حذف أداة الشرط:
قال ابن مالك في باب "المعرف بأداة التعريف":
أل: حرفُ تعريفٍ أو اللامُ فقطْ
فَنَمَطٌ عَّرفتَ قُلْ فيه: النَّمَطْ
أعرب الأزهري لفظة "نمط"مبتدأ، وقال: سوَّغ ذلك إعادته بلفظ المعرفة. و"عرَّفت": شرطٌ حذفت أداته ضرورة. ومفعوله محذوف. و"قُلْ"فعل أمر جواب الشرط، حذفت منه الفاء للضرورة، والشرط وجوابه خبر المبتدأ. والتقدير: فنمط إذا عرَّفته فقل فيه النمط، على معنى: إذا أردت تعريفه فقل.
قلت: مذهب جمهور النحويين أنه لا يجوز حذف أدوات الشرط، لا "إنْ"ولا غيرها.
قال أبو حيان: وقد جوَّز ذلك بعضهم في "إنْ". قال: ويرتفع الفعل بحذفها، وجعل منه قول ذي الرِّمَّة:
وإنسانُ عيني يَحْسِرُ الماءُ تارةً
فيبدو وتارات يَجُمُّ فيَغْرَقُ
أي: إن يحسر الماءُ. فلما حذفت "إنْ"ارتفع الفعل.
وإنما قدر بعضهم فيه "إنْ"محذوفة، لأن قوله "وإنسانُ عيني"مبتدأ، وجملة "يحسر الماءُ تارةً"خبره، وليس ثَمَّ رابط لهذه الجملة بالمبتدأ. فلما خلت من الرابط ذهب من ذهب إلى أصلها جملة شرطية، إذ إنه لا يشترط في الشرط إذا ما وقع خبرًا أن يكون الرابط في جملة الشرط، بل قد يكون في جملة الجزاء نحو: زيد إنْ تقم هند يغضب.
وخرَّج بعض المحققين بيت ذي الرمة على أنه من عطف جملة فيها ضمير المبتدأ وهي قوله: "يبدو"بفاء السببية على الجملة المخبر بها الخالية منه وهي قوله: "يحسر الماءُ"، فيُكتفى بذلك، لانتظام الجملتين من حيث العطف بالفاء في نظم جملة واحدة.
وهو الراجح عندي. وقد عدَّ النحاة هذا من روابط الجملة الواقعة خبرًا بالمبتدأ نحو: زيدٌ جاءت هند فضربها.
حذف جواب الشرط:
لأداة الشرط - عند البصريين - صدر الكلام، فلا يسبقها شيء من معمولات فعل الشرط، ولا فعل الجواب غير معمول الجواب المرفوع.
[ ٤٢ / ١٩٥ ]
وقال أكثر البصريين: ولا يجوز كذلك تقديم الجواب على الأداة، لأنه ثانٍ أبدًا عن الأول متوقف عليه.
فإن تقدم شبه الجواب على الأداة فهو دليل عليه وليس إياه، وإنما الجواب محذوف مدلول عليه بما قبله نحو: أنت ظالم إن فعلت، والتقدير: أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم.
ولا يكون هذا الحذف اختيارًا إلا إذا كان فعل الشرط ماضيًا لفظًا أو معنى بأن كان مضارعًا مقترنًا بـ"لم" نحو: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَ رْجُمَنَّكَ﴾ (١) .
قال ابن مالك في شرح الكافية الشافية: "ولا يكون فعل الشرط مضارعًا غير مجزوم بـ"لم"عند حذف الجواب إلا في ضرورة.
أما في التسهيل فقد ذكر مرةً أن حذفه دون تحقق هذا الشرط مخصوص بالشعر، وذكر مرة أخرى أنه قليل.
وقد وقع في الألفية شيء كثير من حذف الجواب مع فوات شرط هذا الحذف، وهو كون الشرط فعلًا ماضيًا.
ولا أزعم أني قد حصرت هذه المواضع كلها، ولكني وقفت على اثني عشر منها.
ففي باب "الموصول"قال:
إنْ يُستطل وصلٌ وإنْ لم يُستطل
فالحذفُ نزرٌ وأبَوْا أنْ يُختزلْ
فـ "إنْ يُستطل"- بالبناء للمفعول - فعل الشرط مجزوم بـ "إنْ"
و"وَصْلٌ"نائب عن الفاعل بـ"يُستطل"، وجواب الشرط محذوف للضرورة لكون الشرط هنا مضارعًا.
وقال في باب "التنازع":
ولا تجيء مع أوَّلٍ قد أُهملا
بمضمرٍ لغير رفعٍ أُوهِلا
بل حذفَه الزم إنْ يكن غيرَ خبر
وأخِّرَنْه إنْ يكن هو الخبرْ
فقوله: "إن يكن غير خبر"و"إن يكن هو الخبر"حذف في الموضعين جواب "إنْ"التي فعلها مضارع. وهو ضرورة.
وقال في باب "المفعول معه":
والعطف إنْ يمكن بلا ضعفٍ أحقْ
والنصبُ مختارٌ لدى ضعفِ النسقْ
فـ "إنْ"حرف شرط، و"يمكن"فعل الشرط، وجوابه محذوف للضرورة، لكون الشرط غير ماض.
وقال في باب "عطف النسق":
وبانقطاعٍ وبمعنى بَلْ وَفَتْ
إنْ تكُ مما قُيِّدت به خَلَتْ
_________________
(١) من الآية ٤٦ من سورة مريم.
[ ٤٢ / ١٩٦ ]
فجملة "خلت"في موضع نصب خبر "تك" وجواب الشرط محذوف مع فوات شرط حذفه وهو مضي الشرط ضرورة.
وقال في "المنادى المضاف إلى ياء المتكلم":
واجعل منادًى صَحَّ إن يُضف لِيا
كعبدِ عبدي عبدَ عبدا عَبْديا
فإن "يُضف"- بالبناء للمفعول - فعل الشرط، وجوابه محذوف للضرورة لكون الشرط هنا مضارعًا.
وجاء حذف جواب الشرط مع فوات شرط حذفه مرتين في باب "الندبة":
الأولى: قوله:
والشكلَ حتمًا أوْلهِ مُجانِسا
إنْ يكنِ الفتحُ بوهمٍ لابسا
والثانية: قوله:
وواقفًا زِدْ هاءَ سكتٍ إنْ تُرِدْ
وإنْ تشأْ فالمدَّ والها لا تَزِدْ
فـ"ترد"فعل الشرط وجواب الشرط محذوف ضرورة.
وقال في باب "إعراب الفعل":
وبعدَ غيرِ النفي جزمًا اعتمد
إنْ تُسقطِ الفا والجزاءُ قد قُصدْ
كما قال في باب "عوامل الجزم":
والفعلُ من بعد الجزا إنْ يقترنْ
بالفا أو الواوِ بتثليثٍ قَمِنْ
فقوله: "والفعل"مبتدأ، و"قمن" خبره، وجواب الشرط محذوف للضرورة، لأن شرط حذف الجواب اختيارًا مضيُّ الشرط لفظًا أو معنىً.
وقال في باب "الوقف":
فـ"يُعدم"- بالبناء للمفعول - فعل الشرط، وجوابه محذوف للضرورة، لكون الشرط مضارعًا.
والنقلُ إنْ يُعدمْ نظيرٌ مُمتنعْ
وذاكَ في المهموز ليس يمتنعْ
وقال في باب "الإمالة":
وهكذا بَدَلُ عَيْنِ الفعل إنْ
يَؤُلْ إلى فِلتُ كماضي خَفْ ودِنْ (١)
وقال في باب "الإبدال":
ومدًّا ابدل ثانيَ الهمزيْن مِنْ
كِلْمةٍ ان يَسْكُن كآثِرْ وائتمِنْ
فإنَّ "يَسْكُن"فعل الشرط، وجوابه محذوف للضرورة، لكونه مضارعًا.
وثمت أبيات أخرى من الألفية ذكر الأزهري أنها مما حُذف فيها جوابُ الشرط للضرورة لكون الشرط مضارعًا غير أني أعرضت عنها صفحًا، لأن الشرط - وإن كان مضارعًا لفظًا - إلاّ أنه ماضٍ من حيث المعنى، وذلك لتقدم "لم"عليه، كقوله في باب "تعدي الفعل ولزومه":
وحذفَ فضلةٍ أجز إن لم يَضِرْ
كحذفِ ما سيق جوابًا أو حُصِرْ
وقوله في باب "النسب":
_________________
(١) الألفية ص ٦٤.
[ ٤٢ / ١٩٧ ]
واجبُرْ بردِّ اللامِ ما منه حُذفْ
جوازًا ان لم يك رَدُّه أُلِفْ
حذف الفاء من جواب الشرط، وحذف جواب الشرط:
قال ابن مالك في باب "الكلام وما يتألف منه":
والأمرُ إنْ لم يكُ للنون مَحَلْ
فيه هو اسمٌ نحو صَهْ وحَيَّهلْ
فقوله "هو اسم"مبتدأ وخبر، والجملة منهما في محل جزم جواب الشرط. وإنما لم يأتِ بالفاء للضرورة. والجملة من الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ أو تُجعل جملة "هو اسم"في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو قوله: "والأمرُ"، وتكون جملة جواب الشرط محذوفة دلَّت عليها جملة المبتدأ وخبره. وهذا أيضًا ضرورة، لأن من شرط حذف الجواب أن يكون الشرط فعلًا ماضيًا. فالبيت لا يخلو من الضرورة.
ونظير ذا تمامًا قول الناظم في باب "النداء":
والضمُّ إنْ لم يلِ الابنُ علما
أو يلِ الابنَ علم قد حُتما
فقوله: "قد حُتما"- بالبناء للمفعول - يحتمل أن يكون خبر المبتدأ، وجواب الشرط محذوف، والتقدير: والضمُّ قد حُتم إن لم يلِ فهو محتم، وفيه ضرورة، لأن شرط حذف الجواب أن يكون الشرط فعلًا ماضيًا، فحيث كان مضارعًا كان حذف الجواب مخصوصًا بالشعر.
ويحتمل أن يكون "قد حُتم"هو جواب الشرط، والشرط وجوابه خبر المبتدأ، وترك الفاء ضرورةً، لأن الجواب ماضٍ مقرونٌ بـ"قد"، ولا تحذف منه الفاء في هذه الحالة إلاَّ في الضرورة. فليست إحدى الضرورتين بأولى من الأخرى إلا بكثرة الاستعمال.
ومثل ترك الفاء للضرورة - أيضًا - قوله في باب "العلم":
وإنْ يكونا مفرديْنِ فأضِفْ
حتمًا وإلاَّ أتبعِ الذي رَدِفْ
فإن جملة "أتبع"هي جواب الشرط، وهي طلبية يجب أن تكون مقرونةً بالفاء، ولا تحذف إلاَّ للضرورة.
ومثل الجملة الطلبية الواقعة جوابًا للشرط قوله في باب "لا" النافية للجنس:
والعطفُ إن لم تتكرر "لا"احكما
له بما للنعت ذي الفصل انتمى
[ ٤٢ / ١٩٨ ]
فإن قوله: "احكما"فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفًا لأجل الوقف، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وقد حذف منها ألفًا ضرورة وهي لازمة لكون الجواب جملةً طلبية.
وكذلك قوله في باب "عوامل الجزم":
والفعلُ من بعد الجزا إن يقترنْ
بالفا أو الواوِ بتثليث قَمِنْ
فإن قوله: "والفعل"مبتدأ، و"قمن" خبره، وجواب الشرط محذوف للضرورة، لأن شرط حذف الجواب - اختيارًا - مضيُّ الشرط لفظًا أو معنى.
ويحتمل جعل "قمن" خبر مبتدأ محذوف، والجملة جواب الشرط، وحذف الفاء للضرورة.
وقال في باب "التصغير ":
وألف التأنيث ذو القصر متى
زاد على أربعةٍ لن يثبتا
فجملة "لن يثبت"في محل جزم جواب الشرط وكان من حقها أن تقترن بالفاء، لكن الناظم حذفها لضرورة إقامة الوزن. وجملة الشرط والجواب في محل رفع خبر المبتدأ، أو تكون الجملة هي خبر المبتدأ، وجواب الشرط محذوف للضرورة، لكون الشرط غير ماض (١) .
فهذه الأبيات من الألفية تنتظم مسألتين:
الأولى: حذف الفاء من جواب الشرط للضرورة.
والأخرى: حذف جواب الشرط دون توافر لشرطه عند الجمهور.
ومن أشهر المواضع التي لا يصلح فيها الجواب أن يكون شرطًا كونه جملة اسمية كقوله تعالى: ﴿وَإنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢) أو كان فعلًا دالًا على الطلب نحو: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعوني﴾ (٣) .
والطلب يشمل الأمر، والنهي، والتحضيض، والعرض، والدعاء، والاستفهام.
أو كان ماضيًا مقرونًا بـ"قد"لفظًا، أو تقديرًا، أو مقرونًا بحرف تنفيس، أو بحرف نفي غير "لا"و"لم"، أو كان الفعل جامدًا.
_________________
(١) انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ١٣١، منحة الجليل ٤ / ١٤٥.
(٢) من الآية ١٩ من سورة الأنفال.
(٣) من الآية ٣١ من سورة آل عمران.
[ ٤٢ / ١٩٩ ]
قال ابن القواس: "وإنما لزمت الفاء لأنه لما امتنع تأثير أداة الشرط في هذه الأمور أُتي بالفاء للربط توصلًا إلى المجازاة بها، وكانت الفاء دون الواو، لأن معناها التعقيب من غير مهلة، والجزاء يجب عقيب الشرط".
وقد اختُلف في حذف هذه الفاء من جواب الشرط إذا كان شيئًا مما تقدم على ثلاثة مذاهب:
الأول: مذهب جمهور النحويين وهو أنه لا يجوز حذفها إلا في الضرورة، ويمتنع في سعة الكلام.
وممن نصَّ على هذا سيبويه، والصيمري، وابن عصفور، وابن مالك، وأبو حيان، وابن هشام.
الثاني: المنع مطلقًا في الضرورة والاختيار. نقله أبوحيان عن بعض النحويين.
ومذهب ابن الناظم - وتبعه الأزهري - أنه يجوز ترك هذه الفاء في الضرورة أو في الندور، ومثَّل للندور بما أخرجه البخاري من قول النبي ﷺ لأُبيّ بن كعب لما سأله عن اللقطة: "فإن جاء صاحُبها وإلاَّ استمتع بها"، أي فإن جاء صاحبها فردها إليه وإن لم يجيء فاستمتع بها.
والمذهب الأول هو الراجح لدي. أمَّا ما ورد في الحديث فقد أخرجه البخاري مرتين، الأولى بإثبات الفاء: "وإلا فاستمتع بها" وكذا في صحيح مسلم في كتاب "اللقطة"، والترمذي في كتاب "الأحكام".
والأخرى برواية: "وإلا استمتع بها"بإسقاط الفاء.
أما حذف جواب الشرط فيجوز إذا كان ثمَّ قرينة نحو قوله تعالى: ﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ (١)، تقديره: فافعل. وقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ (٢) أي تطيرتم.
وهو كثير في لسان العرب عندما يدل دليل على حذفه نحو: "أنت ظالم إن فعلت"تقديره: أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم.
قال ابن مالك في الألفية:
والشرطُ يغني عن جواب قد عُلم
واشترط البصريون، والفراء لحذف الجواب مع وجود الدليل مضيَّ الشرط لفظًا أو معنى.
_________________
(١) من الآية ٣٥ من سورة الأنعام.
(٢) من الآية ١٩ من سورة يس.
[ ٤٢ / ٢٠٠ ]
فالأول مثل: أنت ظالم إن فعلت. والثاني: ما كان فعلًا مضارعًا مقرونًا بـ"ل"نحو: أنت ظالم إن لم تفعل، فلا يجوز: أنت ظالم إن تفعل.
ومذهب الكوفيين - ما عدا الفراء - جواز كون الشرط مضارعًا غير منفي بـ"لم"قياسًا.
واستدلوا بقول الكميت بن معروف الأسدي:
لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم
ليعلم ربي أن بيتي واسعُ
فجاء بجواب القسم المقترن باللام وهو قوله: "ليعلم ربي"، وحَذَف جواب الشرط مع كون فعل الشرط - وهو قوله: "تك"- مضارعًا غير منفي بـ"لم".
كما استدلوا بقول الشاعر:
يُثني عليك وأنت أهلُ ثنائه
ولديك إنْ هو يستزدك مزيدُ
حيث جاء الفعل المضارع "يستزدك"مجردًا من "لم". وهذا وأمثاله عند البصريين والفراء معدود في الضرائر. وعند ابن مالك قليل.
وبذلك يتبيّن أن ما أورده بعض المعربين للألفية على الناظم في حذف جواب الشرط في غير موضعه، من قبل أن الشرط في الأبيات السابقة متوافر فيه ما ذكره المحققون وهو كونه مضارعًا منفيًا بـ"لم"في قوله:
والأمرُ إن لم يك للنون محل
وقوله: والعطفُ إن لم تتكرر "لا"احكما
وقوله: والضمُّ إن لم يلِ الابن علما
على أن الناظم يجيز - ولو بقلة - مجيء الشرط مضارعًا غير منفي بـ"لم"كما تقدم، فمن باب الأولى أن يجيز مجيئه مقرونًا بها.
تقديم معمول الجزاء على الشرط:
في هذه المسألة خلاف بين البصريين، والكوفيين حيث أجاز الكوفيون تقديم معمول الجزاء على أداة الشرط نحو: زيدًا إن تضربْ أضربْ. ومنعه البصريون.
واحتج المجيزون بأن الأصل في الجزاء أن يكون مقدمًا على "إن"، إذ إن قولك - مثلًا -: "إن تضرب أضرب"الأصل فيه - عندهم -: أضربُ إن تضرب. فلما تأخر الجواب انجزم على الجوار، وإن كان من حقه أن يكون مرفوعًا. واستشهدوا لذلك ببعض الشواهد، كقول زهير بن أبي سلمى:
وإنْ أتاهُ خليلٌ يومَ مسألةٍ
يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ
[ ٤٢ / ٢٠١ ]
التقدير فيه: يقول إن أتاه خليل يومَ مسألة، فلولا أنه في تقدير التقديم لما جاز أن يكون مرفوعًا.
"وإذا ثبت هذا - وأنه في تقدير التقديم - فإنه يجب جواز تقديم معموله على حرف الشرط، لأن المعمول قد وقع في موقع العامل".
وأما البصريون فلا يجوز عندهم – كما تقدم – أن يقال: "زيدًا إنْ تضربْ أضربْ"لا يجوز عندهم نصب "زيد"لا بالشرط، ولا بالجزاء.
وقالوا: إن ما يعمل فيه فعل الشرط كائنٌ من جملته، فلا يجوز تقديمه على حرف الشرط.
ومن احتجاجاتهم أيضًا أن أداة الشرط كأداة الاستفهام و"ما" النافية ونحوهما مما له الصدارة، فكما لا يجوز تقديم ما بعد الاستفهام عليه فكذلك لا يجوز تقديم ما بعد أداة الشرط عليها.
وكذلك فإن الشرط سبب في الجزاء، والجزاء مسبِّبه، ومحال أن يتقدم المسبِّب على السبب.
وإذا ثبت أن مرتبة الجزاء إنما هي بعد الشرط وجب أن تكون مرتبة معموله كذلك، لأن المعمول تابعٌ للعامل.
وأما قول زهير:
وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ
يقولُ
فلا يعني رفعه أنه على نية التقديم وإنما رفعه لأن فعل الشرط ماض، وفعل الشرط إذا كان ماضيًا، نحو: إنْ قمتَ أقوم فإنه يجوز أن يبقى الجواب على رفعه، لأنه لمَّا لم يظهر الجزمُ في فعل الشرط ترك الجواب على أول أحواله وهو الرفع.
وابن مالك مخالفٌ للكوفيين في تجويزهم تقديم معمول الجزاء على الأداة فقال في شرح التسهيل.
"لـ"إنْ"الشرطية صدر الكلام، فلا يتقدم عليها ما بعدها فلذلك لو تقدم على أداة الشرط مفعول في المعنى لفعل الشرط أو الجزاء وجب رفعه بالابتداء وشغل الفعل بضمير مذكور أو مقدر".
وقد جاء في الألفية بما لم يجزه وهو تقديم معمول الجزاء على الشرط في قوله في باب "المعرَّف بأداة التعريف":
وحذفَ ألْ ذي إنْ تُنادِ أو تُضِفْ
أَوْجِبْ. وفي غيرهما قد تنحذفْ
[ ٤٢ / ٢٠٢ ]
فإن قوله: "أوْجبْ" جواب الشرط على حذف الفاء للضرورة، والتقدير: إن تنادِ مصحوب "أل" أو تضفه فأوجب حذف "أل". فقدَّمَ معمول الجواب على الشرط ضرورة.
قصر الممدود:
أجاز العلماء للشاعر قصر الممدود في حال الضرورة، وقد لجأ ابن مالك في منظومته إلى هذه الضرورة في مواضع كثيرة حتى أكاد أقول بأنه يصعب حصرها وربما كان في البيت الواحد أكثر من موضع، وهي من الضرائر اليسيرة التي لا يترتب عليها - في الغالب - اختلافُ إعراب أو تغيُّرُ معنى.
وحسبي أن أشير إلى بعض هذه المواضع فقط لأمرين، أحدهما: خشية الإطالة، والثاني: أن إدراك بقية المواضع غير خافٍ على المتأمل.
قال في باب "الكلام وما يتألف منه":
بالجرِّ والتنوين والندا وألْ
ومسندٍ للاسمِ تمييزٌ حَصَلْ
فقصر كلمة "النداء"وهي ممدودة، لضرورة الوزن.
وقال في الباب نفسه:
بِتا فعلتَ وأَتَتْ ويا افعلي
ونونِ أقبلنَّ فعلٌ ينجلي
فقصر الناظم تاء "فعلت"وياء "افعلي" وهما في الأصل ممدودان وذلك لضرورة الوزن أيضًا.
وقال في باب "المعرب والمبني":
وارفع بواوٍ وانصبنَّ بالألفْ
واجرُرْ بياءٍ ما من الأسما أصِفْ
فكلمة "الأسماء"ممدودة لكن ضرورة الوزن قد ألجأت الناظم إلى قصرها.
وقال في باب "الأسماء الستة":
وشرطُ ذا الإعرابِ أنْ يُضَفْنَ لا
لليا كجا أخو أبيك ذا اعتلا
ففي هذا البيت ما ذكرته آنفًا من وجود غير لفظة مقصورة للضرورة، فهو هاهنا قد قصر - مضطرًا - ثلاثة ألفاظٍ هي: "لليا"، و"كجا"، و"اعتلا"وأصل الكلام بالمد:
للياء كجاء أخو أبيك ذا اعتلاء
وقال في باب "ما ولا ولات":
إعمالَ ليس أُعملتْ ما دون إنْ
مع بقا النفي وترتيب زُكِنْ
الأصل: مع بقاء النفي، بالمدّ، لكنه قصر لضرورة الوزن.
وقال في باب "ظنَّ وأخواتها":
وجوّزِ الإلغاءَ لا في الابتدا
وانوِ ضميرَ الشأنِ أو لامَ ابتدا
فقوله: "في الابتدا"، و"لام ابتدا" كلاهما بالقصر للضرورة.
ومنه قوله في باب "جمع التكسير":
[ ٤٢ / ٢٠٣ ]
والسينَ والتا من كمُسْتَدْعٍ أزلْ
إذ ببنا الجمعِ بقاهما مُخِلْ
حيث قصر ثلاث كلمات ممدودات في الأصل وهو قوله: "والتا"، وقوله: "ببنا"وقوله: "بقاهما"، والأصل فيهن: "والتاء"، و"ببناء"، و"بقاؤهما".
ومن ذلك قوله في باب "الإمالة":
دونَ مزيدٍ أو شذوذٍ ولما
تليه ها التأنيثِ ما الها عَدِما
فقوله: "ها"، هي فاعل "تليه"، وقوله: "الها"مفعول مقدم بالفعل "عَدِم"، وكلاهما مقصور لضرورة الوزن.
وأختتم هذه النماذج بما قاله في باب "الحكاية":
وقُل لمن قال: أتت بنْت: مَنَهْ
والنونُ قبل تا المثنى مُسْكَنَهْ
والفتحُ نزرٌ وصِلِ التا والألفْ
بِمَنْ بإثرِ ذا بنسوةٍ كَلِفْ
فقد قصر ابن مالك كلمة "تا"في البيت الأول الواقعة مضافًا إليه بإضافة "قبل"إليها، وكذا كلمة "التا"في البيت الثاني الواقعة مفعولًا به للفعل "صل". كل ذلك إنما كان لضرورة الوزن.
حذف حرف الصلة للاكتفاء بالحركة منه:
ذكر بعض من تكلم في ضرائر الشعر من العلماء أنه يجوز للشاعر حذف الياء وهي لام الفعل اجتزاءً بالكسرة.
كما قال أبو خُراش الهذلي:
ولا أدرِ مَنْ ألقى عليه ثيابَه
ولكنه قد سُلَّ عن ماجدٍ محضِ
يريد: ولا أدري: لأن الفعل غير مجزوم فحذف الياء مجتزئًا بالكسرة التي قبلها، لأنها تدل عليها.
وقد وقع في ألفية ابن مالك شيء من ذلك، إذ قال في باب "الإضافة":
وبعضُ الاسماءِ يُضاف أبدا
وبعضُ ذا قد يأتِ لفظًا مفردا
أراد: قد يأتي. بإثبات الياء، لأنه فعل مضارع مرفوع، إلا أنه قد حذف لامه وهي الياء ضرورة.
قال الزمخشري: "والاجتزاء بالكسرة عن الياء كثير في لغة هذيل".
وعدّ ابن الشجري هذا الحذف شاذًا في غير الفواصل والقوافي.
[ ٤٢ / ٢٠٤ ]
وهذه المسألة قريبة من سابقتها أو هي منها. والراجح فيها لدي ما ترجح هناك من أنه يجوز حذف الياء في غير ما ضرورة، وذلك لمجيئه في القرآن الكريم وهو أفصح كلام بلا ريب، قال المولى ﷿: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ﴾ (١)، ﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلاَّ بِإذْنِهِ﴾ (٢) . قرأ نافع وأبو عمرو والكسائي: "يأتي"بإثبات الياء وصلًا، وحذفها وقفًا. وقرأ ابن كثير بإثباتها وصلًا ووقفًا. وقرأ باقي السبعة بحذفها في الحالين.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ (٣) و﴿فَمَا تُغْنِ النُّذٌرْ﴾ (٤) .
على أنه قد تقدم عن الزمخشري أن هذا كثير في لغة هذيل.
_________________
(١) من الآية ١٤٦ من سورة النساء.
(٢) من الآية ١٠٥ من سورة هود.
(٣) من الآية ٤١ من سورة ق.
(٤) من الآية ٥ من سورة القمر.
[ ٤٢ / ٢٠٥ ]