مجيء الحال من المبتدأ:
قال ابن مالك في باب "عطف النسق ":
فالعطفُ مطلقًا بواوٍ ثم
حتى أم أو كفيك صدقٌ ووفا
فقوله: "العطف"مبتدأ وخبره "بواو" وما بعده. و"مطلقًا"حال من العطف. قاله المكودي.
فقوله: "ومطلقًا حال من العطف"فيه إتيان الحال من المبتدأ وهو ضعيف.
وقيل: حال من الضمير المستتر في الخبر. وجاء تقديم الحال على عاملها المضمن معنى الفعل دون حروفه؛ لأن ذلك مغتفر في النظم. على أن الأخفش، والناظم أجازاه قياسًا.
قلت: ستأتي قريبًا مسألة تقديم الحال على عاملها الظرفي. وسأناقش - هاهنا - مسألة إتيان الحال من المبتدأ. فأقول:
اختلف النحويون في مجئ الحال من المبتدأ؛ فظاهر كلام سيبويه أن صاحب الحال في نحو: "فيها قائمًا رجلٌ"هو المبتدأ. وصححَّه ابن مالك.
وأكثر النحويين على منعه قائلين: إن صاحب الحال هو الضمير المستكن في الخبر بناءً على أنه لا يكون إلاَّ من الفاعل والمفعول.
قال ابن مالك:
"وقول سيبويه هو الصحيح؛ لأن الحال خبرٌ في المعنى، فَجَعْلُه لأظهر الاسمين أولى من جعله لأغمضهما".
(وزعم أبو الحسن بن خروف أن الخبر إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا لا ضمير فيه عند سيبويه، والفراء إلاَّ إذا تأخر، وأما إذا تقدم فلا ضمير فيه. واستدل على ذلك بأنه لو كان فيه ضمير إذا تقدم لجاز أن يؤكد، وأن يعطف عليه، وأن يبدل منه كما فعل ذلك مع التأخر) .
وإذا قيل: "زيد راكبًا صاحبك"لم يجز عند الجمهور إلاَّ على تقدير: إذا كان راكبًا.
كما يظهر من كلام أبي القاسم الزجاجي في الجمل أن الابتداء يعمل في الحال؛ لأن العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال.
ومذهب أبي العباس المبرد، وتبعه ابن السراج أنه لا يعمل في الحال إلا فعل مجرد أو شيء في معنى الفعل كاسم الإشارة في قولك: هذا زيد قائمًا؛ لأن المبتدأ هاهنا في معنى الفعل وهو التنبيه، كأنك قلت: انتبه له قائمًا.
[ ٤٢ / ١٧٧ ]
وإذا قلت: ذاك زيد قائمًا صار كأنك قلت: أُشير لك إليه قائمًا.
أما مذهب سيبويه: فإن الذي يظهر لي - كما ظهر لغيري من قبل - أن الحال تجئ من المبتدأ. فإنه قال في باب "ما ينتصب لأنه خبرٌ للمعروف المبني ":
(فأما المبني على الأسماء المبهمة فقولك: هذا عبد الله منطلقًا ، فـ"هذا"اسمٌ مبتدأ يُبنى عليه ما بعده وهو "عبد الله"، ولم يكن ليكون هذا كلامًا حتى يُبنى عليه أو يُبنى على ما قبله والمعنى أنك تريد أن تعرِّفه عبد الله؛ لأنك ظننت أنه يجهله، فكأنك قلت: انظر إليه منطلقًا، فـ "منطلقًا "حال قد صار فيها عبد الله، وحال بين منطلق وهذا.
لكن الذي يبدو لي من هذا النصّ أن المذهب المتقدم عن المبرد وابن السراج موافق لمذهب سيبويه وهو أن الحال تجيء من المبتدأ إذا كان في معنى الفعل كأسماء الإشارة؛ لأن سيبويه قال: "فكأنك قلت: انظر إليه منطلقا"
ومثَّل سيبويه - في موضع آخر من الكتاب - بـ"فيها عبد الله قائمًا، وعبد الله فيها قائمًا"ثم قال:
"قولك: "فيها"كقولك: استقرَّ عبد الله، ثم أردت أن تخبر على أية حال استقرَّ فقلت: قائمًا، فـ "قائم"حال مُسْتَقَرٌّ فيها.
وإن شئت ألغيت "فيها" فقلت: فيها عبد الله قائمٌ فإذا نصبت القائم فـ"فيها"قد حالت بين المبتدأ والقائم واستُغني بها، فعمل المبتدأ حين لم يكن القائم مبنيًا عليه عَمَلَ: هذا زيد قائمًا".
والراجح لديَّ أن المبتدأ يعمل في الحال إذا كان فيه معنى فعل كما قال سيبويه، وأبو العباس المبرد وأبو بكر بن السراج، وصححه ابن مالك.
وفي القرآن الكريم: ﴿وَهَذا بَعْلي شَيْخًا﴾ .
فالجمهور على نصب "شيخًا"وفيه وجهان أشهرهما أنه حالٌ، والعامل فيه معنى الإشارة، والتنبيه أو أحدهما.
والآخر: أنه منصوب على التقريب عند الكوفيين.
مجيء الحال من النكرة بلا مسوغ:
حق الحال أن تكون من المعرفة؛ لأنها خبر في المعنى، وصاحبها مخبر عنه، فأصله أن يكون معرفة.
[ ٤٢ / ١٧٨ ]
وكما جاز أن يُبتدأ بنكرة بشرط حصول الفائدة وأمن اللبس كذلك يكون صاحب الحال نكرة بشرط وضوح المعنى، وأمن اللبس. ولا يكون ذلك في الأكثر إلا بمسوغ. قاله ابن مالك.
وأشهر ما ذكره النحويون من مسوغات تنكير صاحب الحال تخصيصُه بوصف أو بإضافة.
فمن الأول قول الحق ﵎: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أمْرًا مِنْ عِنْدِنا﴾ .
ومن الثاني قوله: ﴿في أَرْبَعَةِ أيَّامٍ سَواءً للسَّائِلِينَ﴾ .
ومن مسوغات تنكيره كذلك: تقدم الحال عليه نحو: جاءني ضاحكًا رجلٌ.
أو اعتماده على نفي كقوله تعالى: ﴿ومَا أَهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ .
أو نهي كـ"لا تعتب على صديقٍ غائبًا".
وقد اختلف النحاة في مجيء الحال من النكرة دون مسوغ من المسوغات السابقة؛ فذهب سيبويه إلى أن ذلك مقيسٌ لا يُوقف فيه على ما ورد به السماع، وإن كان الإتباع في إعرابه صفةً أقوى.
ووجه ماذهب إليه سيبويه أن الحال إنما يؤتى بها لتقييد العامل، فلا معنى لاشتراط المسوغ في صاحبها.
وذهب ابن مالك إلى إن مجيء صاحب الحال نكرة خالية من المسوغات المذكورة جائز بقلة؛ لقوله في الألفية:
ولم يُنكَّرْ – غالبًا - ذو الحال إنْ
لم يتأخر أو يُخصَّص أو يَبِنْ
من بعدِ نفيٍ أو مضاهيه كلا
يبغ امرؤٌ على امرىءٍ مستسهلًا
ولمَّا كان هذا مذهبه - في مجيء صاحب الحال نكرة - فقد جاء شيءٌ من ذلك في باب "الإبدال"إذ قال:
أحرفُ الإبدالِ هَدَأْتَ مُوطيا
فأبدلِ الهمزةَ من واوٍ ويا
آخرًا اثر ألفٍ زِيد وفي
فاعِلِ ما أُعِلَّ عينًا ذا اقتُفي
قال الصبان (١٢٠٦هـ):
"وله: "آخرًا"جعله حالًا من المتعاطفين قبله، وإن أحوج إفراده إلى تأويلها بالمذكور، وإلى ارتكاب الحال من النكرة بلا مسوغ، وهو نادر".
وذهب ابن هشام إلى ما ذهب إليه ابن مالك.
أما أبو حيان فقد اختار مجيء الحال من النكرة بلا مسوغ كثيرًا قياسًا، وإن كان دون الإتباع في القوة.
[ ٤٢ / ١٧٩ ]
ويرى ابن الشجري (٥٤٢هـ) والإسفراييني (٦٨٤هـ) أن مجيء الحال من النكرة دون مسوغ ضعيف.
وعدَّه ابن أبي الربيع ضعيفًا قبيحًا. وكذا عدَّه قبيحًا ابن القواس
(٦٩٦هـ) فقال:
إن خلت النكرة من مسوغ فمجيء الحال منها قبيح؛ لإمكان الحمل على الصفة مع المخالفة في الإعراب.
وقال عنه السيوطي (٩١١هـ): نادر.
والصحيح عندي ما ذهب إليه سيبويه من صحة مجيء الحال من النكرة بلا مسوغ، وإن كان دون الإتباع في القوة؛ فقد ورد في كلام العرب شيئ من ذلك، كقولهم: فيها رجلٌ قائمًا، وعليه مائةٌ عينًا.
وما حكاه يونس (١٨٢هـ) فيما سبق أن العرب تقول: مررت بماءٍ قعدةَ رجلٍ. ويُسِّهل ذلك أن الحال إنما يجاء بها لتقييد العامل، فلا ضرورة لاشتراط المسوغ في صاحبها.
تقديم الحال على عاملها غير المتصرف:
قال ابن مالك في باب "إعراب الفعل":
وبعدَ حتىَّ هكذا إضمارُ أنْ
حَتْمٌ كـ "جد حتى تَسُرَّ ذا حَزَنْ
فقوله: "إضمار": مبتدأ، و"حَتْمٌ" بمعنى واجب خبره، و"هكذا"في موضع الحال من "حتم"على أنه في الأصل نعت له قدم عليه فانتصب على الحال. والتقدير: إضمارُ أنْ بعد حتى هكذا فقدم الحال على عاملها، وهو غير متصرف، ولا شبيه به للضرورة.
قلت: مذهب جمهور النحويين أنه إذا كان العامل في الحال فعلًا متصرفًا نحو: أتيت مسرعًا، وزيد دعا مخلصًا فإنه يجوز تقديم الحال عليه. وكذلك إذا كان العامل صفةً تشبه الفعل المتصرف بأن كانت متضمنهً معنى الفعل، وحروفه، وقبول علاماته الفرعية من تأنيث، وتثنية، وجمع، فذا في قوة الفعل. ويستوي في ذلك اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة. نحو: راحل، ومقبول. فيجوز أن يقال: مسرعًا أتيت، وزيد مخلصًا دعا، وهو مسرعًا راحل، وأنت شاهدًا مقبول.
قال ابن مالك:
والحالُ إن يُنصب بفعلٍ صُرِّفا
أو صفةٍ أشبهتِ المصرَّفا
فجائزٌ تقديمه كمسرعا
ذا راحلٌ، ومخلصًا زيدٌ دعا
[ ٤٢ / ١٨٠ ]
فإذا كان العامل فعلًا غير متصرف كفعل التعجب لم يجز تقديمها عليه.
وكذلك لو كان العاملُ صفةً لا تشبه الفعل المتصرف كأفعل التفضيل، فإنه لا يجوز تقديم الحال عليه، نحو: زيد أحسنُ من عمرو ضاحكًا.
وجواز تقديم الحال على العامل المتصرف مشروط بعدم المانع كوقوعه
صلة "ال "نحو: أنت المصلي فذًّا، والجائي مسرعًا زيدٌ. فلا يقال: ال فذًَّا أنت مصلٍّ، ولا: ال مسرعًا جاءني زيدٌ. بخلاف صلة غيرها فيقال: من الذي خائفًا جاء؟
وكذلك لو كان العامل صلةً لحرفٍ مصدري عامل كـ"أن" أو إحدى أخواتها، نحو: يعجبني أن يقوم زيدٌ مسرعًا، فلا يجوز: يعجبني أنْ مسرعًا يقوم زيد.
أو كان مصدرًا ينسبك بحرف مصدري، والفعل نحو: سرني ذهابك غدًا غازيًا، ولأجزينك بودك إياي مخلصًا.
وقد يكون العامل غير ما ذكر وعرض له مانع يمنع ما بعده أن يعمل فيما قبله؛ كأن يكون مقرونًا بلام ابتداء نحو: لأصبر محتسبًا، أو بلام قسم نحو: لأقومن طائعًا؛ فإن ما في حيِّز لام الابتداء ولام القسم لا يتقدم عليهما، إذ لا يقال: محتسبًا لأصبر، ولا: طائعًا لأقومنَّ؛ لأن لام الابتداء ولام القسم من الأشياء التي لها الصدارة فلا يجوز أن يعمل ما بعدهما في شيءٍ قبلهما.
هذا هو مجمل قول جمهور النحويين في مسألة تقديم الحال على عاملها، ومنهم ابن مالك كما اتضح.
وعليه فإن تقديم الناظم للحال في النظم السابق يُعدُّ ضرورة؛ لأن العامل فيها وهو قوله "حتم"مصدر وليس بفعل متصرف ولا شبيه بالمتصرف.
تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف:
لايجوز عند أكثر النحويين تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف، فلا يجوز عندهم أن يقال في "مررت بهندٍ جالسةً"مررت جالسةً بهند، قياسًا على المجرور بالإضافة في امتناع تقدم حاله عليه.
وذهب ابن كيسان (٣٢٠هـ)، وأبو علي الفارسي، وابن برهان إلى جواز ذلك.
وتابعهم ابن مالك فقال في الألفية:
وسبقَ حالٍ ما بحرفٍ جُرَّ قد
أَبَوْا، ولا أمنعه فقد وردْ
[ ٤٢ / ١٨١ ]
وحجته في ذلك - بالإضافة إلى السماع - أن المجرور بحرف مفعولٌ به في المعنى، فلا يمتنع تقديم حاله عليه كما لا يُمنع تقديم المفعول به.
ومما جاء مسموعًا من أشعار العرب الموثوق بعربيتهم قول الشاعر:
لئن كانَ بردُ الماءِ هيمانَ صاديًا
إليَّ حبيبًا إنها لحبيبُ
فـ "هيمان"و"صاديا"حالان من الضمير المجرور بـ "إلى"وهو الياء.
وأشار في التسهيل، وشرحه إلى أن تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف ضعيفٌ على الأصح لا ممتنع.
ولما كان تقديم الحال على صاحبها بهذه الهيئة جائز عنده - وإن كان ممتنعًا عند غيره - استخدمه في باب "أفعل التفضيل"حيث قال:
وأفعلَ التفضيلِ صله أبدا
تقديرًا او لفظًا بـ "مِنْ"إنْ جُرِّدا
فقوله: "تقديرًا أو لفظًا"مصدران في موضع الحال من المجرور بعدهما. وعند المانعين منصوبان على إسقاط "في".
تقديم الحال على عاملها المضمن معنى الفعل دون حروفه:
للحال مع عاملها - إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا - ثلاث صور:
الأولى: أن تتأخر عن الجملة نحو: زيد في الدار قائمًا وزيد عندك مقيمًا. وهذه الصورة لا إشكال في جوازها، بل هي الأصل.
الثانية: أن تتوسط بين المخبر عنه والخبر. نحو: زيدٌ قائمًا في الدار، وزيد مقيمًا عندك - وستأتي قريبًا -.
الثالثة: أن تتقدم الحال على الجملة نحو: قائمًا زيدٌ في الدار، ومقيمًا زيدٌ عندك. وهي ما أنا بصدد الحديث عنه الآن؛ حيث قال ابن مالك في آخر باب "أبنية المصادر":
في غيرِ ذي الثلاثِ بالتا المرّهْ
وشذَّ في هيئةٍ كالخِمْرهْ
فإن قوله: "في غير"جار ومجرور متعلق بمحذوف حال مقدم على صاحبه وهو الضمير المستكن في خبر المبتدأ المقدم الذي هو قوله: "بالتا"و"المرَّه"مبتدأ مؤخر. والتقدير: والمرة كائنة بالتاء حال كونها كائنة في غير الفعل صاحب الأحرف الثلاثة، فقدم الحال على عاملها المضمن معنى الفعل دون حروفه.
قال الأزهري: وهو نادر.
[ ٤٢ / ١٨٢ ]
فهذه الصورة منعها جمهور النحاة، فلا يقال عندهم: قائمًا زيدٌ في الدار، ولا قائمًا في الدار زيدٌ؛ نظرًا إلى ضعف الظروف في العمل.
على أن أبا بكر بن طاهر (٥٨٠هـ) قد ذكَر أنه ليس ثمت خلاف في امتناع: قائمًا زيدٌ في الدار، وتبعه ابن مالك.
ولكن الصحيح خلاف ذلك؛ فإن أبا الحسن الأخفش قد أجاز في قولهم:
"فداءً لك أبي وأمي"أن يكون "فداءً"حالًا، والعامل فيه "لك". وهو نظير: قائمًا في الدار زيدٌ.
أما الصورة التي وعدت قريبًا بذكرها فهي أن تتوسط الحال بين المخبر عنه، والخبر، وتلك لا تخلو من أن تكون متوسطة بين الخبر المقدم، والمبتدأ المؤخر نحو: عندك قائمًا زيد، وفي الدار مقيمًا عمرو. وهذه لا خلاف في جوازها.
أو تكون الحال بين المبتدأ والخبر في ترتيبها الأصلي، نحو: زيد قائمًا عندك، وعمرو مقيمًا في الدار.
ففي هذه الصورة خلاف بين النحويين على أربعة مذاهب. سأوردها باختصار، ولكني سأذكر قبل ذلك ما جاء في ألفية ابن مالك من هذا القبيل.
ففي باب "عطف النسق "قال:
فالعطف مطلقًا بواوٍ ثم فا
حتى أم أو كفيك صدقٌ ووفا
فقوله: "العطف": مبتدأ، وخبره قوله: "بواو"و"مطلقًا"حال من الضمير المستتر في الخبر، وجاء تقديم الحال على عاملها المضمن معنى الفعل دون حروفه؛ لأن ذلك مغتفر في النظم، على أن الأخفش والناظم أجازاه قياسًا.
وفي باب "المقصور والممدود"قال:
والعادمُ النظير ذا قصر وذا
مدٍّ بنقلٍ كالحجا وكالحذا
فقوله: "العادم": مبتدأ، و"بنقل" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبره. و"ذا قصر وذا مد"حالان من الضمير المستكن في الخبر. وهذا من تقديم الحال على عاملها المعنوي.
والآن أُورد المذاهب الأربعة في هذه المسألة:
الأول: مذهب جمهور البصريين المتمثل في المنع مطلقًا. وما ورد من ذلك فمسموع يحفظ ولا يقاس عليه؛ نظرًا لضعف العامل بعدم تصرفه.
الثاني: الجواز مطلقًا، وإليه ذهب الفراء، والأخفش، وصحَّحه ابن مالك مع التضعيف.
[ ٤٢ / ١٨٣ ]
واستدل المجيزون بجملة من الشواهد، منها قراءة بعضهم: ﴿وَقَالُوا ما فِي بُطُونِ هذِه الأنعامِ خالِصَةً لِذكُورِنا ومُحَرَّمٌ على أَزْواجِنا﴾ (١)
بنصب "خالصةً "على الحال المتوسطة بين المخبر عنه وهو "ما "والمخبر به وهو "لذكورنا".
أما المانعون فقد ردُّوا ذلك وتأولوه.
فمن أقوالهم: إن ما ورد من هذا قليل لا يُحفظ منه إلا هذا، وما لا بال له لقلته لا ينبغي القياس عليه.
ومن تخريجاتهم للآية أن "خالصة "معمولة للجار والمجرور قبلها على أنها حال من الضمير المستتر في صلة "ما " فهو العامل في الحال. وتأنيث "خالصة "باعتبار معنى "ما "؛ لأنها واقعة على الأجنَّة.
المذهب الثالث: الجواز بقوة إن كان الحال ظرفًا أو جارًا ومجرورًا وبضعف إن كان اسمًا صريحًا، وهو مذهب ابن مالك في التسهيل وشرحه.
المذهب الرابع: الجواز إذا كانت الحال من مضمر مرفوع نحو: أنت قائمًا في الدار، والمنع إن كانت من ظاهر، وهو مذهب الكوفيين، فأجازوا أن يُقال في: "أنت في الدار قائمًا ": في الدار قائمًا أنت، وأنت قائمًا في الدار.
والذي أميل إليه: أنه يجوز وقوع الحال بين المبتدأ والخبر في نحو: زيد في الدار قائمًا، وزيدٌ عندك مقيمًا. فيقال: زيدٌ قائمًا في الدار، وزيد مقيمًا عندك، وذلك لأمرين:
الأول: السماع. وله شواهد مبثوثة في كتب النحو وغيرها.
الثاني: أنه يتسع في الظرف والجار والمجرور ما لا يتسع في غيرهما.
تقديم الصفة على الموصوف:
وهو من الأشياء التي نصَّ النحاة على منعها.
وذهب بعضهم إلى أنه إذا تقدمت الصفة على الموصوف أُعربت - حينئذٍ - حسب موقعها وأُبدل منها الموصوف.
_________________
(١) هي قراءة ابن عباس بخلاف، والأعرج، وقتادة، وسفيان بن حسين، وابن جبير، والزهري. (مختصر في شواذ القرآن ٤١، المحتسب ١/٢٣٢، البحر المحيط ٤/٢٣١) .
[ ٤٢ / ١٨٤ ]
فإذا قيل - مثلًا -: مررت بالطويل عبد الله فإنه لا يجوز جعل الطويل صفةً لعبد الله، ولكن على إرادة: مررت بالرجل الطويل عبد الله، فحذف الموصوف وأبدل عبد الله من الصفة. قاله ابن الشجري، وحكم عليه بالقبح.
ومثل ابن مالك لتقديم النعت وجعل المنعوت بدلًا بقوله ﷿:
﴿إلى صِراطِ العَزيزِ الحَمِيدِ اللهِ﴾ .
أما في الألفية فقد ذكر بعض المعربين بعض المواضع التي اضطر فيها ابن مالك إلى تقديم الصفة على الموصوف لإقامة الوزن. كقوله في باب "جمع المذكر السالم":
وارفع بواوٍ وبيا اجرُرْ وانصبِ
سالمَ جمعِ عامرٍ ومذنبِ
الأصل: جمع عامر ومذنب السالم، فقدم الصفة على الموصوف، وحذف "ال"ليتمكن من الإضافة، ثم أضاف الصفة إلى موصوفها كجرد قطيفةٍ وفاضل رجلٍ للضرورة.
وقال في باب "لا النافية للجنس":
ومفردًا نعتًا لمبنيٍّ يلي
فافتح أو انصبَن أو ارفع تَعْدِلِ
قدَّم "مفردًا"على "نعتًا"مع أن حقه التأخير عنه؛ لأنه وصف له لأجل الضرورة. ويجوز نصبه على الحال؛ لأنه نعت نكرة تقدم عليها.
وقال في باب "النداء":
وابنِ المعرَّف المنادى المفردا
على الذي في رفعه قد عُهِدا
فقوله: "المعرَّف "مفعول بـ "ابْنِ"، وكان حقه أن يقدم المنادى؛ لأن المعرَّف نعت له، والمفرد نعت للمنادى.
فأصل كلام الناظم: وابنِ المنادى المعرف المفرد الخ، فالمعرّف نعت للمنادى، فقدم النعت وهو "المعرَّف"على المنعوت وهو "المنادى"، فأعرب المعرف مفعولًا والمنادى بدلًا منه، فصار التابع متبوعًا. ولو أراد الناظم السلامة من ذلك لقال:
وابنِ المنادى المفرد المعرَّفا
على الذي في رفعه قد أُلفا
تقديم معمول المصدر على المصدر:
قال ابن مالك في باب "الضمير":
وفي لَدُنِّي لَدُني قَلَّ وفي
قَدْني وقَطْني الحذفُ أيضًا قد يفي
[ ٤٢ / ١٨٥ ]
فإن قوله: "وفي قدني"متعلق بـ "يفي"أو بالحذف؛ فعلى الأول يلزم تقديم معمول الخبر على المبتدأ. ويلزم على الثاني إعمال المصدر المحلى بـ "أل"وتقديم معموله عليه، وكلاهما خاص بالشعر.
وقال في باب "كان وأخواتها":
وبعد أنْ تعويضُ ما عنها ارتُكِبْ
كمثل: أمَّا أنت برًّا فاقتربْ
قال الأزهري: "وبعد: متعلق بـ"ارتكب" أو بـ"تعويض". وأيًّا كان فاللازم أحد الأمرين: إما تقديم معمول الخبر الفعلي على المبتدأ، أو تقديم معمول المصدر عليه، وكلاهما مخصوص بالشعر".
وقال الناظم في أول باب "التنازع":
إنْ عاملانِ اقتضيا في اسمٍ عَمَلْ
قبلُ فللواحد منهما العملْ
فالمكودي يرى أن قوله: "في اسم"متعلق بـ"اقتضيا"، لكن الذي يظهر للأزهري - كما قال - أنه متعلق بـ"عمل"وقدم عليه للضرورة.
وفي باب "الممنوع من الصرف"قال:
ولسراويلَ بهذا الجمعِ
شبهٌ اقتضى عمومَ المنعِ
نقل الأزهري عن الشاطبي قوله: "أتى بضرورة في هذا البيت؛ حيث قدم "بهذا"على "شبَه"وهو مصدر مقدر بـ "أنْ"والفعل، ولا يتقدم معموله عليه، ولا يمكن أن يقدر "شَبَه" هنا بمشبه كما قدر "عجب"بمعنى معجب في قوله تعالى: ﴿أَكان للنَّاسِ عَجَبًا﴾) اهـ. بمعناه.
قال الأزهري: "وقد يمنع كونه مقدرًا بـ "أنْ"والفعل هنا ويدعي بأنه مصدر صريح، وحينئذٍ لا يمنع تقديم معموله عليه على الأصحّ - سلّمنا ذلك، لكن ذاك في غير المجرور والظرف لكونهما يكتفيان برائحة الفعل عند المحققين".
ومن هذا قوله في باب "إعراب الفعل":
وبعدَ "حتى"هكذا إضمارُ "أنْ"
حتمٌ كـ"جد حتى تسرَّ ذا حَزَنْ
أعرب الأزهري قوله: "حتم"خبر المبتدأ الذي هو "إضمار"والتقدير: إضمارُ أن حتم بعد حتى هكذا. قال: فقدم معمول المصدر عليه، وعلى المبتدأ العامل فيه للضرورة.
قلت: المصدر العامل على ضربين:
[ ٤٢ / ١٨٦ ]
أحدهما: مقدر بالفعل وحده وهو الآتي بدلًا من اللفظ بفعله نحو: ضربًا زيدًا. وهذا يعمل عند أكثر النحويين مقدمًا ومؤخرًا؛ لأنه ليس بمنزلة موصول، ولا معموله بمنزلة صلة؛ فيقال: ضربًا زيدًا، وزيدًا ضربًا.
والآخر: مقدر بالفعل، وحرف مصدري. ولأجل تقديره بهذا جُعل هو ومعموله كموصول وصلة، فلا يتقدم ما يتعلق به عليه، كما لا يتقدم شيءٌ من الصلة على الموصول.
وقد نسب السيوطي إلى ابن السراج القول بجواز تقديم المفعول على المصدر نحو: يعجبني عمرًا ضَرْبُ زيدٍ.
والذي في "الأصول"خلاف ذلك؛ إذ صرّح أبو بكر بعدم الجواز فقال: "واعلم أنه لا يجوز أن يتقدم الفاعل ولا المفعول الذي مع المصدر على المصدر؛ لأنه في صلته".
ويرى ابن مالك إضمار عامل فيما أوهم خلاف ذلك، أو عدَّه نادرًا.
فقد يجيء ما قبل المصدر متعلقًا به من جهة المعنى تعلق المعمول بالعامل، كقول ابن مُقْبل:
لقد طالَ عن دهماءَ لدِّي وعِذْرتي
وكتمانُها أُكني بأمِّ فُلانِ
وكقول عمر بن أبي ربيعة:
ظنُّها بي ظنُّ سوءٍ كُله
وبها ظنِّي عَفافٌ وكرمْ
قال ابن مالك:
فَلَنا في هذه أن نعلق ما تقدم بمصدر آخر محذوف لدلالة الموجود عليه، فيصير كأنه قال: لدِّي عن دهماء لدِّي. وظنِّي بها ظنِّي. فيُتلطف لذلك كله فيما يُؤمن معه الخطأ ويُثبت به الصواب.
ويكون هذا التقدير نظير قولهم في قوله تعالى: ﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ
الزَّاهِدينَ﴾، أنَّ تقديره: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين.
وزاد في شرح التسهيل تأويلين أحدهما: أن يجعل ما تقدم متعلقًا بنفس المصدر الموجود على نية التقديم والتأخير.
الثاني - وهو الذي تطمئن إليه النفس لبعده عن التكلف -: أن يكون ما تقدم متعلقًا بالمصدر الموجود نفسه، لا على نية التقديم والتأخير ولكن على أن يكون ذلك مُستباحًا في المصدر، وإن لم يُتسبح مثله في الموصول المحض كما استُبيح استغناؤه عن معمول لا دليل عليه، وإن لم يُتسبح مثله في صلة الموصول.
[ ٤٢ / ١٨٧ ]
الإخبار عن المصدر قبل تمام عمله:
قال ابن مالك في باب "الصفة المشبهة باسم الفاعل":
وعملُ اسمِ فاعلِ المُعدَّى
لها على الحدِّ الذي قد حُدَّا
أعرب المكودي "عمل"مبتدأ و"اسم فاعل"مضافًا إلى "المعدَّى". قال: "وهو على حذف الموصوف. والتقدير: فاعل الفعل المعدَّى. و"لها"في موضع خبر "عمل"، و"على الحدّ"متعلق بـ "عمل".
فقوله: "لها"في موضع خبر المبتدأ الذي هو "عمل"و"على الحدّ"متعلق بـ "عمل"فيه الإخبار عن المصدر قبل تمام عمله.
قد تقدمت الإشارة - قريبًا - إلى أن المصدر المقدر بالحرف المصدري والفعل مع معموله كالموصول مع صلته وأنه لا يتقدم عليه ما يتعلق به كما لا يجوز تقديم شيء من الصلة على الموصول، ولا يفصل بينهما بأجنبي كما لا يفصل بين الموصول وصلته.
هذا رأي جمهور النحويين في هذه المسألة.
قال ابن مالك في الكافية الشافية:
وهو مع المعمول كالموصول مع
صلته فيما أُجيز وامتُنع
وبالندور احكم على الذي يرد
بغير ذا، أو حاول العذر تجدْ
وقال في التسهيل:
"ويُضمرُ عاملٌ فيما أوهم خلاف ذلك، أو يُعدُّ نادرًا".
أي إن وقع ما يوهم خلاف ما ينبغي تُلطف له فيما يؤمن معه الخطأ ويُثبت به الصواب، من محاولة تخريجه على وجه مناسب ومحاولة إيجاد العذر، كالضرورة الشعرية. فإن لم يتأتَ كلُّ ذلك حُمل على النُّدرة.
فممَّا يوهم الفصل بأجنبي - مثلًا - قول الشاعر:
المنُّ للذمِّ داعٍ بالعطاءِ فلا
تمنن فتُلقى بلا حمد ولا مالِ
فإن من يسمع هذا البيت يسبق إلى ذهنه أن الباء الجارة لـ "العطاء"متعلقة بـ "المن"؛ ليكون التقدير: المنُّ بالعطاء داعٍ للذم، وعليه مدار المعنى. غير أن هذا التقدير ممتنع من جهة الإعراب؛ لأنه يلزم منه ارتكاب محذورين؛ أحدهما: الفصل بين المصدر ومعموله. والآخر: الإخبار عن المصدر قبل تمام عمله، أي فيما تعلق به من مجرور وغيره.
[ ٤٢ / ١٨٨ ]
فيُخرج البيت على تعليق الباء بمحذوف؛ كأنه قيل: المنُّ للذمِّ داعٍ المنّ بالعطاء، فـ "المنَّ"الثاني يدل على "المنِّ"الأول، فحُذف وأُبقي ما يتعلق به دليلًا عليه.
تقديم "مِنْ"ومجرورها على أفعل التفضيل:
إذا كان أفعل التفضيل مجردًا جيء بعده بـ "مِنْ"جارةً للمفضَّل عليه نحو: محمدٌ أكرمُ من خالدٍ. و"مِنْ"ومجرورها بمنزلة المضاف والمضاف إليه، لا يجوز تقديمها عليه، كما لا يجوز تقديم المضاف إليه على المضاف.
ويتعيّن تقديم "مِنْ"ومجرورها على أفعل التفضيل إذا كان المجرور اسم استفهام أو مضافًا إلى اسم استفهام.
أما إذا كان المجرور بـ "من"غير استفهام لم يجز تقديمه على أفعل التفضيل إلا في ضرورة الشعر عند كثير من النحويين، كقول الفرزدق:
فقالت لنا: أهلًا وسهلًا، وزوَّدتْ
جنى النحل بل ما زوَّدتْ منه أطيبُ
فقدَّم المجرور بـ "مِنْ"على أفعل التفضيل في غير الاستفهام.
أما ابن مالك فقد عَدَّ التقديم بهذه الصورة نادرًا لا ممتنعًا، فقال في الألفية:
وإنْ تكنْ بتلوِ "مِنْ "مستفهِمًا
فلهما كن أبدًا مقدِّما
كمثل: مِمَّنْ أنت خيرٌ؟ ولدى
إخبارٍ التقديمُ نَزْرًا ورَدا
وقال في شرح التسهيل: "إن كان المفضول غير ذلك لم يجز تقديمه إلاَّ في نادر من الكلام.
ومع كون تقديم "مِنْ"ومجرورها ممتنعًا - إذا لم يكن المجرور اسم استفهام أو مضافًا إليه - عند الجمهور، ونادرًا عند ابن مالك إلاَّ أنه قد جاء به ابن مالك مقدمًا، إذ قال في باب "الأسماء الستة":
وفي أبٍ وتالِيَيْه يندرُ
وقصرها من نقصهن أشهر
فقوله: "من نقصهن"متعلق بـ "أشهر"مقدَّم عليه.
قال الأزهري: "هذا غير جائز عند الجمهور، خلافًا للناظم".
تقديم معمول الصفة على الموصوف:
قال ابن مالك في "باب الكلام وما يتألف منه":
بالجرِّ والتنوينِ والندا وأل
ومسند للاسم تميزٌ حَصَلْ (
[ ٤٢ / ١٨٩ ]
فقوله: "للاسم"يُعرب خبرًا مقدمًا. و"تمييز": مبتدأ مؤخر. وجملة "حصل"في محل رفع صفة لـ "تمييز". ويلزم على هذا تقديم الصفة التي هي قوله: "بالجر"وما عطف عليه على الموصوف وهو قوله: "تمييز"، والصفة لا تتقدم على الموصوف، فمعمولها أولى بالمنع.
قلت: ذهب جمهور البصريين إلى أنه لا يجوز تقديم معمول الصفة على الموصوف، فلا يجوز أن يقال في: هذا رجلٌ يأكلُ طعامَك: هذا طعامَك رجلٌ يأكلُ.
وتبعهم في هذا ابن مالك فقال في الكافية الشافية:
وعَمَلَ التابعِ قبلَ ما تبع
لا توقِعَنْ ففعلُ ذاك ممتنعْ
وما نعوه علماءُ البصرهْ
وغيرهم أجاز دون كثرهْ
وأجاز ذلك الكوفيون، وتبعهم الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَليغًا﴾ قال: "فإن قلت: بم تعلق قوله: "في أنفسهم"؟ قلت: بقوله: "بليغًا"؛ أي قل لهم قولًا بليغًا في أنفسهم ".
واستثنى ابن مالك في التسهيل ما إذا كان النعت صالحًا لمباشرة العامل فإنه يجوز تقديمه، ولكن ليس من باب تقديم الصفة على الموصوف ولكن على جعل المنعوت بدلًا منه. ومثَّل في الشرح بقوله - ﷿ -: ﴿إلى صِراطِ العَزيزِ الحَميدِ اللَّهِ﴾ ففيه تقديم النعت وهو قوله: "العزيز الحميد"وجعل المنعوت - وهو لفظ الجلالة - بدلًا.
ومنه قول الشاعر:
ولكنِّي بليتُ بوصلِ قومٍ
لهم لحمٌ ومنكرة جسومُ
أي: وجسوم منكرة.
وقال ابن عصفور: "ولا يجوز تقديم الصفة على الموصوف إلاَّ حيث سمع، وذلك قليل".
والراجح هو ما ذهب إليه البصريون ومن تبعهم من عدم جواز تقديم معمول الصفة على الموصوف؛ لأن حق المعمول ألاَّ يحل إلا في موضع يحل فيه العامل، كما قال ابن مالك.
فأنت تقول: هذا رجلٌ مكرمٌ زيدًا، ولا تقول: هذا زيدًا رجلٌ مكرمٌ؛ لأن النعت لا يتقدم على المنعوت؛ لأنه تابع. ولعله يُتسامح في ذلك إذا كان معمولُ الصفة جارًا ومجرورًا كما في آية النساء وبيت الألفية.
الفصل بين الصفة والموصوف بما هو أجنبي:
[ ٤٢ / ١٩٠ ]
قال ابن مالك في باب "نعم وبئس"وما جرى مجراهما:
فِعلانِ غير متصرفين
نعم وبئس رافعان اسمينِ
أعرب المكودي قول الناظم: "فعلان"خبرًا مقدمًا، و"غير متصرفين"نعتًا له، و"نعم وبئس"هو المبتدأ، و"رافعان"نعت لفعلين كذلك. قال: ولا يجوز أن يكون قوله: "غير متصرفين"و"رافعان"أخبارًا؛ لأنهما قيدٌ في فعلين، وليس المراد أن يخبر بهما عن "نعم وبئس".
وعقَّب عليه الأزهري بقوله: "يلزم منه الفصل بين الموصوف والصفة بالمبتدأ، وهو أجنبي من الخبر".
فمذهب جمهور النحويين أنه لا يجوز الفصل بين الموصوف والصفة بما ليس معمولًا لواحدٍ منهما، بل لم أقف على قول لأحد يجيز ذلك إلا في ضرورة الشعر.
نصَّ على ذلك ثُلةٌ من العلماء منهم ابن جني، وابن عصفور، وابن القواس، وأبو حيَّان.
فمن الفصل بين الصفة والموصوف بالأجنبي قول عروة بن الورد:
أقولُ لقومٍ في الكنيفِ تروَّحوا
عشية بتنا عند ماوان رُزّحِ
يريد: أقول لقوم رزّحٍ في الكنيف تروَّحوا عشية بتنا عند ماوان
وعليه فإن بيت ابن مالك الآنف الذكر يُعدُّ من هذا القبيل، حيث ألجأته ضرورة الشعر إلى الفصل بين الموصوف "فعلان"وصفته - وهي قوله: "غير متصرفين". وكذا قوله: "رافعان"- بالمبتدأ وهو أجنبي من الخبر، بمعنى أن المبتدأ ليس معمولًا للخبر. وهو الصحيح.
العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجارّ:
هذه المسألة من المسائل المختلف فيها؛ فجمهور البصريين، والفراء يرون أنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بعد إعادة حرف الجر، فلا يجوز نحو: مررت بك وزيدٍ.
واحتجوا لمذهبهم بأدلة منها: أن الجار والمجرور بمنزلة شيء واحد، فإذا عطفت على الضمير المجرور فكأنك قد عطفت الاسم على الحرف الجارّ، من قِبل أن الضمير إذا كان مجرورًا اتصل بالجار ولم ينفصل منه، ولهذا لا يكون إلا متصلًا، بخلاف ضمير المرفوع والمنصوب، وعطف الاسم على الحرف لا يجوز.
[ ٤٢ / ١٩١ ]
ومنها أن ضمير الجر شبيه بالتنوين ومعاقب له، فلم يجز العطف عليه كالتنوين.
ومنها أن حق المتعاطفين أن يصلحا لحلول كل منهما محل الآخر، وضمير الجر لا يصلح حلوله محل المعطوف، فامتنع العطف عليه.
ويرى الكوفيون ما عدا الفراء جواز العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار؛ وذلك لوروده في التنزيل، وكلام العرب، كقوله تعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحامِ﴾ - بالجر - وقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ في النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وما يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ وغيرها من الآيات والشواهد الشعرية.
ووافق الكوفيين في ذلك كلٌّ من يونس بن حبيب، والأخفش، وأبو علي الشلوبيني (٦٤٥هـ) وصحَّحه ابنُ مالك.
قال في الألفية:
وعَوْدُ خافضٍ لدى عطفٍ على
ضميرِ خفضٍ لازمًا قد جُعلا
وليس عندي لازمًا إذ قد أتى
في النظم والنثر الصحيح مُثبتا
وقال في التسهيل:
"وإن عُطف على ضمير جر اختير إعادة الجار، ولم تلزم وفاقًا ليونس، والأخفش، والكوفيين".
أما الفراء فقد عدَّه قليلًا مرةً فقال: "وما أقل ما تردّ العرب مخفوضًا على مخفوض قد كُني عنه".
وعدَّه مرة أخرى قبيحًا ضعيفًا لا يجوز إلا في الشعر لضعفه.
ولأن الناظم لا يرى لزوم ذلك فقد جاء في الألفية شيء منه حيث قال في باب "أمَّا ولولا ولوما":
وبِهما التحضيضَ مِزْ وهَلاَّ
ألاَّ ألا وأولينها الفعلا
فقوله: "وهلاَّ"معطوف على الضمير المجرور بالباء من غير إعادة حرف الجر.
وقال في باب "النسب":
وأولِ ذا القلب انفتاحًا وفَعِل
وفُعِلٌ عينَهما افتح وفِعِلْ
فقوله: "وفِعِل"- بكسر الفاء والعين - معطوف على الضمير المجرور بالإضافة من غير إعادة الجار.
صرف ما لا ينصرف:
ذكر العلماء أنه يجوز للشاعر أن يصرف في الشعر ما لا ينصرف؛ لأن الأسماء أصلها الصرف.
فإذا اضطر الشاعر ردَّها إلى أصلها ولم يلتفت إلى العلل الداخلة عليها.
[ ٤٢ / ١٩٢ ]
ويرى بعض البصريين أن كل ما لا ينصرف يجوز صرفه إلاَّ أن يكون آخره ألف تأنيث نحو: "بشرى"فإنه لا يجوز فيه ذلك.
واستثنى الكسائي والفراء "أفعل"الذي معه "مِنْ"كـ "هذا أفضل منك، ورأيت أكرم منك. فإنه لا يجوز صرفه.
وذكر بعضهم أن صرف ما لا ينصرف لغة عند قوم من النحاة. وقد أجاز ذلك في الكلام أحمد بن يحيى.
وزعم أبو الحسن الأخفش أنه سمع من العرب من يصرف في الكلام جميع ما لا ينصرف. كما حكى الزجاجي مثل ذلك.
ويرى ابن عصفور أن ذلك لغة الشعراء؛ (لأنهم قد اضطروا إليه في الشعر فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك. وأما سائر العرب فلا يجوز صرف شيء منه في الكلام فلذلك جعل من قبيل ما يختص به الشعر) .
وابن مالك مع جمهور النحويين في أنه يجوز للضرورة أو التناسب صرف جميع ما لا ينصرف.
قال في الألفية:
ولاضطرارٍ أو تناسبٍ صُرِفْ
ذو المنعِ، والمصروف قد لا ينصرفْ
وقد وردت بعض الألفاظ في الألفية مصروفة لأجل الضرورة مع أنَّ حقها المنع من الصرف.
من ذلك ما جاء في باب العلم، إذ قال:
من ذاك أمُّ عريطٍ للعقربِ
وهكذا ثعالةٌ للثعلب
فـ "ثعالة"علم لجنس الثعلب، وهو غير منصرف للعلمية وتاء التأنيث، إلاَّ أنه صرفه للضرورة.
ومنه صرف الناظم لكلمة "أحمد"وهو مستحق للمنع لأجل العلمية ووزن الفعل حين قال:
كذاك ذو وزنٍ يخصُّ الفعلا
أو غالبٍ كأحمدٍ ويعلى
وقال في باب: "جمع التكسير":
أفعِلةٌ أَفْعُلُ ثم فِعْلَهْ
ثُمَّت أفعالٌ جُموعُ قِلَّهْ
فـ "أفعلة"مستحق للمنع من الصرف للعلمية والتأنيث إلاَّ أن الناظم قد صرفه للضرورة.
وقال في الباب نفسه:
فَواعِلٌ لفَوْعَلٍ وفاعَلِ
وفاعِلاءَ مَعَ نحوِ كاهِلِ
فصرف كلمة "فواعل"للضرورة مع استحقاقها للمنع للسبب السابق.
وقال في باب "النسب":
وفَعَليٌّ في فَعِيلَةَ التُزم
وفُعَليٌّ في فُعَيْلَةٍ حُتم
فنوَّن "فُعَيْلَةٍ"للضرورة، مع أنها في الأصل ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث كذلك.
[ ٤٢ / ١٩٣ ]
وقال في موضع آخر من الباب نفسه:
وبأخٍ أَختًا وبابنٍ بِنْتا
أَلحِقْ ويونسٌ أبى حذف التا
فصرف كلمة "يونس"للضرورة مع أنه ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل.
أما في باب "الإبدال"فقال:
وصحَّ عينُ فَعَلٍ وفَعِلا
ذا أَفْعَلٍ كأغْيَدٍ وأحْوَلا
فصرف كلمة "أغيد"للضرورة مع كونها في الأصل ممنوعة من الصرف للوصفية ووزن أفعل.
[ ٤٢ / ١٩٤ ]