الأثر المشهور عن الإمام مالك ﵀ في صفة الاستواء
دراسة تحليلية
إعداد
د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
الأستاذ المشارك في كلية الدعوة وأصول الدين
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فهذا القسم الثاني من دراستي لأثر الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة ﵀ المتعلق بصفة الاستواء، وقد سبق في القسم الأول من هذه الدراسة الحديث عن مكانة هذا الأثر وأهميته لدى أهل العلم، وبيان ثبوته عن الإمام مالك ﵀ بالأسانيد الصحيحة وذكر الشواهد على هذا الأثر من الكتاب والسنة، وذكر نظائر هذا الأثر من خلال ما ورد عن السلف الصالح ﵏، كل ذلك سبق في الفصل الأول من هذه الدراسة، وفي هذا القسم نستكمل ما بقي من فصول هذه الدراسة، حيث بقي ثلاثة فصول وهي:
- ذكر معنى هذا الأثر مدلوله، وما يستفاد منه من ضوابط في توحيد الأسماء والصفات.
- إبطال تحريفات أهل البدع لهذا الأثر.
- ذكر فوائد عامة مأخوذة من هذا الأثر. والله الكريم نرجو التوفيق والسداد.
الفصل الثاني:
في ذكر معنى هذا الأثر وبيان مدلوله وما يستفاد منه
من ضوابط في توحيد الأسماء والصفات
لا شك أنَّ هذا الأثر يتضمّن معاني عميقة ودلالات دقيقة ويشتمل على فوائد عظيمة ودروس قوية متعلّقة بتوحيد الأسماء والصفات، بل بالمنهج الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم في أمور الغيب عمومًا، ومن هنا حاز هذا الأثر على استحسان أهل العلم وثنائهم، وكثر استشهادهم به في مؤلّفاتهم، ولهذا رأيتُ إفراد هذا الفصل لبيان معاني هذا الأثر ودلالاته وما يستفاد منه من دروس وضوابط.
ولما كان هذا الأثر ينتظم جُملًا أربعًا رأيت أن أفرد لكل جملة منها مبحثًا مستقلًاّ لبيان ما فيها من دروس وفوائد.
المبحث الأوّل: في معنى قوله: "الاستواء غير مجهول"والضوابط المستفادة منه.
[ ٤٢ / ٣٧٥ ]
المبحث الثاني: في معنى قوله:"الكيف غير معقول"والضوابط المستفادة منه.
المبحث الثالث: في معنى قوله: "الإيمان به واجب"والضوابط المستفادة منه.
المبحث الرابع: في معنى قوله: "والسؤال عنه بدعة"والضوابط المستفادة منه
المبحث الأوّل:
في معنى قوله: "الاستواء غير مجهول"والضوابط المستفادة منه
مراد الإمام مالك ﵀ بقوله: "الاستواء غير مجهول"ظاهرٌ بيِّنٌ، حيث قصد ﵀ أنَّ الاستواء معلوم في لغة العرب، وقد سبق أن نقلت في مبحث سابق جملةً من النقولات عن أئمّة السلف ﵏ في معنى الاستواء وأنَّ المراد به في اللغة: العلوّ والارتفاع، وهو من الصفات السمعية المعلومة بالخبر، وهو علوٌّ وارتفاعٌ مخصوصٌ وقع بمشيئة الربّ ﵎ وإرادته، فعلاَ ﷾ فوق عرشه كيف شاء سبحانه "فالأصل أنَّ علوَّه على المخلوقات وصفٌ لازمٌ له كما أنَّ عظمته وكبرياءه وقدرته كذلك، وأما الاستواء فهو فعلٌ يفعله ﷾ بمشيئته وقدرته، ولهذا قال فيه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، ولهذا كان الاستواء من الصفات السمعية المعلومة بالخبر، وأما علوُّه على المخلوقات فهو عند أئمّة أهل الإثبات من الصفات العقلية المعلومة بالعقل مع السمع".
والاستواء كما تقدّم له معنى معلوم من لغة العرب وهو العلوّ والارتفاع، لكن ما يضاف إلى الله منه فهو أمرٌ يليق بجلاله وكماله سبحانه لا يشبه ما يكون من المخلوقين، ولا يجوز أن يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوقين وملزوماتها كقولهم: لو كان على العرش لكان محتاجًا إليه، ولو سقط العرش لخرّ مَن عليه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون الجاحدون علوًاّ كبيرًا، لأنَّ الله ﵎ أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة كما أضاف إليه سائر أفعاله وصفاته، فلم يذكر استواء مطلقًا يصلح للمخلوقين ولا عامًاّ يتناول المخلوق، وإنما ذكر استواءً أضافه إلى نفسه الكريمة.
[ ٤٢ / ٣٧٦ ]
فكيف يُتوهَّم أو يُظنّ فيما أضاف الرب سبحانه إلى نفسه أنَّه يشبه ما هو من خصائص المخلوقين، ومن المعلوم أنَّ الإضافة تقتضي التخصيص، فما يُضاف إلى الربّ يخصُّه ويليق بجلاله وكماله، وما يُضاف إلى المخلوق يخصُّه ويليق به وبكونه مخلوقًا ضعيفًا عاجزًا.
فالاستواء المضاف إلى الربّ سبحانه معلومٌ معناه، وهو خاصٌّ بالربّ سبحانه لا يشبه وصف المخلوقين، فكما أنَّه سبحانه له ذاتٌ لا تشبه الذوات فله صفاتٌ لا تشبه الصفات، فمن كان يقرُّ بأنَّ له ذاتًا حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيءٌ فله كذلك سمعٌ وبصرٌ وكلامٌ واستواء ونزول ثابتٌ في نفس الأمر، فهو سبحانه متّصفٌ بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمعُ المخلوقين وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم. وكما أنَّه لا علم للخلق بكيفية ذات الربّ سبحانه فلا علم لهم بكيفية صفاته سبحانه، إذ العلم بكيفية الصفات يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرعٌ عنه وتابع له.
ولهذا فإنَّ الصفات معلومة من حيث المعاني ومجهولة ومتشابهة من حيث الكيفية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والآيات التي ذكر الله فيها أنَّها متشابهات لا يعلم تأويلها إلاّ الله، إنَّما نفى عن غيره علم تأويلها، لا علم تفسيرها ومعناها، كما أنَّه لما سئل مالك ﵁ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"وكذلك ربيعة قبله فبيّن مالك أنَّ معنى الاستواء معلوم، وأنَّ كيفيته مجهولة، فالكيف المجهول هو من التأويل الذي لا يعلمه إلاّ الله، وأما ما يُعلم من الاستواء وغيره فهو من التفسير الذي بيَّنه الله ورسوله.
[ ٤٢ / ٣٧٧ ]
والله تعالى قد أمرنا أن نتدبّر القرآن، وأخبر أنَّه أنزله لنعقله، ولا يكون التدبُّر والعقل إلاّ لكلام بيَّن المتكلِّم مراده به، فأما من تكلّم بلفظ يحتمل معاني كثيرة ولم يبيِّن مراده منها فهذا لا يمكن أن يُتدبّر كلامه ولا يعقل، ولهذا تجد عامة الذين يزعمون أنَّ كلام الله يحتمل وجوهًا كثيرةً، وأنَّه لم يبيِّن مراده من ذلك قد اشتمل كلامهم من الباطل على ما لا يعلمه إلاّ الله، بل في كلامهم من الكذب في السمعيات نظير ما فيه من الكذب في العقليات، وإن كانوا لم يتعمّدوا الكذب، كالمحدِّث الذي يغلط في حديثه خطأ، بل منتهى أمرهم: القرمطة في السمعيات، والسفسطة في العقليات، وهذان النوعان مجمع الكذب والبهتان".
[ ٤٢ / ٣٧٨ ]
ولهذا فقد مضى أهل السنة والجماعة قاطبة على إثبات الصفات للباري سبحانه، وفهم معناها ومدلولها فـ"التفاسير الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان تبيَّن أنَّهم إنَّما كانوا يفهمون منها الإثبات، بل والنقول المتواترة المستفيضة عن الصحابة والتابعين في غير التفسير موافقة للإثبات، ولم يُنقل عن أحد من الصحابة والتابعين حرفٌ واحدٌ يوافق قول النفاة، ومن تدبّر الكتب المصنَّفة في آثار الصحابة والتابعين، بل المصنَّفة في السنة، من (كتاب السنة والرد على الجهمية) للأثرم، ولعبد الله بن أحمد، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبي داود السجستاني، وعبد الله بن محمد الجعفي، والحكم بن معبد الخزاعي، وحشيش بن أصرم النسائي، وحرب بن إسماعيل الكرماني، وأبي بكر الخلاّل، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي القاسم الطبراني، وأبي الشيخ الأصبهاني، وأبي أحمد العسّال، وأبي نعيم الأصبهاني، وأبي الحسن الدارقطني، وأبي حفص بن شاهين، ومحمد بن إسحاق بن منده، وأبي عبد الله بن بطة، وأبي عمر الطلمنكي، وأبي ذر الهروي، وأبي محمد الخلاّل، والبيهقي، وأبي عثمان الصابوني، وأبي نصر السجزي، وأبي عمر بن عبد البر، وأبي القاسم اللالكائي، وأبي إسماعيل الأنصاري، وأبي القاسم التيمي، وأضعاف هؤلاء رأى في ذلك من الآثار الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين، ما يُعلم معه بالاضطرار أنَّ الصحابة والتابعين كانوا يقولون بما يوافق مقتضى هذه النصوص ومدلولها، وأنَّهم كانوا على قول أهل الإثبات المثبتين لعلوِّ الله نفسه على خلقه، المثبتين لرؤيته، القائلين بأنَّ القرآن كلامه ليس بمخلوق بائن عنه.
وهذا يصير دليلا من وجهين:
أحدهما: من جهة إجماع السلف، فإنَّهم يمتنع أن يجمعوا في الفروع على خطأ، فكيف في الأصول؟
الثاني: من جهة أنَّهم كانوا يقولون بما يوافق مدلول النصوص ومفهومها، لا يفهمون منها ما يناقض ذلك.
[ ٤٢ / ٣٧٩ ]
ولهذا كان الذين أدركوا التابعين من أعظم الناس قولًا بالإثبات وإنكارًا لقول النفاة، كما قال يزيد بن هارون الواسطي: "من قال: إنَّ الله على العرش استوى خلاف ما يقرّ في نفوس العامة فهو جهمي".
وقال الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرون نقرُّ بأنَّ الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته".
قال الإمام الصابوني ﵀: "وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا في أنَّ الله تعالى على عرشه وعرشه فوق سماواته، يُثبتون له من ذلك ما أثبته الله تعالى ويؤمنون به ويُصدِّقون الرب ﷻ في خبره، ويُطلقون ما أطلقه ﷾ من استوائه على العرش ويُمرُّونه على ظاهره ويَكِلون علمه إلى الله، ويقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾، كما أخبر الله تعالى عن الراسخين في العلم أنَّهم يقولون ذلك ورَضِيَه منهم فأثنى عليهم به".
وبما تقدّم يتّضح أنَّ مراد الإمام مالك ﵀ بقوله: "الاستواء غير مجهول"أي غير مجهول المعنى، وأنَّه ثابت لله حقيقة على وجه يليق بجلاله سبحانه.
قال ابن قدامة ﵀ في كتابه ذم التأويل: "وقولهم: "الاستواء غير مجهول"أي غير مجهول الوجود، لأنَّ الله تعالى أخبر به، وخبرُه صدقٌ يقينًا لا يجوز الشك فيه، ولا الارتياب فيه، فكان غير مجهول لحصول العلم به، وقد روي في بعض الألفاظ "الاستواء معلوم" ".
ولم يكن أحد من السلف ﵏ يتعرض لنصوص الاستواء أو غيره من الصفات بتأويل يصرف فيه هذه الألفاظ عن معانيها ودلالاتها المعلومة من لغة العرب.
[ ٤٢ / ٣٨٠ ]
روى اللالكائي في شرح الاعتقاد عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنَّه قال: "اتفق الفقهاء كلُّهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الربّ ﷿، من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسّر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج عما كان عليه النبي ﷺ وفارق الجماعة، فإنَّهم لم يصفوا ولم يفسِّروا، ولكن أفتَوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جَهمٍ فقد فارق الجماعة، لأنَّه قد وصفه بصفة لا شيء".
وروى البيهقي وغيره عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم قال: "هذه الأحاديث التي يقول فيها ضحِك ربُّنا مِن قنوط عباده وقُرْب خيره، وأنَّ جهنّم لا تمتلئ حتى يضع ربُّك فيها قدمَه، والكرسي موضع القدمين، وهذه الأحاديث في الرؤية، هي عندنا حقٌّ حَمَلَها الثقات بعضهم عن بعض، غير أنّا إذا سُئلنا عن تفسيرها لا نفسِّرها، وما أدركنا أحدًا يُفسِّرها".
فلم يكن مِن هؤلاء الأئمة مَن يخوض في صفات الله بشيء من التفسيرات الباطلة والتحريفات للنصوص، بل كانوا يمرُّونها كما جاءت بلا تحريف، فالمراد بقول محمد بن الحسن: "لم يُفسِّروا"وقول أبي عبيد "لا نفسِّرها، وما أدركنا أحدًا يفسِّرها"نفي تحريف الصفات وصرفها عن ظاهرها الذي دلّت عليه لغة العرب كما هو الحال عند الجهمية، ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن أورد كلام أبي عبيد المتقدِّم "فقد أخبر أنَّه ما أدرك أحدًا من العلماء يفسِّرها تفسير الجهمية".
وتفسيرات الجهمية لهذه الصفة كثيرة جدًاّ وهي تقارب العشرين، كما قال مرعي بن يوسف الكرمي: "وأما أهل التأويل من الخلَف فقد اختلفوا في الاستواء على نحو العشرين قولًا " وذكرها.
[ ٤٢ / ٣٨١ ]
وهي تأويلات متكلّفة وتحريفات بغيضة تأباها النصوص ويردّها سياق الأدلّة المشتملة على ذكر استواء الربّ ﵎ على عرشه، وكما يقول العلاّمة ابن القيِّم ﵀: "إنَّ استواء الرب المعدى بأداة على المعلق بعرشه المعرّف باللاّم المعطوف بـ"ثمّ"على خلق السموات والأرض المطَّرَد في موارده على أسلوب واحد ونمط واحد، لا يحتمل إلاّ معنىً واحدًا لا يحتمل معنيين ألبتة، فضلًا عن ثلاثة أو خمسة عشر كما قال صاحب (القواصم والعواصم): إذا قال لك المجسِّم ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فقل استوى على العرش يستعمل على خمسة عشر وجهًا فأيُّها تريد؟ فيقال له: كَلاَّ والذي استوى على العرش لا يحتمل هذا اللفظ معنيين ألبتة، والمُدَّعي للاحتمال عليه بيان الدليل، إذ الأصل عدم الاشتراك والمجاز، ولم يذكر على دعواه دليلًا ولا بيّن الوجوه المحتملة حتى يصلح قوله (فأيُّها تريدون وأيُّها تعنون) وكان ينبغي له أن يبيِّن كلّ احتمال ويذكر الدليل على ثبوته، ثم يطالب حزب الله ورسوله ﷺ بتعيين أحد الاحتمالات، وإلاّ فهم يقولون لا نسلِّم احتماله لغير معنىً واحد، فإنَّ الأصل في الكلام الإفراد والحقيقة، دون الاشتراك والمجاز فهم في منعهم أولى بالصواب منك في تعدد الاحتمال، فدعواك أنَّ هذا اللفظ يحتمل خمسة عشر معنى دعوى مجرّة ليست معلومة بضرورةٍ ولا نصٍ ولا إجماعٍ".
إلاَّ أنَّ أشهر تأويلات هؤلاء وأكثرها ذيوعًا بينهم هو قولهم: إنَّ الاستواء المراد به الاستيلاء، وهو تأويل باطل وتحريف فاسد، أبطله أهل العلم من وجوه كثيرة، وفيما يلي تلخيص لبعض الوجوه التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في إبطال هذا التأويل:
[ ٤٢ / ٣٨٢ ]
"أولًا: إنَّ هذا التفسير لم يفسّره أحد من السلف من سائر المسلمين من الصحابة والتابعين، فإنَّه لم يفسِّره أحد في الكتب الصحيحة عنهم، بل أول من قال ذلك بعض الجهمية والمعتزلة، كما ذكره أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات وكتاب الإبانة.
ثانيًا: إنَّ معنى هذه الكلمة مشهور، ولهذا لما سُئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أنس عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ قالا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
ثالثًا: إنَّه إذا كان معلومًا في اللغة التي نزل بها القرآن كان معلومًا في القرآن.
رابعًا: إنَّه لو لم يكن معنى الاستواء في الآية معلومًا لم يحتج أن يقول: الكيف مجهول، لأنَّ نفيَ العلم بالكيف لا ينفي إلاَّ ما قد عُلم أصله، كما نقول: إنَّا نقرُّ بالله ونؤمن به، ولا نعلم كيف هو.
خامسًا: الاستيلاء سواء كان بمعنى القدرة أو القهر أو نحو ذلك هو عام في المخلوقات كالربوبية، فلو كان استوى بمعنى استولى، كما هو عام في الموجودات كلّها لجاز مع إضافته إلى العرش أن يُقال: استوى على السماء، وعلى الهوى، والبحار والأرض، وعليها ودونها ونحوها، إذ هو مستوٍ على العرش، فقد اتفق المسلمون على أنَّه يُقال: استوى على العرش، ولا يُقال استوى على هذه الأشياء، مع أنَّه يُقال استولى على العرش والأشياء، علم أنَّ معنى استوى خاص بالعرش ليس عامًا كعموم الأشياء.
[ ٤٢ / ٣٨٣ ]
سادسًا: أنّه أخبر بخلق السموات والأرض في ستة أيّام ثم استوى على العرش، وأخبر أنَّ عرشَه كان على الماء قبل خلقها، وثبت ذلك في صحيح البخاري عن عمران بن حُصين عن النبي ﷺ قال: "كان الله ولا شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذِّكر كلَّ شيء ثم خلق السموات والأرض"، مع أنَّ العرش كان مخلوقًا قبل ذلك، فمعلوم أنَّه ما زال مستوليًا عليه قبل وبعد، فامتنع أن يكون الاستيلاء العام هذا الاستيلاء الخاص بزمان كما كان مختصًاّ بالعرش.
سابعًا: أنَّه لم يثبت أنَّ لفظ استوى في اللغة بمعنى استولى، إذ الذين قالوا ذلك عمدتهم البيت المشهور:
ثم استوى بِشر على العراق
من غير سيفٍ ولا دم مهراق
ولم يثبت نقل صحيح أنَّه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنَّه بيت مصنوع لا يُعرف في اللغة، وقد علم أنَّه لو احتجّ بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى صحّته، فكيف بيت من الشعر لا يُعرف إسناده؟! وقد طعن فيه أئمة اللغة، وذُكر عن الخليل كما ذكره أبو المظفر في كتابه الإفصاح قال: "سُئل الخليل هل وجدتَ في اللغة استوى بمعنى استولى؟ فقال: هذا ما لا تعرفه العرب، ولا هو جائز في لغتها". وهو إمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا يُعرف حمل باطل.
ثامنًا: أنَّه روي عن جماعة من أهل اللغة أنّهم قالوا: لا يجوز استوى بمعنى استولى إلاَّ في حقِّ من كان عاجزًا ثم ظهر، والله سبحانه لا يعجزه شيء، والعرش لا يغالبه في حال، فامتنع أن يكون بمعنى استولى، فإذا تبيّن هذا فقول الشاعر:
ثم استوى بِشر على العراق
لفظ مجازي لا يجوز حمل الكلام عليه إلاَّ مع قرينة تدل على إرادته، واللفظ المشترك بطريق الأولى، ومعلوم أنَّه ليس في الخطاب قرينة أنَّه أراد بالآية الاستلاء.
[ ٤٢ / ٣٨٤ ]
وأيضًا فأهل اللغة قالوا: لا يكون استوى بمعنى استولى إلاَّ فيما كان منازعًا مغالبًا، فإذا غلب أحدهما صاحبه قيل: استولى، والله لم ينازعه أحد في العرش، فلو ثبت استعماله في هذا المعنى الأخص مع النزاع في إرادة المعنى الأعم لم يجب حمله عليه بمجرّد قول بعض أهل اللغة مع تنازعهم فيه، وهؤلاء ادّعوا أنّه بمعنى استولى في اللغة مطلقًا.
تاسعًا: أنَّ معنى الاستواء معلوم علمًا ظاهرًا بين الصحابة والتابعين وتابعيهم، فيكون التفسير المحدث بعده باطلًا قطعًا، وهذا قول يزيد بن هارون الواسطي، فإنَّه قال: "إنَّ من قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ خلاف ما تقرّر في نفوس العامة فهو جهمي"، ومنه قول مالك: "الاستواء معلوم"، وليس المراد أنَّ هذا اللفظ في القرآن معلوم كما قال بعض الناس: استوى أم لا؟ أو أنَّه سُئل عن الكيفية ومالك جعلها معلومة، والسؤال عن النزول ولفظ الاستواء ليس بدعة ولا الكلام فيه، فقد تكلّم فيه الصحابة والتابعون، وإنَّما البدعة السؤال عن الكيفية".
وقد أبطل العلاّمة ابن القيم هذا التأويل الفاسد في كتابه الصواعق المرسلة من اثنين وأربعين وجهًا، فلم يدَعْ ﵀ لمبطل متعلّقًا.
فإذا تبيّن فساد هذا التأويل الذي هو أشهر تأويلات هؤلاء، فإنَّ ما سواه من التأويلات أشدّ فسادًا وأكثر بعدًا عن الحق والصواب.
وقبل أن أختم هذا المبحث أودّ التنبيه على أمرين:
الأول: كلام القاضي أبي يعلى في كتابه إبطال التأويلات بعد أن ذكر أثر أم سلمة في آية الاستواء حيث قال: "فقد صرّحت بالقول بالاستواء غير معقول، وهذا يمنع تأويله على العلوّ والاستيلاء".
قال هذا ﵀، مع أنَّ لفظ الأثر عنده "الاستواء غير مجهول"أي غير مجهول المعنى وهو العلو والارتفاع كما تقدّم فكيف يُقال: إنَّه يمتنع تأويله بالعلوّ، مع أنَّ هذا هو معنى اللفظ في لغة العرب.
[ ٤٢ / ٣٨٥ ]
الثاني: قول القرطبي بعد أن نقل ما قيل في معنى الاستواء حيث قال: "أظهر الأقوال وإن كنتُ لا أقول به ولا أختاره ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء الأخيار أنَّ الله سبحانه على عرشه كما أخبر في كتابه بلا كيف بائنٌ من جميع خلقه، هذا جملة مذهب السلف الصالح".
فهو كلام غريب من مثله ﵀، إذ كيف يكون على علم بتظاهر الآيات عليه وقول الفضلاء الأخيار به وأنَّه مذهب السلف الصالح ثم يصرّح بأنَّه لا يقول به ولا يختاره، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلال﴾، ولذا قال السفاريني ﵀ بعد أن نقل كلامه هذا: "وفي قوله ﵀: "وإن كنتُ لا أقول به" غاية العجب، لأنَّه اعترف بتظافر الآيات القرآنية عليه ودلالة الأخبار النبوية إليه، وتعويل السلف الصالح الأخيار عليه، فكيف يليق من مثله أن يقول: "وإن كنتُ لا أقول به ولا أختاره"مع الدلالات القرآنية والأحاديث النبوية، وكونه معتقد الرعيل الأول والحزب الذي عليه المعوَّل ". وبالله وحده التوفيق.
المبحث الثاني:
في معنى قوله: "والكيف غير معقول"والضوابط المستفادة منه
قول الإمام مالك ﵀ في الاستواء: "والكيف غير معقول"هو نظير قول غير واحد من أئمة السلف في إثبات الصفات عمومًا: "بلا كيف"، وقد سبق نقل بعض ألفاظهم في ذلك ومنها غير ما تقدّم:
قول سفيان بن عيينة: "كلُّ شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره ولا كيف ولا مثل".
وقول وكيع: "نسلم هذه الأحاديث كما جاءت ولا نقول كيف هذا، ولِمَ جاء هذا".
وسبق أن مرَّ معنا قول مالك نفسه ﵀، وغيره من أئمة السلف في الصفات: "أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف".
[ ٤٢ / ٣٨٦ ]
قال شيخ الإسلام: "فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب" موافق لقول الباقين: "أمرُّوها كما جاءت بلا كيف"فإنَّما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرّد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول"، ولما قالوا: "أمرُّوها كما جاءت بلا كيف"، فإنَّ الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا بل مجهول بمنزلة حروف المعجم وأيضًا فإنَّه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، إنّما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات، وأيضًا فإنَّ من ينفي الصفات الجزئية أو الصفات مطلقًا لا يحتاج إلى أن يقول: "بلا كيف"فمن قال: إنَّ الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف. وأيضًا فقولهم: "أمرُّوها كما جاءت"يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنّها جاءت ألفاظًا دالّة على معاني، فلو كانت دلالتُها منتفية لكان الواجب أن يُقال: أمرّوا لفظها مع اعتقاد أنَّ المفهوم منها غير مراد، أو أمرّوا لفظها مع اعتقاد أنَّ الله لا يوصف بما دلّت عليه حقيقة، وحينئذ تكون قد أُمِرَّت كما جاءت، ولا يُقال حينئذ: "بلا كيف"، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغوٌ من القول".
وقول السلف ﵏: "الكيف مجهول"أو "بلا كيف"يتضمّن عدّة فوائد أُجملها فيما يلي:
١- قطع طمع العقل في إدراك كيفية صفات الله، وأنَّ ذلك غير ممكن "مهما تصوّر في وهمك فالله بخلاف ذلك".
٢- أنّهم نفوا علمنا بالكيفية، ولم ينفوا أن يكون في نفس الأمر كيفية لا يعلمها إلاَّ هو سبحانه "نفي الشيء غير نفي العلم به""لم يقل مالك: الكيف معدوم، وإنما قال الكيف مجهول".
٣- عدم العلم بالكيفية لا يقدح في الإيمان بالصفات.
[ ٤٢ / ٣٨٧ ]
٤- إثبات الصفة لله حقيقة، لأنَّ من ينفي الصفات ولا يثبتها لا يحتاج أن يقول: "لا كيف".
٥- إنَّ العلم بكيفية الشيء تكون برؤيته أو رؤية نظيره أو الخبر الصادق عنه، والمؤمنون لن يرى أحدٌ منهم ربَّه في الدنيا، والله ﵎ لا نظير له، ولم يأت في الخبر الصادق ذكر لكيفية صفات الباري سبحانه.
٦- إمكانية العلم بكيفية الصفة عند رؤية الله في الآخرة.
٧- بطلان قول المعتزلة وغيرهم الذين ينفون أن يكون له ماهية وحقيقة وراء ما علموه.
٨- التوقّف عند النصوص وما دلّت عليه وعدم تجاوزها فالكيف مجهول، "لأنَّه لم يرد به توقيف ولا سبيل إلى معرفته بغير توقيف".
٩- الردّ على الممثِّلة، لأنَّ كلَّ ممثِّل مكيِّف.
١٠- أنَّ إثبات أهل السنة والجماعة للصفات هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فالمؤمن مُبصِرٌ بها من وجه، أعمى من وجه آخر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "المشهور بين أهل السنة والجماعة أنَّه لا يُقال في صفات الله ﷿ (كيف) ولا في أفعاله (لِمَ) وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أنَّ السلف والأئمة نفوا علمنا الآن بكيفيته، كقول مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول". لم ينفوا أن يكون في نفس الأمر له حقيقة يعلمها هو، وتكلّمنا على إمكان العلم بها عند رؤيته في الآخرة أو غير ذلك، لكن كثيرًا من الجهمية من المعتزلة وغيرهم ينفون أن يكون له ماهية وحقيقة وراء ما علموه".
[ ٤٢ / ٣٨٨ ]
وقال ابن القيم ﵀: "ومراد السلف بقولهم: "بلا كيف"هو نفي للتأويل، فإنَّه التكييف الذي يزعمه أهل التأويل، فإنَّهم هم الذين يثبتون كيفيةً تخالف الحقيقة فيقعون في ثلاثة محاذير: نفي الحقيقة، وإثبات التكييف بالتأويل، وتعطيل الرب تعالى عن صفته التي أثبتها لنفسه، وأما أهل الإثبات فليس أحد منهم يكيِّف ما أثبته الله تعالى لنفسه، ويقول: كيفية كذا وكذا، حتى يكون قول السلف "بلا كيف"ردًّا عليه، وإنّما ردّوا على أهل التأويل الذي يتضمّن التحريف والتعطيل، تحريف اللفظ وتعطيل معناه".
وقال أيضًا: "إنَّ العقل قد يئس من تعرّف كُنه الصفة وكيفيتها، فإنَّه لا يعلم كيف الله إلاَّ الله، وهذا معنى قول السلف "بلا كيف"أي: بلا كيف يعقله البشر، فإنَّ من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعَجْزُنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم.
[ ٤٢ / ٣٨٩ ]
فكيف يطمع العقل المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفية من له الكمال كلّه، والجمال كلّه، والعلم كلُّه، والقدرة كلّها، والعظمة كلّها، والكبرياء كلّها؟ من لو كُشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاته السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، وما وراء ذلك، الذي يقبض سمواته بيده فتغيب كما تغيب الخردلة في كفِّ أحدنا، الذي نسبة علوم الخلائق كلّها إلى علمه أقلَّ من نسبة نقْرة عصفور من بحار العلم الذي لو أنَّ البحر يمدُّه من بعده سبعة أبحر مداد وأشجار الأرض من حين خلقت إلى قيام الساعة أقلام، لفَنِيَ المداد وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلماته، الذي لو أنَّ الخلق من أول الدنيا إلى آخرها، إنسهم وجِنَّهم، وناطقهم وأعجمهم، جُعلوا صفًّا واحدًا ما أحاطوا به سبحانه، الذي يضع السموات على إصبع من أصابعه، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والأشجار على إصبع، ثمّ يهزّهنَّ، ثم يقول: أنا الملك.
فقاتل الله الجهمية والمعطّلة! أين التشبيه ها هنا؟ وأين التمثيل؟ لقد اضمحلَّ ها هنا كلُّ موجود سواه، فضلًا عن أن يكون له ما يماثله في ذلك الكمال، ويشابهه فيه، فسبحان من حجب عقول هؤلاء عن معرفته، وولاّها ما تولّت من وقوفها مع الألفاظ التي لا حرمة لها، والمعاني التي لا حقائق لها.
ولما فهمت هذه الطائفة من الصفات الإلهية ما تفهمه من صفات المخلوقين، فرَّت إلى إنكار حقائقها، وابتغاء تحريفها، وسمَّته تأويلًا، فشبّهت أوَّلًا، وعطّلت ثانيًا، وأساءت الظنَّ بربِّها وبكتابه وبنبيِّه، وبأتباعه".
ثم بيّن ﵀ وجه إساءة هؤلاء الظنّ بربِّهم وكتابه ونبيّهم وأتباعه.
[ ٤٢ / ٣٩٠ ]
وقال الجويني في رسالته (النصيحة في صفات الرب جلَّ وعلا): "وصفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت، غير معقولة له من حيث التكييف والتحديد، فيكون المؤمن بها مبصرًا من وجه، أعمى من وجه، مبصرًا من حيث الإثبات والوجود، أعمى من حيث التكييف والتحديد، وبهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله به نفسه، وبين نفي التحريف والتشبيه والوقوف، وذلك هو مراد الله تعالى مِنَّا في إبراز صفاته لنا لنعرفه بها، ونؤمن بحقائقها وننفي عنها التشبيه، ولا نعطلها بالتحريف والتأويل، لا فرق بين الاستواء والسمع، ولا بين النزول والبصر، لأنَّ الكلَّ ورد في النص".
فهذا هو مراد السلف ﵏ بقولهم: "بلا كيف".
ومع ذلك فقد قال الزمخشري المعتزلي في كشافه: "ثم تعجب من المتسمّين بالإسلام، المتسمّين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبًا، ولا يغرّنك تستّرهم بالبَلْكَفَة، فإنَّه من منصوبات أشياخهم، والقول ما قال بعض العدلية فيهم:
لجماعة سمّوا هواهم سنّة وجماعة حمر لعمري موكفه
قد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا شنع الورى فتستّروا بالبلكفه".
وقد أجاب بعض أهل العلم عن هذين البيتين بمثلهما فقال:
عجبًا لقوم ظالمين تلقّبوا ب العدل ما فيهم لعمري معرفة
قد جاءهم من حيث لا يدرونه تعطيل ذات الله مع نفي الصفة
[ ٤٢ / ٣٩١ ]
ثم هم مع تعطيل الذات ونفي الصفة قد شبّهوا الله ﵎ بخلقه، لأنّهم إنما قالوا بالتعطيل لتوهمهم التشبيه، ففرّوا منه إلى التعطيل، فوقعوا في تشبيه آخر، وهو تشبيه الله بالممتنعات والمعدومات أو الجمادات، وذلك بحسب نوع تعطيلهم، وقد "برّأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنّته عن ذلك كلّه فلم يصفوه إلاَّ بما وصف به نفسه ووصفه به نبيُّه ﷺ، ولم يجحدوا صفاته، ولم يشبّهوها بصفات خلقه، ولم يعدلوا بها عمّا أنزلت عليه لفظًا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، فكان إثباتهم بريًّا من التشبيه، وتنزيههم خليًّا من التعطيل لا كمن شبّه حتى كأنَّه يعبد صنمًا، أو عطّل حتى كأنَّه لا يعبد إلاَّ عدَمًا"، والحمد لله رب العالمين.
المبحث الثالث:
في معنى قوله "والإيمان به واجب"والضوابط المستفادة منه
[ ٤٢ / ٣٩٢ ]
لا ريب أنَّ الإيمان بالاستواء وغيره من صفات الباري سبحانه واجبٌ، وكذلك "الجحود به كفرٌ، لأنَّه ردٌ لخبر الله، وكفرٌ بكلام الله، ومن كفر بحرف متفق عليه فهو كافر، فكيف بمن كفر بسبع آيات وردَّ خبَرَ الله تعالى في سبعة مواضع من كتابه"، وقد سبق أنْ مرّ معنا نصوصٌ كثيرةٌ في مبحث سابق فيها أوضح دلالة على وجوب الإيمان بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة. و"كتاب الله من أوّله إلى آخره، وسنة رسوله ﷺ من أوّلها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوءٌ بما هو إمّا نصٌ وإمّا ظاهرٌ في أنَّ الله ﷾ هو العليُّ الأعلى، وهو فوق كلِّ شيء، وهو على كل شيء، وإنَّه فوق العرش، وإنَّه فوق السماء، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (١) ﴿أَأَمِنْتُمْ مَن فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ (٢) ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ (٣) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ (٤) ﴿تَعْرُجُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (٥) ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ (٦) ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (٧) ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ﴾، في ستّة مواضع، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾، ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاِت فَأَطِّلِعَ إِلَى إِلَهِ ُموَسى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ
_________________
(١) سورة: فاطر، الآية: (١٠) .
(٢) سورة: آل عمران، الآية: (٥٥) .
(٣) سورة: الملك، الآية: (١٦) .
(٤) سورة: الملك، الآية: (١٧) .
(٥) سورة: النساء، الآية: (١٥٨) .
(٦) سورة: المعارج، الآية: (٤) .
(٧) سورة: السجدة، الآية: (٥) .
[ ٤٢ / ٣٩٣ ]
حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١) ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (٢) أمثال ذلك مما لا يحصى إلا بكلفة.
وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بالكلفة، مثل قصة معراج الرسول ﷺ إلى ربّه، ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه، وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار: "فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم".
وفي الصحيح في حديث الخوارج: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً"، وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره "ربّنا الله الذي في السماء، تقدّس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتُك في السماء اجعل رحمتَك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفاءك على هذا الوجع" قال رسول الله ﷺ: "إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء "، وذكره، إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلاّ الله، مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية".
فليس لمسلمٍ يؤمن بوحي الله وتنزيله ويؤمن بما جاء به رسوله ﷺ أن يجحد شيئًا من ذلك أو يتعرَّض له بردٍّ أو تحريفٍ أو نحو ذلك، بل الواجب هو القبول والتسليم والإيمان والتعظيم، و"القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السابقون الأولون لا يُتجاوز القرآن والحديث.
_________________
(١) سورة: غافر، الآيات: (٣٦،٣٧)
(٢) رة: فصلت، الآية: (٤٢) .
[ ٤٢ / ٣٩٤ ]
قال الإمام أحمد ﵁: "لا يوصف إلاَّ بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا يُتجاوز القرآن والحديث"، ومذهب السلف أنّهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونعلم أنَّ ما وصف الله به من ذلك فهو حقٌّ ليس فيه لُغْزٌ ولا أحَاجي، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلّم بكلامه، لا سيما إذا كان المتكلّم أعلم الخلق بما يقول، وأفصح الخلق في بيان العلم، وأفصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد، وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء، لا في نفسه المقدّسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما نتيقّن أنَّ الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا فإنَّ الله منزَّهٌ عنه حقيقة، فإنَّه سبحانه مستحقٌ للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم، ولافتقار المحدَث إلى محدِث، ولوجوب وجوده بنفسه ﷾.
ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل، فلا يمثِّلون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثِّلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فيعطِّلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا ويحرِّفوا الكلم عن مواضعه ويلحدوا في أسماء الله وآياته، وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل، أما المعطِّلون فإنَّهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلاّ ما هو اللاّئق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل، مثّلوا أوّلًا وعطّلوا آخرًا، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقُّه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللاّئقة بالله ﷾".
[ ٤٢ / ٣٩٥ ]
ويمكن تلخيص الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها في ستة أقسام ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وكل قسم منها عليه طائفة من أهل القبلة وهي:
قسمان يقولان: تجرى نصوص الصفات على ظواهرها.
وقسمان يقولان: إنَّ نصوص الصفات على خلاف ظاهرها، أي ظاهرها غير مراد.
وقسمان: يسكتون.
أما الأولون فقسمان:
أحدهما: من يجريها على ظاهرها ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبِّهة، ومذهبهم باطل أنكره السلف، وإليهم يتوجّه الردّ بالحق.
الثاني: من يجريها على ظاهرها اللاّئق بجلال الله، كما يجري ظاهر اسم العليم والقدير والرب والإله والموجود والذات ونحو ذلك على ظاهرها اللاّئق بجلال الله، فإنَّ ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق إمَّا جوهر محدَث، وإمَّا عرَض قائم به.
فالعلم والقدرة والكلام والمشيئة والرحمة والرضا والغضب ونحو ذلك في حق العبد أعراضٌ، والوجه واليد والعين في حقه أجسام، فإذا كان الله موصوفًا عند عامة أهل الإثبات بأنَّ له علمًا وقدرةً وكلاما ومشيئة وإن لم يكن ذلك عرَضًا يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين جاز أن يكون وجه الله ويداه صفات ليست أجسامًا يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين.
وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره عن السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم، وكلام الباقين لا يخالفه، وهو أمر واضحٌ، فإنَّ الصفات كالذات، فكما أنَّ ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات، فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات
[ ٤٢ / ٣٩٦ ]
وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها، أعني الذين يقولون ليس لها في الباطن مدلول هو صفة الله تعالى قط، وأنَّ الله لا صفة له ثبوتية، بل صفاته إما سلبية وإما إضافية وإما مركبة منهما، أو يثبتون بعض الصفات وهي الصفات السبعة أو الثمانية أوالخمسة عشر أو يثبتون الأحوال دون الصفات، ويقرّون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث، على ما قد عرف من مذاهب المتكلّمين، فهؤلاء قسمان:
قسم: يتأوّلونها ويُعيِّنون المراد مثل قولهم: استوى بمعنى استولى، أو بمعنى علوّ المكانة والقدر، أو بمعنى ظهور نوره للعرش، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من معاني المتكلِّمين.
وقسم: يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنَّه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه.
وأما القسمان الواقفان:
فقوم: يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللاّئق بجلال الله، ويجوز أن لا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك، وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.
وقوم: يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات.
فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها".
والصواب في ذلك هو طريق السلف الصالح ﵏، إثباتُ ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسولُه ﷺ من صفات الكمال ونعوت الجلال من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ، ونفيُ ما نفاه الله عن نفسه وما نفاه عنه رسولُه ﷺ من النقائص والعيوب، إثباتٌ بلا تمثيلٍ وتنزيهٌ بلا تعطيلٍ على حدِّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
المبحث الرابع:
في معنى قوله: "والسؤال عنه بدعة"والضوابط المستفادة منه
[ ٤٢ / ٣٩٧ ]
قوله ﵀: "والسؤال عنه بدعة"أي: الكيف، فالسؤال عن كيفية صفات الباري بدعة محدثةٌ، "لأنَّه سؤال عما لا سبيل إلى علمه، ولا يجوز الكلام فيه، ولم يسبق ذلك في زمن رسول الله ﷺ ولا من بعده من أصحابه".
قال الإمام البربهاري ﵀: "احذر صغار المحدثات مِن الأمور، فإنَّ صغارَ البدع تعود كبارًا، فالكلام في الربِّ ﷿ مُحدثٌ وبدعة وضلالة، فلا نتكلّم فيه إلاَّ بما وصف به نفسه، ولا نقول في صفاته: (لِمَ؟)، ولا (كيف؟)، والقرآن كلام الله وتنزيلُه ونوره ليس مخلوقًا، والمِراء فيه كفر".
وهذا من السنة اللازمة المتأكّدة في حق كلِّ مسلم، ومَن فارق ذلك كان معدودًا في جملة أهل البدع والأهواء، كما قال الإمام علي بن المديني ﵀: "السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشرّه، ثم تصديق بالأحاديث والإيمان بها لا يُقال: لِمَ؟، ولا كيف؟ إنَّما هو التصديق بها والإيمان بها وإن لم يعلم تفسير الحديث ويبلغه عقلُه فقد كفى ذلك وأحكم عليه الإيمان به والتسليم".
ثم إنَّه خوض في أمرٍ محالٍ على العقول أن تدركه، فكما أنَّ بصر الإنسان له غاية لا يمكن أن يتجاوزها، وكما أنَّ سمعه له غاية لا يمكن أن يتجاوزها، فكذلك عقله له نطاق محدّد، ومجال لا يمكن أن يتجاوزه.
[ ٤٢ / ٣٩٨ ]
يروى أنَّ رجلًا أتى بابن له إلى عبد الله بن عباس ﵄ فقال: "لقد حيّرت الخصومة عقله، وأذهبت المنازعة قلبه، وذهبت به الكلفة عن ربه، فقال عبد الله: امدد بصرك يا ابن أخي ما السواد الذي ترى؟ قال: فلان، قال: صدقت، قال: فما الخيال المسرف من خلفه؟ قال: لا أدري، قال عبد الله: يا ابن أخي فكما جعل الله لأبصار العيون حدًاّ محدودًا من دونها حجابًا مستورًا فكذلك جعل لأبصار القلوب غاية لا يجاوزها، وحدودًا لا يتعدّاها، قال: فردّ الله عليه غارب عقله، وانتهى عن المسألة عما لا يعنيه، والنظر فيما لا ينفعه، والتفكر فيما يحيِّره".
وهو كلام حسن وتنظير سديد وإن كان لم يثبت عن ابن عباس ﵄ والأمر كما ذكر، فكما أنَّ الله جعل لأبصار العيون حدودًا معلومة فكذلك الشأن في أبصار القلوب، لها مجال محدود لا يمكنها أن تتجاوزه أو تتعدّاه.
أورد هذا الأثر ابن بطة في كتابه الإبانة وقال معلِّقًا عليه: "فاتقوا الله يا معشر المسلمين وانتهوا عن معرفة خلقه، أما تعلمون أنَّ الله ﷿ قد أخذ عليكم ميثاق الكتاب أن لا تقولوا على الله إلاّ الحق، فسبحان الله أنى تؤفكون".
وقد عقد الإمام ابن بطة ﵀ في هذا الموضوع بابًا نافعًا في كتابه الإبانة وهو (باب ترك السؤال عما لا يعني البحث والتنقير عما لا يضر جهله والتحذير من قوم يتعمّقون في المسائل ويتعمّدون إدخال الشكوك على المسلمين) .
أورد تحته جملة من النصوص والآثار منها:
١- حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "اتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فاعملوا منه ما استطعتم".
٢- حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي قال: "هلك المتنطِّعون" ثلاث مرات.
[ ٤٢ / ٣٩٩ ]
٣- عن ابن عباس ﵁ قال: "ما رأيت قومًا كانوا خيرًا من أصحاب رسول الله ﷺ، ما سألوه إلاّ عن ثلاث عشرة مسألة حتى قُبض كلُّهن في القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ﴾ (١) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى﴾ (٢) ﴿وَيَسَأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ (٣) كانوا يسألون إلاّ عمّا ينفعهم".
٤- حديث المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الله ﷿ كره لكم ثلاثًا: قيل وقال وكثرة السؤال".
٥- وعن ابن شبرمة ﵀ قال: "من المسائل مسائل لا يجوز للسائل أن يسأل عنها، ولا للمسؤول أن يجيب فيها".
٦- وعن عمران بن عبد الله الخزاعي قال: مرّ القاسم بن محمد بقوم يتكلّمون في القدر فقال: "انظروا ما ذكر الله في القرآن فتكلموا فيه وما كفّ الله عنه فكفُّوا".
٧- وعن إبراهيم النخعي قال: "كانوا لا يسألون إلاّ عن الحاجة".
٨- وعن ابن مسعود ﵁ قال: "إذا أراد الله بعبد خيرًا سدده وجعل سؤاله عما يعنيه وعلمه فيما ينفعه".
_________________
(١) سورة: البقرة، الآية: (٢١٧) .
(٢) سورة: البقرة، الآية: (٢١٩) .
(٣) ورة: البقرة، الآية: (٢٢٠) .
[ ٤٢ / ٤٠٠ ]
وذكر آثارًا أُخر ثم قال: "فالعجب يا إخواني رحمكم الله لقوم حيارى تاهت عقولهم عن طرقات الهدى، فذهبت تند محاضره في أودية الردى، تركوا ما قدّمه الله ﷿ في وحيه وافترضه على خلقه، وتعبَّدَهم بطلبه وأمرهم بالنظر والعمل به، وأقبلوا على ما لم يجدوه في كتاب ناطق ولا تقدمهم فيه سلَف سابق، فشغلوا به وفرّغوا له آراءهم وجعلوه دينًا يدعون إليه ويعادون من خالفهم عليه، أما علم الزائغون مفاتيح أبواب الكفر ومعالم أسباب الشرك، التكلف لما لم تحط الخلائق به علمًا به، ولم يأت القرآن بتأويله ولا أباحت السنة النظر فيه، فتزيد الناقص الحقير والأحمق الصغير بقوته الضعيفة، وعقله القصير، أن يهجم على سر الله المحجوب، ويتناول علمه بالغيوب يريدها لنفسه، وطوى عليها علمها دون خلقه، فلم يحيطوا من علمها إلاّ بما شاء، ولا يعلمون منها إلاّ ما يريد، فكلما لم ينزل الوحي بذكره ولم تأت السنة بشرحه من مكنون علم الله ومخزون غيبه وخفي أقداره فليس للعباد أن يتكلّفوا من علمه ما لا يعلمون، ولا يتحمّلوا من نقله ما لا يطيقون، فإنه لن يعدو رجل كلف ذلك نظره وقلّب فيه فكره أن يكون كالناظرين في عين الشمس ليعرف قدرها، أو كالمرتمي في ظلمات البحور ليدرك قعرها، فليس يزداد على المضي في ذلك إلاّ بعدًا، ولا على دوام النظر في ذلك إلاّ تحيُّرًا، فليقبل المؤمن العاقل ما يعود عليه نفعه، ويترك إشغال نظره وإعمال فكره في محاولة الإحاطة بما لم يكلفه، ومرام الظفر بما لم يطوقه، فيسلك سبيل العافية، ويأخذ بالمندوحة الواسعة ويلزم الحجة الواضحة والجادة السابلة والطريق الآنسة، فمن خالف ذلك وتجاوزه إلى الغمط بما أمر به والمخالفة إلى ما ينهى عنه، يقع والله في بحور المنازعة وأمواج المجادلة ويفتح على نفسه أبواب الكفر بربه والمخالفة لأمره والتعدي لحدوده، والعجب لمن خلق من نطفة من ماء مهين فإذا هو خصيم مبين، كيف لا يفكر في عجزه عن معرفة خلقه، أما
[ ٤٢ / ٤٠١ ]
يعلمون أنَّ الله ﷿ قد أخذ عليكم ميثاق الكتاب أن لا تقولوا على الله إلاّ الحق فسبحان الله أنى تؤفكون.
حدّثني ابن الصواف، قال: سمعت أبي يقول: سمعت بعض العلماء يقول: "لو كلَّف الله هؤلاء ما كلَّفوه أنفسهم من البحث والتنقير لكان من أعظم ما افترضه عليهم".
فالزموا رحمكم الله الطريق الأقصد والسبيل الأرشد والمنهاج الأعظم من معالم دينكم وشرائع توحيدكم التي اجتمع عليها المختلفون واعتدل عليها المعترفون ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وترك الدخول في الضيق الذي لم نخلق له".
الفصل الثالث: في إبطال تحريفات أهل البدع لهذا الأثر
رغم أنَّ كلام الإمام مالك ﵀ واضح غايةَ الوضوح، ظاهر مراده به تمام الظهور، من خلال سياق الأثر نفسه، ومن خلال القصة التي ورد فيها، ومن خلال منهج الإمام مالك في الصفات عمومًا، ومن خلال أيضًا مقارنته بأقوال غيره من أئمة السلف، إلاّ أنَّ أهل الأهواء قد فهم بعضهم من كلامه ﵀ خلاف ما أراد، وبنوا عليه خلاف ما قصد.
والإمام مالك ﵀ وغيره من أئمة السلف كالشافعي وأحمد وابن المبارك وحماد بن زيد والأوزاعي وغيرهم يُنقل عنهم نقول كثيرة في تقرير العقيدة وإثبات الصفات والرد على المعطِّلة وذمّ المبتدعة وهجرانهم وعقوبتهم "وهذه الأقوال سمعها طوائف مِمَّن اتبعهم وقلّدهم ثم إنَّهم يخلطون في مواضع كثيرة السنة والبدعة، حتّى قد يبدّلون الأمر، فيجعلون البدعة التي ذمّها أولئك هي السنة، والسنة التي حمدها أولئك هي البدعة، ويحكمون بموجب ذلك، حتى يقعوا في البدع والمعاداة لطريق أئمتهم السنيّة، وفي الحب والموالاة لطريق المبتدعة التي أمر أئمتهم بعقوبتهم، ويلزمهم تكفير أئمتهم ولعنهم والبراءة منهم
[ ٤٢ / ٤٠٢ ]
ومن أمثلة ذلك: أنَّ كلام مالك في ذم المبتدعة وهجرهم وعقوبتهم كثير، ومن أعظمهم عنده الجهمية الذين يقولون: إنَّ الله ليس فوق العرش، وإنَّ الله لم يتكلّم بالقرآن كله، وإنَّه لا يُرى كما وردت به السنة، وينفون نحو ذلك من الصفات.
ثم إنَّه كثير من المتأخّرين من أصحابه من ينكر هذه الأمور، كما ينكرها فروع الجهمية، ويجعل ذلك هو السنة، ويجعل القول الذي يخالفها، وهو قول مالك وسائر الأمة السنة هو البدعة، ثم إنه مع ذلك يعتقد في أهل البدعة ما قاله مالك، فبدّل هؤلاء الدين فصاروا يطعنون في أهل السنة".
وقول الإمام مالك ﵀ الذي هو موضوع هذه الدراسة ناله شيء من هذا الذي سبق الإشارة إليه، حيث فُهم منه أمورٌ لم يُرِدْها ﵀، وذلك من قِبل من تأثّر بالمناهج الكلامية والطرق الفلسفية، فإنَّ مثل هؤلاء يأتون إلى أقوال الأئمة بل إلى نصوص القرآن والسنة وهم يحملون تصوُّرات مسبقة وعقائد راسخة لا تمتُّ إلى الحق بصلة، ثم يحاولون جاهدين صرف النصوص إلى عقائدهم وحملها على أهوائهم بطرُقٍ متكلَّفة، ورحم الله الإمام ابن القيم إذ يقول: "وما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة، ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال جدًا، وإن ساعد الله أفردنا لها كتابًا".
وقد ظنَّ هؤلاء أنَّ طريقة الإمام مالك ﵀ وغيره من أئمة السلف هي مجرّد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لمعانيها بمنزلة الذين قال الله فيهم ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ وسبب ذلك هو اعتقاد هؤلاء أنَّ النصوص لم تدل على صفة حقيقية لله ﷿، لأنَّ ثبوتها يلزم منه بزعمهم التشبيه، فحملتهم هذه الظنون الفاسدة والاعتقادات المنحرفة إلى تحريف أقوال الأئمة ﵏.
[ ٤٢ / ٤٠٣ ]
وسأقتصر في التمثيل على ذلك بنقلين عن اثنين من المعاصرين حول ما فهماه من كلامه ﵀، ثم أوضِّح ما في ذلك من انحراف وفساد وشطط في فهم كلام الإمام مالك ﵀.
١- قال الكوثري معلِّقًا على أثر الإمام مالك: "الاستواء معلوم يعني مورده في اللغة والكيفية التي أرادها الله مما يجوز عليه من معاني الاستواء مجهولة، فمن يقدر أن يعيِّنها؟ فتحصّل لك من كلام إمام المسلمين مالك أنَّ الاستواء معلوم وأنَّ ما يجوز على الله غير متعيّن وما يستحيل عليه هو منزّه عنه".
ففهم من كلام الإمام مالك ﵀ أنَّه أراد تفويض المعنى، لأنَّ الاستواء بزعمه مورده في اللغة جاء على معان عديدة ولا يُدرى ما المقصود بالاستواء المضاف إلى الله منها، ولهذا قال: "والكيفية التي أرادها الله مما يجوز عليه من معاني الاستواء مجهولة فمن يقدر أن يعيِّنها؟ ".
ولهذا قال في تعليقه على الأسماء والصفات للبيهقي: "الاستواء الثابت له ﷻ استواء يليق بجلاله على مراد الله ومراد رسوله من غير خوض في المعنى كما هو مسلك السلف".
٢- وقال البوطي بعد ما قرّر أنَّ مذهب الخلَف هو تأويل النصوص: "وهكذا فقد كان بوسع الإمام مالك ﵀ أن يقول في عصره لذلك الذي سأله عن معنى الاستواء في الآية: "الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، إذ كان العصر عصر إيمان ويقين راسخين، بسبب قرب العهد بعصر النبوة، وامتداد الإشراق إليه، ولكن لم يكن بوسع الأئمة الذين قاموا في عصر التدوين وازدهار العلوم، واتّساع حلقات البحث وفنون البلاغة أن يسلِّموا ذلك التسليم دون أن يحلِّلوا هذه النصوص على ضوء ما انتهوا إليه من فنون البلاغة والمجاز، خصوصًا أنَّ فيهم الزنادقة الذين لا يقنعهم منهج التسليم ويتظاهرون بالحاجة إلى الفهم التفصيلي وإن كانوا في حقيقة الأمر معاندين.
[ ٤٢ / ٤٠٤ ]
والمهم أن تعلم بأنَّ كلا المذهبين متّجهان إلى غاية واحدة، لأنَّ المآل فيهما إلى أنَّ الله ﷿ لا يشبهه شيء من مخلوقاته، وأنَّه منزَّه عن جميع صفات النقص، فالخلاف الذي تراه بينهما خلاف لفظي وشكلي فقط".
فظنَّ أنَّ مذهب السلف ومنهم الإمام مالك ﵀ هو تفويض المعاني وإمرار الألفاظ بدون فهمٍ لما تدل عليه، وقرّر أنَّ السلف كانوا يقطعون بأنَّ ظاهر نصوص الصفات غير مراد وأوَّلها تأويلًا إجماليًا، حيث قال قبل كلامه هذا: "فمذهب السلف هو عدم الخوض في أيِّ تأويل أوتفسير تفصيلي لهذه النصوص والاكتفاء بإثبات ما أثبته الله تعالى لذاته مع تنزيهه ﷿ عن كلِّ نقص ومشابهة للحوادث، وسبيل ذلك التأويل الإجمالي لهذه النصوص وتحويل العلم التفصيلي بالمقصود منها إلى علم الله ﷿، أما ترك هذه النصوص على ظاهرها دون أيِّ تأويل سواء كان إجماليًا أو تفصيليًا فهو غير جائز وهو شيء لم يجنح إليه سلف ولا خلَف ".
ولا ريب أنَّ هذا الذي قرّره البوطي هنا ومن قبله الكوثري ومن قبلهما عامة المتكلِّمين يعدُّ افتراء على السلف الصالح ﵏ وتقويلًا لهم لشيء لم يقولوه، وقد جمع هؤلاء فيما نسبوه إلى السلف بين أخطاء عديدة أهمّها:
١- تجهيل السلف الصالح ﵏ حيث وصفوهم بأنهم لا يفهمون معاني نصوص الصفات، بل يقرأونها قراءة مجرّدة بمنزلة الأميين الذين لا يعلمون
الكتاب إلاّ أمانيّ، وأيُّ تجهيل لهم أعظم من هذا.
٢- الجهل بمذهب السلف الصالح، وأيُّ جهل بمذهب السلف الصالح ﵏ أعظم من هذا.
٣- الكذب على السلف عندما نسبوا إليه عدم فقه المعاني.
٤- تكذيب القرآن الكريم، فقد قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وأيُّ تبيان في كلمات لا يدرى ما معناها.
[ ٤٢ / ٤٠٥ ]
٥- فتح باب الشر للفلاسفة والقرامطة وغيرهم لنشر ضلالهم وباطلهم فقالوا لهؤلاء المفوِّضة أنتم لا تعرفون شيئًا، ونحن نعرف كيف ننزِّه الله فعطّلوا صفاته بأنواع من التحريفات.
٦- تفضيل طريقة الخلف على طريقة السلف، ولهذا قال أرباب هذه المقالة إنَّ مذهب السلف أسلم ومذهب الخلَف أحكم وأعلم.
إلى غير ذلك من الأخطاء والمفاسد التي ترتبت على اعتقاد هؤلاء في مذهب السلف أنَّه التفويض، وعدم إثبات الصفات التي دلّت عليها النصوص ومن يتأمل الأمر حقيقة يجد أنَّ "السلف كلهم أنكروا على الجهمية النفاة، وقالوا بالإثبات وأفصحوا به، وكلامهم في الإثبات والإنكار على النفاة أكثر من أن يمكن إثباته في هذا المكان، وكلام الأئمة المشاهير: مثل مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وأئمة أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، موجود كثير لا يحصيه أحد.
وجواب مالك في ذلك صريح في الإثبات، فإنَّ السائل قال له: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"وفي لفظ: "استواؤه معلوم، أو معقول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". فقد أخبر ﵁ بأنَّ نفس الاستواء معلوم، وأنَّ كيفية الاستواء مجهولة، وهذا بعينه قول أهل الإثبات.
وأما النفاة فما يثبتون استواء حتى تجهل كيفيته، بل عند هذا القائل الشاك وأمثاله أنَّ الاستواء مجهول غير معلوم، وإذا كان الاستواء مجهولًا لم يحتج أن يُقال: الكيف مجهول، لا سيما إذا كان الاستواء منتفيًا، فالمنتفي المعدوم لا كيفية له حتى يُقال: هي مجهولة أو معلومة، وكلام مالك صريح في إثبات الاستواء، وأنَّه معلوم، وأنَّ له كيفية، لكن تلك الكيفية مجهولة لنا لا نعلمها نحن.
[ ٤٢ / ٤٠٦ ]
ولهذا بَدَّع السائل الذي سأله عن هذه الكيفية، فإنَّ السؤال إنّما يكون عن أمر معلوم لنا، ونحن لا نعلم كيفية استوائه، وليس كلُّ ما كان معلومًا وله كيفية تكون تلك الكيفية معلومة لنا، يبيّن ذلك أنَّ المالكية وغير المالكية نقلوا عن مالك أنَّه قال: "الله في السماء وعلمه في كلِّ مكان"، حتى ذكر ذلك مكيّ - خطيب قرطبة - في كتاب التفسير الذي جمعه من كلام مالك، ونقله أبو عمرو الطلمنكي، وأبو عمر بن عبد البر، وابن أبي زيد في المختصر، وغير واحد، ونقله أيضًا عن مالك غير هؤلاء ممّن لا يُحصى عددُهم، مثل أحمد بن حنبل، وابنه عبد الله، والأثرم، والخلال، والآجري، وابن بطة، وطوائف غير هؤلاء من المصنّفين في السنة، ولو كان مالك من الواقفة أو النفاة لم ينقل هذا الإثبات".
وقد ألزم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هؤلاء القائلين بأنَّ مذهب السلف التفويض بسبعة لوازم، لا فكاك لهم منها ولا مناص لهم عنها، وهي تنادي على مذهبهم بالإبطال:
أحدها: أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيّه من هذه الألفاظ ما يضلّهم ظاهره ويوقعهم في التشبيه والتمثيل.
الثاني: أن يكون قد ترك بيان الحق والصواب لهم ولم يُفصح به، بل رمز إليه رمزًا، وألغزه ألغازًا لا يفهم من ذلك إلاَّ بعد الجهد الجهيد.
الثالث: أن يكون قد كلَّف عباده أن لا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلّفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه، ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك.
[ ٤٢ / ٤٠٧ ]
الرابع: أنَّه يكون دائمًا متكلّمًا في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوّعة من الخطاب تارة بأنَّه استوى على عرشه، وتارة بأنَّه فوق عباده، وتارة بأنَّه العليّ الأعلى، وتارة بأنَّ الملائكة تعرج إليه، وتارة بأنَّ الأعمال الصالحة تُرفع إليه، وتارة بأنَّ الملائكة في نزولها من العلوِّ إلى أسفل تنزل من عنده، وتارة بأنَّه رفيع الدرجات، وتارة بأنَّه في السماء، وتارة بأنَّه الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وتارة بأنَّه فوق سماواته على عرشه، وتارة بأنَّ الكتاب نزل من عنده، وتارة بأنَّه ينزل كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا، وتارة بأنَّه يُرى بالأبصار عيانًا، يراه المؤمنون فوق رؤوسهم، إلى غير ذلك من الدلالات على ذلك، ولا يتكلّم فيه بكلمة واحدة توافق ما يقوله النفاة ولا يقول في مقام واحد قط ما هو الصواب فيه لا نصًّا ولا ظاهرًا، ولا يبيّنه.
الخامس: أن يكون أفضل الأمة وخير القرون قد أمسكوا من أولهم إلى آخرهم عن قول الحق في هذا النبأ العظيم الذي هو من أهمّ أصول الإيمان، وذلك إمّا جهل ينافي العلم، وإمّا كتمان ينافي البيان، ولقد أساء الظنّ بخيار الأمة من نسبهم إلى ذلك، ومعلوم أنَّه إذا ازدوج التكلّم بالباطل والسكوت عن بيان الحق، تولّد من بينهما جهل الحق وإضلال الخلق، ولهذا لما اعتقد النفاة التعطيل صاروا يأتون من العبارات بما يدلّ على التعطيل والنفي نصًّا وظاهرًا، ولا يتكلّمون بما يدل على حقيقة الإثبات لا نصًّا ولا ظاهرًا، وإذا ورد عليهم من النصوص ما هو صريح أو ظاهر في الإثبات حرّفوه أنواع التحريفات، وطلبوا له مستكره التأويلات.
السادس: أنهم التزموا لذلك تجهيل السلف وأنّهم كانوا أميّين مقبلين على الزهد والعبادة والورع والتسبيح وقيام الليل، ولم تكن الحقائق من شأنهم.
[ ٤٢ / ٤٠٨ ]
السابع: أن ترك الناس من إنزال هذه النصوص كان أنفع لهم وأقرب إلى الصواب، فإنَّهم ما استفادوا بنزولها غير التعرض للضلال ولم يستفيدوا منها يقينًا ولا علمًا بما يجب لله ويمتنع عليه، إذ ذاك إنَّما يُستفاد من عقول الرجال وآرائها.
وعلى كلِّ حالٍ فإنَّ كلام الإمام مالك ﵀ واضح في الإثبات على طريقة أئمة السلف، ومع ذلك فـ"قد حرّف بعضهم كلام هؤلاء الأئمة على عادته فقال: معناه الاستواء معلوم لله، فنسبوا السائل إلى أنَّه كان يشكّ هل يعلم الله استواء نفسه أو لا يعلمه، ولما رأى بعضهم فساد هذا التأويل قال: إنّما أراد به أنَّ ورود لفظه في القرآن معلوم، فنسبوا السائل والمجيب إلى الغفلة، فكأنَّ السائل لم يكن يعلم أنّ هذا اللفظ في القرآن وقد قال يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فلم يقل: هل هذا اللفظ في القرآن أم لا، ونسبوا المجيب إلى أنَّه أجابه بما يعلمه الصبيان في المكاتب ولا يجهله أحد، ولا هو مما يحتاج إلى السؤال عنه، ولا استشكله السائل، ولا خطر بقلب المجيب أنَّه يسأل عنه".
وقد أجاب عن هذا التحريف شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: "فإن قيل: معنى قوله "الاستواء معلوم"أنَّ ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم، كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذي استأثر الله بعلمه.
قيل: هذا ضعيف، فإنَّ هذا من باب تحصيل الحاصل، فإنَّ السائل قد علم أنَّ هذا موجود في القرآن وقد تلا الآية، وأيضًا فلم يقل: ذكر الاستواء في القرآن، ولا إخبار الله بالاستواء، وإنَّما قال: الاستواء معلوم، فأخبر عن الاسم المفرد أنَّه معلوم، لم يخبر عن الجملة.
[ ٤٢ / ٤٠٩ ]
وأيضًا فإنَّه قال: "والكيف مجهول"، ولو أراد ذلك لقال: معنى الاستواء مجهول، أو تفسير الاستواء مجهول، أو بيان الاستواء غير معلوم، فلم ينف إلاَّ العلم بكيفية الاستواء، لا العلم بنفس الاستواء، وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه، ولو قال في قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأرَى﴾ كيف يسمع ويرى؟ لقلنا: السمع والرؤيا معلوم، والكيف مجهول، ولو قال: كيف كلّم موسى تكليمًا؟ لقلنا: التكليم معلوم، والكيف غير معلوم.
وأيضًا فإنَّ من قال هذا من أصحابنا وغيرهم من أهل السنة يقرُّون بأنَّ الله فوق العرش حقيقة وأنَّ ذاته فوق ذات العرش، لا ينكرون معنى الاستواء، ولا يرون هذا من المتشابه الذي لا يُعلم معناه بالكلية.
ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة، قال بعضهم: ارتفع على العرش، علا على العرش، وقال بعضهم عبارات أخرى، وهذه ثابتة عن السلف، قد ذكر البخاري في صحيحه بعضها في آخر كتاب الرد على الجهمية، وأما التأويلات المحرّفة مثل استولى وغير ذلك، فهي من التأويلات المبتدَعة لما ظهرت الجهمية"إلى آخر كلامه ﵀.
ومنهج هؤلاء مع النصوص المخالفة لعقائدهم كما قال شيخ الإسلام: "تارة يحرّفون الكلم عن مواضعه، ويتأوّلونه على غير تأويله، وهذا فعل أئمتهم، وتارة يعرضون عنه ويقولون: نفوّض معناه إلى الله، وهذا فعل عامّتهم".
فكلام السلف ﵏ مؤتلف غير مختلف، ومقبول غير مردود، بخلاف كلام أهل الأهواء والبدع، فهم في قول مختلف يُؤفك عنه من أُفك، قُتل الخرّاصون.
الفصل الرابع: في ذِكر فوائد عامة مأخوذة من هذا الأثر
لقد اشتمل هذا الأثر العظيم عن الإمام مالك ﵀ على فوائد عظيمة ومهمّة يحتاج طالب العلم إلى الوقوف عندها وتأمّلها وأخذ العبرة منها، وسأجمل هذه الفوائد في ثلاث مباحث:
المبحث الأول: ذكر ما في قولهم: "حتى علاه الرّحضاء"من فائدة.
[ ٤٢ / ٤١٠ ]
المبحث الثاني: ذكر ما في قوله: "ما أُراك إلاّ مبتدعًا"من فائدة.
المبحث الثالث: ذكر ما في قوله: "أخرجوه عني"من فائدة.
المبحث الأول:
ذكر ما في قولهم: "حتى علاه الرّحضاء"من فائدة
لَمَّا سمع الإمام مالك ﵀ هذا السؤال الخطير وهذا الخوض الباطل من هذا السائل في البحث عن كيفية صفات الباري سبحانه شقَّ عليه الأمر، وعَظُم عنده الخَطب، وتأثّر تأثّرًا شديدًا، ووجد منه ورُحِضَ ﵀ من ذلك، حتى قال من حضر: "فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض وجعل ينكت بعود في يده حتى علاه الرحضاء".
والرحضاء هو "العرق إثر الحمى، أو عرق يغسل الجلد كثرة".
وهذا بلا شك يدلّ على شدّة تأثُّر الإمام مالك ﵀ من هذه المقالة، وشدّة غضبه على انتهاك حرمات الله ﷿، "وهذه كانت حال النبي ﷺ، فإنَّه كان لا ينتقم لنفسه، ولكن إذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء".
عقد البخاري ﵀ في صحيحه بابًا بعنوان: "ما يجوز من الغضب والشدّة لأمر الله".
وروى فيه عن عائشة رضي الله قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وفي البيت قِرامٌ فيه صُوَرٌ فتلوّن وجهُه، ثم تناول السِّتر فهتكه، وقالت: قال النبي ﷺ: "مِن أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة الذين يُصوّرون هذه الصُوَر".
وعن أبي مسعود ﵁ قال: أتى رجل النبيَّ ﷺ فقال: إني لأتأخّر عن صلاة الغداة من أجل فلان ممّا يطيل بنا، قال: فما رأيت رسول الله ﷺ قطُّ أشدَّ غضبًا منه يومئذٍ، قال: فقال: "يا أيّها الناس إنَّ منكم منفّرين، فأيُّكم ما صلى بالناس فلْيتَجَوَّز فإنَّ فيهم المريض والكبير وذا الحاجة".
[ ٤٢ / ٤١١ ]
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: بينا النبي ﷺ يصلِّي رأى في قبلة المسجد نُخامة فحكَّها بيده فتغيَّظ ثم قال: "إنَّ أحدكم إذا كان في الصلاة فإنَّ الله حِيال وجهه، فلا يتنخّمنَّ حِيال وجهه في الصلاة".
وعن زيد بن خالد الجهني أنَّ رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن اللُّقطة؟ فقال: "عرِّفها سنة، ثم اعرف وِكاءها وعِفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربُّها فأدِّها إليه"، قال: يا رسول الله فضالّة الغنم؟ قال: "خذها فإنّما هي لك أو لأخيك أو للذئب"، قال: يا رسول الله فضالّة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرّت وجنتاه، أو احمرَّ وجهه، ثم قال: "ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربُّها".
وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: احتجر رسول الله ﷺ حُجيرة مخصَّفة أو حصيرًا فخرج رسول الله ﷺ يصلِّي إليها فتتبّع إليه رجالٌ وجاؤوا يصلّون بصلاته ثم جاؤوا ليلةً، فحضروا وأبطأ رسول الله ﷺ عنهم فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم مغضبًا فقال لهم رسول الله ﷺ: "ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإنَّ خير صلاة المرء في بيته إلاَّ الصلاة المكتوبة".
فهذا هدي رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، يغضب إذا انتهكت حرمات الله، ولا ينتقم لنفسه، كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: "ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادمًا ولا امرأةً ولا دابّةً ولا شيئًا قط، إلاَّ أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء فانتقم لنفسه قط، إلاَّ أن تنتهك حرمات الله، فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله".
والناس في هذا الباب على ثلاثة أقسام:
١- قسم يغضبون لنفوسهم ولربِّهم.
٢- وقسم يغضبون لنفوسهم ولا يغضبون لربِّهم.
[ ٤٢ / ٤١٢ ]
٣- وقسم يغضبون لربهم ولا يغضبون لنفوسهم وهم الوسط الخيار.
المبحث الثاني:
ذِكر ما في قوله: "ما أراك إلاَّ مبتدعًا"من فائدة
لا ريب أنَّ هذا الرجل الذي قال في شأنه الإمام مالك ما قال قد ارتكب بدعة من البدع التي يُبدَّع قائلها، فعن أشهب بن عبد العزيز قال: سمعتُ مالك بن أنس يقول: "إيّاكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله: وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلّمون في أسمائه وصفاته، وكلامِه وعلمه وقدرته، لا يسكتون عمّا سكت الله عنه والصحابة والتابعون".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والبدعة التي يُعدّ بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة ".
ثمَّ إنَّ هذه البدع قد تصدر من شخص على وجه قد يكون يُعذر فيه، وقد تصدر على وجه لا يكون معذورًا فيه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإنَّما المقصود هنا أنَّ ما ثبت قُبحُه من البدع وغير البدع من المنهي عنه في الكتاب والسنة، أو المخالف للكتاب والسنة إذا صدر عن شخص من الأشخاص فقد يكون على وجه يُعذر فيه، إمَّا لاجتهاد أو تقليد يُعذر فيه، وإمَّا لعدم قدرته كما قد قرّرته في غير هذا الموضع، وقرّرته أيضًا في أصل التكفير والتفسيق المبنيِّ على أصل الوعيد.
فإنَّ نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة، ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجبها في حقِّ المعيّن، إلاَّ إذا وُجدت الشروط وانتفت الموانع، لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع، هذا في عذاب الآخرة فإنَّ المستحق للوعيد من عذاب الله ولعنته وغضبه في الدار الآخرة خالد في النار، أو غير خالد، وأسماء هذا الضرب من الكفر والفسق يدخل في هذه القاعدة، سواء كان بسبب بدعة اعتقادية أو عبادية، أو بسبب فجور في الدنيا، وهو الفسق بالأعمال.
[ ٤٢ / ٤١٣ ]
فأمَّا أحكام الدنيا فكذلك أيضًا، فإنَّ جهاد الكفار يجب أن يكون مسبوقًا بدعوتهم، إذ لا عذاب إلاَّ على من بلغته الرسالة، وكذلك عقوبة الفساق لا تثبت إلاَّ بعد قيام الحجّة".
ولهذا إذا علم العالم المحقق من حال الرجل أنَّه غير معذور بدَّعه بعينِه، ووصفه بأنَّه مبتدع، وإذا كان بخلاف ذلك لم يبدِّعه، ولعلّه لأجل هذا قال الإمام مالك ﵀: "وما أُراك إلاَّ مبتدعًا"، وفي لفظ: "وما أُراك إلاَّ ضالًاّ"، وفي لفظ: "وإني لأظنّك ضالًاّ"، وفي لفظ: "وما أظنّك إلاَّ ضالًاّ"، وأُرى بمعنى: أظنّ، فلم يجزم ﵀ بتبديعه، وفي لفظ قال: "أنت رجل سوء، صاحب بدعة"، وفرقٌ بين إطلاق الوصف على الشخص بأنَّه مبتدعٌ، وبين القول بأنَّه صاحب بدعة، ولو فُرض أنَّ الإمام مالكًا ﵀ قد بدَّعه بعينه فإنَّه يُحمل على أنَّه عَلِم من حاله أنَّه وقع في الأمر المبتدَع على وجه لا يُعذر فيه، وممّا يقوِّي هذا أنَّ في بعض طرق القصة ما يشير إلى أنَّ هذا الرجل عنده شيء من التعنّت في هذه المسألة، وحبِّ الإثارة، والتمادي في الأمر، مما لا يكون إلاَّ في أهل الأهواء والبدع، ففي رواية سفيان للقصة: قال الرجل: "والله الذي لا إله إلا هو لقد سألت عن هذه المسألة أهلَ البصرة والكوفة والعراق فلم أجد أحدًا وُفِّق لما وُفِّقَ إليه".
وعمومًا فأهل العلم يفرّقون بين التعميم والتعيين في التكفير والتبديع والتفسيق، ولا يلحق شيء من هذه الأوصاف بإنسان معيّن إلاَّ وَفْق شروط وضوابط معلومة عند أهل العلم، والله أعلم.
المبحث الثالث:
ذكر ما في قوله: "أخرجوه عني"من فائدة
لقد أمر الإمام مالك ﵀ بإخراج هذا السائل تأديبًا له، وصيانةً لمجلسه من أن يكون لأحد من أهل الأهواء مجال أن يخوض فيه برأي أو هوى أو تقرير باطل أو إثارة شبهات أو نحو ذلك.
[ ٤٢ / ٤١٤ ]
قال أبو قلابة: "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يُلبِّسوا عليكم ما تعرفون".
وقال عمرو بن قيس الملائي: "كان يُقال: لا تجالس صاحب زيغ فيزيغ قلبك".
وقال مصعب بن سعد: "لا تجالس مفتونًا، فإنَّه لن يخطئك منه إحدى اثنتين: إمَّا أن يفتنك، وإمّا أن يؤذيك قبل أن تفارقه".
وقال الأوزاعي: "لا تمكّنوا صاحب بدعة من جدل فيورث قلوبكم من فتنة ارتيابًا".
وقال أيوب السختياني: "دخل على محمد بن سيرين رجلٌ فقال: يا أبا بكر أقرأ عليك آية من كتاب الله لا أزيد على أن أقرأها ثم أخرج، فوضع أصبعيه في أذنيه، ثم قال: أحرج عليك إن كنت مسلمًا لما خرجت من بيتي، قال: فقال: يا أبا بكر إني لا أزيد على أن أقرأ ثم أخرج، قال: فقال بإزاره يشدّه عليه وتهيّأ للقيام فأقبلنا على الرجل فقلنا: قد حرج عليك إلاَّ خرجت، أفيحلّ لك أن تخرج رجلًا من بيته، قال: فخرج، فقلنا: يا أبا بكر ما عليك لو قرأ آية ثم خرج، قال: إني والله لو ظننت أنَّ قلبي يثبت على ما هو عليه ما باليت أن يقرأ، ولكني خِفتُ أن يُلقيَ في قلبي شيئًا أجهد أن أخرجه من قلبي فلا أستطيع".
لأجل هذا كان أئمة السلف يوصون بعدم مجالسة أهل الأهواء ويأمرون بإخراجهم من مجالسهم.
وهذا الرجل الذي أمر مالك ﵀ بإخراجه من مجالسه قد خاض في متشابه القرآن الكريم، إذ الصفات من حيث الكنه والكيفية أمرها من المتشابه الذي لا يعلمه إلاَّ الله، وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ .
[ ٤٢ / ٤١٥ ]
روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولُو الأَلْبَابِ﴾ قالت: فقال رسول الله ﷺ: "فإذا رأيت الذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم" (١)
فأرشد صلوات الله وسلامه عليه إلى الحذر منهم واجتنابهم، وقصة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ مع صَبيغ بن عسل الذي كان يسأل عن متشابه القرآن مشهورة، رواها غير واحد من أهل العلم، وفيها تأديب عمر له، ونفيه إلى البصرة، وهو نوع من التعزير له ليتأدَّب "والتعزير منه ما يكون بالتوبيخ، وبالزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب".
قال الإمام الآجري ﵀ بعد أن روى قصة عمر: "فإن قال قائل: فمن يسأل عن تفسير ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالحَامِلاَتِ وِقْرًا﴾ استحق الضرب والتنكيل به والهجرة؟ قيل له: لم يكن ضرب عمر ﵁ له بسبب هذه المسألة، ولكن لما تأدّى إلى عمر ما كان يسأل عنه من متشابه القرآن من قبل أن يراه، علم أنَّه مفتون، قد شغل نفسه بما لا يعود عليه نفعه، وعلم أنَّ اشتغاله بطلب علم الواجبات من علم الحلال والحرام أولى به، وتطلّب علم سنن رسول الله ﷺ أولى به، فلما علم أنَّه مقبل على ما لا ينفعه، سأل عمرُ اللهَ تعالى أن يمكِّنه منه حتى يُنكِّل به، وحتى يحذر غيره، لأنَّه راعٍ يجب عليه تفقّد رعيّته في هذا وفي غيره، فأمكنه الله تعالى منه".
_________________
(١) سورة: آل عمران، الآية: (٧) .
[ ٤٢ / ٤١٦ ]
ولهذا فإنَّ من يخوض في المتشابه يستحق الزجر والتأديب ما يردعه ويجعله يكفُّ عن خوضه، روى يزيد بن هارون في مجلسه حديثَ إسماعيل بن خالد، عن قيس بن حازم، عن جرير بن عبد الله في الرؤية وقولَ رسول الله ﷺ: "إنَّكم تنظرون إلى ربِّكم كما تنظرون إلى القمر ليلة البدر"فقال له رجلٌ في مجلسه: يا أبا خالد ما معنى هذا الحديث؟ فغضب وحرد وقال: "ما أشبهك بصبيغ، وأحوجَك إلى مثل ما فُعل به، ويلك! ومن يدري كيف هذا؟ ومن يجوز له أن يجاوز هذا القول الذي جاء به الحديث أو يتكلّم فيه بشيء من تلقاء نفسه إلاَّ من سفه نفسه واستخفَّ بدينه؟ إذا سمعتم الحديث عن رسول الله ﷺ فاتَّبعوه، ولا تبتدعوا فيه، فإنَّكم إن اتّبعتموه ولم تُماروا فيه سلِمتم، وإن لم تفعلوا هلكتم". ثم إنَّ مالكًا إضافة إلى ما تقدّم قد يكون قد راعى حُرمة المكان الذي هو فيه، إذا كان السائل قد أتاه في مسجد رسول الله ﷺ، روي عنه أنَّه قال في قصة أخرى: "لا يُجتمع عند رجل مبتدع في مسجد رسول الله ﷺ"، هذا وبالله وحده التوفيق.
الخاتمة
الحمد لله أوَّلًا وآخِرًا، والشكر له ظاهرًا وباطنًا على توالي نِعمه وترادف مِننه، ونسأله سبحانه أن يوزعنا شكرها ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾، وبعد:
[ ٤٢ / ٤١٧ ]
فقد تمَّ في هذا البحث الحديث مفصّلًا عن الأثر المشهور عن الإمام مالك ﵀ في جواب من سأله عن كيفية استواء الله على عرشه، وتبيّن فيه ثبوت هذا الأثر عنه ﵀، وأنَّ المسلمين تلقّوه بالقبول، وليس في أهل السنة من ينكره، بل إنَّ أهل العلم استحسنوه واستجودوه وائتموه به، وعدّوه أنبل جواب قيل في هذه المسألة، وجعلوه قاعدةً مطردة تطبق في جميع الصفات، فمن سأل عن كيفية أيِّ صفة لله قيل له ما قاله الإمام مالك ﵀ في جواب من سأله عن كيفية الاستواء، ولهذا يمكن أن نقول عمومًا: "الصفات معلومة، وكيفياتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عن كيفياتها بدعة"، كما انتظم هذا البحث ذكر الشواهد على هذه الكلمة من الكتاب والسنة، وإيراد نظائر لها عن أئمة السلف ﵏، واشتمل أيضًا على بيان مدلولات هذه الكلمة والأمور المستفادة منها، والرد على المخالفين والمحرِّفين، وإبطال ما قام به بعضهم من محاولةٍ لتحريف معنى هذا الكلام وصرفها عن معناها الصحيح، ثم ذِكر بعض الفوائد العامة المستفادة من القصة والسياق الذي وردت فيه هذه الكلمة، وإني لأرجو أن تكون هذه الدراسة أنموذجًا للعناية بالآثار المرويّة عن السلف ﵏، وإعطائها حقَّها من الدراسة والتحقيق واستخراج الفوائد، ولا سيما منها ما حظي بالشهرة الواسعة وتلقي الأمة له بالاستحسان والقبول.
ونسأل الله تعالى أن يجزي سلفنا الصالح عنَّا خير الجزاء على نصحهم للأمة وجهودهم المباركة وأعمالهم الوفيرة في نصرة السنة وقمع البدعة، إنَّه سبحانه سميع الدعاء وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين.
فهرس المصادر والمراجع
١- الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة: لابن بطة العكبري، دار الراية، ط الأولى.
[ ٤٢ / ٤١٨ ]
٢- إبطال التأويلات لأخبار الصفات: للقاضي أبي يعلى، تحقيق: محمد أحمد الحمود، مكتبة دار الإمام الذهبي، ط الأولى.
٣- إثبات صفة العلو: لابن قدامة، تحقيق: د. أحمد بن عطية الغامدي، مكتبة العلوم والحكم، ط الأولى.
٤- اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية: المكتبة السلفية.
٥- أخبار إصبهان: لأبي نعيم الأصبهاني، مطبعة ليدن.
٦- الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة: لابن قتيبة، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، دار الراية، ط الأولى.
٧- الأربعين: للذهبي ضمن مجموع فيه ست رسائل للذهبي تحقيق: جاسم سليمان الدوسري، الدار السلفية، ١٤٠٨هـ.
٨- الاستقامة: لابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط الأولى.
٩- الأسماء والصفات: للبيهقي، تحقيق: عبد الله بن محمد الحاشدي، مكتبة الوادي، ط الأولى.
١٠- الأسماء والصفات: للبيهقي، دار الكتب العلمية، ط الأولى.
١١- الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة: للبيهقي، دار الكتب العلمية، ط الأولى.
١٢- إعلام الموقعين: لابن القيم، تحقيق: طه عبد الرؤوف، مكتبة الكليات الأزهرية.
١٣- أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات: لمرعي الكرمي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط الأولى.
١٤- البدع: لابن وضاح، تحقيق: محمد أحمد دهمان، دار البصائر.
١٥- بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس: للضبي أحمد بن عميرة، دار الكتاب العربي.
١٦- بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخبار في شرح جوامع الأخبار: المؤسسة العيدية.
١٧- البيان والتحصيل: لابن رشد، طبعة دار الغرب الإسلامي.
١٨- تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام: للذهبي، تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، ط الأولى.
١٩- تاريخ بغداد: للخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية.
[ ٤٢ / ٤١٩ ]
٢٠- تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس: لابن الفرض عبد الله بن محمد، تصحيح: السيد عزت العطار الحسيني، مكتبة الخانجي.
٢١- التدمرية: لابن تيمية، تحقيق: محمد بن عودة السعودي، ط الأولى.
٢٢- ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب.
٢٣- تفسير أبي المظفر السمعاني: تحقيق: باسم بن إبراهيم وغنيم بن عباس، طبع دار الوطن.
٢٤- تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل: تحقيق: خالد العك ومروان سوار، دار المعرفة، ط الأولى.
٢٥- تفسير القرآن العظيم: لابن كثير، تحقيق: عبد العزيز غنيم ومحمد أحمد عاشور ومحمد إبراهيم البنا، الشعب.
٢٦- تقريب التهذيب: لابن حجر، تحقيق: أبي الأشبال صغير أحمد شاغف، دار العاصمة.
٢٧- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: مطبعة فضالة المحمدية.
٢٨- تهذيب التهذيب: لابن حجر، دار الفكر، ط الأولى.
٢٩- تهذيب الكمال في أسماء الرجال: للمزي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، ط الخامسة.
٣٠- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: للشيخ عبد الرحمن بن سعدي، الجامعة الإسلامية.
٣١- الجامع الصحيح: للبخاري، المطبعة السلفية، ط الأولى.
٣٢- جامع العلوم والحكم: لابن رجب، دار المعرفة.
٣٣- جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس: لأبي عبد الله محمد بن فتوح الحميدي، تصحيح وتحقيق: محمد بن تاويت الطنجي، مكتبة الخانجي.
٣٤- الجرح والتعديل: لابن أبي حاتم، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية.
٣٥- الحجة في بيان المحجة في شرح عقيدة أهل السنة: لأبي القاسم التيمي، تحقيق: د. محمد ربيع المدخلي، ومحمد بن محمود أبو رحيم، دار الراية، ط الأولى.
٣٦- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم، دار الفكر.
٣٧- خلق أفعال العباد: للبخاري، تحقيق: بدر البدر، الدار السلفية، ط الأولى.
[ ٤٢ / ٤٢٠ ]
٣٨- درء تعارض العقل والنقل: لابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط الأولى.
٣٩- ذم التأويل: لابن قدامة، تحقيق: بدر البدر، الدار السلفية، ط الأولى.
٤٠- ذيل ديوان الضعفاء والمتروكين: للذهبي، تحقيق: الشيخ حماد بن محمد الأنصاري ﵀، مكتبة النهضة، ط الأولى.
٤١- الرد على الجهمية: للدارمي، تحقيق: بدر البدر، الدار السلفية، ط الأولى.
٤٢- الرد على الزنادقة والجهمية: للإمام أحمد بن حنبل، المطبعة السلفية، ط الأولى.
٤٣- الرسالة الحموية: لابن تيمية، المطبعة السلفية، ط الرابعة.
٤٤- الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة: لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، المؤسسة العيدية.
٤٥- سلسلة الأحاديث الصحيحة: للألباني، المكتب الإسلامي، ط الثالثة.
٤٦- سير أعلام النبلاء: للذهبي، مؤسسة الرسالة، ط الثانية.
٤٧- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: لأبي القاسم اللالكائي، تحقيق: د. أحمد سعد حمدان، دار طيبة، ط الأولى.
٤٨- شرح ابن عقيل للألفية: تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد.
٤٩- شرح حديث النزول: لابن تيمية، تحقيق: د. محمد بن عبد الرحمن الخميس، دار العاصمة، ط الأولى.
٥٠- شرح السنة: للبربهاري، تحقيق: د. محمد بن سعيد القحطاني، دار ابن القيم، ط الأولى.
٥١- شرح العقيدة الطحاوية: لابن أبي العز، تحقيق: د. عبد الله التركي وشعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط الثانية.
٥٢- شرح الفقه الأكبر: لملا علي القاري، نشر قديمي كتب خانة.
٥٣- شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير: تحقيق: محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، ط الأولى.
٥٤- الشريعة: للآجري، تحقيق: د. عبد الله الدميجي، دار الوطن، ط الأولى.
٥٥- صحيح مسلم: تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي.
٥٦- الصفات: للدارقطني، تحقيق: الدكتور علي بن ناصر فقيهي.
[ ٤٢ / ٤٢١ ]
٥٧- الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة: لابن القيم، تحقيق: د. علي ابن محمد الدخيل الله، دار العاصمة، ط الأولى.
٥٨- الضعفاء والمتروكين: لابن الجوزي، تحقيق: أبي الفداء عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، ط الأولى.
٥٩- ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري: لأبي شامة الشافعي، تحقيق: د. أحمد بن عبد الرحمن الشريف، دار الصحوة، ط الأولى.
٦٠- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: لابن القيم، تحقيق: محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية.
٦١- طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول: لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، المؤسسة العيدية.
٦٢- عقيدة السلف أصحاب الحديث: للصابوني، تحقيق: بدر بن عبد الله البدر، مكتبة الغرباء، ط الثانية.
٦٣- العقيدة النظامية: للجويني، تحقيق: أحمد حجازي، دار الشباب، ط الأولى.
٦٤- العلو للعليِّ الغفار في صحيح الأخبار وسقيمها: للذهبي، تصحيح: عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية، ط الثانية.
٦٥- فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى مستل من كتاب بدائع الفوائد: لابن القيم، تحقيق: عبد الرزاق البدر، دار الإمام مالك، ط الأولى.
٦٦- فتح الباري شرح صحيح البخاري: لابن حجر، دار المعرفة.
٦٧- فهرست ابن خير: لابن خير الإشبيلي، دار الآفاق الجديدة بيروت.
٦٨- القاموس المحيط: للفيروزابادي، مؤسسة الرسالة، ط الثانية.
٦٩- القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد: لعبد الرزاق البدر، دار ابن عفان
٧٠- الكشاف: للزمخشري، دار المعرفة.
٧١- الكواكب الدرية لشرح الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية: للشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع، مطبعة المدني، ط الثانية.
٧٢- لسان الميزان: لابن حجر، دار الكتاب الإسلامي، ط الثانية.
٧٣- لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السُّنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية: للسفاريني، تحقيق: د. عبد الله بن محمد بن سليمان البصيري، مكتبة الرشد، ط الأولى.
[ ٤٢ / ٤٢٢ ]
٧٤- لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية: للسفاريني، مطبعة المدني.
٧٥- مجموع الفتاوى: لابن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، المكتب التعليمي السعودي بالمغرب.
٧٦- مختصر الصواعق المرسلة: لابن القيم، اختصار: محمد بن الموصلي، دار الندوة الجديدة، ١٤٠٥هـ.
٧٧- مختصر العلو للعلي الغفار: للذهبي، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط الأولى.
٧٨- مدارج السالكين: لابن القيم، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي بيروت.
٧٩- المسند للإمام أحمد: المكتب الإسلامي، ط الخامسة.
٨٠- مسند الإمام الشافعي: دار الكتب العلمية، ط الأولى.
٨١- المصنف: لأبي بكر بن أبي شيبة، تحقيق: عبد الخالق الأفغاني، الدار السلفية، الهند ١٣٩٩هـ.
٨٣- المصنف: للإمام أبي بكر عبد الرزاق بن همام، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي بيروت، ط الثانية
٨٤- معالم السنن: لأبي سليمان الخطابي، تحقيق: محمد حامد الفقي، مكتبة السنة المحمدية.
٨٥- المغني في الضعفاء: للذهبي، إدارة إحياء التراث الإسلامي بقطر.
٨٦- مفتاح دار السعادة: لابن القيم، دار الكتب العلمية، بيروت.
٧٧- منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات: للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، الجامعة الإسلامية، ١٤٠١هـ.
٧٨- النصيحة: للجويني.
٧٩- نقض تأسيس الجهمية: لابن تيمية، تصحيح: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، مطبعة الحكومة، ط الأولى.
[ ٤٢ / ٤٢٣ ]