الفصل الثالث
الإسلام يتنافى مع العلمانية
مما سبق يظهر لنا أنَّ العلمانية ظهرت في أوروبا نتيجة لظروف خاصة بعضها يتعلق بالكنيسة وديانتها المحرفة، وطغيانها الأعمى في شتى المجالات الدينية والاقتصادية والسياسية، وبعضها يتعلق بتعاليم النصرانية نفسها ودور اليهود.
وتلك الظروف لا تنطبق على الإسلام؛ وذلك لأسباب أبرزها وأهمها ما يلي:
١- أنَّ أول ما يلاحظ في دين أوروبا هو التحريف الذي أصاب العقيدة والشريعة. عقيدة التثليث المضطربة، والأناجيل المحرفة والمتناقضة، ثم النظرة القاصرة التي فصلت الدين عن الدولة والحياة، وحصرته في الأديرة والكنائس.
أما الإسلام فهو عقيدة، وشريعة دين ودولة، حيث وضع نظامًا كاملًا ومحددًا لكل شأن من شئون الحياة.
قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١) .
قال ابن كثير - ﵀ - عند تفسيره لهذه الآية:
قال ابن مسعود: "قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء"، وقال مجاهد: "كل حلال وكل حرام، وقول ابن مسعود أعم وأشمل، فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ماسبق، وعلم ما سيأتي، وكل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ومعاشهم ومعادهم..".
وقد تكفل الله تعالى بحفظ هذا القرآن من التغيير بخلاف الكتب السابقة قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) .
٢- أَنَّه ليس في الإسلام كهنوت (٣) ولا واسطة بين الخالق وخلقه، وبإمكان أي مسلم في أي مكان وفي أي زمان، من ليل أو نهار أن يتصل بربه بلا كاهن ولا قسيس.
_________________
(١) سورة النحل، الآية (٨٩) .
(٢) سورة الحجر، الآية (٩) .
(٣) الكهنوت رجال الدين عند اليهود والنصاري ونحوهم. انظر: المعجم الوسيط (٢/٨٠٣) .
[ ٤٤ / ٢٥٦ ]
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (١) .
وقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
والإسلام إنما جاء لتحرير العباد، من عبودية العباد إلى عبادة ربِّ العباد دون من سواه، ولا يجوز صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى كائنًا من كان.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣) .
والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إنما بعثوا بالدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤) .
وقال ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٥) .
وقال سبحانه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٦) .
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (١٨٦) .
(٢) سورة آل عمران، الآية (١٣٥) .
(٣) سورة آل عمران، الآيتان (٧٩-٨٠) .
(٤) سورة النحل، الآية (٣٦) .
(٥) سورة الأنبياء، الآية (٢٥) .
(٦) سورة الزخرف، الآية (٤٥) .
[ ٤٤ / ٢٥٧ ]
وقال تعالى إِخبارًا عن الملائكة الكرام: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (١) .
فالإسلام إنما جاء لإخراج الناس من عبادة البشر إلى عبادة الله وحده، ولذلك قال ربعي بن عامر - ﵁ - لرستم قائد جيش الفرس: "إن الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ".
٣-والإسلام يقرر أنه لا عصمة لبشر إلا الرسول - ﷺ - فيما يبلغه عن ربه، وبعد ذلك فالكل سواء رجل دين أو رجل دنيا ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢)، وبذلك سد الإسلام الباب أمام نظام الكهانة الذي ابتدعه القساوسة، ولم يعترف بوجود طبقة ممتازة يدعي رجال الدين أن لها عصمة أو قداسة، وأساس التحاكم بين جميع الناس هو كتاب الله تعالى وسنة نبيه - ﷺ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣) .
٤- أَنَّه ليس في الإسلام صراع أو خصام بين الدين والعلم، كالذي حدث بين الكنيسة ورواد الفكر الغربي في عصر النهضة، بل إن الإسلام على العكس من ذلك فيه انسجام تام بينهما، ودعوة جادة من الإسلام للعلم والتعليم.
إن طلب العلم في الإسلام فريضة على كل مسلم ومسلمة ولم يقيد حرية العلماء والباحثين، فقد دعا القرآن إلى العلم في كثير من الآيات البينات.
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية (٢٩) .
(٢) سورة الحجرات، الآية (١٣) .
(٣) سورة النساء، الآية (٥٩) .
[ ٤٤ / ٢٥٨ ]
وفي رحاب القرآن الكريم، وبتوجيه منه قامت في العالم نهضة علمية، ووصل العلماء من خلاله إلى كثير من الابتكارات العلمية في مختلف المجالات؛ كالطبيعة والكيمياء والفلك والطب وغيرها.
وقد أشاد القرآن الكريم بمنزلة العلماء قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١) .
وقد قرنهم الله تعالى بنفسه وملائكته في الشهادة بوحدانيته تعالى؛ قال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) .
كما أن أول نزول القرآن الكريم على النبي - ﷺقد نوه بقيمة القراءة والتعليم؛ قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٣) .
_________________
(١) سورة فاطر، الآية (٢٨) .
(٢) سورة آل عمران، الآية (١٨) .
(٣) سورة العلق، الآيات (١-٥) .
[ ٤٤ / ٢٥٩ ]
والعلم في الإسلام عام وشامل، يقوم على استغلال طاقات الإنسان والكون بما يحقق للإنسانية الرخاء والاستقرار، وذلك يشمل جميع المعارف التي تحتاج إليها البشرية، سواء أكان مصدرها القرآن الكريم والسنة النبوية، كعلوم الدين من العقيدة والتفسير والحديث والفقه والدعوة وغيرها، أم كان مصدرها التجربة والنظر في الكون والحياة؛ كالرياضيات والكيمياء وعلوم الطب والفيزياء والهندسة وغيرها، وهذا الشمول دلت عليه نصوص كثيرة؛ منها قوله - ﷺ -: "ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله به طريقًا إلى الجنة" (١) .وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (٢) .
ومما يدل على أنه لا مجال للصراع بين الدين والعلم في الإسلام، أنه لم يحدث في التاريخ الإسلامي أن عالمًا يبحث في الطب أو يبحث في الفلك أو الفيزياء أو الكيمياء، وجد نفسه معزولًا عن العقيدة الإسلامية، أو وجد أنها تعطله عن البحث العلمي الدقيق، وإنما عاش العلم في ظلال العقيدة.
٥- ليس في الإسلام تعاليم فات أوانها، أو أحكام انقضى زمنها. إن كل مافي الإسلام حيٌ دائمًا، متجدد دائمًا، صالح للتطبيق في كل زمان ومكان إلى أن تعود الحياة إلى ربها. والإسلام بهذا الشمول، وبهذه المرونة قد كفل لأحكامه التطبيقية النمو والتجدد على مدى الأزمان.
_________________
(١) صحيح مسلم (٤/٢٠٧٤) كتاب الذكر والدعاء حديث (٢٦٩٩) وسنن الترمذي كتاب العلم حديث (٢٦٤٦) وابن ماجه المقدمة رقم (٢٢٥) ومسند الإمام أحمد المكثرين رقم (٧١١٨) .
(٢) صحيح مسلم (٣/١٢٥٥) كتاب الوصية حديث (١٦٣١) وسنن أبي داود كتاب الوصايا حديث (٢٤٩٤) وسنن الترمذي كتاب الأحكام حديث (١٣٧٦) والنسائي كتاب الوصايا حديث (٣٦٥١) ومسند الإمام أحمد المكثرين حديث (٧٨٤٢) .
[ ٤٤ / ٢٦٠ ]
قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾ (٣) .
قال الإمام ابن كثير - ﵀ - عند تفسيره للآية الأخيرة:
"هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة، حيث أكمل الله تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم - صلوات الله وسلامه عليه - ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق، لا كذب فيه ولا خلف".
وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤) .
٦- أَنَّ الملاحظ أن الموطن الذي ولد فيه الفكر العلماني - وهو إنجلترا وفرنسا وألمانيا - لم يأخذ بالاتجاه العلماني في التطبيق في الحياة العلمية، فالتاج البريطاني لم يزل حاميًا للبروتستانت، وفرنسا لم تزل حامية للكثلكة في صورة عملية، والدولة في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا على الرغم من أنها علمانية - تساعد المدارس الدينية من ضرائبها الخاصة التي تجبيها من المواطنين، مع علمها باستقلال هذه المدارس في برامجها التعليمية.
جاء في صحيفة المدينة المنورة العدد (١٢٢٢٧):
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (٣٨) .
(٢) سورة النحل، الآية (٨٩) .
(٣) سورة المائدة، الآية (٣) .
(٤) سورة الأنعام، الآية (١١٥) .
[ ٤٤ / ٢٦١ ]
إن العلمانية في مفهوم المجتمع الغربي لا تعني التحرر من الدين ونبذه كما يتوهم البعض في عالمنا الإسلامي، ففي حرب "الفولكلاند" الشهيرة التي حدثت بين بريطانيا والأرجنتين عام ١٩٨٢م نقل التليفزيون البريطاني صورًا لرئيسة الوزراء -آنذاك- وهى تذهب إلى الكنيسة مصلية وداعية، وأثناء حرب الخليج اتصل الرئيس الأمريكي – السابق - "جورج بوش"باثنين من رجال الدين أبلغهما أنه يصلي من أجل السلام، وإن الرجال الثلاثة صلوا معًا، وهذا الأمر لا يقتصر على الرؤساء، بل يشمل الأحزاب كذلك، فهذا حزب العمال البريطاني يبدأ مؤتمره السنوي بالصلوات المسيحية في الكنيسة، وممن عرفوا بتدينهم في هذا الحزب: النائب العمالي السابق "إريك هيفر"وكان محسوبًا على اليسار المتشدد في الحزب نفسه وكان - أيضًا - عضوًا عاملًا في الكنيسة، وألف قبل وفاته كتابًا عن الديانة المسيحية.
وقد حضرت "تاتشر"رئيسة وزراء بريطانيا - آنذاك - صلاة تخصه بعد وفاته، ولما سئلت: ما الذي يجمعها بشخص مثل "هيفر"؟
أجابت فيما معناه: هو التوجه الديني المسيحي.
وكذلك شوهد "ديفيد أوين"وزير خارجية بريطانيا العمالي السابق في عهد حكومة جيمس كالاهان وهو داخل الكنيسة متأملًا ومتعبدًا.
وقد كان "جورتوماس"المتحدث باسم مجلس العموم البريطاني لفترةطويلة يعمل واعظًا في الكنيسة إضافة إلى عمله.
[ ٤٤ / ٢٦٢ ]
هذه أمثلة قليلة ولكنها ذات دلالة ومعنى، وهى تكشف جهل كثير من العلمانيين في عالمنا الإسلامي، وتخبطهم في مفهوم العلمانية الذي أولعوا به. وإذا كانت هذه الفئة المحسوبة على المسلمين تجعل التجرؤ على كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - من باب حرية الكلمة، فإنها تجهل أن حرية الكلمة في الغرب لا تجيز التجديف ضد الديانة المسيحية، وإن من يفعل ذلك يتعرض لعقاب صارم، ومناهضة شديدة من قبل المؤسسات الرسمية والشعبية على حدٍّ سواء، وإذا كان هذا البعض يتوهم أن التنصل من ثوابت عقيدته الإسلامية السمحة يجعله عظيمًا في عيون الآخرين، فإن العكس هو الصحيح؛ فالأمم لا تحترم من ينبذون تعاليم دينهم أو يتجرأون عليه زورًا وبهتانًا.
الفصل الرابع
عوامل انتقال العلمانية إلى العالم الإسلامي وآثارها السيئة عليه
المبحث الأول
عوامل انتقالها إلى العالم الإسلامي
بدأت فكرة العلمانية تغزو العالم الإسلامي منذ أكثر من قرن من الزمان لكنها لم تتمكن إلا في بداية القرن العشرين الميلادي، حين طبقت - على مستوى الدولة - على أنقاض الخلافة العثمانية ثم سرت إلى أكثر بلدان العالم الإسلامي وكانت هناك عدة عوامل رئيسية ساعدت على ظهور انتقال العلمانية إلى العالم الإسلامي أهمها:
أولًا: انحراف كثير من المسلمين عن العقيدة الصحيحة المستمدة من الكتاب والسنة، ومن هنا كثرت البدع والخرامات والشعوذة والأهواء وقلَّ الفقه في الدين بينهم.
ومن انحراف بعض المسلمين عن عقيدتهم ظهور الفرق الصوفية
بينهم، وكان من الأخطاء الأساسية في الفكر الصوفي النظرة العدائية إلى الحياة الدنيا تلك التي يبدو أنها متأثرة بالفكر البوذي والفلسفات المنحرفة.
[ ٤٤ / ٢٦٣ ]
وحدث أن أقبل العامة بقيادة المتصوفين على الطقوس والأوراد. وهذا الخلط الصوفي الأحمق يعتبر أول تصدع أصاب كيان الأمة الإسلامية، وهذا الانحراف العقدي وقع قبل احتكاك الغرب اللاديني بالشرق، بل قبل قيام الدولة العثمانية، وفي آخر عهد العثمانيين ازداد الأمر سوءًا وتطورت الانحرافات حتى توهم الناس أن العبادة هي ما يأمر به المشايخ والأولياء من البدع، ووقعت الأمة في شرك حقيقي، وذلك بما يمارسه الناس من بدع الأضرحة والمشاهد والمزارات، وتقديس الموتى والاعتماد عليهم في جلب النفع ودفع الضرر، ووصل الأمر إلى حالة مزرية جدًا حين كانت جيوش المستعمرين تقتحم المدن الإسلامية، والمسلمون يستصرخون بالأسياد أو الأولياء الذين قد مضى على وفاتهم مئات السنين.
ومن ذلك قول بعض الشعراء:
يا خائفين من التتر
لوذوا بقبر أبي عمر
وقال:
عوذوا بقبر أبي عمر
ينجيكم من الضّرر
ولذلك يقول ابن تيمية - رحمه الله تعالى - عنهم:
"وأما الجهاد فالغالب عليهم أنهم أبعد من غيرهم، حتى نجد في عوام المؤمنين من الحب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمحبة والتعظيم لأمر الله، والغضب والغيرة لمحارم الله، مالا يوجد فيهم، حتى إِنَّ كثيرًا منهم يعدون ذلك - أي الجهاد - نقصًا في طريق الله وعيبًا".
بل ربما يظنون أن الذكر والتفكر والفناء والبقاء هو الأصل والأهم".
ثانيًا: الاستعمار الغربي والشرقي:
[ ٤٤ / ٢٦٤ ]
لقد تعرض العالم الإسلامي لهجمات قوية من قبل أعدائه عبر عصور التاريخ، ولكن لما كان المسلمون متمسكين بدينهم وأكثر استعدادًا للجهاد في سبيل الله، استطاعوا أن يردوا حملات أعدائهم، ولكن لما ضعف المسلمون وكثرت فيهم البدع والخرافات واجتالتهم الطرق الصوفية، ولجأ بعضهم إلى التعلق بالقبور والتمسح بها والذبح لها ودعاء الموتى، واستسلم بعضهم إلى ملذات الدنيا، والبعض الآخر بدأ يتشبث بالأفكار الوافدة، وقعدوا عن الجهاد، بعد ذلك انقض عليهم الأعداء من كل جانب ولم تنته الحربان العالميتان إلا والعالم الإسلامي غالبه تحت السيطرة الغربية النصرانية أو الروسية الشيوعية.
عدا المملكة العربية السعودية التي حماها الله تعالى من الاستعمار والاحتلال، وذلك لأن هذه البلاد حرم الإسلام، بها المدينتان المقدستان: مكة المكرمة دار القبلة ومهبط الوحي، والمدينة النبوية مأوى رسول الله - ﷺ - ومأرز الإيمان، وقد أنعم الله عليها بدعوة التوحيد التي أعلنها الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى- ونصرها الإمام محمد ابن سعود وأحفاده - ﵏ - ثم هيأ الله لها الملك عبد العزيز - ﵀ - الذي جمع الكلمة ووحَّد الصف تحت راية التوحيد، وهذا هو السر في عدم دخول المحتلين هذه البلاد.
وكذلك أفغانستان وشمال اليمن لم يدخلهما الاحتلال - آنذاك - وذلك لتمسك أهلهما بالإسلام، ولوعورة مسالكهما، ولصلابة أهلهما في الدفاع ولكن لما كثر في أهل أفغانستان الخبث، وقل تمسكهم بالإسلام غزتهم الشيوعية الملحدة، ولكن لم يلبث المجاهدون الأفغان - ومعهم كثير من المسلمين - أن أعلنوا الجهاد في سبيل الله، ووقفوا أمام جحافل الكفر والإلحاد.
ونسأل الله الذي أخرج الشيوعيين من أفغانستان أن يجمع كلمة أهلها على الحق، وما فيه مصلحة أفغانستان المسلمة.
وفيما يلي نوّد اعطاء فكرة عن كل من الاستعمار الغربي والاستعمار الشرقي:
[ ٤٤ / ٢٦٥ ]
أولًا: الاستعمار الغربي:
إن الاستعمار الغربي الذي سيطر على كثير من البلدان الإسلامية لم يكن مخططه أن يستغل خيرات تلك البلاد ويستعبد سكانها فحسب - كما يظن البعض - بل كان أهم مخطّطاته محاربة الإسلام، وتجهيل المسلمين بحقيقة دينهم بجميع الوسائل الممكنة له الظاهرة والخفية.
وإليك أهم الوسائل التي استعملها الاستعمار في محاربة المسلمين:
أ- نشر الثقافة الغربية على نطاق واسع، مع السعي في التخفيف من الثقافة العربية الإسلامية أو القضاء عليها إن أمكن ذلك ولو مع طول الزمن.
ب- تشجيع مدارس التبشير المسيحي، وتدوين مناهجها لكي ينصرف أبناء المسلمين إليها تاركين مدارسهم الإسلامية، وقد نجح في ذلك كله.
ج- تشجيع الطوائف المنحرفة التي تعمل باسم الإسلام في ميدان الدعوة كالقاديانية، وبعض الطوائف الصوفية؛ ليتمكن من ضرب الإسلام ودعوته من الداخل بأيد تنتمي إليه، تلهج بذكره، وهذا أخطر سلاح استعمله الاستعمار ضد الإسلام ودعوته.
هـ- اعتبار اللغة الإنجليزية لغة رسمية في كثير من البلدان العربية والإسلامية، مما جعل شباب المسلمين يقبلون على هذه اللغة في الوقت الذي يجهلون فيه لغتهم الأصلية، بل استطاع الاستعمار أن يحمل الشباب السذج على كراهية الإسلام وأهله بدعوة أنه دين تعصب، ودين تأخر، وانطلى هذا الكلام على شباب المسلمين؛ لجهلهم حقيقته فضلوا.
وبسبب الاستعمار والتبشير انتشرت المعتقدات العلمانية في العالم الإسلامي.
وقد حرص الغرب منذ وطئت أقدامه أراضي المسلمين على نشر العلمانية بأكثر من سبيل. وكان أهم مجالات نشرها ووسائلها فيما يلي:
١- في التعليم وله في ذلك أكثر من سبيل أهمها:
(أ) حصر التعليم الديني وحصاره ماديًا ومعنويًا.
(ب) الابتعاث إلى الدول غير الإسلامية وحقق ذلك الابتعاث نتائجه المقصودة.
(ج) نشر المدارس الأجنبية في البلاد الإسلامية.
(د) تمييع المناهج الإسلامية باسم التطور.
[ ٤٤ / ٢٦٦ ]
(هـ) نشر الاختلاط بين الجنسين في مراحل التعليم وقد بدأوا بها في الجامعات.
٢- في الإعلام والإعلام يخاطب الملايين من الناس ببرامجه، وأكثر هذه الملايين ساذجة تؤثر فيها الكلمة مقروءة أو مسموعة أو منظورة.
٣- إبعاد الإسلام عن مجال التطبيق.
ومما يدل على دور الاستعمار الغربي في نقل العلمانية إلى البلدان الإسلامية أن أول عمل قام به الإنجليز في الهند هو إلغاء الشريعة الإسلامية، وأول عمل قام به نابليون في مصر هو تعطيل الشريعة الإسلامية، وإحلال القانون الفرنسي محلها، وأول عمل قام به المخطط اليهودي الصليبي في تركيا هو إلغاء الشريعة الإسلامية ثم إعلان تركيا دولة لادينية.
"وأخيرًا غادر المستعمرون ديار المسلمين بعد أن خلفوا على تركتهم ورثة مخلصين؛ ليحافظوا عليها، ولأنهم يتمكنون من العمل في صالحهم أكثر مما يتمكنون هم بأنفسهم".
ثانيًا: الاستعمار الشرقي:
[ ٤٤ / ٢٦٧ ]
يقول شيخنا الدكتور محمد أمان الجامي - ﵀ -: "فبينما يعاني الدعاة تلك المعاناة من الاستعمار الغربي وورثته المخلصين إذا هم يفاجأون باستعمار من نوع آخر أشد ضراوة، وأشد حقدًا على الدعوة الإسلامية وأهلها، وهو الاستعمار الشرقي الملحد، وكان ماكرًا يظهر للغوغاوّيين نوعًا من الرحمة في أسلوب معسول يخدع السذج من الناس، فقد خدع الطبقة الفقيرة ووعدهم بثراء يأتيهم بين عشية وضحاها إذا آمنوا به، وأخلصوا له ليثيرهم ضد الأغنياء، وأصحاب الأموال الطائلة، وكان يضحك على سذاجة الفقراء، فيقول لهم: إن هؤلاء الإقطاعيين طالما ظلموكم، ونحن نريد أن نمنَّ عليكم، وننقذكم مما أنتم فيه من الفقر والحاجة، ونرفعكم إلى المستوى اللائق بكم؛ لتحقق بذلك العدالة الاجتماعية، حتى تعيشوا مع هؤلاء الأثرياء الإقطاعيين جنبًا إلى جنب، ومن هنا طار الفقراء فرحًا وصفقوا لهم حتى كلت أيديهم من التصفيق، وهتفوا لهم بالبقاء: يعيش يعيش حتى بحت حناجرهم، فجعل الفقراء ينتظرون الثراء الموعود به من السادة المستعمرين الشيوعيين فلم يجدوا شيئًا بل الحالة تزداد سوءًا، فإذا المستعمرون يهجمون على أموال الأثرياء فيصادرونها باسم الفقراء، ولكن لم تنقل إلى خزائن الفقراء -كما كان يتوقع الفقراء - بل نقلت إلى الخزينة الخاصة لتشتري بها الضمائر الرخيصة، والأيدي الأثيمة لتسلط على دعاة الإسلام، وعلماء المسلمين بالتعذيب والتشريد والتقتيل لمحاولة القضاء على الدعوة وأهلها.
إن هذا الاستعمار الشرقي من مكائده أنه دخل المنطقة وهو ينادي ويهتف مع المواطنين: يسقط الاستعمار، يسقط الاستعمار، الاستعمار عدو الإنسانية إلى آخر الهتافات المضللة فاطمأن الغوغاويُّون، وهتفوا بحياة الرفيق المخلص على درب الحرية: الرفيق الرفيق، ولكنه لم يرفق بهم ولم يرحمهم.
[ ٤٤ / ٢٦٨ ]
وهكذا. ولا يزال يفسد في الأرض، ويسفك الدماء، ويهلك الحرث والنسل، ويكسب الأصدقاء من أناس من بني جلدتنا، ويتكلمون بلساننا، وينتسبون إلى ديننا وإسلامنا، فيما يبدو للناس، وعلى الرغم من ذلك كله كان هذا الاستعمار هو صديق جمهور الغوغائيين؛ لأنه يمدنا بالأسلحة التي يحارب بها الاستعمار إنها من عجائب الدهر!! وهل هناك استعمار أظلم من هذا الاستعمار الذي لم يترك لنا دينًا ولا دنيا. ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١)
فما قيمة الأسلحة التي ندفع ثمنها ديننا وعقيدتنا؟؟ أفلا يعقلون!! ".إهـ
وهكذا صور لنا شيخنا محمد أمان – ﵀ - حقيقة الاستعمار الشرقي الشيوعي، الذي قام على تضليل السذج والغوغاويّين من الناس، فلما مكنوه من الأمر، وجدوا أنفسهم أنه قد سلبهم دينهم ودنياهم.
قال الشاعر:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا
وأقبح الكفر والإفلاس بالرجلِ
ثالثًا: الغزو الفكري:
وذلك بمحاولة إبعاد المسلمين عن دينهم بوسائل مختلفة، وتحت أسماء خادعة رقيقة مثل: "التغريب، التحديث أو الحداثة، التمدين، التحضر، التغيير الاجتماعي، وعملت العلمانية في مجالاتها، وشقت طريقها في مجاريها".
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - ﵀ -: "الغزو الفكري هو مصطلح حديث يعني مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على أمة أخرى أو التأثير عليها حتى تتجه وجهة معينة.
وهو أخطر من الغزو العسكري؛ لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية، وسلوك المآرب الخفية في بادئ الأمر، فلا تحس به الأمة المغزوة، ولا تستعد لصده والوقوف في وجهه حتى تقع فريسة له، وتكون نتيجته أن هذه الأمة تصبح مريضة الفكر والإحساس، تحبُّ ما يريده لها عدوها أن تحبه، وتكره ما يريد منها أن تكرهه.
_________________
(١) سورة الحج، الآية (٤٦) .
[ ٤٤ / ٢٦٩ ]
وهو داء عضال يفتك بالأمم، ويذهب شخصيتها، ويزيل معاني الأصالة فيها، والأمة التي تبتلى به لا تحس بما أصابها، ولا تدري عنه؛ ولذلك يصبح علاجها أمرًا صعبًا وإفهامها سبيل الرشد شيئًا عسيرًا..".
رابعًا: المستشرقون:
سلك المستشرقون طرقًا عديدة في الوصول إلى أغراضهم ومنها:
١- التدريس الجامعي.
٢- جمع المخطوطات العربية وفهرستها.
٣- التحقيق والنشر.
٤- الترجمة من العربية إلى اللغات الأوروبية.
٥- التأليف في شتى مجالات الدراسات العربية والإسلامية، بالإضافة إلى الاشتراك في بعض المجامع اللغوية، والمجامع العلمية في العالم الإسلامي.
ولكن أخطر وسائلهم على الإطلاق كانت هى: التأليف حيث ألفوا كثيرًا من الكتب التي تطعن في الإسلام ومنها كتاب "حياة محمد"للسير ولين مور، و"الإسلام"للفردجيوم، و"الإسلام"لهنري لامنس، و"دعوة المآذنة"لكينيت كراج، و"ترجمة القرآن"لآربري، و"الإسلام"لصموئيل زويمر (١) و"مصادر الإسلام"لتسدل، ومن أخطر الكتب التي بثها المستشرقون: دائرة المعارف، وقاموس المنجد، والموسوعة الغربية الميسرة.
وما كتبه المستشرقون عن الإسلام قد اشتمل على الكثير من الافتراءات إما عمدًا عن حقد وقصد إلى إضعاف عقيدة المسلمين - وهو الأرجح - وإما جهلًا منهم بالمصادر الإسلامية، ساعد عليه جهلهم بلغة الإسلام اللغة العربية.
وتتلخص جهود المستشرقين في هذا المجال فيما يلي:
١- الطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والنبوة.
٢- الزعم بأن الإسلام استنفذ أغراضه، وهو عبارة عن طقوس وشعائر روحية.
٣- الزعم بأن الفقه الإسلامي مأخوذ من القانون الروماني.
_________________
(١) زويمر صمويل (١٨٦٧-١٩٥٢م) رئيس المبشرين في الشرق الأوسط، تولىتحرير مجلة العالم الإسلامي التي أنشأها مع ماكدونلد، وله مصنفات في العلاقات بين المسيحية وبين الإسلام أفقدها بتعصبه واعتسافه وتضليله قيمتها العلمية. المستشرقون لنجيب العقيقي٣/١٣٨. ولم أقف على تراجم لبقية هؤلاء المستشرقين.
[ ٤٤ / ٢٧٠ ]
٤- الزعم بأن الإسلام لا يتلاءم مع الحضارة ويدعو إلى التخلف.
٥- الدعوة إلى تحرير المرأة وفق الأسلوب الغربي.
٦- تشويه الحضارة الإسلامية وتاريخها.
٧- تضخيم حجم الحركات الهدامة في التاريخ الإسلامي، والزعم بأنها حركات إصلاح.
٨- إحياء الحضارات القديمة.
٩- اقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية عن الغرب ومحاكاته فيها.
١٠- تربية الأجيال تربية لا دينية.
وقد انتشرت هذه المعتقدات مع الأسف في العالم الإسلامي.
خامسًا: المنصّرون:
كما أن للمستشرقين والمنصرين أهدافًا مشتركة لهم وسائل متداخلة، ويمكن القول بأن ميدان المستشرقين الأساسي هو الثقافة والفكر، بينما يركز المنصرون جهودهم في النواحي الاجتماعية والتربوية.
وقد نقل المنصّرون العلمانية من خلال نشراتهم وكتبهم، ومن خلال
التمثيليات والأفلام، ومن خلال المدارس المختلفة التي بدأت بالأجنبية، ثم كان تأثيرهم على مناهج التعليم الوطنية.
ووسائل المنصرين في هذا المجال كثيرة جدًا نذكر منها:
١- استخدام الطب كوسيلة للتنصير.
٢- استخدام أعمال الخير والخدمات الاجتماعية: كإنشاء ملاجئ للأيتام، ومراكز رعاية اجتماعية للفقراء والمحتاجين.
٣- استخدام الطلبة وعامة الناس في التنصير.
٤- استخدام الرشوة.
٥- استخدام المكتبات والصحافة.
٦- استخدام النوادي والجمعيات.
٧- الاهتمام بالمرأة المسلمة وذلك بمحاولة إبعادها عن عقيدتها وإغرائها بتقليد المرأة الغربية.
٨- المؤتمرات المشتركة.
٩- البعثات الخارجية.
١٠-إنشاء المحاضن والمدارس والجامعات الأجنبية.
١١-استخدام القوة أحيانًا.
[ ٤٤ / ٢٧١ ]
إلى غير ذلك من الأساليب التي استخدمها المنصرون في الوصول إلى غاياتهم المكشوفة؛ كبناء الكنائس، وتوزيع الأناجيل، وإقامة الندوات، والاهتمام بإفساد الريف الإسلامي - الذي يتميز عادةً بالمحافظة على القيم الإسلامية - والسيطرة على وسائل التربية والإعلام واستخدامها في سمومهم، وتوهين العقيدة الإسلامية في النفوس، مع صرف العناية إلى الأطفال، والنفاذ إلى عقولهم من خلال تلك الوسائل.
سادسًا: الأقليات غير المسلمة داخل المجتمعات الإسلامية:
وذلك كالنصارى، واليهود، والشيوعيين، وأصحاب الاتجاهات المنحرفة من جمعيات وأحزاب ونحوهم، وكل هؤلاء لاينعمون بضلالتهم وانحرافهم وفسادهم إلا تحت شعار كشعار ما يسمى بالعلمانية، لذلك تضافرت جهودهم على نشرها وبثها، والدعاية لها، حتى انخدع بذلك كثيرون من السذج، وأنصاف المتعلمين من أبناء المسلمين.
سابعًا: تقدم الغرب الهائل في مضمار العلم المادي والقوة جعل كثيرين من المسلمين ينبهرون بذلك التقدم، ويعزونه إلى الاتجاه الجاهلي الحديث (العلماني)، وصدقوا دون تفكير مزاعم الكفار بأن الدين معوق للعلم، وظنوا أن بلادهم لا تتقدم حتى تفصل الدين -الإسلام- عن الدولة والحياة، وهذا بلا شك جهل بالإسلام جنى ثماره النكدة أكثر المسلمين.
ثامنًا: البعثات إلى الخارج:
إن الطلاب الذين يذهبون من أبناء المسلمين إلى الدول غير الإسلامية، ولم تكن لديهم الحصانة الكافية من عقيدتهم، إن هؤلاء من أخطر الوسائل؛ لأن كثيرًا منهم تعلقوا بقيم الغرب أو الشرق ومثله وعاداته، وقد عاد هؤلاء إلى بلدانهم وهم يحملون ألقابًا علمية وضعتهم في مناصب التوجيه، ونظر الناس إليهم على أنهم قدوة؛ لأنهم وطنيون.
المبحث الثاني
آثار العلمانية السيئة على العالم الإسلامي
وقد كان لتسرب العلمانية إلى المجتمعات الإسلامية أسوأ الأثر على المسلمين في دينهم ودنياهم.
[ ٤٤ / ٢٧٢ ]
وإليك بعض الآثار السيئة التي جنتها المجتمعات الإسلامية من تطبيق العلمانية:
١- رفض التحاكم إلى كتاب الله تعالى، وإقصاء الشريعة الإسلامية عن كافة مجالات الحياة، والاستعاضة عن ذلك بالقوانين الوضعية المقتبسة عن أنظمة الكفار، واعتبار الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية تخلفًا ورجعية.
٢- جعل التعليم خادمًا لنشر الفكر العلماني وذلك عن الطرق التالية:
أ- بث الأفكار العلمانية في ثنايا المواد الدراسية.
ب- تقليص الفترة الزمنية المتاحة للمادة الدينية إلى أقصى حد ممكن، وتكون في آخر اليوم الدراسي وقد لا تؤثر في تقديرات الطلاب.
ج- منع تدريس نصوص معينة لأنها واضحة صريحة في كشف باطلهم وتزييف ضلالاتهم.
د- تحريف النصوص الشرعية عن طريق تقديم شروح مقتضبة ومبتورة لها، بحيث تبدو وكأنها تؤيد الفكر العلماني، أو على الأقل لا تعارضه.
٣-إذابة الفوارق بين حملة الرسالة الصحيحة، وهم المسلمون، وبين أهل التحريف والتبديل والإلحاد، وصهر الجميع في إطار واحد. فالمسلم والنصراني، واليهودي، والشيوعي، والمجوسي، والبرهمي، وغيرهم يتساوون أمام القانون، لا فضل لأحد على الآخر إلا بمقدار الاستجابة لهذا الفكر العلماني.
٤- نشر الإباحية والفوضى الأخلاقية، وتهديم بنيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في البنية الاجتماعية وذلك عن طريق:
أ- القوانين الوضعية التي تبيح الرذيلة ولا تعاقب عليها.
ب- وسائل الإعلام المختلفة التي لا تكل ولا تمل من محاربة الفضيلة ونشر الرذيلة.
ج- محاربة الحجاب وفرض السفور والاختلاط في المدارس والجامعات والمصالح والهيئات.
[ ٤٤ / ٢٧٣ ]
إن أعداء الإسلام لم يكتفوا بإبعاد الشريعة الإسلامية عن مجالات الأنظمة السياسية والاقتصادية والتعليمية والإعلامية فحسب، بل تمادوا في الاعتداء على أنظمة الأسرة المسلمة، وهذا أمر في غاية الخطورة؛ لأن تلك الأنظمة جاءت ملائمة لطبيعة الإنسان وغرائزه، حتى لا يحيد ويصرف تلك الغرائز في المحرمات، ولذا فإن الله تعالى أمر بالزواج؛ فقال: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ (٢) .
وعن أبي هريرة وأبي حاتم المزني - ﵄ - قال - ﷺ -: "إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" (٣)، ووجه النبي - ﷺ - الشباب بقوله: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج" (٤) .
وحرم الإسلام الزنا وحذر من الاقتراب منه؛ قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (٥) .
_________________
(١) سورة النور، الآية (٣٢) .
(٢) سورة الروم، الآية (٢١) .
(٣) سنن الترمذي ٣/٣٩٥ كتاب النكاح رقم الحديث (١٠٨٥) وسنن ابن ماجه ١/٦٣٢ كتاب النكاح رقم الحديث (١٩٦٧) واللفظ له.
(٤) صحيح البخاري بشرح الفتح ٩/١٠٦ كتاب النكاح رقم الحديث (٥٠٦٥) وصحيح مسلم ٢/١٠١٨ كتاب النكاح رقم الحديث (١٤٠٠) عن عبد الله بن مسعود - ﵁.
(٥) سورة الإسراء، الآية (٣٢) .
[ ٤٤ / ٢٧٤ ]
وأمر الله المؤمنين والمؤمنات بغض أبصارهم، وحفظ فروجهم، وفرض الحجاب على المرأة المسلمة، ومنعها من التبرج وإظهار محاسنها ومفاتنها، وذلك صيانة لكرامتها، وحفاظًا على عفتها، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ﴾ (٢) .
وحرم الإسلام الخلوة بالأجنبية، ففي الحديث الصحيح عن ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: "لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم" (٣) .
فالله ﷾ جعل للأسرة المسلمة نظامًا متكاملًا، يكفل لها الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، ولذا فإن الله حينما يحرم علينا الفواحش والخبائث التي تضر بنا في ديننا ودنيانا، لا يريد حرماننا، وإنما يحافظ على ما فيه صلاحنا فيحل الطيبات لنا، وهو العالم بطبائع البشر، فلا يعرض الناس للفتنة للوقوع فيها، بل يسد أبوابها حتى لا يكلفهم مقاومتها، فهو دين وقاية للمجتمع، قبل أن يقيم الحدود ويوقع العقوبات عليها، وربك أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
_________________
(١) سورة النور، الآية (٣٠) .
(٢) سورة النور، الآية (٣١) .
(٣) صحيح البخاري بشرح الفتح٩/٣٣٠-٣٣١ كتاب النكاح رقم ٥٢٣٣،ومسلم ٢/٩٧٨ كتاب الحج رقم (١٣٤١) واللفظ له.
[ ٤٤ / ٢٧٥ ]
ولهذا نقول: ماذا يريد دعاة السفور، والمزينون للناس حب الشهوات؟! إنهم يريدون إطلاق الغرائز من عقالها، بالكلمة، والصورة، والقصة، والفلم، والمعسكر المختلط؛ ليوقعوا الفتاة المسلمة التي أعزها الله بدين الإسلام، وتعاليمه السمحة القيمة، التي تصونها من الوقوع في حبائلهم، حتى تصبح بضاعة مزجاة ساقطة لا قيمة لها، كما كانت في الجاهلية، فأعزها الله بالإسلام فحماها طفلة من الوأد الذي كان يمارس في حقها، فتدفن حية لا ذنب لها إلا أن الله خلقها أنثى ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (١) بل جعلها الإسلام حجابًا من النار لكافلها، ثم جعلها أختًا مصونة، وأمًا كريمة، حث على البر بها، والإحسان إليها، هكذا تكون المرأة إذا كانت صالحة، وهي فتنة إن حادت عن هذا الطريق؛ لأن رسول الله – ﷺ – أخبر أنه لم يترك فتنة أشد على أمته من الدنيا والنساء، فهى فتنة إذا تركت تعاليم دينها، وذهبت مع دعوات الذين يريدونها سلعة يعبث بها ذئاب البشر، باسم الحرية والمساواة الزائفة. إن العزة والكرامة في الدنيا والآخرة للمرأة المسلمة، المحافظة على تعاليم دينها، وإننا نجد بحمد الله في كثير من مجتمعات العالم الإسلامي عودة الفتاة المسلمة إلى تعاليم دينها، وأبرز ذلك ظاهرة الحجاب في تلك البلاد الإسلامية، وذلك ما يدعو إلى التفائل بعز هذا الإسلام ونصره، وذلك بعد أن جرب المخدوعون ما دعاهم إليه من يدعون إلى الحرية الزائفة، التي ظهر عوارها، وبان خداعها، فظهر الحق وهم كارهون، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
_________________
(١) سورة التكوير، الآيتان (٨، ٩) .
[ ٤٤ / ٢٧٦ ]
٥- الدعوة إلى القومية أو الوطنية، وهى دعوة تعمل على تجميع الناس تحت جامع وهمي من الجنس، أو اللغة، أو التاريخ، أو المكان، أو المصالح، أو المعيشة المشتركة، أو وحدة الحياة الاقتصادية، على ألا يكون الدين عاملًا من عوامل الاجتماع ولمّ الصف، بل الدين من منظار هذه الدعوة يُعدُّ عاملًا من عوامل التفرق والشقاق.
ولا شك أَنَّ الفكرة القومية أو الوطنية وفدت إلى ديار المسلمين من الغرب، والذي احتضنها وغذاها ودعا إليها عقول غير إسلامية، وأشخاص ليسوا بمسلمين، ولقد كان ظهور الفكرة - سواء أكانت عربية أم طورانيّة - مصدر شر على جميع المسلمين، وزاد الأمر سوءًا عندما امتزجت القومية العربية مؤخرًا بالاتجاهات الاشتراكية العربية الثورية.
ولقد أثارت الدعوة إلى القومية طوائف أخرى تعيش في المنطقة، ودفعتها لأن ترفع نفس الراية، ففي السودان دعا سكان الجنوب إلى بعث القومية الزنجية، وفي الشمال الإفريقي ارتفعت أصوات بقومية بربرية؛ كرد فعل للقومية العربية، وفي العراق دعا سكان الشمال إلى بعث القومية الكردية، وفي الهند ظهر مسلمون يفخرون بالانتساب إلى القومية الهندية.
وهكذا كانت الآثار القومية السيئة لا حد لها، وبدل أن تكون طريقا لوحدة عربية شاملة، كما زعم دعاتها، أصبحت من عوامل بث الاضطرابات والتفرق بين الأمة الإسلامية، خاصة عندما عرّج بها دعاتها على الاشتراكية الثورية، وأغرقوا الشعوب بسيل من الشعارات التي لا محتوى لها، ولا مضمون وراءها، كالتغيير الثوري، والحل الثوري، ومجتمع الكفاية والعدل والتقدمية والتحررية وغير ذلك من الشعارات الزائفة.
[ ٤٤ / ٢٧٧ ]
ولا يفهم من هذا توهين علاقة الإنسان بقومه أو وطنه، فتلك من الفطرة البشرية المركوزة في جبلة الإنسان، وليست محبة الإنسان لوطنه وأمته وسعيه في سبيل تقدمها وازدهارها، والعمل على أن تكون كرامتها مصونة، وحصونها محمية، وإنما الإنكار على ابتعاد المسلم عن دينه وعقيدته، وحصر ولائه للقوم أو الوطن، والتحول إلى العصبية العمياء، التي تنتصر للقوم أو الوطن بالحق أو بالباطل، وعدم الاهتمام بالإسلام وقضايا المسلمين.
٦-الدعوة إلى الارتماء في أحضان الغرب وأخذ حضارته دون وعي ولا تمييز:
فقد قام بهذه الفكرة كثير من دعاة التضليل للأمة الإسلامية عند ضعف المسلمين وتفرقهم، حيث زعموا أن سبيل التقدم والنهضة، هو السير خلف ركاب الغربيين، والأخذ بمنهجهم وطريقتهم في كل شيء، حتى نكون مثلهم في الحضارة الحديثة، بخيرها وشرها، وما يحمد منها وما يُعاب.
ونتيجة لتلك الدعوات المغرضة من أدعياء الفكر، ذهب كثير من أبناء المسلمين إلى الدول الأوروبية، لإكمال تعليمهم، وغالبًا مايتأثر هؤلاء الطلاب بعادات الغرب وأفكاره.
٧- الزعم بأن الشريعة الإسلامية لا تتوافق مع الحضارة الحديثة:
وهذا الزعم جاء نتيجة لاحتكاك أبناء الأمة الإسلامية بالحضارة الغربية الحديثة، فظنوا – جهلًا - أن الإسلام لا يتوافق مع الحياة العصرية، ولا ينسجم مع متطلبات الإنسان في هذا العصر.
بل قالوا إن الشريعة الإسلامية هى السبب في التخلف والرجعية، وأن السبيل إلى التخلص من هذا الداء، والنهوض بالأمة إلى التقدم والحضارة هو نبذ الإسلام وتعاليمه.
فهذه بعض الآثار والثمار السيئة والخبيثة التي انتهجتها العلمانية في البلاد الإسلامية التي تبنت العلمانية.
[ ٤٤ / ٢٧٨ ]
"والعلمانيون في العالم الإسلامي يعرفون بالاستهانة بالدين، والتهكم والاستهزاء بالمتمسكين به، كما يعرفون بإثارة الشبهات، وإشاعة الفواحش (كالسكر، والتبرج، والاختلاط المحرم) ونشر الرذائل، ومحاربة الحشمة والفضيلة، والحدود الشرعية، والاستهانة بالسنن، كما يعرفون أيضًا بحب الفساق والكفار والإعجاب بمظاهر الحياة الغربية وتقليدها".
[ ٤٤ / ٢٧٩ ]