إعداد:
د. حمود بن أحمد الرحيلي
الستاذ المشارك في كلية الدعوة في الجامعة
المقدّمة
الحمد لله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد بن عبد الله الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وعلى آله وأصحابه، ومن نهج نهجهم وسلك سبيلهم إلي يوم الدين.
أما بعد:
فإنه لما كان المسلمون يجمعهم كتاب ربهم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتجمعهم سنة رسوله ﷺ كانوا أمة واحدة قوية وعزيزة ورائدة.
ولكن لما اتصلت هذه الأمة بالأمم الأخرى ذات الأنماط الحضارية المختلفة، فإن هذه الأمة قد تأثرت بكيد أعدائها من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان والملاحدة حتى أصبح المتأثرون بفكر أولئك الأعداء أمة داخل الأمة الإسلامية.
وما لذلك من سبب سوى البعد عن منهج الله الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ هداية ونورًا وإخراجًا للناس من الظلمات إلى النور.
وهذا البحث المتواضع يتناول جانبًا مهما وخطيرًا من جوانب هذاالتيار الفكري الذي وفد على الأمة الإسلامية واستهدف إبعادها عن عقيدتها وربطها بالفكر المهيمن في هذا العصر البعيد عن هدي الله ومنهج رسوله - ﷺ.
وهذا التيار الذي نحن بصدد الحديث عنه، هو تيار "العلمانية"ذلك المصطلح الغربي الذي يوحي ظاهره أن طريقة الحياة التي يدعو إليها تعتمد على العلم وتتخذه سندًا لها ليخدع الناس بصواب الفكرة واستقامتها. حتى انطلى الأمر على بعض السذج وأدعياء العلم فقبلوا المذهب منبهرين بشعاره، وقد أوصلهم ذلك إلى البعد عن الدين بعدًا واضحًا.
وإن من أقوى الأدلة المشاهدة في الرد على العلمانيين هو ما تحقق من تطبيق الشريعة الإسلامية في المملكة العربية السعودية في العصر الحديث من نجاح عظيم في شتى المجالات.
[ ٤٤ / ٢٣١ ]
وقد حاولت في هذا البحث إلقاء بعض الضوء على هذا الموضوع وسميته: "العلمانية وموقف الإسلام منها".
خطة البحث
وقد جعلت البحث في مقدمة وخمسة فصول وخاتمة:
وقد اشتملت المقدمة على أهمية الموضوع والخطة ومنهجي في البحث.
والفصل الأول: في تعريف العلمانية ومفهومها، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف العلمانية في اللغة والاصطلاح.
والمبحث الثاني: التضليل والخداع في تسميتها.
والمبحث الثالث: مراحل العلمانية أو صورها.
والفصل الثاني: في أسباب ظهورها ونشأتها وآثارها في الغرب، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أسباب ظهور العلمانية وظروف نشأتها في الغرب، ويشتمل على ما يلي:
أولًا: طغيان رجال الكنيسة.
ثانيًا: الصراع بين الكنيسة والعلم.
ثالثًا: الثورة الفرنسية.
رابعًا: نظرية التطور.
خامسًا: طبيعة التعاليم النصرانية.
سادسًا: دور اليهود.
المبحث الثاني: آثار العلمانية في الغرب.
والفصل الثالث: الإسلام يتنافى مع العلمانية.
والفصل الرابع: في عوامل انتقالها إلى العالم الإسلامي وآثارها السيئة عليه، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: عوامل انتقالها إلى العالم الإسلامي، ويشتمل على ما يلي:
أولًا: انحراف كثير من المسلمين عن العقيدة الصحيحة.
ثانيًا: الاستعمار الغربي والشرقي.
ثالثًا: الغزو الفكري.
رابعًا: المستشرقون.
خامسًا: المنصّرون.
سادسًا: الأقليات غير المسلمة داخل المجتمعات الإسلامية.
سابعًا: تقدم الغرب الهائل في مضمار العلم المادي.
ثامنًا: البعثات إلى الخارج.
المبحث الثاني: في آثارها السيئة على العالم الإسلامي.
والفصل الخامس: في موقف الإسلام من العلمانية، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: حكم الإسلام من العلمانية.
المبحث الثاني: عمد وقواعد العلمانية وتفنيدها.
المبحث الثالث: التطبيق العملي للإسلام.
وأما الخاتمة فقد أوجزت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها في البحث.
[ ٤٤ / ٢٣٢ ]
هذا وقد عزوت الآيات الكريمة إلى السور مع ترقيمها، كما خرجت الأحاديث النبوية الواردة في البحث، وشرحت معاني الكلمات الغريبة، كما عزوت ما تناولته في البحث إلى المصادر والمراجع التي رجعت إليها في هذاالشأن.
هذا. وأحبُّ أن أنبه بأن ما نقلته عن كتب في هذه السلسلة لا يعني موافقتي لأصحابها في المنهج، وإنما كان ذلك لحاجة هذه الأبحاث لمثل تلك المراجع، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها.
وقد ألحقت بهذا فهرسًا للآيات الكريمة، وفهرسًا للأحاديث والآثار، وقائمة بأسماء المصادر والمراجع مرتبة حسب حروف الهجاء مبينًا اسم المؤلف والطبعة وتاريخ النشر ما أمكن، وقائمة أخرى للموضوعات.
وإنه على الرغم من كثرة الكتابات عن العلمانية إلا أني قد بذلت جهدًا في إضافة فوائد مهمة كعمد العلمانية وتفنيدها، وتوضيح آثارها، وبيان موقف الإسلام منها على التفصيل، مبتعدًا عن الاستطرادات المملة والاختصارات المخلة.
وأسأل الله جلت قدرته أن أكون قد وفقت فيما كتبت، وأن يتجاوز عن التقصير إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الفصل الأول
تعريف العلمانية ومفهومها
المبحث الأول
تعريف العلمانية في اللغة والاصطلاح
العلمانية لغة: لم توجد لفظ العلمانية في معاجم اللغة العربية القديمة، وقد وردت في بعض المعاجم الحديثة ومن ذلك:
أ– ما ورد في معجم المعلم البستاني: "العلماني: العامي الذي ليس بإكليريكي".
ب- وفي المعجم العربي الحديث: "علماني: ما ليس كنسيًا ولا دينيًا".
ج- وفي المعجم الوسيط "العلماني نسبة إلى العَلم بمعنى العالم، وهو خلاف الديني أو الكهنوتي".
ولعل المعنى الصحيح لترجمةكلمة "العلمانية"هى "اللادينية"أو "الدنيوية" وليس المعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى ما لا صلة له بالدين، يتضح ذلك مما تورده دوائر المعارف الأجنبية للكلمة:
[ ٤٤ / ٢٣٣ ]
تقول دائرة المعارف البريطانية: "هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا وحدها".
وتقول دائرة المعارف الأمريكية: "الدنيوية هى: نظام أخلاقي أسس على مبادئ الأخلاق الطبيعية ومستقل عن الديانات السماوية أو القوى الخارقة للطبيعة..".
والتعبير الشائع في الكتب الإسلامية المعاصرة هو فصل الدين عن الدولة.
وهو في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد وعلى السلوك الذي قد لا يكون له صلة بالدولة.
والعلمانية في الاصطلاح:
هي دعوة إلى إقامة الحياة على غير الدين، وتعنى في جانبها السياسي بالذات اللادينية في الحكم، وهى اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم والمذهب العلمي.
ولاشك أن كلمة العلمانية اصطلاح جاهلي غربي يشير إلى انتصار العلم على الكنيسة النصرانية التي حاربت التطور باسم الدين.
ومن هذا يتضح لنا أنه لا علاقة لكلمة العلمانية بالعلم، وإنما علاقتها قائمة بالدين على أساس سلبي وهو نفي الدين عن مجالات الحياة: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والفكرية الخ.
المبحث الثاني
التضليل والخداع في تسميتها
وقد أدرك أعداء الإسلام أن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بما قرراه من تشريع هما مصدر قوة المسلمين، وأنه لا أمل في القضاء على الإسلام والمسلمين مادام المسلمون يطبقون إسلامهم تطبيقًا عمليًا في كل حياتهم.
ومن هنا وضعوا أسلوبا جديدًا لمقاومة الإسلام وهو: محاولة إبعاده عن مجال الحياة وإحلال القوانين الوضعية الغربية مكانه، ليصلوا بذلك إلى ما يريدون من هدم العقيدة الإسلامية، وإخراج المسلمين من التوحيد إلى الشرك.
وهذا ما قصده أعداء الإسلام حين نادوا في المجتمعات الإسلامية بفكرة إبعاد الإسلام عن مجال التطبيق، والاستعاضة عنه بنظام الغرب وقوانينه. وهو ما عرف في التاريخ "بالفصل بين الدين والدولة".
[ ٤٤ / ٢٣٤ ]
وإمعانًا في التضليل والخداع سماها الفكر الغربي "بالعلمانية"وهو اصطلاح يوحي بأن لها صلة بالعلم حتى ينخدع الآخرون بصواب الفكرة واستقامتها، فمن الذي يقف في وجه دعوة تقول للناس إن العلم أساسها وعمادها.
ومن هنا انطلى الأمرُ على بعض السذج وأدعياء العلم، فقبلوا المذهب منبهرين بشعاره دون أن ينتبهوا إلى حقيقته وأبعاده.
والحق أن الإسلام لا يصدُّ عن العلم والانتفاع به، ولكن أي علم هذا الذي يدعيه دعاة العلمانية، ويزعمون أنه سندها وأساسها؟. إنه العلم الذي يكون بعيدًا عن الدين أو الفصل الكامل بين الدين والحياة.
والعلمانية بهذا المفهوم تعتبر في ميزان الإسلام مفهومًا جاهليًا؛ إذ تعني عزل الدين عن شئون الحياة، وذلك أن الإسلام دين متكامل جاء لينظم الحياة بأوجه نشاطها ويوجه الناس إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، وإبعاد الدين عن الحياة وعن شئون الدنيا، وعزله عن العقيدة والشريعة والاقتصاد والسياسة والتعليم والأسرة والمجتمع وغيرها، إنما يعني في الإسلام الكفر وحكم الجاهلية والصد عن سبيل الله، وتعطيل حدوده.
كما أن اسم "العلمانية"يوحي بأن العلم والدين ضدان وإن الصراع قائم بينهما، كما يوحي بأن الدين لا علاقة له بالدنيا، وأن التمسك به يعني التأخر والرجعية والجهل، وهذا خطأ فاحش لأن الدين - الذي هو الإسلام - هو دين العلم والسعادة والتقدم، وهذا لا يخفى على الغربيين أنفسهم - فضلًا عن المسلمين - إن الإسلام هو الذي فتح لهم آفاق العلم والاختراع والتقدم والحضارة.
والسبب الأول في تسمية هذا المذهب بالعلمانية، هو ما فعله رجال الكنيسة النصرانية الذين وقفوا ضد التحضر والتقدم في الغرب زاعمين أن الدين يحرم العلم التجريبي والاختراعات والاكتشافات الناتجة عنه.
المبحث الثالث
مراحل العلمانية أو (صورها)
ذهب البعض إلى أن الفكر العلماني الأوروبي مرَّ بمرحلتين:
المرحلة أو (الصورة) الأولى:
[ ٤٤ / ٢٣٥ ]
مرحلة العلمانية المعتدلة، وهي مرحلة القرنين السابع عشر والثامن عشر - وهى وإن اعتبر الدين فيها أمرًا شخصيًا - لا شأن للدولة به إلا أن على الدولة - مع ذلك - أن تحمي الكنيسة، وبالأخص في جباية ضرائبها. والتفكير العلماني في هذه المرحلة وإن طالب بتأكيد الفصل بين الدولة والكنيسة إلا أنه لم يسلب المسيحية كدين من كل قيمة لها. وإن كان ينكر فيها بعض تعاليمها، ويطالب بإخضاع تعاليم المسيحية إلى العقل، وإلى مبادئ الطبيعة مما نشأ عنه المذهب المعروف باسم مذهب الربوبيين، وهو مذهب يعترف بوجود الله كأصل للعالم، ولكنه ينكر الإعجاز والوحي وتدخل الله في العالم.
ومن دعاة هذه المرحلة: فولتير (١٦٩٤-١٧١٣م) في فرنسا، وشفتسيري (١٦٧١-١٧١٣م) في إنجلترا، وليسنج (١٧٢٩-١٧٨١م) في ألمانيا، والفيلسوف الإنجليزي جون لوك (١٦٣٢-١٧١٤م)، وهوبز (١٥٨٨-١٦٧٩م)، وديكارت، وبيكون، وسبينوزا، وجان جاك روسو، وأضرابهم.
المرحلة أو (الصورة) الثانية:
وهي مرحلة العهد المادي أو ما يسمى بالثورة العلمانية، وهى مرحلة القرن التاسع عشر ومابعده، وعلمانية هذه المرحلة هى مرحلة إلغاء الدين - أي دين إلغاءً كليًا وعدم الإيمان بالأمور الغيبية - وليس فصلًا بينه وبينه الدولة كما هو المفهوم في المرحلة الأولى، واعتبار أن الموجود الحقيقي هو المحسوس فقط، والدافع عليها هو الاستئثار بالسلطة، ولذلك كانت العلمانية غير مساوية لمفهوم الفصل بين الكنيسة والدولة، بل كانت إلغاء للدين كمقدمة ضرورية إلى السلطة المنفردة التي هى سلطة جماعة العمل أو المجتمع أو الدولة أو الحزب حسب تحديد بعض هؤلاء الشيوعيين اليساريين.
ومن دعاة هذه المرحلة: هيجيل وفيرباخ وكارل ماركس وأضرابهم.
الفصل الثاني
أسباب ظهور العلمانية وآثارها في الغرب
المبحث الأول
أسباب ظهور العلمانية وظروف نشأتها في الغرب
ويشتمل على ما يلي:
أولًا: طغيان رجال الكنيسة:
[ ٤٤ / ٢٣٦ ]
لقد عاشت أوروبا في القرون الوسطى فترة قاسية، تحت طغيان رجال الكنيسة وهيمنتهم، وفساد أحوالهم، واستغلال السلطة الدينية لتحقيق أهوائهم، وإرضاء شهواتهم، تحت قناع القداسة التي يضفونها على أنفسهم، ويهيمنون بها على الأمة الساذجة، ثم اضطهادهم الشنيع لكل من يخالف أوامر أو تعليمات الكنيسة المبتدعة في الدين، والتي ما أنزل الله بها من سلطان، حتى لو كانت أمورًا تتصل بحقائق كونية تثبتها التجارب والمشاهد العلمية.
وقد شمل هيمنة الكنيسة النواحي الدينية، والاقتصادية، والسياسية، والعلمية، وفرضت على عقول الناس وأموالهم وتصرفاتهم وصاية لا نظير لها على الإطلاق وسنعرض إلى شيء من ذلك بإيجاز:
أ - الطغيان الديني:
١- إنَّ الإيمان بالله الواحد الأحد، الذي لا إله غيره ولا معبود بحق سواه، وإن عيسى عبد الله ورسوله، قد تحول في عقيدة النصارى إلى إيمان باله مثلث يتجسد، أويحلُّ بالإنسان ذي ثلاثة أقانيم (الأب والابن ورح القدس) .
وذلك أنه منذ مجمع نيقية سنة ٣٢٥م والكنيسة تمارس الطغيان الديني والإرهاب في أبشع صوره، ففرضت بطغيانها هذا عقيدة التثليث قهرًا، وحرّمت ولعنت مخالفيها، بل سفكت دماء من ظفرت به من الموحدين، وأذاقتهم صنوف التعذيب وألوان النكال.
وتتفق المصادر على أن اليد الطولى في تحريف العقيدة النصرانية تعود إلى بولس "شاؤل"اليهودي، وهو الذي أثار موضوع ألوهية المسيح لأول مرة مدعيًا أنه ابن الله تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
٢- والعبادات قد دخلت فيها أوضاع بشرية كنسية مبتدعة، وهذه المبتدعات حمّلها النصارى مفاهيم غيبية، وفسّروها بأن لها أسرارًا مقدسة، وجعلوا لها طقوسًا تُمارس في مناسباتها، ويجب احترامها والتقيد بها.
٣- والأحكام التشريعية معظمها أوامر وقرارات كنسية بابوية، ما أنزل الله بها من سلطان، وهى تُحلّلُ وتُحرِّم من غير أن يكون لها مستند من كتاب الله، أو من سنة رسوله ﵊.
[ ٤٤ / ٢٣٧ ]
ونصّبت الكنيسة نفسها عن طريق المجامع المقدسة "إلهًا"يُحلُّ ويُحرِّمُ، ينسخُ ويضيف، وليس لأحد حق الاعتراض، أو على الأقل حق إبداء الرأي كائنًا من كان، وإلا فالحرمان مصيره، واللعنة عقوبته؛ لأنه كافر «مهرطق» .
وقد كان الختان واجبًا فأصبح حرامًا، وكانت الميتة محرمة فأصبحت مباحة، وكانت التماثيل شركًا ووثنية فأصبحت تعبيرًا عن التقوى، وكان زواج رجال الدين حلالًا فأصبح محظورًا، وكان أخذ الأموال من الأتباع منكرًا فأصبحت الضرائب الكنسية فرضًا لازمًا، وأمورٌ كثيرة نقلتها المجامع من الحل إلى الحرمة أو العكس دون أن يكون لديها من الله سلطان، أو ترى في ذلك حرجًا.
وأضافت الكنيسة إلى عقيدة التثليث عقائد وآراء أخرى تحكم البديهة باستحالتها ولكن لا مناص من الإيمان بها والإقرار بشرعيتها على الصورة التي توافق هوى الكنيسة.
بعض شعائر المسيحية:
ومن شعائر المسيحية الحالية والتي هى خليط من وثنيات العالم القديم ما يلي:
١- التعميد: وطريقته هى: رش الماء على الجبهة أو غمس أي جزء من الجسم في الماء، ويكثر أن يغمس الشخص كله في الماء، ولابد أن يقوم بهذه العملية كاهن يعمد الإنسان باسم الأب والابن وروح القدس، ولا يقوم غير الكهنة بالتعميد إلا للضرورة، وحينئذ يسمى التعميد: "تعميد الضرورة".
٢- العشاء الرباني: ويرمز به إلى عشاء عيسى الأخير مع تلاميذه إذ اقتسم معهم الخبز والنبيذ، والخبز يرمز إلى جسد المسيح الذي كُسِّرَ لنجاة البشرية، أما الخمر فيرمز إلى دمه الذي سفك لهذا الغرض، ويُستعمل في العشاء الرباني قليل من الخبز وقليل من الخمر لذكرى ما فُعل بالمسيح ليلة موته وكذلك ليكون هذا طعامًا روحيًا للمسيحيين، فمن أكل هذا الخبز وشرب هذا الخمر استحال الخبز إلى لحم المسيح والخمر إلى دمه فيحصل امتزاج بين الآكل وبين المسيح وتعاليمه إلى غير ذلك من المزاعم الباطلة.
[ ٤٤ / ٢٣٨ ]
٣- تقديس الصليب وحمله: إن تقديس الصليب عند المسيحيين سبق صلب المسيح نفسه، فقد ورد عن المسيح قوله: "إن أراد أحدٌ أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني".
ومعنى حمل الصليب عندهم هو الاستهانة بالحياة والاستعداد للموت في أبشع صورة، أي صلبا على خشبة كما يفعل بالمجرمين والآثمين، وقويت فكرة تقديس الصليب بعد صلب عيسى -على زعمهم- فأصبح أداة تذكر المسيحيين بالتضحية الضخمة التي قام بها المسيح من أجل البشر. (١) وقولهم هذا باطل، قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢) .
٤- عقيدة الخطيئة الموروثة: وأساس هذا الموضوع عند المسيحيين أن من صفات الله العدل والرحمة، وبمقتضى صفة العدل كان على الله أن يعاقب ذرية آدم بسبب الخطيئة التي ارتكبها أبوهم، وطُرد بها من الجنة، واستحق هو وأبناؤه البعد عن الله بسببها، وبمقتضى صفة الرحمة كان على الله أن يغفر سيئات البشر، ولم يكن هناك من طريق للجمع بين العدل والرحمة إلا بتوسط ابن الله ووحيده وقبوله في أن يظهر في شكل إنسان، وأن يعيش كما يعيش الإنسان، ثم يصلب ظلمًا ليكفّر عن خطيئة البشر.
_________________
(١) انظر: المسيحية لأحمد شلبي ص ١٧٠ - ١٧١، والنصرانية لأبي زهرة ص ١٢٩-١٣٠.
(٢) سورة النساء، الآيتان (١٥٧- ١٥٨) .
[ ٤٤ / ٢٣٩ ]
وقد ورد في العهد الجديد ما نصه: "وإن ابن الإنسان قد جاء ليخلص ما قد هلك، فبمحبته ورحمته قد صنع طريقًا للخلاص، لهذا كان المسيح هو الذي يكفّر عن خطايا العالم، وهو الوسيط الذي وفق بين محبة الله تعالى وبين عدله ورحمته، إذ إن مقتضى العدل أن الناس كانوا يستمرون في الابتعاد عن الله بسبب ما اقترف أبوهم، ولكن باقتراف العدل والرحمة وبتوسط الابن الوحيد، وقبوله للتكفير عن خطايا الخلق، قرب الناس من الرب بعد الابتعاد".
فهذه الأناجيل تذكر أن أهم الأغراض التي ظهر من أجلها المسيح ابن مريم أو المسيح ابن الله - على زعمهم - هو أن يكفر بدمه الخطيئة التي ارتكبها آدم - ﵇ - والتي انتقلت بطريق الوراثة إلى جميع نسله، وأنه صلب بالفعل، فحقق بذلك أهم غرض ظهر من أجله.
والقرآن يرد على هذه الفرية، ويبين أن آدم ﵇ قد أناب إلى الله تعالى واستغفر من خطيئته التي ارتكبها إذ أكل من الشجر فغفرها الله له، وأن الخطيئة لا يحمل وزرَها غير مقترفها، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) .
وقال ﷿: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٣) .
كما أن الوزر لا يحمل تبعته إلا من اقترفه قال تعالى: ﴿ أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ (٤) .
وعززت الكنيسة سلطتها الدينية الطاغية بادعاء حقوق لا يملكها إلا الله؛ مثل: حق الغفران، وحق الحرمان، وحق التحلة، ولم تتردد في استعمال هذه الحقوق واستغلالها.
صكوك الغفران والحرمان:
_________________
(١) سورة فاطر، الآية (١٨) .
(٢) سورة البقرة، الآية (٣٧) .
(٣) سورة طه، الآيتان (١٢١ -١٢٢) .
(٤) سورة النجم، الآيتان (٣٨-٣٩) .
[ ٤٤ / ٢٤٠ ]
فأما غفران الذنوب فقد أصبح بدعة عجيبة، وذلك أنه إذا أراد البابا أن يبني كنيسة أو يجمع مالًا لشيءٍ ما؛ طبع صكوك الغفران ووزعها على أتباعه ليبيعوها للناس؛ كالذين يبيعون أسهم الشركات. وبالصك فراغٌ تُرِكَ ليُكتب به اسم الذي سيغفر ذنبه، والعجيب أن هذا الصك يَغفر لمشتريه ما تقدم من الذنوب وما تأخر، فهو بعبارة أخرى إذن بارتكاب كل الجرائم بعد أن ضُمنت الجنة لهذا المحظوظ.
الاعتراف:
ولم تقف قضية غفران الذنوب عند هذه الصكوك، بل سرعان ما دخلها عنصر جديد فاضح ذلك ما يسمى "الاعتراف"فكان على المذنب أن يعترف بذنبه، في خلوة مع قسيسه؛ ليستطيع هذا القسيس أن يغفر له ذنبه، وفي خلوات الاعتراف حدثت أشياء يقشعر له الوجدان.
وأما حق التحلة فهو حق خاص يبيح للكنيسة أن تخرج عن تعاليم الدين وتتخلى عن الالتزام بها متى اقتضت المصلحة - مصلحتها هى -ذلك.
حياة الرهبنة:
قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (١) .
قال ابن كثير - رحمه الله تعالى - عند قوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ "أي فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذم لهم من وجهين:
أحدهما: الابتداع في دين الله مالم يأمر به الله.
والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله ﷿".
وتمارس حياة الرهبنة داخل الأديرة بالانقطاع عن الحياة العامة، وبالامتناع عن الزواج وتضم الراهبين والراهبات، وكأي حياة تنافي الفطرة وتلغيها، شهدت الأديرة أحط ألوان الفسوق بما نمسك عنه.
_________________
(١) سورة الحديد، الآية (٢٧) .
[ ٤٤ / ٢٤١ ]
إلى غير ذلك من العقائد والمبتدعات النصرانية التي فرضتها الكنيسة على أتباعها، وكل هذه العقائد واضح بطلانها بحمد الله في العقيدة الإسلامية، وإنَّ دينًا من هذا القبيل هو مقطوع الصلة بما أنزل الله تعالى من الحق، وغير صالح لأن يكون له سلطان على العقول البشرية في عصور التنور الفكري، والتقدم الحضاري، وانتشار العلوم والمعارف.
ب- الطغيان المالي:
إن المتأمل في الأناجيل - على الرغم من تحريفها - يجد أنها لم تنه عن شيء كنهيها عن اقتناء الثروة والمال.
جاء في إنجيل متى: "لا تقتنوا ذهبًا ولا فضةً ولا نحاسًا في مناطقكم ولا مزودًا للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا ".
وجاء في إنجيل مرقص: "مرور جملٍ من ثقب إبرةٍ أيسر من أن يدخل غنيٌ إلى ملكوت الله".
وجاء في إنجيل لوقا: "لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون، ولا للجسد بما تلبسون، الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس، تأملوا الغربان، إنها لا تزرع ولا تحصد، وليس لها مخدع ولا مخزن، والله يقيتها، كم أنتم بالحرى أفضل من الطيور".
إلا أن القرون التالية قد شهدت مفارقة عجيبة بين مفهوم الكنيسة عن الدنيا وبين واقعها العملي، حتى صار جمع المال والاستكثار من الثروات غاية لديهم، فتهالك رجال الدين على جمع المال والإسراف والبذخ والانغماس في الشهوات والملذات.
ويمكن إيجاز مظاهر الطغيان الكَنَسِيّ في هذا المجال فيمايلي:
١-الأملاك الإقطاعية:
[ ٤٤ / ٢٤٢ ]
يقول ديورانت: "أصبحت الكنيسة أكبر ملاك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا، فقد كان دير "فلدا"مثلًا يمتلك (١٥٠٠٠) قصر صغير، وكان دير "سانت جول"يملك (٢٠٠٠) من رقيق الأرض، كان "الكوين فيتور"أحد رجال الدين سيدًا لعشرين ألفًا من أرقاء الأرض، وكان الملك هو الذي يعين رؤساء الأساقفة والأديرة وكانوا يقسمون يمين الولاء لغيرهم من الملاك الإقطاعيين ويلقبون بالدوق والكونت وغيرها من الألقاب الإقطاعية وهكذا أصبحت الكنيسة جزءًا من النظام الإقطاعي.
وكانت أملاكها الزمنية: أي المادية، وحقوقها والتزاماتها الإقطاعية مما يجلل بالعار كل مسيحي متمسك بدينه، وسخرية تلوكها ألسنة الخارجين على الدين ومصدرًا للجدل والعنف بين الأباطرة والبابوات".
٢-الأوقاف:
كانت الكنيسة تملك المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية باعتبارها أوقافًا للكنيسة، بدعوى أنها تصرف عائداتها على سكان الأديرة، وبناء الكنائس، وتجهيز الحروب الصليبية، إلا أنها أسرفت في تملك الأوقاف حتى وصلت نسبة أراضي الكنيسة في بعض الدول إلى درجة لا تكاد تصدق، وقد قال المصلح الكنسي "ويكلف"- وهو من أوائل المصلحين -: "إن الكنيسة تملك أراضي إنجلترا وتأخذ الضرائب الباهظة من الباقي، وطالب بإلغاء هذه الأوقاف واتهم رجال الدين بأنهم "أتباع قياصرة لا أتباع الله".
٣-العشور:
فرضت الكنيسة على كل أتباعها ضريبة (العشور) وبفضلها كانت الكنيسة تضمن حصولها على عشر ما تغله الأراضي الزراعية والإقطاعيات، وعشر ما يحصل عليه المهنيون وأرباب الحرف غير الفلاحين ولم يكن في وسع أحد أن يرفض شيئًا من ذلك فالشعب خاضع تلقائيًا لسطوتها (١) .
٤-ضريبة السنة الأولى:
_________________
(١) المرجع السابق (٢ / ٣٨٠) .
[ ٤٤ / ٢٤٣ ]
لم تشبع الأوقاف والعشور نهم الكنيسة الجائع، وجشعها البالغ، بل فرضت الرسوم والضرائب الأخرى، لاسيما في الحالات الاستثنائية؛ كالحروب الصليبية والمواسم المقدسة، وظلت ترهق بها كاهل رعاياها، فلما تولى البابا حنا الثاني والعشرون جاء ببدعة جديدة هى "ضريبة السنة الأولى"وهى مجموعة الدخل السنوي الأول لوظيفة من الوظائف الدينية أو الإقطاعية تدفع للكنيسة بصفة إجبارية، وبذلك ضمنت الكنيسة موردًا ماليًا جديدًا (١) .
٥-الهبات والعطايا:
وكانت الكنيسة تحظى بالكثير من الهبات التي يقدمها الأثرياء الإقطاعيون للتملق والرياء، أو يهبها البعض بدافع الإحسان والصدقة. وقد قويت هذه الدوافع بعد مهزلة صكوك الغفران، إذ انهالت التبرعات على الكنيسة، وتضخمت ثروات رجال الدين تضخمًا كبيرًا.
هذا. ولا ننسى المواسم المقدسة والمهرجانات الكنيسية التي كانت تدرُّ الأموال الطائلة على رجال الكنيسة؛ فمثلًا في سنة ١٣٠٠م عقد مهرجان لليوبيل واجتمع له جمهور حاشد من الحجاج في روما بلغ من انهيال المال إلى خزائن البابوية أن ظل موظفان يجمعان بالمجاريف الهبات التي وضعت عند قبر القديس بطرس.
٦- العمل المجاني "السخرة":
لم تقنع الكنيسة بامتلاك الإقطاعيات برقيقها وما يملكه بعض رجال الدين من آلاف الأرقاء، بل أرغمت أتباعها على العمل المجاني في حقولها وفي مشروعاتها، ولاسيما بناء الكنائس والأضرحة وكان على الناس أن يرضخوا لأوامرها ويعملوا بالمجان لمصلحتها مدة محدودة، هى في الغالب يَوْمٌ واحِدٌ في الأسبوع، ولا ينالون مقابل ذلك جزاءً ولا شكورا.
وبهذا يتبين لنا أن الانحراف والفساد الديني والاجتماعي قد وصل على يد الكنيسة النصرانية ورجالها وتعاليمها المزيفة إلى حد لم يعد يتحمله الناس ولا تطيقه فطرة البشر، حيث شقيت أوروبا برجال الدين الدجالين، وبتسلطهم ونفوذهم باسم الدين، وباسم الرب.
ج-الطغيان السياسي:
_________________
(١) معالم تاريخ الإنسانية (٣/٩١٣) .
[ ٤٤ / ٢٤٤ ]
أما الطغيان السياسي فقد بلغت سلطة البابا الدينية المهيمنة على ذوي السلطة الإدارية والسياسية أوجها، حتى كان باستطاعة البابا أن يتوج الملوك والأباطرة، وأن يخلع تيجانهم إذا نازعوه ورفضوا أوامره، وأن يحرمهم من الدين، وأن يحرم شعوبهم الذين يوالونهم، ولايستجيبون لأوامر الخلع البابوية.
حتى إن البابا "جريجوري"السابع خلع الإمبراطور الألماني "هنري" الرابع وحرمه، وأحلَّ أتباعه والأمراء من ولائهم له، وألبهم عليه، فعقد الأمراء اجتماعًا قرروا فيه أنه إذا لم يحصل الإمبراطور على مغفرة البابا فإنه سيفقد عرشه إلى الأبد، فاضطر هذا الإمبراطور حفاظًا على عرشه أن يسعى لاسترضاء البابا سنة (١٠٧٧م) فاجتاز جبال الألب في شتاء بارد مسافرًا إلى البابا الذي كان في قلعته بمرتفعات "كانوسا"في "تسكانيا"وظل واقفًا في الثلح في فناء القلعة ثلاثة أيام، وهو في لباس الرهبان، متدثرًا بالخيش، حافي القدمين، عاري الرأس، يحمل عكازه مظهرًا ندمه وتوبته، حتى ظفر بعفو البابا، وحصل على رضاه.
ثانيًا: الصراع بين الكنيسة والعلم:
الصراع بين الدين والعلم مشكلة من أعمق وأعقد المشكلات في التاريخ الفكري الأوروبي إن لم تكن أعمقها على الإطلاق.
وذلك أن الكنيسة كانت هي صاحبة السلطة طوال القرون الوسطى في أوروبا حتى قامت النهضة العلمية هناك.
وفي هذه الأثناء وقعت الحروب الصليبية بين المسلمين والأوروبيين، واستمرت طوال القرنين الحادي عشر، والثاني عشر الميلادي، واحتك الصليبيون خلالها بالمسلمين ووقفوا عن كثب على صفات الإسلام وروعته في جميع مجالات العلوم والفنون، في الأندلس والشمال الإفريقي وصقلية وغيرها، حيث كانت المدارس والجامعات المتعددة في كل مكان في بلاد المسلمين، يؤمها طلاب العلم، ومنهم الأوروبيون الذين وفدوا يتعلمون من الأساتذة المسلمين، وترجمت بعض الكتب إلى اللغة الإنجليزية.
[ ٤٤ / ٢٤٥ ]
فلما عاد أولئك الأوروبيين الذين تأثروا بنور الإسلام وعرفوا أن الكنيسة ورجالها عملة مزيفة، ووسيلة للدجل والتحكم الظالم في عباد الله، أخذ هؤلاء يقاومون الكنيسة ودينها المزيف وأعلنوا كشوفاتهم العلمية والجغرافية، والعلوم الطبيعية التي تحرمها الكنيسة، وعند ذلك قامت قيامة من يُسمون لدى النصارى برجال الدين، واحتدم الصراع، ومكث قرونًا بين رجال العلم ورجال الكنيسة، فأخذوا يُكفّرون ويقتلون ويحرقون ويشردون المكتشفين، وأنشأت الكنيسة محاكم للتفتيش لملاحقة حملة الأفكار المخالفة لآرائها وأفكارها.
ومكث هذا الصراع عدة قرون، وانتهى بإبعاد الكنيسة ورجالها عن التدخل في نظم الحياة وشئون الدولة، فالدين - بمعنىً أوضح - مهمته داخل جدران الكنيسة فقط ولا داعي لوجوده خارجها، ويكون لرجال الدولة والعلم إدارة شئون الحياة بالأسلوب الذي يناسبهم سواء أكان متفقًا مع مبادئ الدين أم لا؟!!
وبما أن الدين بصبغته الإلهية النقية لم يدخل المعركة، فإن الأولى أن نسمي ما حدث في أوروبا صراعًا بين الكنيسة والعلم، وليس بين الدين والعلم أو بين رجال الدين والعلماء.
ونظرًا لأن الصراع الدامي الطويل قد انتهى بأول انتصار حاسم لأعداء الكنيسة اثناء الثورة الفرنسية فإننا سنتناول ذلك بإيجاز.
ثالثًا: الثورة الفرنسية:
ونتيجة لوضع الكنيسة ودينها المحرف، ووقوفها ضد مطالب الناس، دبّر اليهود مكايدهم لاستغلال الثورة النفسية التي وصلت إليها الشعوب الأوروبية، لاسيما الشعب الفرنسي.. فأعدوا الخطط اللازمة؛ لإقامة الثورة الفرنسية الرامية إلى تغيير الأوضاع السائدة، وفي مقدمتها عزل الدين النصراني المحرف الذي حارب العلم عن الحياة، وحصره في داخل الكنيسة وإبعاد رجالها عن التحكم الظالم.
[ ٤٤ / ٢٤٦ ]
وفعلًا قامت الثورة الكبرى عام (١٧٨٩م) واستطاع اليهود أن يجنوا ثمرات عملهم على حساب آلام الشعوب، والدماء التي أهرقت من جرائها، واستطاعوا أن يظلوا في الخفاء بعيدًا عن الأضواء، وأن يزوروا كثيرًا من الحقائق التاريخية؛ لستر مكايدهم وغاياتهم، واستطاعوا أن يصوروا هذه الثورة وما جرّت وراءها بالصورة الجميلة المحببة، وأن يجعلوها إحدى الأعمال التاريخية المجيدة، وذلك عن طريق الدعايات والإشاعات المزخرفة المقرونة بالشعارات البراقة التي انخدع بها الناس، وأخذت ترددها دون أن تفهم الهدف الذي ترمي إليه.
ووضع اليهود شعارًا مثلثًا لهذه الثورة هو "الحرية، والمساواة، والإخاء".
أما أصل مخططات هذه الثورة فقد وضعها جماعة النورانيين من الحاخامين اليهود، واستخدموا للبدء بالدعوة إليها بين سادة المال اليهود العالميين، الثري المرابي الكبير "روتشيلد الأول"ثم ابنه "ناتان روتشيلد".
ومما يدل على أن الثورة الفرنسية هي من صنع اليهود وتدبيرهم ماتتبجح به بروتوكولاتهم فتقول: "تذكروا الثورة الفرنسية التي نسميها "الكبرى"إن أسرار تنظيمها التمهيدي معروفة لنا جيدًا لأنها من صنع أيدينا".
وتقول: "كذلك كنا قديمًا أول من صاح في الناس "الحرية، والمساواة والإخاء"كلمات ما انفكت ترددها منذ ذلك الحين ببغاوات جاهلة متجمهرة من كل مكان حول هذه الشعائر.
وتمخضت الثورة عن نتائج بالغة الخطورة، فقد ولدت لأول مرة في تاريخ أوروبا المسيحية دولة جمهورية، لادينية، تقوم فلسفتها على الحكم باسم الشعب - وليس باسم الله - وعلى حرية التدين بدلًا من الكثلكة وعلى الحرية الشخصية بدلًا من التقيد بالأخلاق الدينية، وعلى دستور وضعي بدلًا من قرارات الكنيسة.
وقامت الثورة بأعمال غريبة على عصرها فقد حلت الجمعيات الدينية، وسرحت الرهبان والراهبات، وصادرت أموال الكنيسة، وألغت كل امتيازاتها، وحوربت العقائد الدينية هذه المرة علنًا وبشدة
[ ٤٤ / ٢٤٧ ]
وقد سرت الثورة إلى كل الغرب؛ لأنه لا يدين بالإسلام دين العلم والحق والعدل.
رابعًا: نظرية التطور:
في سنة ١٨٥٩م نشرالباحث الإنجليزي "تشارلزداروين" كتابه "أصل الأنواع"الذي يركز على قانون الانتقاء الطبيعي وبقاء الأنسب، وقد جعلت نظريته كون الجد الحقيقي للإنسان جرثومة صغيرة عاشت في مستنقع راكد قبل ملايين السنين، والقرد مرحلة من مراحل التطور التي كان الإنسان آخرها فاحدث ذلك ضجة لم يحدثها أي مؤلف آخر في التاريخ الأوروبي قاطبة، وكان له من الآثار في المجالات الفكرية والعملية مالم يكن في الحسبان.
وهذه النظرية أدت إلى انهيار العقيدة الدينية، ونشر الإلحاد في أوروبا، وقد استغلها اليهود استغلالًا بشعًا.
والنظرية في جوهرها فرضية بيولوجية أبعد شيء عن أن تكون نظرية فلسفية عامة، كما أنها بعيدة عن أن تكون حقيقة علمية ثابتة، وقد قال أحد العلماء الغربيين في النظرية الداروينية: بـ "بإنَّها أبوها الكفر وأمها القذارة".
والنظرية الداروينية باطلة بكتاب الله تعالى وبسنة رسوله ﷺ، وباطلة بجميع الكتب السماوية، وباطلة بإجماع المسلمين في كل زمان ومكان، وباطلة بالعقل الصحيح، وبالفطرة السليمة من الشذوذ والانحراف.
فبنو آدم وجميع الحيوانات والطيور، وجميع مافي البراري والبحار، من آلاف السنين وهي على ما هي عليه لم تتغير أشكالها ولا أسماؤها.
ومذهب داروين باطل؛ لعدم مشاهدة أي ارتقاء من أي نوع من مخلوقات الله، فمن الذي عاش آلاف السنين حتى شاهد تغير الإنسان من خلية إلى حشرة إلى حيوان إلى قرد كما يزعم داروين، وهو الذي لم يعش سوى أقل من ٧٥ سنة.
قال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (١) .
_________________
(١) سورة الكهف، الآية (٥١) .
[ ٤٤ / ٢٤٨ ]
والنظرية باطلة بقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (١) فالله تعالى إنما أهبط من الجنة أدميًا يعقل ولم يهبط حشرة ثم صارت حيوانًا لا يعقل ثم صار قردًا.
والداروينيون الملاحدة يقولون على الله بغير علم قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٢) وهم يجادلون بالباطل، قال تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوا﴾ (٣) إلى غير ذلك من الأدلة التي تنسف خرافة النظرية الداروينية.
خامسًا: طبيعة التعاليم النصرانية:
بالإضافة إلى ما سبق نجد أن التعاليم النصرانية قد تحولت إلى طقوس جامدة لا حياة فيها، واتجهت في جوهرها للتزهد، واحتقار الحياة الدنيوية، والتجرد من عالم المادة مثل:
"من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضًا، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضًا، ومن سخرك ميلًا واحدًا فاذهب معه اثنين".
"مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني ملكوت الله".
"أحبوا أعداءكم، وأحسنوا إلى مُبغضيكم، باركوا لاعينكم، وصلُّوا لأجل الذين يُسيئون إليكم، من ضربك على خدك فاعرض له الآخر أيضًا، ومن أخذ رداءك فلا تمنعه ثوبك أيضًا".
"لاتهتموا لحياتكم بما تأكلون ولا للجسد بما تلبسون".
لقد نظرت أوروبا إلى هذه التعاليم الموغلة في السماحة فوجدتها بعيدة عن واقع الحياة وظروف العصر.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٣٦) .
(٢) سورة النجم، الآية (٢٨) .
(٣) سورة الكهف، الآية (٥٦) .
[ ٤٤ / ٢٤٩ ]
أما الإسلام فلأنه الرسالة الخاتمة للناس جميعًا فقد جمع بين الحياتين، وطلب العناية بهما معًا - وإن وجه إلى تغليب العمل للباقية منهما، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَة﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾ (٢) .
والإسلام شرع مقابلة السيئة بمثلها ردعًا للظلم، وكسرًا لشوكته، ثم حث على العفو والصفح عن المسيء؛ ذلك أن الناس يختلفون في طباعهم، فمنهم اللين المتسامح، ومنهم الشديد الصعب. فشرع الإسلام لهذا وذاك وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (٤) .
أما ما جاء في النصرانية فلا يصلح توجيهًا عامًا لكل الناس ذلك أن مطالبة الإنسان بمحبة عدوه ومباركة لاعنيه أمر قد لا تطيقه بعض النفوس، كما قد لا تحتمل السكوت على الضرب؛ ولذلك جاءت الشريعة الإسلامية بمنهج وسط. العقوبة بالمثل وفتح الباب للعفو والصفح.
على أن معاملة المعتدين والمجرمين بمثل هذا الأسلوب المتساهل، وتركهم دون معاقبة أو تأديب فيه تشجيع لهم على المضي في سلوكهم إلى آخر مدى؛ ولذلك كان التشريع الإسلامي تشريعًا مناسبًا في كل زمان ومكان والحمد لله.
سادسًا: دور اليهود:
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية ٣٢.
(٢) سورة القصص، الآية ٧٧.
(٣) سورة الشورى، الآية ٤٠.
(٤) سورة النحل ١٢٦.
[ ٤٤ / ٢٥٠ ]
وليس غريبًا بعد الذي تقدم - كما جاء في الثورة الفرنسية - أن يكون اليهود وراء الدعوة إلى إقامة الحياة على غير الدين، وذلك من أجل السيطرة، ومن أجل إزالة الحاجز الديني الذي يقف أمام اليهود حائلًا بينهم وبين أمم الأرض.
هذه أهم الأسباب والعوامل التي أدت إلى ظهور هذا الفكر الجاهلي، والذي هيمن على أوروبا كلها، وأصبح يحمل شعارات الإلحاد والفوضى الأخلاقية عنادًا للكنيسة ورجالها.
والحق أَنَّ هذه الأسباب وتلك الظروف ليست مبررة لابتعاد النصارى وغيرهم عن الدين، وإنما يجب عليهم أن يبحثوا عن الدين الصحيح، والإسلام هو دين الله الحق الذي ارتضاه للناس جميعًا، وهو دين العلم للعالم كله، كما أثبت العلم بكل فروعه أنه لا يعادي هذا الدين ولا ينافيه، بل يسير في ركابه ويكشف جوهره الثمين للناس.
وفكرة أن العلم لا صلة له بالدين وأن الدين يحارب العلم، هى الفكرة السائدة في الغرب طيلة القرنين الثامن عشر، والتاسع عشر الميلاديين، ومع إطلالة القرن العشرين بدأت بوادر التفاهم والمصالحة بين رجال الكنيسة والاتجاه الجاهلي، وانتهت بتنازلات كبيرة من الطرفين إلى أن دخلت الأحزاب الدينية النصرانية مجالات السياسة في بعض الدول الغربية.
المبحث الثاني
آثار العلمانية في الغرب
[ ٤٤ / ٢٥١ ]
وعلى الرغم من أن الحضارة العلمانية الغربية قد قدمت للإنسان كل وسائل الراحة وكل أسباب التقدم المادي، إلا أنها فشلت في أن تقدم له شيئًا واحدًا وهو السعادة والطمأنينة والسكينة، بل العكس قدمت للإنسان هناك مزيدًا من التعاسة والقلق والبؤس والتمزق والاكتئاب، وذلك لأن السعادة والسكينة أمور تتعلق بالروح، والروح لا يشبعها إلا الإيمان بخالقها، والالتزام بأوامره واجتناب نواهيه؛ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (١) أي جعل الطمأنينة والوقار في قلوب المؤمنين الذين استجابوا لله ولرسوله، وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما أطمأنت قلوبهم بذلك واستقرت، زادهم إيمانًا مع إيمانهم.
وكيف تنزل السكينة في قلوب أناس أقاموا حضارتهم على غير أساس من الإيمان بالله تعالى وشرعه؟
بل الذي يحصل لهم هو مزيد من القلق والتعاسة والضيق والخوف يقول الله ﵎: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) .
قال ابن عباس ﵄ في قوله: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام": يقول تعالى: "يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به".
في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ .
_________________
(١) سورة الفتح، الآية (٤) .
(٢) سورة الأنعام، الآية (١٢٥) .
[ ٤٤ / ٢٥٢ ]
قال الإمام الطبري - ﵀ -: "ومن أراد الله إضلاله عن سبيل الهدى لشغله بكفره، وصده عن سبيله، يجعل صدره بخذلانه وغلبة الكفر عليه حرجًا، والحرج: أشد الضيق. وهو ههنا الصدر الذي لا تصل إليه الموعظة، ولا يدخله نور الإيمان لرين الشرك عليه".. وقوله: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ قال: وهذا مثل ضربه لله لقلب هذا الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإيمان إليه يقول: فمثله في امتناعه عن قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه.
وقوله: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: وهذا الذي بينا لك يا محمد في هذه السورة وغيرها من سور القرآن، هو صراط ربك، يقول: طريق ربك ودينه الذي ارتضاه لنفسه دينًا، وجعله مستقيمًا لا اعوجاج فيه فاثبت عليه وحرّم ما حرمته عليك، وأحلل ما أحللته لك، فقد بينا الآيات والحجج على حقيقة ذلك وصحته لقوم يذّكرون.. وخصَّ بها الذين يتذكرون؛ لأنهم هم أهل التمييز والفهم، وأولو الحجا والفضل".أ. هـ
وبهذا يتبين لنا حالة القلق الرهيب التي تعيشها المجتمعات التي تسير على غير هدى الله وشرعه، على الرغم من تقدمها المادي، ووصولها إلى أرقى أساليب التقنية الحديثة.
وهذا ما أيده الواقع الملموس في البلاد التي ابتعدت عن شرع الله، فالإنسان إنما يكون في حالة طيبة نفسيًا وبدنيًا عندما تقوى صلته بالله تعالى، ويلتزم بأوامره ويجتنب نواهيه.
[ ٤٤ / ٢٥٣ ]
ولذلك يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "في القلب شعث - أي تمزق وتفرق - لا يلمهُ إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يُطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدًا".
إن إبعاد الدين عن مجالات الحياة في المجتمعات الغربية كان - ولا يزال - من أهم الأسباب التي أدت إلى الإفلاس والحيرة والضياع.
وإن مما نتج عن ذلك مما هو مشاهد وملموس ما يلي:
١- الولوغ والانغماس في المشروبات الروحية والإدمان على المخدرات.
٢- الأمراض العصبية والنفسية.
٣- الجرائم البشعة بمختلف أنواعها كالسرقات، والاغتصاب، والشذوذ الجنسي، والقتل وغيرها.
٤- تأجيج الغرائز الجنسية بين الجنسين.
٥- انتشار الأمراض المخيفة كالزهري، والسيلان، وأخيرًا يبتلي الله تلك المجتمعات بالطاعون الجديد وهو مرض "الإيدز".
٦- الانتحار.
إن الغرب يعيش حياة الضنك والقلق، فلا طمأنينة له ولا راحة، ولا انشراح لصدور أهله، بل صدورهم في ضيق وقلق وحيرة، وما ذلك إلا لضلالهم وبعدهم عن الله، وإن تنعموا ظاهرًا في الحياة الدنيا.
قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (١)
قال ابن كثير ﵀: "أي أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون في أمور الدين وما ينفعهم في الدار الآخرة".
_________________
(١) سورة الروم، الآية (٧) .
[ ٤٤ / ٢٥٤ ]
وقال تعالى: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (١) .
أما الزواج فقد قل في المجتمعات الغربية - إن لم يكن قد ندر - وفترات الاختيار التي تسبقه قد تمتد سنين، وفي هذه الفترة يمارس فيها الزنا والفحش، وغالبًا ما تنتهي فترات الاختيار بالاكتفاء بما حصل فيها، ثم الانتقال إلى اختيار آخر أو العدول عن فكرة الزواج إلى فكرة المعاشرة الحرة الاختيارية بينهما دون أعباء الزواج.
وحتى إذا اختاروا الزواج فهم ينفرون من الأطفال، وقد بلغ الأمر أن أكثرهم إذا رزق باطفال فإنهم غالبًا لا يصحبونهم في فترات الفسح في نهاية الأسابيع حتى يستمتعوا وحدهم بالفسحة دون ضجيج الأولاد.
أما المجتمع فهو يعاني من التفكك والانحلال، وانعدام العلاقات بين الجيران حتى إن الواحد إذا مات لا يُعرف إلا من رائحته النتنة التي تتصاعد بعد أيام من موته.
وإن العلاج الناجع لتلك الأمراض التي تعاني منها المجتمعات الغربية وغيرها، إنما يوجد في تطبيق الإسلام، عقيدة وشريعة ومنهاج حياة، على جميع الأفراد والجماعات؛ إذ هو الدين الذي ارتضاه الله، واصطفاه وحده للناس جميعًا في كل زمان ومكان وهو – سبحانه - أعلم بما يصلح أمور خلقه في دنياهم وآخرتهم.
_________________
(١) سورة طه، الآيتان (١٢٣-١٢٤) .
[ ٤٤ / ٢٥٥ ]