعة لهم، ولو نازعهم أحد فيها فعلى الأمراء والقضاة الاعتماد على كتب القطائع في فصل الخصام، وأصبحت تلك الكتب حججًا شرعية حتى فقدت من أصحابها، وعادت الأراضي بورًا، كما كانت أول مرة، ويحكي الإمام ابن زنجويه أن النبي ﷺ أقطع مجاعة بن مرارة العجلي أرضًا باليمامة، وقد أقر هذا الإقطاع الخلفاء حتى عصر عمر بن عبد العزيز الأموي، ورأى كتاب النبي ﷺ فأخذه منه وقبله ورده إلى صاحبه، فهذا دليل على حجية هذه الكتب في كل العصور إذا علمت عين الأرض، وبقيت في أيدي أصحابها، ولم تعد بورًا كحالتها الأولى قبل الإقطاع، والله أعلم.
المطلب الثالث: مشروعيته من أفعال النبي ﷺ:
إن نصب ولاة التوثيق وكتاب العدل وتعيينهم من الواجبات المناطة بولاة الأمر، ولا يجوز لأحد أن يتخذ التوثيق مهنة، أو حرفه بدون إذن من ولي الأمر ومن فعل ذلك فقد افتات عليه.
وهذه الأحكام الشرعية وضحها علماء الإسلام أتم توضيح لأن كل السلطات مجموعة بيد ولي الأمر، وهو الذي يقوم بتوزيعها على الولاة الأكفاء، وله الحق في جميع السلطات، وتجزئتها بحسب الحاجة إليها في الدولة الإسلامية، يقول الإمام القرافي موضحًا اجتماع كل السلطات والولايات بيد الرسول الكريم ﷺ وهو القدوة لكل الحكام في كل العصور والأزمنة ما نصه:
[ ٤٢ / ٢٨ ]
"اعلم أن رسول الله ﷺ هو الإمام الأعظم، والقاضي الأحكم، والمفتي الأعلم، فهو ﷺ إمام الأئمة، وقاضي القضاة، وعالم العلماء، فجميع المناصب الدينية، فوضها الله تعالى إليه في رسالته، وهو أعظم من كل من تولى مناصبها في ذلك المنصب إلى يوم القيامة، فما من منصب ديني إلا وهو متصف به في أعلى رتبة، غير أن الغالب تصرفه ﷺ بالتبليغ؛ لأن وصف الرسالة غالب عليه، ثم تقع تصرفاته منها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعًا، ومنها ما يجمع الناس على أنَّه بالقضاء، ومنها ما يجمع الناس على أنَّه بالإمامة، ومنها ما يختلف العلماء لتردده بين رتبتين فصاعدًا، فمنهم من يغلب عليه رتبة، ومنهم من يغلب عليه أخرى، ثم تصرفاته ﷺ بهذا الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة، فكل ما قاله أو فعله على سبيل التبليغ، كان ذلك علمًا عامًّا إلى الثقلين إلى يوم القيامة، فإن كان مأمورًا به أقدم عليه كل أحد بنفسه، وكذلك المباح، وإن كان منهيًّا عنه اجتنبه كل أحد بنفسه، وكل ما تصرف فيه - ﵊ - بوصف الإمامة، لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداءً به - ﵊ -؛ ولأن سبب تصرفه فيه بالإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك، وما تصرف فيه ﷺ بوصف القضاء لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم حاكم اقتداءً به ﷺ؛ ولأن السبب الذي لأجله تصرف فيه ﷺ بوصف القضاء يقتضي ذلك" [٥٥] .
[ ٤٢ / ٢٩ ]
ولاشك أن نصب ولاة التوثيق وكتاب العدل وغيرهم من الولاة من تصرفاته ﷺ بموجب منصب الإمامة وهذا ما ذكره العلماء، وبه ضرب المثال الإمام القرافي بعد أن ذكر القاعدة الماضية فذكر المثال على تصرفاته بموجب منصب الإمامة فقال، "مثل بعث الجيوش لقتال الكفار والخوارج ومن تعين قتاله، وصرف أموال بيت المال في جهاتها، وجمعها من محالها، وتولية القضاة والولاة الولايات العامة..، عُلِم أنَّه تصرف فيه ﷺ بطريق الإمامة دون غيرها" [٥٦] .
وأول من قام بنصب ولاة التوثيق النبي الكريم ﷺ، فقد كان للنبي ﷺ مجموعة من الكتبة، لهم اختصاصات متعددة.
وقد نص أهل التاريخ على أن من هؤلاء الكتاب من خصه النبي ﷺ بكتابة الديون والبيع والشراء ونحو ذلك من الاختصاصات والمهام المناطة بولاة التوثيق، قال الإمام القضاعي بعد أن ذكر بعض كتاب النبي ﷺ واختصاصاتهم ومهامهم الكتابية ما يلي: "وكان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان المداينات والمعاملات" [٥٧] .
فتبين من خلال هذا النص أن النبي الكريم ﷺ خص بعض كتابه من الصحابة بهذه الولاية الجليلة فعهد إلى المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير أن يقوما بكتابة المداينات والمعاملات الجارية بين أهل المدينة القاطنين فيها، أو الطارئين عليها، وهذه الوظائف التي أسندت إليهم هي الوظائف التي يقوم بها اليوم كتاب العدل في عصرنا الحاضر.
[ ٤٢ / ٣٠ ]
ويمكن أن نستخرج من هذا النص أن هذه الولاية الشرعية لا يجوز أن يقوم بها أحد من تلقاء نفسه، خاصة إذا كانت ولاية عامة يخضع لها كل مواطني الدولة إلا بإذن صريح من ولي الأمر؛ لأن الوثائق الصادرة من قبل هؤلاء الولاة لا يمكن أن تكون وثائق شرعية ذات قوة في النفاذ والتطبيق في تملك الحقوق وأخذها والدفاع عنها، إلا إذا كانت صادرة من صاحب ولاية مأذون له.
المطلب الرابع: مشروعيته من الإجماع:
الإجماع على جواز كتابة الوثائق والعهود، وتحصين الحقوق بالصكوك، وحفظ الأموال بالكتابة، أمر مجمع عليه من عصر النبي ﷺ ثم الخلفاء الراشدين، وفي كل العصور الإسلامية إلى عصرنا الحاضر.
ولقد حكى الإجماع أكثر من فقيه، وهذه نبذ من مقالاتهم:
قال الإمام السرخسي: "والناس تعاملوه أي -كتابة الوثائق- من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا..، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بعلم الشروط" [٥٨] .
ومثله قال الجلالي في شروطه، وأبونصر في رسومه [٥٩]، والامام السمناني في روضته [٦٠]، وقال: "وهو فعل أئمة العدل والجور"أي: في كل زمان ومكان مضى فيما مضى من العصور الإسلامية السالفة.
وقال الإمام ابن القيم:
"لم يزل الخلفاء والقضاة والأمراء والعمال يعتمدون على كتب بعضهم لبعض، ولا يشهدون حاملها على ما فيها، ولا يقرؤونها عليه، وهذا عمل الناس من زمن نبيهم إلى الآن".
فها هو الإمام ابن القيم ينقل الإجماع على الاحتجاج بالكتب عامة مهما كان نوعها، سواء أكانت صكوكًا شرعية، أم عهود ولاية، أم كتاب قاض منه إلى آخر، وغير ذلك من أنواع الوثائق والتوثيق المتعددة.
المطلب الخامس: مشروعيته من المعقول:
وقد نص عليه كثير من الفقهاء قديمًا وحديثًا.
قال الإمام الجلالي:
[ ٤٢ / ٣١ ]
"إن في ترك الكتابة والإشهاد ضياع الحقوق والأموال، وقد أمرنا بصيانتها، ونهينا عن إضاعتها في كافة الأحوال، ثم الكتابة فضيلة سنية من بين الفضائل، أربت روائح شمائلها على نفحات الشمائل، ومنقبه رضيه، اعترف بنباهة شأنها الُمعَرّقُ والُمشَيّمُ، واخبر بعلو مكانها المُنجِدُ والُمتهِمُ" [٦١] .
والكتابة حجة شرعية نص عليها الفقهاء في كتبهم، وعدَّوها من البينات المرجحات، منهم جماهير الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة وغيرهم.
قال الإمام ابن تيمية:
"العمل بالخط مذهب قوي بل هو قول جمهور السلف" [٦٢] .
وقال الإمام ابن القيم - في معرض تعليقة على حديث الهبة الصحيح -:
"والحديث كالنص في جواز الاعتماد على خط الموصى، وكتابه ﷺ إلى عماله وإلى الملوك وغيرهم تدل على ذلك؛ ولأن الكتابة تدل على المقصود فهي كاللفظ، ولهذا يقع بها الطلاق" [٦٣] .
وقال أيضًا:
"إن إجماع أهل الحديث قاطبة على اعتماد الراوي على الخط المحفوظ عنده، وجواز التحديث به إلا خلافًا شاذًّا لا يعتد به، ولو لم يعتمد على ذلك لضاع الإسلام اليوم، وسنة رسول الله ﷺ، فليس بأيدى الناس -بعد كتاب الله- إلا هذه النسخ الموجودة من السنن، وكذلك كتب الفقه الاعتماد فيها على النسخ، وقد كان رسول الله ﷺ يبعث كتبه إلى الملوك وغيرهم، وتقوم بها حجته، ولم يكن يشافه رسولًا بكتابه بمضمونه قط، ولا جرى هذا في مدة حياته ﷺ، بل يوقع الكتاب مختومًا، ويأمره بدفعه إلى المكتوب إليه، وهذا معلوم بالضرورة لأهل العلم بسيرته وأيامه" [٦٤] .
[ ٤٢ / ٣٢ ]
وقال أيضًا: "إن الكتابة على الحجارة والحيوان وكتب العلم أقوى من هذه الأمارات بكثير، فهي أولى أن يثبت بها حكم تلك الكتابة، ولاسيما عند عدم المعارض، أما إذا عارض ذلك بينه لا تتهم، ولا تستند إلى مجرد التبديل بذكر سبب الملك واستمراره فإنها تقدم على هذه الأَمارات" [٦٥] .
وإذا نظرنا إلى حاجة الناس إلى التوثيق في عصرنا الحاضر وجدناها حاجة ماسة، لا يمكن الاستغناء عنها بحال من الأحوال، لدفع الحرج والمشقة عنهم في عصر كثرت فيه المعاملات المالية بين الشعوب في شتى القارات الست، وتشعبت صورها، وتعددت حالاتها، وأصبح العالم اليوم قرية واحدة -كما يقولون-.
فلو لم يكن التوثيق للحقوق في شتى صورها اليوم معتمدًا، لتعطلت مصالح الدول والأفراد، وضاعت الحقوق والأموال؛ لعدم الثقة بالشهود، بل الثقة اليوم بالمكتوب، ولوجدوا من المشقة والحرج مالا يعلمه إلا الله، وقواعد الشريعة الخالدة الباقية إلى يوم القيامة ترفع الحرج والمشقة، وتقول: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مطلقًا" [٦٦] .
فاليوم لا تستطيع أن تشتري أدنى بضاعة، من أدنى محل تجاري، إلا بسند كتابي، ولا تستطيع أن تخرج ببضاعتك إلا بإذن مكتوب من صاحب الحق (فاتورة) .
فحاجة المتعاملين بالنقد أو الدين في عصرنا الحاضر داعية إلى اعتماد التوثيق، واعتباره من الحاجات الخاصة التي تنزل منزلة الضروريات في القواعد الفقهية، والحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة [٦٧] .
[ ٤٢ / ٣٣ ]
فلا ريب أن رفع الحرج والمشقة عن الأفراد والدول من مقاصد الشريعة الغراء، وكذلك حفظ الحقوق بكافة أنواعها، والشريعة الغراء جاءت صالحة لكل زمان ومكان، كاملة من غير زيادة أو نقصان، وهذه الخصائص الفريدة التي امتاز بها الدين الخالص الخاتم المهيمن على كل نظام ونحله وقانون، وفيه الغناء عن كل مذهب ونحلة وقوانين مستوردة، فنحن نحض الشعوب الإسلامية كافة إلى تحكيم الشريعة الغراء، ونبذ ما خالفها؛ لأن الصلاح والسعادة والأمن بتطبيقها، والشقاء والضياع بنبذها، والله الهادي إلى سواء السبيل.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] القاموس: ص١٢٠٩ (ول ي) . - المصباح: ص٢٥٨ (ول ي) .
- المعزب: ص٤٥٨ (ول ي) . - لسان العرب: مادة (ول ي) .
[٢] حاشية ابن عابدين (رد المحتار) ٣/٥٥.
[٣] معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء: ص٣٥٨.
[٤] الولاية العامة للمرأة: ص١٢.
[٥] الولاية على النفس في الشريعة الإسلامية، ص٣١.
[٦] انظر: المصادر التالية:
- التعريفات للجرجاني: ص٢٥٤.
- التوقيف على مهمات التعريف: ص٧٣٤.
- معجم لغة الفقهاء: ص٥١٠.
- المدخل الفقهي العام للزرقا: ٢/٨٠٤.
[٧] الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام ص (٨٣-٨٧) .
[٨] مقدمة ابن خلدون: ص٢١٩، وانظر الصفحات (٢١٨-٢٢٦) من المقدمة.
[٩] بدائع السلك: ١/٢٣٦.
[١٠] انظر بدائع السلك: ١/٢٣٦-٢٦٨.
[١١] مجموع الفتاوى ٢٨/٦٩.
[١٢] الطرق الحكمية: ص١٩٩، انظر: تبصرة الحكام: ١/١٨.
[١٣] مجموع الفتاوى: ٨/٢٩.
[١٤] تبصرة الحكام: ١/١٩.
[١٥] الصلة: ١/٥٤٣.
[١٦] الصلة: ١/١٣٩.
[١٧] نفس المصدر السابق.
[ ٤٢ / ٣٤ ]
[١٨] الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام ص٨٣.
[١٩] المصدر السابق: ص٨٥، قارن بكتاب تبصرة الحكام: ١/٢٠.
[٢٠] المصدر السابق: ص٨٥.
[٢١] قضاة قرطبة: ص١١٥.
[٢٢] انظر نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي "السلطة القضائية"للقاسمي (١/٢٩٥-٣٠٣) .
[٢٣] انظر المعاجم التالية:
-معجم مقاييس اللغة: ٦/٨٥ مادة "وثق".
-تاج العروس: ٦/٨٥ مادة "وثق".
-لسان العرب: ١٠/٢٧٢-٣٧١ مادة "وثق".
-أساس البلاغة: ص٤٩٢ مادة "وثق".
-المصباح المنير: ص٢٤٨ مادة "وثق".
-المغرب للمطرزي ص٤٧٦ مادة "وثق".
-معجم لغة الفقهاء، ص٤٩٩ مادة "وثق".
-المعجم الوسيط ص١٠٢٢ مادة "وثق".
[٢٤] مذكرات في علم التوثيق: ص٤.
[٢٥] مذكرات في علم التوثيق: ص٤.
[٢٦] مذكرات في علم التوثيق: ص٥.
[٢٧] السنن الكبرى للبيهقي: ١٠/١٦٦.
[٢٨] مقدمة ابن خلدون: ص٢٢٤-٢٢٥.
[٢٩] المصدر السابق.
[٣٠] المصدر السابق.
[٣١] المصدر السابق.
[٣٢] مقدمة ابن خلدون: ص٢٢٥.
[٣٣] المدخل: ٤/١٥٩.
[٣٤] معلمة الفقه المالكي: ص٢٧٠، وأحال على الأعلام للمراكشي: ١/٣٥٤.
[٣٥] وسائل الإثبات: ص٤٢٦.
[٣٦] تفسير القرطبي: ٣/٣٨٤.
[٣٧] أحكام القرآن: ٢/٢٠٨-٢٠٩.
[٣٨] أحكام القرآن: ٢/٢٠٩.
[٣٩] تفسير المنار: ٣/١٢١ (نسبه المؤلف للإمام محمد عبده) .
[٤٠] صحيح البخاري: ١/٢٠٥ رقم (١١٢)، وأطرافه [٢٤٣٤، ٦٨٨٠] .
- سنن الترمذي: ٥/٣٩ رقم (٢٦٦٧) .
- سنن أبي داود (عون المعبود) ١٠/٨١ رقم: (٣٦٣٢)، - جامع الأصول: ٨/٢٦.
[٤١] وسائل الإثبات: ص٤٢٧.
[٤٢] عون المعبود: ١٠/٨٠.
[ ٤٢ / ٣٥ ]
[٤٣] أخرجه أبو داود بطرق متعددة: ٢/٢١٤-٢٢٧ الأحاديث رقم (١٥٦٧، ١٥٦٨، ١٥٦٩، ١٥٧٠) وفي الحديث الأخير قال ابن شهاب: "هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه في الصدقة وهي عند آل عمر بن الخطاب"، (٢/٢٢٦) .
- والحديث أخرجه النسائي في باب زكاة الإبل، رقم: (٢٤٤٩) .
[٤٤] أخرجه النسائي: ٨/٥٧-٥٨، والحاكم: ١/٣٩٧، والدارقطني: ٣٧٦، وابن حبان: والبيهقي: ٤/٨٩، ومالك: ٢/٨٤٩.
[٤٥] أخرجه البخاري: ١/٢٠٤ رقم (١١١)، ١٢/٤١ رقم (٦٧٥)، ومواضع أخرى كثيرة، صحيح مسلم: ٢/١١٤٧ رقم: (١٣٧٠) .
[٤٦] أبو داود ٤/٦٠ رقم (٣٦٤٦)، ابن عبد البر في جامع بيان العلم ص٨٩-٩٠.
الدارمي: ١/١٢٥، الإمام أحمد في المسند بالأرقام (٦٥١٠، ٦٨٠٢، ٦٩٣٠، ٧٠١٨) .
وقال محقق المسند: "إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير الوليد بن عبد الله، وهو ثقة".
[٤٧] صحيح البخاري مع الفتح: ٧/٢٣٨ رقم (٣٩٠٦) تعليقًا، صحيح مسلم: ٤/٢٣١٠ باب حديث الهجرة أخرجه موصولًا، البيهقي في الدلائل: ٢/٤٨٣-٤٩٠، السيرة النبوية لابن هشام: ٢/١٠٢، قال ابن حجر: "وصله الحاكم في الإكليل والإسماعيلي والمعافا في الجليس"، فتح الباري: ٧/٢٤٠.
[٤٨] كتاب الأموال للإمام أبي عبيد: ص١٦٨-١٩٢.
[٤٩] أخرجه أحمد (٤/٣١١)، وأبو داود: رقم (٤١٢٧)، والنسائي: ٧/١٧٥، وابن ماجه: رقم (٣٦١٣)، الطيالسي: ١٢٩٣، الطحاوي: ١/٢٧، وغيرهم كثير.
[٥٠] كتاب الأموال لأبي عبيد: ص١٨٢-١٨٤.
[٥١] فتح الباري: ٤/٣٠٩-٣١١، وقال ابن حجر: "سنده حسن أخرجه البخاري تعليقًا".
- الترمذي في جامعه: ٣/٥١١ كتاب الشروط رقم: (١٢١٦)، وقال: "حديث حسن غريب".
ابن ماجة في سننه: ٢/٧٥٦ كتاب التجارات رقم: (٢٢٥١) .
- ابن الجارود في المنتقى: ص٢٥٦ رقم (١٠٢٨) .
[ ٤٢ / ٣٦ ]
- جامع الأصول: ١/٤٩٦ وقال المحقق: "حديث حسن".
- مشكاة المصابيح: ٢/٨٦٨ وقال المحقق: "إسناد حسن".
[٥٢] نشر دار الندوة الحديدة، بيروت لبنان، الأولى، ١٤٠٦هـ، وله طبعات غيرها.
[٥٣] الأِشباه والنظائر للسبكي: ١/٨٩.
[٥٤] الأموال لأبي عبيد: ص٢٥٣-٢٦٣. - الأموال لابن زنجويه: ١/٣١٦.
[٥٥] الفروق: ١/٢٠٦.
[٥٦] الفروق: ١/٢٠٧.
[٥٧] تاريخ القضاعي: ص٢٣٧-٢٣٨، وقد أورد مثل هذا النص الجهشياري في كتابه الوزراء والكتاب: ص١٢-١٣، والمسعودي في التنبيه والإشراف: ص٢٨٢-٢٨٣.
[٥٨] المبسوط:٣٠/١٦٨.
[٥٩] شروط الجلالي /الورقة (٩٧)، رسوم القضاة: صفحة ٢٤.
[٦٠] روضة القضاة: (١/١١٣)
[٦١] شروط الجلالي: الورقة ٧/أ، المعرق: أراد الداخل إلى العراق، المشيم/ أراد: الداخل إلى الشام.
[٦٢] مختصر الفتاوي المصرية: ص٦٠١.
[٦٣] الطرق الحكمية لابن القيم: ص١٧٥.
[٦٤] الطرق الحكمية لابن القيم: ص١٧٤.
[٦٥] " " " ": ص١٧٩.
[٦٦] القوعد والفوائد الأصولية لابن اللحام ص٩٤، ١٠٤.
[٦٧] الأشباه النظائر للسيوطي: ص ٨٨.
[ ٤٢ / ٣٧ ]