الفصل الثاني
الضرورات الشعرية في ألفية ابن مالك
ربما ورد في ألفية ابن مالك بعض التجاوزات غير الإعرابية، كأن يقع الناظم في عيب من عيوب الشعر، أو يتجوَّز في بعض الألفاظ، أو يجمع بين متنافيين، وهذه الأشياء لم أُعن بها في هذا البحث، من قبل أنها لا تدخل في نحو ولاصرف، ولكني مضطر لذكر بعض النماذج المثبتة لذلك:
فمن عيوب الشعر قول الناظم - في باب "إنَّ"وأخواتها -:
وتصحبُ الواسطَ معمولَ الخبرْ
والفَصْلَ واسمًا حلَّ قبله الخبرْ
حيث تكرَّر لفظ القافية ومعناها واحد، وهو من عيوب القافية، المسمى
بـ"الإيطاء"، كما قال امرؤ القيس في قافية:
سرحةُ مرقبِ
فوق مرقبِ
وذلك قوله:
على الأيْنِ جيَّاشٍ كأنَّ سراتَه
على الضُّمرِ والتعداءِ سرحةُ مَرقَبِ
له أيْطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ
وصَهوةُ عَيْرٍ قائمٍ فوقَ مَرْقَبِ
وإذا اتفقت الكلمتان في القافية واختلف معناهما لم يكن إيطاءً.
ومنه ما جاء في باب "الضمير"حين كان يتحدث عن نون الوقاية فقال:
وليتني فشا وليتي ندرا
ومع لعلَّ اعكس وكن مخيّرا
في الباقيات واضطرارًا خَفَّفا
منيِّ وعنيِّ بعضُ من قد سلفا
فقوله: "في الباقيات"متعلق بـ"مخيرا"، واتصال آخر الكلمة من البيت بأول كلمة من البيت الذي بعده يُسمَّى تضمينًا، وهو قبيح في الشعر.
ومثله قوله في باب "الإبدال":
والواوُ لامًا بعد فتح يا انقلبْ
كالمعطيانِ يُرْضَيانِ.ووجبْ
إبدالُ واوٍ بعد ضمٍ من ألفْ
ويا كموقن بذا لها اعتُرفْ (١)
وإنما سُمي هذا بالتضمين، لأنك ضمَّنت البيت الثاني معنى الأول، لأن الأول لا يتم إلا بالثاني، كقول النابغة الذبياني:
وهُمْ وردوا الجفارَ على تميمٍ
وهم أصحابُ يومِ عكاظ إنِّي
شهدتُ لهم مواطنَ صالحاتٍ
وثقت لهم بحسن الظن مني (٢)
وكلما كانت اللفظة المتعلقة بالبيت الثاني بعيدةً من القافية كان أسهل عيبًا.
_________________
(١) الألفية ص٦٨.
(٢) الديوان ١٢٣.
[ ٤٢ / ١٥٨ ]
ومن التجوّز في الألفاظ ما يلي:
١ - قال في باب "الابتداء ":
وبعد "لولا "غالبًا حذفُ الخبرْ
حتمٌ، وفي نصِّ يمينٍ ذا استقرْ
فجمع بهذا بين متباينين هما قوله: "حتم" و"غالبًا"، فأشكل الجمع بينهما من قبل أن حتمية الحذف تقتضي عدم الانفكاك، وغالبيته تقتضي خلاف ذلك.
٢ - تجوَّز الناظم في تسمية ما بعد "بل ولكن "معطوفًا إذ قال في باب "كان وأخواتها":
ورفعَ معطوفٍ بلكنْ أو ببلْ
من بعد منصوبٍ بما الزم حيثُ حلْ (١)
وفي الواقع أن ما بعدهما غير معطوف، وإنما هو خبر لمبتدأ محذوف. فإذا قيل: ما زيدٌ قائمًا بل قاعدٌ، وما عمرو منطلقًا لكن مقيمٌ، فإن التقدير: بل هو قاعد، ولكن هو مقيم. و"بل"، و"لكن"حرفا ابتداء.
٣ - قال في باب "إن وأخواتها":
وإنْ تُخفَّفْ أنَّ فاسمها استكنْ
والخبرَ اجعلْ جملةً من بعد أنْ (٢)
فتجوَّز في قوله: "استكن"، لأن الضمير المنصوب لا يستكن، كما أن الحرف لا يُستكن فيه الضمير، وإنما هو محذوف لامستكن. قاله بدر الدين المرادي (٧٤٩هـ) .
٤ - قال في باب "الاشتغال ":
وبعد عاطفٍ بلا فصل على
معمول فعل مستقر أوّلا
فتجوَّز في قوله: "على معمول فعل"، لأن العطف حقيقة إنما هو على الجملة الفعلية.
يعني أن الاسم المشتغل عنه إذا وقع بعد عاطف تقدمته جملة فعلية ولم يُفصل بين العاطف والاسم اختير نصبه نحو: قام زيدٌ وعمرًا أكرمتُه، وذلك طلبًا للمناسبة بين الجملتين، لأن مَنْ نَصَبَ فقد عطف فعلية على فعلية، ومن رفع فقد عطف اسمية على فعلية، وتناسب المتعاطفين أولى من تخالفهما.
٥ - وقال في باب "إعراب الفعل":
وإن على اسمٍ خالصٍ فعلٌ عُطفْ
تنصبُهُ "أنْ "ثابتًا أو منحذفْ (٣)
فجعل الفعل هو المعطوف، والمعطوف في الحقيقة إنما هو المصدر، أي المؤول من "أنْ"والفعل، كما في قول الشاعرة:
ولبسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني
أحبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفوفِ
_________________
(١) الألفية ص١٨.
(٢) الألفية ص٢٠.
(٣) الألفية ص٥٢.
[ ٤٢ / ١٥٩ ]
فالواو في "وتقر"واو العطف، و"تقر"فعل مضارع منصوب بـ"أنْ"مضمرة جوازًا بعد الواو العاطفة على اسم صريح، أي خالص من التأويل بالفعل.
٦ - وقال في باب "جمع التكسير":
في نحو رامٍ ذو اطِّرادٍ فُعَلَهْ
وشاع نحوُ: كاملٍ وكَمَلَهْ
ومقصوده أن من أمثلة جمع الكثرة "فُعَلَة" وهو مطرد في كل وصف على "فاعل"معتل اللام لمذكر عاقل نحو: رامٍ ورُماة وقاضٍ وقُضاة.
ومنها كذلك "فَعَلَة"وهو مطرد في كل وصف على "فاعل" صحيح اللام لمذكر عاقل نحو: كاملٍ وكَمَلَة وكاتبٍ وكتَبَة.
فالاطراد كائن في الوصفين إلا أن الناظم استعمل مع الأول الاطراد واستعمل مع الثاني الشِّياع والشياع لا يلزم منه الاطراد مع أنه مطرد نحو: ساحر وسَحَرة وبارٍّ وبَرَرَة. ولذلك فإنه لو قال:
في نحو رامٍ ذو اطراد فُعَلَهْ
كذاك نحو: كامل وكَمَلَهْ
لكان أنصّ، لأن الشياع لا يقتضي بالضرورة الاطراد مع أنه مطرد كما تبين.
٧ - ولعله يدخل فيما نحن فيه ما يرد في بعض عبارات الألفية من قصور، كقوله في باب "لا النافية للجنس":
وركب المفرد فاتحًا كلا
حولَ ولا قوة (١)
قال المرادي: "وفي عبارته هنا قصور حيث قال: "فاتحًا"، بل الصواب: على ما ينصب به ، ولو قال وركب المفرد كالنصب لأجاد".
والقصور الذي أشار إليه المرادي حاصل من عدم شمول عبارة الناظم المثنى وجمع المذكر السالم، لأنهما يُبنيان على الياء، وكذا جمع المؤنث السالم لبنائه على الكسر.
كذلك لم أُعْن بما يحتمل وجهين أحدهما ضرورة، فإذا حُمل على الآخر لم يعد كذلك، كقوله في باب "الابتداء":
وبعد "لولا "غالبًا حذفُ الخبرْ
حتمٌ، وفي نصِّ يمينٍ ذا استقرْ
_________________
(١) الألفية ص٢١.
[ ٤٢ / ١٦٠ ]
فقوله: "استقر"في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو قوله: "ذا"، وإظهار "استقرَّ"هنا للضرورة (١)، كما في قول الشاعر:
لكَ العِزُّ إنْ مولاك عزَّ وإن يَهُنْ
فأنت لدى بحبوحةِ الهونِ كائنُ (٢)
لكونه كونًا مطلقًا.
ويمكن حمل بيت الألفية على وجه آخرَ هو أن يراد بالاستقرار الثبوت، وكذا يحمل الكون في قول الشاعر على الثبوت وعدم التزلزل والانفكاك فيصير كونًا خاصًا ويخرج من بيت الضرورة، لأنه حينئذٍ يجوز ذكره، وحذفه.
ونظير هذا ما قاله أبو البقاء العكبري وغيره في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ (٣): إن الاستقرار في الآية معناه الثبوت، وعدم التحرك، لا مطلق الوجود والحصول، فهو كون خاص.
وقال في باب "لا النافية للجنس":
ومفردًا نعتًا لمبنيٍّ يلي
فافتح أوِ انصبَنْ أو ارفع تَعْدِلِ (٤)
فإن قوله: "ومفردًا نعتًا"مفعول مقدم لقوله: "افتح أو انصب أو ارفع"من باب التنازع مع تأخر العوامل. وقد قدَّم "مفردًا"على "نعتًا"وحقه التأخير، لأنه وصف له لأجل الضرورة.
ويجوز نصبه - أعني "مفردًا"- على الحالية، لأنه وصفٌ لنكرة تقدم عليها. وعليه فلا ضرورة في البيت.
وقال في باب "المفعول معه":
والنصبُ إنْ لم يجزِ العطفُ يجب
_________________
(١) الأصل عند الجمهور أن الخبر إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا أن يكون كل منهما متعلقًا بكون عام واجب الحذف، فإن كان متعلقهما كونًا خاصًا وجب ذكره إلاّ أن تقوم قرينة تدل عليه إذا حذف، فيجوز ذكره وحذفه. انظر: شرح ابن عقيل ١/٢٥٠، الهمع ٢/٤٠.
(٢) من " الطويل ".بحبوحة كل شيء: وسطه. والهون: الذل والهوان. والشاهد فيه: التصريح بالخبر "كائن "الذي تعلق به الظرف "لدى "وهو شاذ، والقياس حذفه. والبيت في: المغني ٥٨٢، شرح ابن عقيل ١/٢١١، المقاصد النحوية ١/٥٤٤، الهمع ٢/٢٢، ٥/١٣٥، شرح شواهد المغني ٢/٨٤٧، الدرر ٢/١٨، ٥/٣١٣.
(٣) من الآية ٤٠ من سورة النمل.
(٤) الألفية ص٢١.
[ ٤٢ / ١٦١ ]
أو اعتقد إضمارَ عاملٍ تُصِبْ (١)
أعرب المكودي قوله: "اعتقد"معطوفًا على "يجب"، وجاز عطف الفعل "اعتقد"- مع كونه طلبًا - على الفعل "يجب"مع كونه خبرًا، لأن يجب في معنى أوجب.
وألزمه الأزهري حذف الجواب مع كون الشرط مضارعًا، ووقوع ما هو بمعنى الطلب خبرًا، والأول ممتنع إلا في الضرورة، والآخر خلاف الأكثر.
قال: ولو جعل "يجب"جواب الشرط، والشرط وجوابه خبر المبتدأ لسلم من هذا. وعطفُ الإنشاء على الأخبار أجازه الصفار (٦٣هـ) وجماعة، ومنعه ابن مالك في شرح التسهيل تبعًا للبيانيين.
وقال في باب "جمع التكسير":
وزائدَ العادي الرباعي احذفْهُ ما
لم يكُ لينًا إثرَهُ اللَّذ خَتَما (٢)
فقوله: "اللَّذْ"لغة في "الذي" وهو مبتدأ مؤخر، وجملة "ختما"إمّا أن يكون الفعل فيها مبنيًا للمفعول فتكون الجملة صلة المصول، والعائد محذوف مجرور بالباء - وإن لم تتوافر شروط الحذف - للضرورة، والتقدير: خُتم به.
وإما أن يكون الفعل مبنيًا للمعلوم، والفاعل ضمير مستتر راجع إلى الحرف الذي ختم الكلمة وعلى هذا لا إشكال ولا ضرورة.
قال المكودي - معربًا على البناء للفاعل -: "ومفعول "ختَم"محذوف، والتقدير: ما لم يكن الزائد لينًا الذي ختم الكلمة بعده".
أما التجاوزات الإعرابية فهي محل التطبيق في هذا البحث. ولست أزعم أني استقصيت جميع الضرائر التي لجأ إليها الناظم في منظومته ولكن حسبي أني اجتهدت في حصرها أو حصر معظمها على أقل تقدير.
وحاولت قدر الإمكان تقديم هذه الضرائر مراعيًا باب المسألة النحوية محل الدراسة، دون النظر إلى ترتيب البيت في الألفية، إذ لو راعيتُ ذلك لترتب عليه فصلٌ بين الضرائر المتشابهة، من قبل أن الضرورة الواحدة قد ترد في أكثر من موضع من الألفية.
ثم إن مراعاة ترتيب أبيات الألفية لا ينبني عليه كبير فائدة.
وبعد:
فدونك هذه الضرائر أو التجاوزات التي وقعت للناظم في ألفيته:
_________________
(١) الألفية ص٢٨.
(٢) الألفية ص٦٠.
[ ٤٢ / ١٦٢ ]
خبر "كان"إذا كان ضميرًا بين الاتصال، والانفصال:
إذا كان خبر "كان"ضميرًا فإنه يجوز اتصاله، وانفصاله عند عامة النحويين، ولكن اختُلف في المختار منهما، حيث اختار سيبويه الانفصال نحو: كان زيد إياك وكنتُ إياك.
قال عمر بن أبي ربيعة:
لئن كان إياهُ لقد حال بعدنا
عن العهد والإنسانُ قد يتغيَّرُ (١)
كما اختاره - أيضًا - ابنُ يعيش (٦٤٣هـ) وابن عصفور:
وإنما كان المختار الانفصال، لأنه في الأصل خبر المبتدأ، فكما أن خبر المبتدأ منفصل من المبتدأ فكذلك هو في هذا الباب.
وذهب الرماني (٣٨٤هـ) وأبو الحسين بن الطراوة (٥٢٨هـ) إلى أن الاتصال هو الأفصح والمختار. ووافقهما ابن مالك وابنه بدر الدين (٦٨٦هـ) .
قال ابن مالك:
وصِل أو افصل هاءَ سلنيهِ وما
أشبهه، في كنتُه الخلفُ انتمى
كذاك خلتنيه، واتصالا
أختارُ. غيري اختار الانفصالا (٢)
وجاء موجبُ هذا الاختيار عند ابن مالك مُوضَّحًا في شرح الكافية الشافية حيث قال في نحو: "الصديق كنته":
"حقُّ هذا أن يمتنع انفصاله لشبهه بهاء "ضربته" ولكنه نُقل فقُبل، وبقي الاتصال راجحًا لوجهين:
أحدهما: الشبه بما يجب اتصاله، وإذا لم يساوه في الوجوب فلا أقل من الترجيح.
الثاني: أن الانفصال لم يرد إلاَّ في الشعر، والاتصال وارد في أفصح النثر كقول النبي ﷺ لعمر ﵁ في ابن صياد: "إن يكنه فلن تسلط عليه، وإلاَّ يكنه فلا خير لك في قتله" (٣)، وكقول بعض فصحاء العرب: "عليه رجلًا ليسني".
_________________
(١) من " الطويل ". قوله: "حالَ "أي تغيَّر وتحولت حاله عما كنا نعلمه فيه. "العهد ": المعرفة. والبيت في: الديوان ١٢١، شرح المفصل ٣/١٠٧، أوضح المسالك ١/١٠٢، المقاصد النحوية ١/٣١٤، التصريح ١/١٠٨، شرح الأشموني ١/١١٩، الخزانة ٥/٣١٢، ٣١٣.
(٢) الألفية ص١٢.
(٣) انظر: صحيح البخاري (جنائز) ١١٠، (جهاد) ٢٥٣، صحيح مسلم (فتن) ٨٥.
[ ٤٢ / ١٦٣ ]
ومع اختيار الناظم للاتصال -كما سبق- فقد عدل عنه لضرورة الشعر إلى الانفصال.
قال في باب "الابتداء"- وهو يتحدث عن الجملة الواقعة خبرًا عن المبتدأ إذا كانت هي المبتدأ في المعنى -:
وإنْ تكنْ إياه معنًى اكتفى
بها كنطقي الله حسبي وكفى (١)
الإظهار في موضع الإضمار:
قال ابن مالك في باب "إنَّ"وأخواتها:
وإنْ تُخَفَّفْ أنَّ فاسمها استكنْ
والخبرَ اجعل جملةً من بعدِ أنْ (٢)
ففي البيت الثاني إظهارٌ في موضع الإضمار للضرورة. والقياس: من بعدها.
فإن بعض النحويين يرى أن الاسم إذا احتيج إلى ذكره ثانيةً في جملة واحدة كان الاختيار أن يذكر ضميره كقولك: "زيدٌ أكرمته"، فلو أعدت لفظه بعينه موضع ضميره فقلت: "زيدٌ أكرمتُ زيدًا"كان ضعيفًا ووجه الكلام على خلافه.
وإنما كان اختيار الضمير دون الاسم الظاهر، لأنه أخف، وأبعد عن الشبهة واللبس.
فإذا أعيد ذكر الاسم الظاهر في جملة أخرى جاز وحسن نحو: مررتُ بزيدٍ وزيدٌ رجلٌ فاضلٌ.
قال سيبويه: "وتقول: "ما زيدٌ ذاهبًا ولا محسنٌ زيدٌ"الرفع أجود وإن كنت تريد الأول، لأنك لو قلت: ما زيدٌ منطلقًا زيدٌ لم يكن حدَّ الكلام، وكان هاهنا ضعيفًا، ولم يكن كقولك: ما زيدٌ منطلقًا هو، لأنك قد استغنيت عن إظهاره، وإنما ينبغي لك أن تضمره، ألا ترى أنك لو قلت: ما زيدٌ منطلقًا أبو زيد لم يكن كقولك: ما زيد منطلقًا أبوه، لأنك قد استغنيت عن الإظهار. فلما كان كذلك أجرى مجرى الأجنبي، واستؤنف على حاله حيث كان هذا ضعيفًا، وقد يجوز أن تنصب. قال الشاعر، وهو سوادة بن عدي:
لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ
نغَّصَ الموتُ ذا الغنى والفقيرا (٣)
فأعاد الإظهار".
_________________
(١) الألفية ص١٦.
(٢) المصدر السابق ص٢٠.
(٣) البيت من "الخفيف ". ومعناه ظاهر. انظره في: ديوان عدي بن زيد ٦٥، الخصائص ٣/٥٣، ما يجوز للشاعر في الضرورة ٩٦، تحصيل عين الذهب ٨٦، الاقتضاب ٣٦٨، الخزانة ١/٣٧٩، شرح أبيات المغني ٧/٧٧.
[ ٤٢ / ١٦٤ ]
وكان الوجه أن يقول: لا أرى الموت يسبقه شيء، ولكنه أظهر الضمير.
فسيبويه يختار - عند إعادة الاسم الظاهر – الرفعَ، لأن العرب لا تعيد لفظ الظاهر إلاّ أن تكون الجملة الأولى غير الثانية، فتكون الثانية ابتدائيةً كقولك: زيدٌ أكرمته وزيدٌ أحببته، إذ إنه بالإمكان الوقف على الجملة الأولى ثم الابتداء بالأخرى بعد ذكر رجل غير زيد. فلو قيل: زيد أكرمته وهو أحببته لجاز أن يُتوهم الضميرُ لغير زيد. فإذا أُعيد باسمه الظاهر انتفى التوهم. أما مع إعادته مضمرًا في الجملة الواحدة نحو: زيد أكرمته فإنه لا يتوهم عود الضمير لغيره، إذ لا تقول، زيدٌ أكرمت عمرًا.
ونصَّ بعضهم كأبي عبد الله القيرواني صاحب ضرائر الشعر، ومكي ابن أبي طالب (٤٣٧هـ)، والأعلم على أنه لا يجوز الإظهار في موضع الإضمار إلا في الشعر، كقول الفرزدق:
لعمرك ما معنٌ بتاركِ حقِّهِ
ولا منسىءٌ معنٌ ولا متيسِّرُ
فـ "معن"الثاني هو "معن"الأول. وكان القياس أن يأتي بضميره فيقول: ولا منسىء ولا متيسر.
ويرى قوم أنه يجوز ي الشعر وغيره. قال مكي: وفيه نظر.
ويرىآخرون أنه لا يجوز مطلقًا لا في ضرورة ولا في اختيار. واستثنوا من ذلك ما إذا كان اسمًا للجنس، أو أريد به تفخيم الأمر وتعظيمه فإن في ذلك فائدة كقوله - ﷿-: ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ (١)، و﴿القارِعَةُ ما القارِعَةُ﴾ (٢)، فلولا ما أُريد به من معنى التعظيم والتفخيم لقيل - والله أعلم-: الحاقةُ ما هي، والقارعةُ ما هي.
وكقوله سبحانه: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَها وأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَها﴾ (٣) فأعاد الظاهر ولم يضمره. ومنه قول الشاعر:
لا أرى الموتَ يسبقَُ الموتَ شيىءٌ
لأن الموت اسم جنس بمنزلة الأرض، فإذا أُعيد مظهرًا لم يُتوهم أنه اسم لشيء آخر كما يتوهم في زيد ونحوه من الأسماء المشتركة.
_________________
(١) الآيتان ١، ٢ من سورة الحاقة.
(٢) الآيتان ١، ٢ من سورة القارعة.
(٣) الآيتان ١، ٢ من سورة الزلزلة.
[ ٤٢ / ١٦٥ ]
والراجح أن الإظهار في موضع الإضمار لا يجوز إذا كان ذلك في جملة واحدة نحو: زيدٌ أكرمت زيدًا، إلا في الضرورة، لكون الإضمار أخفَّ وأبعد عن الشبهة واللبس.
فإذا أعيد في جملة أخرى، أو قصد به التفخيم، والتعظيم حَسُن.
حذف العائد المجرور مع اختلاف متعلق الجارين:
من المعلوم أنه يجوز حذف العائد المجرور بحرف جرٍّ إنْ جَرَّ الموصولَ حرف مثله مع اتفاق متعلقي الحرفين لفظًا ومعنى، أو المضاف إلى الموصول، أو الموصوف بالموصول نحو: مررت بالذي مررت به، أو بغلام الذي مررت به، أو بالرجل الذي مررت به، فيجوز حذف "به"هاهنا.
قال ابن مالك:
كذا الذي جُرَّ بما الموصولَ جَرّْ
كمُرَّ بالذي مررتُ فهو بَرّْ (١)
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا هَذا إلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُم يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ (٢) .
فالموصول وهو "ما"مجرور بـ"مِنْ" التبعيضية، وهي متعلقة بقوله: "يشرب"قبلها، والعائد المحذوف مجرور بـ"مِنْ"التبعيضية وهي متعلقة بقوله "تشربون"، والتقدير: ويشرب من الذي تشربون منه. فاتفق الحرفان لفظًا ومعنى ومتعلقًا.
فالعائد المجرور يجوز حذفه عند الجمهور بشروط ثلاثة:
الأول: أن ينجرّ الموصول بمثل الحرف الجار للعائد لفظًا، فإذا اختلفا لفظًا لم يجز الحذف نحو: حللت في الذي حللت به.
الثاني: أن يتفق الحرفان معنى، فإذا اختلفا لم يجز الحذف نحو: مررت بالذي مررت به، مريدًا بإحدى البائين السببية، والأخرى الإلصاق.
الثالث: أن يتفقا متعلقًا، فلو اختلف المتعلق لم يجز الحذف نحو: سررت بالذي مررت به.
_________________
(١) الألفية ص١٥.
(٢) من الآية ٣٣ من سورة المؤمنون.
[ ٤٢ / ١٦٦ ]
قال ابن مالك في شرح الكافية الشافية: "وإن جُرَّ العائد بحرف وجُرَّ الموصول بمثله لفظًا ومعنىً جاز حذف العائد نحو: مررتُ بالذي مررت. ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تّشْرَبُونَ﴾ (١) أي: مما تشربون منه وكذلك يجوز حذف العائد المجرور بحرفٍ جُرَّ بمثله موصوف بالموصول أو عائد عليه بعد الصلة.
فإذا خلا العائد المجرور مما شُرط لم يجز حذفه عند الجمهور إلا ضرورة أو شذوذًا.
كقول الشاعر:
وإنَّ لساني شُهدةٌ يُشتفى بها
وهُوَّ على من صبَّه الله علقمُ
أراد: من صبه الله عليه، فحذف العائد المجرور بـ"على"مع اختلاف المتعلق. والمتعلقان هما: "صَبَّ"و"علقم".
فـ"على"المحذوفة متعلقة بـ"صبَّه"والمذكورة متعلقة بـ"علقم"لتأوله بصعب أو شاق أو شديد، فاختلف متعلقا جارِّ الموصول وجارِّ العائد.
وابن مالك لا يتفق مع الجمهور في عدِّ مثل هذا ضرورةً أو نادرًا، بل يعدُّه قليلا.
ولعله لما كان عنده كذلك - أي قليل وليس شاذًا أو ضرورةً كما يقول الجمهور - وقع له شئ من ذلك في الألفية، حيث قال في باب "الندبة":
ويُندبُ الموصولُ بالذي اشتَهَرْ
كـ"بئرَ زمزمٍ"يلي وامَنْ حَفَرْ
فقوله: "اشتهر"صلة "الذي" والعائد ضمير محذوف مجرور بحرف جُرَّ الموصولُ بمثله غير أن متعلقي الجارين مختلفان، والتقدير: ويُندب الموصول بالوصف الذي اشتهر به.
وقال في باب "تثنية المقصور والممدود وجمعهما جمعًا تصحيحًا":
والسالمَ العينِ الثلاثي اسمًا أنِلْ
إتباعَ عينٍ فاءه بما شُكلْ
فجملة "شُكل"لا محل لها صلة الموصول المجرور محلًا بالباء، والعائد ضمير محذوف مجرور بباء أخرى.
ومتى اختلف متعلق الجارين: "الذي جَرَّ الموصول والذي جر العائد فالحذف شاذ أو ضرورة عند الجمهور. وجائز بقلة عند ابن مالك كما تقدم.
وما ذهب إليه ابن مالك هو الراجح عندي. فهو قليل لا ممتنع.
_________________
(١) من الآية ٣٣ من سورة المؤمنون.
[ ٤٢ / ١٦٧ ]
وقد أورد ابن مالك جملة من الشواهد على ذلك غير البيت المستشهد به هاهنا تدل على أن المسألة ليست شاذة أو ضرورة، بل ليست نادرة.
تقديم معمول الصلة على الموصول:
قال ابن مالك في باب "إن"وأخواتها:
ولا يلي ذي اللامَ ما قد نُفيا
ولا من الأفعال ما كرضيا (١)
قال الأزهري: "كرضيا: في موضع صلة "ما"الثانية، والألف للإطلاق، وتقدير البيت: ولا يلي الخبر الذي قد نفي ولا الخبرُ الذي كرضي حال كونه من الأفعال هذه اللامَ. ففيه تقديم معمول الصلة على الموصول وذلك جائز في الشعر".
قلت: اختلف النحاة في تقديم معمول الصلة على الموصول. فجمهور البصريين على منع تقديم شئ من الصلة على الموصول مطلقًا، سواء كان الموصول اسمًا أو حرفًا. فإن جاء ما ظاهره كذلك أوَّلوه.
وذهب الكوفيون إلى جواز ذلك مطلقًا.
وأجاز بعض البصريين تقدم المتعلق بالصلة على الموصول إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا مطلقًا وجعله متعلقًا بالصلة نفسها، لأن العرب تتسع في الظروف والمجرورات ما لا تتسع في غيرها من الفضلات، لكثرة دورانهما في الكلام.
وذهب ابن الحاجب (٦٤٦هـ) إلى جواز تقديم معمول الصلة على الموصول مع "أل"خاصة، كقوله تعالى: ﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدينَ﴾ (٢)، ومنعه فيما عدا ذلك.
وهو قريبٌ من رأي ابن مالك في شرح التسهيل إلاَّ أنَّ ابن مالك جعل التقدم مع "أل"مطردًا إذا كانت مجرورة بـ"مِنْ"التبعيضية كالآية السابقة، ومَنَعَ التقدم في غير "أل" مطلقًا، ومعها إذا لم تجرَّ بـ"من".
أما في شرح الكافية الشافية فقد قال: "لا تتقدم الصلة ولا شئ يتعلق
بها فإن كان الموصولُ الألفَ واللام أو حرفًا مصدريًا لم يجز تقديم المعمول، لأن امتزاج الألف واللام والحرف المصدري بالعامل آكد من امتزاج غيرهما به" فلم يستثنِ ما إذا كانت "أل"مجرورة بـ"مِن"أو لا.
وعلى هذا فإن قوله:
ولا من الأفعال ما كرضيا
_________________
(١) الألفية ص ٢٠.
(٢) من الآية ٢٠ من سورة يوسف.
[ ٤٢ / ١٦٨ ]
جائز عند بعض البصريين لكون المعمول جارًا ومجرورًا، وجائز عند الكوفيين دون النظر إلى هيئة المعمول.
أما عند جمهور البصريين وابن الحاجب وابن مالك فلا يجوز إلا في الضرورة.
تقديم معمول خبر "ليس"عليها:
اختلف في خبر "ليس": أيجوز تقدمه عليها أم لا؟ فذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز، لأن "ليس"فعل جامد فلا يجري مجرى المتصرف كما أجريت "كان"مجراه، لأنها متصرفة.
ولأنها في معنى "ما"في نفي الحال، وكما أن "ما"لا تتصرف ولا يتقدم معمولها عليها فكذلك "ليس".
وممن منع تقديم الخبر أبو سعيد السيرافي، والأنباري (٥٧٧هـ)، كما نُسب المنع إلى أبي العباس المبرد.
وذهب جمهور البصريين إلى جواز تقدمه. وكذا من المتأخرين أبو علي الفارسي (٣٧٧هـ) وابن جني، وابن بَرْهان (٤٥٦هـ) وعبد القاهر الجرجاني (٤٧١هـ) والزمحشري، وأبو البقاء العكبري (٦١٦هـ) وابن عصفور.
ومما احتج به أصحابُ هذا الرأي قوله تعالى: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْروفًا عَنْهُمْ﴾ (١)، فقالوا: إن "يوم"معمول "مصروفًا"وتقديم المعمول يؤذن بتقدم العامل.
أما ابن مالك فرأيه رأي الفريق الأول القائل بمنع تقديم خبر "ليس"عليها (٢)، وقال: لنا في الآية ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن "يوم"مرفوع بالابتداء، وإنما بني على الفتح لإضافته إلى الجملة وذلك سائغ مع المضارع كسوغه مع الماضي.
الثاني: أن المعمول قد يقع حيث لا يقع العامل نحو: أمَّا زيدًا فاضرب، فإنه لا يلزم من تقديم معمول الفعل بعد "أمَّا" تقديم الفعل.
الثالث: أن يكون "يوم"منصوبًا بفعل مضمر، لأن قبله: ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾، فـ ﴿يَوْمَ يَأْتيهمْ﴾ جواب، كأنه قيل: يعرفون يوم يأتيهم و﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا﴾ جملة حالية مؤكدة أوِّ مستأنفة.
_________________
(١) من الآية ٨ من سورة هود.
(٢) انظر: شرح التسهيل ١/٣٥١، شرح عمدة الحافظ ١١٢.
[ ٤٢ / ١٦٩ ]
إذًا: فإن ابن مالك يرى أنه لا يجوز تقديم خبر "ليس"عليها ولا معمول الخبر كما هو ظاهر كلامه وتخريجه للآية.
ومع هذا فقد جاء في ألفيته ما يخالف هذا، حيث قال في باب "الوقف":
والنقلُ إنْ يُعدم نظيرٌ ممتنعْ
وذاك في المهموز ليس يمتنعْ
فإن "ذاك"مبتدأ و"في المهموز" جار ومجرور متعلق بقوله: "يمتنع"،
و"ليس"فعل ماض واسمها ضمير مستتر فيها، وجملة "يمتنع"خبرها. والجملة من "ليس"واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو اسم الإشارة "ذاك"، والتقدير: وذاك النقل ليس يمتنع في المهموز، فقدم معمول خبر "ليس"عليها وهو ممتنع عند الجمهور. - ومنهم ابن مالك - كما تقدم - وهذا ضرورة.
قال الأزهري (٩٠٥هـ):
"إلا أن يقال بجوازه في الظروف على حَدِّ قوله تعالى: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ (١) ".
الفصل بين العامل، والمعمول بالأجنبي:
قال ابن مالك في "فصل: الأحرف المشبهة بـ"ليس":
وسبقَ حرفِ جَرٍّ او ظرفٍ كما
بي أنت معنيًا أجاز العلما
تقدير البيت: أجاز العلماء سبق حرف جر ومجروره أو ظرف معمول
"ما"حال كونهما متعلقين بخبر "ما"نحو: ما بي أنت معنيًا، والأصل: ما أنت معنيًا بي. وقد فصل بين "سبق"وعامله "أجاز" بالمثال وهو أجنبي منه. وهذا مختص بالضرورة الشعرية. قاله الأزهري.
وجمهور النحاة - العالمون بما يتكلم به العرب - لا يجيزون الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي إلاَّ في حال الضرورة كقول الفرزدق:
وإني لأطوي الكشحَ منْ دونِ مَنْ طوى
وأقطع بالخرقَ الهبوعِ المُراجمِ
أراد: وأقطع الخرقَ بالهبوعِ، ففصل بين الجار ومجروره بالمفعول وهو قوله: الخرق.
ومثل ذلك - بل أقبح منه - قول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكًا
أبو أمه حيٌّ أبوه يقاربه
فحق الكلام وما ينبغي أن يكون عليه اللفظ: "وما مثله في الناس حيٌّ يقاربه إلاَّ أبو أمه أبوه".
_________________
(١) من الآية ٨ من سورة هود.
[ ٤٢ / ١٧٠ ]
ففرَّق بين المبتدأ وخبره بما ليس منه، من قبل أن قوله: "أبو أمه أبوه"مبتدأ في موضع نعت المملك، ففرَّق بينهما بقوله: "حيٌّ"و"حيٌّ"خبر "ما".
وعليه فإن بيت ابن مالك السالف الذكر يُحمل على الضرورة التي ألجأته إلى ذلك كما ألجأته في غير هذا الموضع من الألفية.
تقديم معمول الفعل المؤكد بالنون:
قال ابن مالك في باب "المعرب والمبني":
والرفعَ والنصبَ اجعلَنْ إعرابا
لاسمٍ وفعلٍ نحو: لن أهابا
أعرب بعضهم كلمة "الرفع"مفعولًا به مقدمًا للفعل "اجعلن".
وهو معترض بأن الفعل المؤكد بالنون لا يتقدم معموله عليه.
وقد مشى الناظم على ذلك في عدة مواضع من الألفية، كقوله في باب "اسم الإشارة":
وبهنا أو ههنا أشر إلى
داني المكانِ وبِهِ الكافَ صلا (١)
وقوله في "باب التمييز":
والفاعلَ المعنى انصبن بأفعلا
مفضِّلًا كأنت أعلى منزلا
وقوله في باب "النائب عن الفاعل":
وثالثَ الذي بهمز الوصلِ
كالأول اجعلنَّه كاستُحلي
وقد حاول بعض المعربين التماس بعض التأويلات والتقديرات لتصحيح هذه المخالفة، كإعرابهم المعمول مفعولًا به لفعل محذوف يفسره الآتي المؤكد بالنون وهو "اجعلنْ"و"صلا"و"انصبن"و"اجعلنَّ"في الأبيات السابقة مع أن الفعل المؤكد بالنون لا يصلح أن يفسر عاملًا محذوفًا قبله، ولما في ذلك من تهافت بلاغي أيضًا.
وقيل: إذا كان المعمول ظرفًا أو جارًا ومجرورًا جاز تقديمه على عامله المؤكد بالنون دون غيرهما من المعمولات كقول ابن مالك:
كالأول اجعلنَّه كاستُحلي
بناءً على أنه يتوسع في شبه الجملة ما لا يتوسع في غيرها.
وهو غير بعيد لديَّ، غير أني أميل إلى عدم التعسف والتكلف، ويكفي القول بأن ضرورة النظم هي التي ألجأته إلى ارتكاب المخالفة كغيرها من الضرائر التي ارتكبها في الألفية والتي عرضت جزءًا منها، وسيأتي أمثلة لها أيضًا.
تقديم النائب عن الفاعل على الفعل:
قال ابن مالك في باب "أفعل التفضيل":
_________________
(١) الألفية ص ١٤.
[ ٤٢ / ١٧١ ]
وما بِهِ إلى تعجبٍ وُصِلْ
لمانعٍ به إلى التفضيل صِلْ
أعرب المكودي (٨٠٧هـ) "ما"مبتدأ أو مفعولًا بفعل محذوف يفسره "صل "وهي موصولة، وصلتها: وصل به، و"به"متعلق بـ"وُصل".
فقوله: "و"به"الأول متعلق بـ"وُصل"فيه تقديم النائب عن الفاعل على مذهب الكوفيين. والبصريون يمنعونه.
ويمكن تخريجه على مذهب البصريين على أنه من الحذف والإيصال بأن يكون في "وُصِل"ضمير مستتر كان مجرورًا بالباء، والأصل: وما به وصل به، ثم حذفت الباء واستتر الضمير".
قلت: هذه المسألة مبنيَّةٌ على مسألة الخلاف في تقديم الفاعل على الفعل وهي المثبتة في كتب النحو من قبل أن أحكام نائب الفاعل هي أحكام الفاعل التي منها وجوب تأخره عن المسند على مذهب البصريين.
وذهب بعض الكوفيين إلى جواز تقديم الفاعل مع بقاء فاعليته في سعة الكلام نحو: زيدٌ قام، تقديره: قام زيدٌ. وكذلك محمد قعد، وما أشبه ذلك.
ومما استدلوا به قول الزبَّاء:
ما للجمالِ مشيُها وئيدا
أجندلًا يحملنَ أم حديدا
قالوا: معناه وئيدًا مشيها.
ووجه الاستدلال أن "مشيها"روي مرفوعًا. ولا يجوز أن يكون مبتدأ، إذ لا خبر له في اللفظ إلا "وئيدا"وهو منصوب على الحال، فوجب أن يكون فاعلًا بوئيدا مقدمًا عليه.
وهو عند البصريين ضرورة، والضرورة تبيح تقديم الفاعل على الفعل.
كما خرَّجه كثير من النحويين على أن "مشيُها" مبتدأ، والخبر محذوف، كأنه قال: ما للجمال مشيها ظهر وئيدًا، أو ثبت وئيدًا. ويكون حذف الخبر هنا والاكتفاء بالحال نظيرَ قولهم: "حكمك مسمَّطا" " فـ"حكمك"مبتدأ حذف خبره لسدّ الحال مسدَّه، أي: حكمك لك مثبتًا.
كما خُرِّج على أن "مشيُها"بدل من الضمير في "للجمال"لأنه في موضع خبر المبتدأ الذي هو "ما".
[ ٤٢ / ١٧٢ ]
والصحيح ما ذهب إليه جمهور النحويين - ومنهم ابن مالك - من أنه لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل، لأننا إذا قلنا: زيدٌ ذهب فإن في "ذهب" ضميرًا يُعرب فاعلًا، والفعل لا يرفع فاعلين في غير العطف نحو: ذهب زيدٌ وعمرو. ونحن إذا ما أظهرنا هذا الضمير بأن جعلنا في موضعه غيره تبيَّن ذلك كما في قولنا: زيدٌ ذهب أخوه.
كما نقول: رأيت زيدًا ذهب، فيدخل على الابتداء ما يزيله ويبقى الضمير على حاله.
ولست أميل إلى أن قول الزباء من باب تقديم الفاعل على الفعل ضرورة، وذلك لتمكنها من النصب على المصدرية أو الجر على البدلية، كما يقول الأزهري.
وأقرب تأويل إلى نفسي أن يكون "مشيها" مبتدأ قد حذف خبره على نحو: "حكمك مسمطًا"كما تقدم.
قلبُ المعنى:
قال ابن مالك في باب "الابتداء":
كذا إذا ما الفعلُ كان الخبرا
أو قُصد استعمالُه منحصرا
قال الأزهري: "في هذا التركيب قلب ، لأن المحدث عنه الخبر، فكان حقه أن يقول:
كذا إذا ما الخبرُ كان الفعلا
وهو خاص بالشعر، وأصل التركيب: كذا إذا ما كان الخبر الفعل المسند إلى ضمير المبتدأ المفرد فامنع تقديمه على المبتدأ".
فإنه من المعلوم أن العرب بعامة مجمعون على رفع الفاعل ونصب المفعول إذا ذكر الفاعل، غير أنه قد ورد في الشعر شيء على جهة القلب، فصُيِّر المفعول فاعلًا والفاعل مفعولًا على التأويل.
كقول الأخطل:
مثل القنافذ هَّداجونَ قد بلغت
جرانَ أو بلغت سوءاتِهم هجرُ
أراد: بلغت نجرانَ سوءاتُهم أو هجرَ، وذلك وجه الكلام، لأن السوءات تنتقل من مكان فتبلغ مكانًا آخر، إلاَّ أنه قلب الفاعل فصار مفعولًا فجعل "هجر"كأنها هي البالغة وإنما هي المبلوغة في المعنى، لأن البلدان لا ينتقلن وإنما يُبلغنَ ولا يَبلغن (١) .
وأكثر ما يكون ذلك فيما لا يشكل معناه من الكلام ولم يدخله لبس كالبيت السابق.
_________________
(١) انظر: الأصول ٣/٤٦٤، ما يحتمل الشعر من الضرورة ٢١٠، شرح الأبيات المشكلة الإعراب ١٢٣.
[ ٤٢ / ١٧٣ ]
وقد اختلف العلماء في قلب الإعراب، فمنهم من أجازه في الضرورة مطلقًا، على تأويلٍ هو أن يضمَّن العامل معنًى يصح به.
ومنهم من أجازه في الشعر وفي الكلام اتساعًا واتكالًا على فهم المعنى.
وقد حكى أبو زيدِ الأنصاري (٢١٥هـ): إذا طلعت الجوزاء انتصب العودُ في الحِرباء. يريد: انتصب الحرباء في العود.
وحكى أبو الحسن: عرضتُ الناقةَ على الحوضِ، وعرضتها على الماء. يراد: عرضتُ الماءَ والحوض عليها.
ومن كلامهم: إنَّ فلانةَ لتنوءُ بها عجيزتُها. يراد: لتنوءُ هي بعجيزتها وكذلك قوله تعالى: ﴿وَآتَينْاهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ أُولي القُوَّة﴾ (١) فقد احتمله قوم على مثل هذا، وقالوا: إن المفاتيح لا تنوء بالعصبة، بل العصبة تنوء بها وتحملها في ثقل.
وقيل: ليس الأمر كذلك بل الصواب أن الباء للنقل بمعنى الهمزة، فيكون معنى لتنوء بالعصبة: لتنوء العصبةُ. كما تقول: ذهب بزيدٍ وأذهبه، وكذلك: ناءَ به وأناءه.
ومثله قولهم: لتنوء بها عجيزتها.
وذهب ابن عصفور إلى أن القلب لا يجوز إلاَّ في الشعر، وأن ما جاء منه في الكلام قليلٌ لا يقاس عليه.
وأورد ابن السراج القلبَ فيما جاء كالشاذ الذي لا يقاس عليه.
والراجح لديَّ أنه يجوز في الشعر وفي سعة الكلام. لكنما المسألة تعود إلى القلة والكثرة، فيكثر القلب في الشعر ويقل في الكلام كما تقدم من الأمثلة التي حكاها أبوزيد وغيره، ولكن على شرط أن لا يشكل معناه.
وعليه فالذي يظهر لي أن قول ابن مالك:
كذا إذا ما الفعل كان الخبرا
لا بأس به، لكونه مما لا يلبس، ولوقوعه في الشعر الذي نصَّ العلماء على أن القلب فيه جائز.
تقديم المفعول له على عامله:
_________________
(١) من الآية ٧٦ من سورة القصص.
[ ٤٢ / ١٧٤ ]
الأصل في المفعول له أنه يجوز تقديمه على عامله نحو: مخافةَ شره جئته، لأن العامل متصرف في نفسه فيتصرف في معموله. هذا إن لم يكن هناك مانع يمنع من ذلك. فإن كان هكذا امتنع تقديم المفعول له إلا على جهة الضرورة الشعرية. وممَّن نصّ على جواز تقديمه أبو حيان، والمرادي، والسيوطي، سواء كان المفعول له منصوبًا أو مجرورًا.
وذهبت طائفة منها ثعلب إلى منع تقديم المفعول له على عامله. والسماع يرد عليهم، قال الشاعر:
فما جَزَعًا وربِّ الناس أبكي
ولا حرصًا على الدنيا اعتراني (١)
فإن "جزعًا"مفعول له مقدم على عامله وهو "أبكي".
وقد اضطر ابن مالك إلى تقديم المفعول له مع وجود المانع حين قال:
فاجرره باللام وليس يمتنعْ مع الشروطِ كلزُهْدٍ ذا قَنِعْ.
فإن "ذا"اسم إشارة في محل رفع على الابتداء، وجملة "قَنِع"خبره.
قال الأزهري: "وفيه تقديم المفعول له على عامله وما أظن أحدًا يجيز مثل ذلك نثرًا، لأن الخبر الفعلي لا يجوز تقديمه على المبتدأ فمعموله أولى. وقول بعض الشراح إن فيه إشعارًا بجواز تقديم المعمول له على عامله صحيح لكنه مشروطٌ بعدم المانعوالمانع هنا موجود كما ترى، وإنما يجوز ذلك أن لو قال: ذا لزهدٍ قنع. ولم أرَ أحدًا تنبه لما قلناه في هذا المثال، بل حكموا فيه بالجواز مطلقًا، والظاهر وقفه على الضرورة".
قيل: وقد وقف على كلام الأزهري غير واحد وسلَّمه.
خروج "سوى"عن الظرفية:
ذهب سيبويه، وجمهور البصريين إلى أن "سوى" ظرف مكان ملازم للنصب على الظرفية لا يخرج عن ذلك إلاَّ في الشعر.
ومما احتج به هؤلاء الاستقراءُ، فإن العرب لم تستعمل "سوى"في اختيار الكلام إلا ظرفًا، وتُتأول في الموضع الذي وقعت فيه غير ظرف.
_________________
(١) البيت من "الوافر ". قال الشنقيطي: نسبه أبو حيان لجحدر، فإن كان يريد جحدر بن مالك الحنفي فلم نجده في نونيته المشهورة إلا أن يكون سقط من الرواة. الدرر ٣/٨٠. وهو في الهمع ٣/١٣٥ بلا نسبة.
[ ٤٢ / ١٧٥ ]
واحتج سيبويه لهذا بعدم تصرفها، وعدم التصرف إنما يوجد في الظرف، وفي المصادر، وفي الأسماء المبهمة.
كما احتج البصريون لملازمة "سوى"النصب على الظرفيةِ بأنها صفة ظرف في الأصل، والأولى في صفات الظروف إذا حذفت موصوفاتها النصب.
وذهب الكوفيون إلى أن "سوى"ترد بالوجهين، فتكون اسمًا كـ"غير"وتكون ظرفًا، فليس خروجها عن الظرفية، مقصورًا على الضرورة الشعرية.
وذهب الزجاجي (٣٤٠هـ) وابن مالك إلى أن "سوى"كـ"غير"تصرفًا ومعنى، فيقال: "جاءني سواك"بالرفع على الفاعلية، و"رأيت سواك" بالنصب على المفعولية، و"ما جاءني أحد سواك"بالنصب والرفع.
كما ذهب إلى هذا أيضًا ابن الناظم ورجحه ابن هشام.
وأورد ابن مالك في شرح التسهيل، وشرح الكافية الشافية طائفةً من الشواهد النثرية، والشعرية الدالة على تصرفها.
وذهب الرماني والعكبري إلى أن "سوى"تستعمل ظرفًا غالبًا وكـ"غير"قليلًا، وإلى هذا ذهب المرادي وابن هشام، ورجحه الأشموني (١) (٩٠٠هـ) .
وقد استعملها ابن مالك غير ظرف في باب "العلم"حيث قال:
واسمًا أتى وكنيةً ولقبا
وأخرن ذا إن سواه صحبا (٢)
فـ"سواه"مفعول به مقدم لـ"صحب".
كما استعملها غير ظرف في باب "اسم الإشارة" إذ قال:
وذانِ تانِ للمثنى المرتفع
وفي سواه ذَيْنِ تَيْنِ اذكر تَطع
حيث جرّ "سوى"، لأنها عنده متصرفة.
_________________
(١) انظر: شرح الأشموني ٢/١٦٠.
(٢) الألفية ص ١٣.
[ ٤٢ / ١٧٦ ]