المطلب الثاني: مدلولُ ومعنى كلمة لا إله إلاّ الله
إنَّ كلمة التوحيد لا إله إلا الله التي هي خير الذِّكر وأفضله وأكمله لا تكون مقبولة عند الله بمجرّد التلفّظ بها باللسان فقط، دون قيامٍ من العبدِ بحقيقة مدلولها، ودون تطبيق لأساس مقصودها من نفي الشرك وإثبات الوحدانية لله، مع الاعتقاد الجازم لما تضمّنته من ذلك والعمل به، فبذلك يكون العبد مسلمًا حقًا، وبذلك يكون من أهل لا إله إلا الله.
وقد تضمّنت هذه الكلمة العظيمة أنَّ ما سوى الله ليس بإله، وأنَّ إلهية ما سواه أبطلُ الباطلِ، وإثباتَها أظلمُ الظلم، ومنتهى الضلال، قال الله - تعالى -: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِن مَن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعُآئِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُوا بِعِبِادِتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَالِمُونَ﴾، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، ولا ريب أنَّ صرف العبادة لغير الله ظلم؛ لأنَّه وضع لها في غير موضعها، بل إنَّه أظلم الظلم وأخطره.
[ ٤٣ / ٢٠٦ ]
إنَّ لِـ لاَ إله إلا الله - هذه الكلمة العظيمة - مدلولًا لا بدّ من فهمه، ومعنىً لا بدّ من ضبطه، إذ غيرُ نافع بإجماع أهل العلم النطقُ بها من غير فهم لمعناها، ولا عمل بما تقتضيه، كما قال الله - سبحانه -: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، ومعنى الآية كما قال أهل التفسير؛ أي: إلا من شهد بلا إله إلا الله وهم يعلمون بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم، إذ إنَّ الشهادة تقتضي العلم بالمشهود به، فلو كانت عن جهل لم تكن شهادة، وتقتضي الصدق، وتقتضي العمل بذلك، وبهذا يتبيّن أنَّه لا بدّ في هذه الكلمة من العلم بها مع العمل والصدق، فبالعلم ينجو العبد من طريقة النصارى الذين يعملون بلا علم، وبالعمل ينجو من طريق اليهود الذين يعلمون ولا يعملون، وبالصدق ينجو من طريقة المنافقين الذين يُظهرون ما لا يُبطنون، ويكون بذلك من أهل صراط الله المستقيم، من الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
والحاصل أنَّ لا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيًا وإثباتًا، واعتقد ذلك وعمل به، أما من قالها وعمل بها ظاهرًا من غير اعتقاد فهو المنافق، وأما من قالها وعمل بضدّها وخلافها من الشرك فهو الكافر، وكذلك من قالها وارتدّ عن الإسلام بإنكار شيء من لوازمها وحقوقها فإنَّها لا تنفعه ولو قالها ألف مرّة، وكذلك من قالها وهو يصرف أنواعًا من العبادة لغير الله كالدعاء، والذبح، والنذر، والاستغاثة، والتوكل، والإنابة، والرجاء، والخوف والمحبة، ونحو ذلك.. فمن صرفَ مما لا يصلحُ إلا لله من العبادات لغير الله فهو مشرك بالله العظيم ولو نطق بلا إله إلا الله؛ إذ لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص الذي هو معنى ومدلول هذه الكلمة العظيمة.
[ ٤٣ / ٢٠٧ ]
فإنَّ لا إله إلا الله معناها: لا معبود حق إلا إله واحد، وهو الله وحده لا شريك له، والإله في اللغة هو المعبود، ولا إله إلا الله: أي لا معبود حق إلا الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) فتبيّن بذلك أنَّ معنى الإله هو المعبود، وأنَّ لا إله إلا الله معناها إخلاص العبادة لله وحده واجتناب عبادة الطاغوت، ولهذا لما قال النبي ﷺ لكفار قريش: "قولوا لا إله إلا الله" قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهً وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٢) وقال قومُ هودٍ لنبيّهم لما قال لهم: قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ (٣) قالوا ذلك وهو إنَّما دعاهم إلى لا إله إلا الله؛ لأنَّهم فهموا أنَّ المراد بها نفي الألوهية عن كلِّ ما سوى الله وإثباتُها لله وحده لا شريك له، ف لا إله إلا الله اشتملت على نفي وإثبات، فنفت الإلهية عن كلِّ ما سوى الله - تعالى -، فكلُّ ما سوى الله من الملائكة والأنبياء فضلًا عن غيرهم فليس بإله، وليس له من العبادة شيء، وأثبتت الإلهية لله وحده، بمعنى أنَّ العبد لا يأْلَهُ غيرَه، أي: لا يقصده بشيء من التألّه، وهو تعلّق القلب الذي يوجب قصده بشيء من أنواع العبادة كالدعاء والذبح والنذر وغير ذلك.
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: (٢٥) .
(٢) سورة النحل، الآية: (٣٦) .
(٣) سورة ص، الآية: (٥) .
[ ٤٣ / ٢٠٨ ]
وقد جاء في القرآن الكريم نصوصٌ كثيرةٌ تُبيّنُ معنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وتوضح المراد بها، ومن ذلك قول الله - تعالى -: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢) وقال تعالى حكاية عن مؤمن يس: ﴿وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ (٤) وقال تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى العَزِيزِ الغَفَّارِ لاَ جَرَمَ أَنمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلاَ فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (٥) والآيات في هذا المعنى
_________________
(١) ورة البقرة، الآية: (١٦٣) .
(٢) ورة البينة، الآية: (٥) .
(٣) ورة الزخرف، الآية: (٢٦ - ٢٨) .
(٤) ورة يس، الآية: (٢٢ - ٢٤) .
(٥) ورة الزمر، الآية: (١١ - ١٤) .
[ ٤٣ / ٢٠٩ ]
كثيرةٌ جدًّا، وهي تُبيِّن أنَّ معنى لا إله إلا الله هو البراءة من عبادة ما سوى الله من الشفعاء والأنداد، وإفرادُ الله وحده بالعبادة، فهذا هو الهدى ودين الحق الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، أما قول الإنسان لا إله إلا الله من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها، بل لربما جعل لغير الله حظًا ونصيبًا من عبادته من الدعاء والخوف والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادات فإنَّ هذا لا يكفي العبدَ لأن يكون من أهل لا إله إلا الله، ولا ينجيه يوم القيامة من عذاب الله.
فليست لا إله إلا الله اسمًا لا معنى له، أو قولًا لا حقيقة له، أو لفظًا لا مضمون له، كما قد يظنّه بعض الظانين، الذين يعتقدون أنَّ غاية التحقيق في ذلك هو النطق بهذه الكلمة من غير اعتقاد في القلب بشيء من المعاني، أو التلفظ بها من غير إقامة لشيء من الأصول والمباني، وهذا قطعًا ليس هو شأن هذه الكلمة العظيمة، بل هي اسم لمعنى عظيم، وقول له معنى جليل هو أجل من جميع المعاني، وحاصله كما تقدّم البراءةُ من عبادة كلِّ ما سوى الله، والإقبال على الله وحده خضوعًا وتذلّلًا، وطمعًا ورغبًا، وإنابةً وتوكّلًا، ودعاءً وطلبًا، فصاحب لا إله إلا الله لا يَسأل إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يتوكّل إلا على الله، ولا يرجو غير الله، ولا يذبح إلا لله، ولا يصرف شيئًا من العبادة لغير الله، ويكفر بجميع ما يُعبد من دون الله، ويبرأ إلى الله من ذلك.
المطلب الثالث: شروط لا إله إلاّ الله
إنَّ من المعلوم لدى كلِّ مسلمٍ أنَّ كلَّ طاعةٍ يتقرّب بها العبد إلى الله لا تُقبل منه إلا إذا أتى بشروطها، فالصلاة لا تُقبل إلا بشروطها المعلومة، والحج لا يُقبل إلا بشروطه، وجميع العبادات كذلك لا تُقبل إلاّ بشروطها المعلومة من الكتاب والسنة، وهكذا الشأن في لا إله إلا الله لا تُقبل إلا إذا قام العبد بشروطها المعلومة في الكتاب والسنة.
[ ٤٣ / ٢١٠ ]
وقد أشار سلفُنا الصالح - ﵏ - إلى أهميّة العناية بشروط لا إله إلا الله ووجوب الالتزام بها، وأنَّها لا تُقبل إلا بذلك، ومن ذلك ما جاء عن الحسن البصري - ﵀ -: أنَّه قيل له: إنَّ ناسًا يقولون: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة". فقال: "من قال لا إله إلا الله فأدّى حقّها وفرضَها دخل الجنة".
وقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: "ما أعددتَّ لهذا اليوم؟ "قال: "شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة". فقال الحسن: "نِعمَ العُدّة، لكن لـ لا إله إلا الله شروطًا فإياك وقذف المحصنات".
وقال وهب بن منبه لمن سأله: "أليس مفتاح الجَنَّة لا إله إلا الله؟ "قال: "بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإلا لم يُفتح. يشير بالأسنان إلى شروط لا إله إلا الله".
ثم إنَّه باستقراء أهل العلم لنصوص الكتاب والسنة تبيّن أنَّ لا إله إلا الله لا تُقبل إلا بسبعة شروط وهي:
١ - العلم بمعناها نفيًا وإثباتًا المنافي للجهل.
٢ - اليقين المنافي للشك والريب.
٣ - الإخلاص المنافي للشرك والرياء.
٤ - الصدق المنافي للكذب.
٥ - المحبّة المنافية للبغض والكره.
٦ - الانقياد المنافي للترك.
٧ - القبول المنافي للردّ.
وقد جمع بعضُ أهل العلم هذه الشروط السبعة في بيتٍ واحدٍ فقال:
علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقُك معْ
محبّةٍ وانقيادٍ والقَبولُ لها
ولنقِف وقفةً مختصرةً مع هذه الشروط لبيان المراد بكلِّ واحدٍ منها، مع ذِكر بعض أدلّتها من الكتاب والسنة.
أما الشرط الأول: وهو العلم بمعناها المراد منها نفيًا وإثباتًا المنافي للجهل، وذلك بأن يعلم من قالها أنَّها تنفي جميع أنواع العبادة عن كلِّ ما سوى الله، وتُثبت ذلك لله وحده، كما في قوله ﷾: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: نعبدُك ولا نعبد غيرَك، ونستيعن بك ولا نستعين بسواك.
[ ٤٣ / ٢١١ ]
قال الله - تعالى -: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾، وقال تعالى: ﴿إِلاّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال المفسِّرون: إلا من شهد ب لا إله إلا الله، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: معنى ما شهدوا به في قلوبهم وألسنتهم.
وثبت في صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من مات وهو يعلم أنَّه لا إله إلا الله دخل الجنة"، فاشترط ﵊ العلمَ.
أما الشرط الثاني: فهو اليقين المنافي للشك والريب، أي: أن يكون قائلها موقنًا بها يقينًا جازمًا لا شك فيه ولا ريب، واليقين هو تمام العلم وكماله، قال الله - تعالى - في وصف المؤمنين: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، ومعنى قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أي: أيقنوا ولم يشكّوا.
وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غيرُ شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة".
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - أيضًا - قال: قال رسول الله ﷺ: "من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشِّره بالجنة"، فاشترط اليقين.
[ ٤٣ / ٢١٢ ]
والشرط الثالث: هو الإخلاص المنافي للشرك والرياء، وذلك إنَّما يكون بتصفية العمل وتنقيته من جميع الشوائب الظاهرة والخفيّة، وذلك بإخلاص النية في جميع العبادات لله وحده، قال تعالى: ﴿أَلاَ للهِ الدِّينُ الخَالِصُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أسعدُ الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" (٢) فاشترط الإخلاص.
والشرط الرابع: هو الصدق المنافي للكذب، وذلك بأن يقولَ العبدُ هذه الكلمة صادقًا من قلبه، والصدق هو أن يواطئ القلبُ اللسانَ، ولذا قال الله - تعالى - في ذمِّ المنافقين: ﴿إِذَا جَآءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، فوصفهم سبحانه بالكذب؛ لأنَّ ما قالوه بألسنتهم لم يكن موجودًا في قلوبهم، وقال ﷾: ﴿ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ﴾ (٣) وثبت في الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله صادقًا من قلبه إلا حرّمه الله على النار" (٤) فاشترط الصدق.
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: (٣) .
(٢) سورة البينة، الآية: (٥) .
(٣) سورة المنافقون، الآية: (١) .
(٤) سورة العنكبوت، الآية: (١ - ٣) .
[ ٤٣ / ٢١٣ ]
الشرط الخامس: المحبَّة المنافية للبغض والكره، وذلك بأن يحب قائلُها اللهَ ورسولَه ودينَ الإسلام والمسلمين القائمين بأوامر الله الواقفين عند حدوده، وأن يُبغض من خالف لا إله إلا الله وأتى بما يُناقضها من شرك وكفر، وممّا يدل على اشتراط المحبة في الإيمان قول الله - تعالى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًاّ للهِ﴾، وفي الحديث: "أوثق عُرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله" (١)
والشرط السادس: القبول المنافي للردّ، فلا بدّ من قبول هذه الكلمة قبولًا حقًا بالقلب واللسان، وقد قصّ الله علينا في القرآن الكريم أنباء من سبق ممّن أنجاهم لقبولهم لا إله إلا الله، وانتقامه وإهلاكه لمن ردّها ولم يقبلها، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًاّ عَلَيْنَا نُنجِ المُؤْمِنِينَ﴾، وقال سبحانه في شأن لمشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٢)
الشرط السابع: الانقياد المنافي للترك؛ إذ لا بد لقائل لا إله إلا الله أن ينقاد لشرع الله، ويُذعنَ لحكمه، ويسلمَ وجهه إلى الله؛ إذ بذلك يكون متمسكًا ب لا إله إلا الله، ولذا يقول تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى﴾، أي: فقد استمسك ب لا إله إلا الله، فاشترط سبحانه الانقياد لشرع الله، وذلك بإسلام الوجه له سبحانه.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: (١٦٥) .
(٢) ورة يونس، الآية: (١٠٣) .
[ ٤٣ / ٢١٤ ]
فهذه هي شروط لا إله إلا الله، وليس المرادُ منها عدَّ ألفاظها وحفظَها فقط، فكم من عاميٍّ اجتمعت فيه والتزمها ولو قيل له: اعددها لم يُحسن ذلك، وكم من حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم، وتراه يقع كثيرًا فيما يناقضها، فالمطلوب إذًا العلم والعمل معًا ليكون المرء بذلك من أهل لا إله إلا الله صدقًا، ومن أهل كلمة التوحيد حقًا، والموفَّق لذلك والمعين هو الله وحده.
المطلب الرابع: نواقض شهادة أن لا إله إلاّ الله
لقد مرّ معنا شروطُ كلمة التوحيد لا إله إلا الله التي لا بد من توفّرها في العبد لتكون مقبولةً منه عند الله، وهي شروطٌ عظيمةُ الشأن، جليلةُ القدر يجب على كلِّ مسلم أن يُعنى بها عنايةً كبيرةً، ويهتمّ بها اهتمامًا بالغًا، وإنَّ مما ينبغي أن يهتم به المسلم في هذا الباب العظيم معرفةَ نواقض هذه الكلمة ليكون منها على حذر، فإنَّ الله - ﵎ - قد بيّن في كتابه سبيل المؤمنين المحقّقين لهذه الكلمة مفصّلة، وبيّن سبيل المجرمين المخالفين لها مفصّلة، وبيّن سبحانه عاقبة هؤلاء وعاقبة هؤلاء، وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء، والأسباب التي وفق بها هؤلاء والأسباب التي خذل بها هؤلاء، وجلا - سبحانه - الأمرين في كتابِه وكشفَهما وأوضحَهما وبيّنَهما غايةَ البيانِ، كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِّعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسآءَتْ مَصِيرًا﴾ (١) ومن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبِن له طريقهم أوشك أن يقع في بعض ما هم فيه من الباطل، ولذا قال أمير المؤمنين عمرُ بنُ الخطاب ﵁: "إنَّما تُنقض عرى الإسلام عروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية".
_________________
(١) ورة الأنعام، الآية: (٥٥) .
[ ٤٣ / ٢١٥ ]
ولهذا جاءت النصوص الكثيرةُ في الكتاب والسنة المحذرةُ من أسباب الرِّدة وسائر أنواع الشرك والكفر المناقضة لكلمة التوحيد لا إله إلا الله، وقد ذكر العلماء ﵏ في باب حكم المرتدّ من كتب الفقه: أنَّ المسلم قد يرتدُّ عن دينه بأنواعٍ كثيرةٍ من النواقض إذا وقع فيها، أو في أيِّ شيء منها ارتَدَّ عن الدِّين وانتقل من الملّة، ولم ينفعه مجرّد التلفّظ ب لا إله إلا الله؛ إذ إنَّ هذه الكلمة العظيمة التي هي خير الذِّكر وأفضله لا تكون نافعة لقائلها إلا إذا أتى بشروطها واجتنب كلَّ أمرٍ يُناقضها.
وما من ريب أنَّ في معرفة المسلم لهذه النواقض فائدةً عظيمةً في دينه، إذا عرفها معرفة يقصد من ورائها السلامة من هذه الشرور، والنجاة من تلك الآفات، ولهذا فإنَّ من عَرَفَ الشركَ والكفرَ والباطلَ وطرقَه وأبغضها وحذرها وحذّر منها ودفعها عن نفسه ولم يدعها تخدش إيمانه، بل يزداد بمعرفتها بصيرة في الحق ومحبة له، وكراهة لتلك الأمور ونفرةً عنها كان له في معرفته هذه من الفوائد والمنافع ما لا يعلمه إلا الله، والله - سبحانه - يُحبُّ أن تُعرف سبيلُ الحق لتُحب وتُسلك، ويحب أن تُعرف سبيل الباطل لتُجتنب وتُبغض؛ إذ إنَّ المسلم كما أنَّه مطالب بمعرفة سبيل الخير ليطبّقها، فهو كذلك مطالب بمعرفة سبل الشر ليحذرها، ولهذا ثبت في الصحيحين عن حذيفة بن اليمان - ﵄ - أنَّه قال: كان الصحابة يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. ولهذا - أيضًا - قيل:
عرفت الشرَّ لا للشرِّ ولكن لتوقِّيه
ومن لم يعرف الشرَّ من الناس يقع فيه
[ ٤٣ / ٢١٦ ]
وإذ كان الأمر بهذه الحال وعلى هذا القدر من الأهمية فإنَّ الواجب على كلِّ مسلم أن يعرف الأمور التي تناقض كلمة التوحيد لا إله إلا الله ليكون منها على حذر، وهي كما تقدّم تنتقض بأمورٍ كثيرةٍ، إلا أنَّ أشدَّ هذه النواقض خطرًا وأكثرها وقوعًا عشرةُ نواقض ذكرها غيرُ واحد من أهل العلم - ﵏ -، وفيما يلي ذكرٌ لها على سبيل الإيجاز، ليحذرها المسلم وليحذِّر منها غيره من المسلمين رجاءَ السلامة والعافية منها.
أما الأول: فهو الشرك في عبادة الله، قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشآءُ﴾، وقال - تعالى -: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (١) ومن ذلك دعاءُ الأموات والاستغاثةُ بهم، والنذرُ والذبحُ لهم، ونحو ذلك.
الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكّل عليهم فقد كفر إجماعًا، قال الله - تعالى -: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ َيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
الثالث: من لم يُكفِّر المشركين أو شَكَّ في كفرهم أو صحّح مذهبهم كَفَر.
الرابع: من اعتقد أنَّ هدي غير النبي ﷺ أكملُ من هديه، أو أنَّ حكم غيره أحسنُ من حكمه، فهو كافرٌ؛ كالذين يفضِّلون حكم الطاغوت على حكمه ﷾.
الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به فقد كفر؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ .
_________________
(١) سورة النساء، الآية: (٤٨) .
[ ٤٣ / ٢١٧ ]
السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو ثوابه أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ .
السابع: السحرُ، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله - تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ .
الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله -تعالى_: ﴿وَمَن يتولهم مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
التاسع: من اعتقد أنَّ بعض الناس يَسَعُه الخروج عن شريعة محمد ﷺ، فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ .
العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلّمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ .
فهذه عشرة أمورٍ من نواقض كلمة التوحيد لا إله إلا الله، فمن وقع في شيء منها - والعياذ بالله انتقض توحيده، وانهدم إيمانه، ولم ينتفع بقوله: لا إله إلا الله. وقد نصّ أهل العلم على أنَّه لا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد، والخائف إلا المكره، وجميع هذه النواقض هي من أعظم ما يكون خطرًا، وأكثر ما يكون وقوعًا، فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، ونسأله - سبحانه - أن يُوفِّقنا جميعا لما يرضيه، وأن يهدينا وجميع المسلمين صراطه المستقيم، إنَّه سميعٌ مجيبٌ قريبٌ.
المبحث الثالث:
في التسبيح فضله ومكانته ومدلوله
المطلب الأول: فضل التسبيح
[ ٤٣ / ٢١٨ ]
إنَّ التسبيح له شأن عظيم ومكانة رفيعة؛ إذ هو أحد الكلمات الأربع التي وصفها رسول الله ﷺ بأنَّها خيرُ الكلام وأحبُّه إلى الله، وذلك في قوله ﷺ: "أحبّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، وقد مرّ معنا جملة طيّبة من أحاديث النبيّ ﷺ في تفضيل هؤلاء الكلمات، وبيان ما لهنّ من منزلةٍ عاليةٍ ومكانةٍ رفيعةٍ.
وكلمة: سبحان الله، التي هي إحدى هؤلاء الكلمات لها شأن عظيم، فهي من أجلِّ الأذكار المقربة إلى الله، ومن أفضل العبادات الموصلة إليه، وقد جاء في بيان فضلها وشرفها وعِظم قدرها نصوصٌ كثيرة في الكتاب والسنة، بل إنَّ ما ورد في ذلك لا يُمكن حصرُه لكثرته وتعدّده، وقد ورد ذكر التسبيح في القرآن الكريم أكثر من ثمانين مرة، بصِيغ مختلفة وأساليب متنوِّعة، فورد تارة بلفظ الأمر كما في قوله –تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، وتارة بلفظ الماضي كما في قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (١) وتارة بلفظ المضارع كما في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ (٢) وتارة بلفظ المصدر كما في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ (٣)
_________________
(١) ورة الأحزاب، الآية: (٤١ - ٤٢) .
(٢) ورة الحشر، الآية: (١) .
(٣) ورة الجمعة، الآية: (١) .
[ ٤٣ / ٢١٩ ]
وقد ذكر الله ﷾ التسبيح في مُفتتح ثَماني سُوَر من القرآن الكريم، فقال تعالى في أول سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، وقال تعالى في أول سورة النحل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) وقال تعالى في أوّل سورة الحديد: ﴿سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (٢) وقال تعالى في أوّل سورة الحشر: ﴿سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (٣) وقال تعالى في أول سورة الصف: ﴿سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (٤) وقال تعالى في أول سورة الجمعة: ﴿يُسَبِّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ (٥) وقال تعالى في أول سورة التغابن: ﴿يُسَبِّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦) وقال تعالى في أول سورة الأعلى: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ المَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَى﴾ (٧)
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: (١) .
(٢) سورة النحل، الآية: (١ - ٢) .
(٣) سورة الحديد، الآية: (١) .
(٤) سورة الحشر، الآية: (١) .
(٥) سورة الصف، الآية: (١) .
(٦) سورة الجمعة، الآية: (١) .
(٧) سورة التغابن، الآية: (١) .
[ ٤٣ / ٢٢٠ ]
قال بعض أهل العلم: والتسبيح ورد في القرآن على نحو من ثلاثين وجهًا، ستةٍ منها للملائكة، وتسعةٍ لنبيّنا محمد ﷺ، وأربعةٍ لغيره من الأنبياء، وثلاثةٍ للحيوانات والجمادات، وثلاثةٍ للمؤمنين خاصة، وستةٍ لجميع الموجودات.
أما التي للملائكة فمنها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، الآية، وقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ (١)
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ .
وأما التي لنبيّنا ﷺ فمنها قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾، وقوله: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٣)
_________________
(١) سورة فصّلت، الآية: (٣٨) .
(٢) سورة الحجر، الآية: (٩٨ - ٩٩) .
(٣) سورة الإنسان، الآية: (٢٦) .
[ ٤٣ / ٢٢١ ]
وأما التي للأنبياء فقول الله - تعالى - لزكريا ﵇: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾، وقوله - تعالى - عن زكريا ﵇ في وصيّته لقومه بالمحافظة على التسبيح: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًاّ﴾ (١) وقوله - تعالى - عن يونس ﵇ في إنجائه من ظلمات البحر وبطن الحوت لملازمته للتسبيح: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢)
وأما التي للمؤمنين فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَبَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ﴾ (٤) الآية.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: (٤١) .
(٢) سورة مريم، الآية: (١١) .
(٣) سورة الأحزاب، الآية: (٤١، ٤٢) .
(٤) سورة السجدة، الآية: (١٥) .
[ ٤٣ / ٢٢٢ ]
وأما التي في الحيوانات والجمادات فمنها قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ وَالإِشْرِاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (٢)
وأما التي لعموم المخلوقات فمنها قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣)
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: (٤٤) .
(٢) سورة ص، الآية: (١٨،١٩) .
(٣) سورة الحشر، الآية: (١) .
[ ٤٣ / ٢٢٣ ]
وقد ذكر الله - تعالى - لفظة ﴿سُبْحَانَ﴾ في القرآن في خمسة وعشرين موضعًا، في ضمن كلِّ واحد منها إثباتُ صفة من صفات المدح، أو نفيُ صفة من صفات الذم، منها قوله تعالى: ﴿سُبْحاَنَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًاّ وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ (٥)
فهذه النصوص القرآنية الكريمة وما جاء في معناها في كتاب الله تدل أوضح دلالة على جلالة قدر التسبيح، وعظيم شأنه من الدين، وأنَّه من أجَلِّ الأذكار المشروعة، ومن أنفع العبادات المقربة إلى الله ﷿.
وقد دلّت السنة النبوية - أيضًا - على فضل التسبيح وعظيم مكانته عند الله من وجوه كثيرة، بل إنَّ السنةَ مليئةٌ بالنصوص الدّالة على عظيم شأن التسبيح، وشريف قدره، وجزيل ثواب أهله، وبيان ما أعدّ الله لهم من أجورٍ كريمةٍ، وأفضالٍ عظيمةٍ، وعطايا جمَّةٍ. وقد تضمّنت تلك النصوص الدلالةَ على ذلك من وجوهٍ كثيرةٍ:
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: (١١٦) .
(٢) سورة الصافات، الآية: (١٨٠ - ١٨٢) .
(٣) سورة الطور، الآية: (٤٣) .
(٤) سورة الروم، الآية: (١٧،١٨) .
(٥) سورة الزخرف، الآية: (٨٢) .
[ ٤٣ / ٢٢٤ ]
ومن ذلك أنَّ النبيّ ﷺ أخبر أنَّ التسبيح أفضل الكلام وأحبُّه إلى الله، وقد سبق أنْ مرَّ معنا قولُ النبيِّ ﷺ: "أحبُّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر".
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذرٍّ أنَّ رسول الله ﷺ سُئِل: أيُّ الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى الله لملائكته أو لِعباده: سبحان الله وبحمده".
وفي لفظ آخر للحديث أنَّ أبا ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أُخبرُك بأحبِّ الكلام إلى الله؟ قلتُ: يا رسول الله أخبرني بأحبِّ الكلام إلى الله. قال: إنَّ أحبَّ الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده". فدلّ هذا الحديث على عظيم مكانة هذه الكلمة عند الله ﷿.
ومِن فضائل التسبيح ما أخبر به النبيُّ ﷺ أنَّ مَن قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرّة حُطَّت عنه ذنوبُه ولو كثُرت. ففي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرّة حُطَّت خطاياه وإن كانت مِثلَ زَبَدِ البحر".
وثبت عنه ﷺ أنَّ من قالها في الصّباح مائة مرّة وفي المساء مائة مرّة، لم يأتِ أحدٌ يومَ القيامة بأفضلَ مما جاء به، إلاّ مَن قال مثل ذلك وزاد عليه. فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن قال حين يُصبحُ وحين يُمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرّة لم يأتِ أحدٌ يومَ القيامة بأفضلَ مما جاء به، إلاّ أَحدٌ قال مثل ما قال أو زاد عليه".
[ ٤٣ / ٢٢٥ ]
وثبت عنه ﷺ أنَّ من قالها في يومٍ مائة مرّة كُتبت له ألفُ حسنةٍ أو حُطَّت عنه ألفُ خطيئةٍ، والحسنةُ بِعشر أمثالها. روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقَّاص ﵁ قال: كُنَّا عند رسول الله ﷺ فقال: "أيَعجزُ أحدُكم أن يكسب كلَّ يومٍ ألفَ حسنةٍ؟ فسأله سائلٌ من جلسائِه: كيف يكسب أحدُنا ألفَ حسنة؟ قال: يسبِّح مائة تسبيحة فيُكتبُ له ألفُ حسنةٍ أو يُحطُّ عنه ألفُ خطيئةٍ".
ومما ورد في فضل التسبيح إخبار النبيِّ ﷺ عن ثِقل التسبيح في الميزان يوم القيامة مع خفّة ويسر العمل به في الدنيا. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كلمتان حبيبتان إلى الرّحمن، خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم".
وقوله ﷺ في الحديث: "كلمتان" هي خبرٌ مقَدَّمٌ مُبتَدَؤُه "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"، قال بعض أهل العلم: "والنكتة في تقديم الخبر تشويقُ السّامع إلى المبتدأ، وكلَّما طال الكلام في وصف الخبر حسُن تقديمه؛ لأنَّ كثرةَ الأوصاف الجميلة تزيد السّامع شوقًا". وقد وُصفت الكلمتان في الحديث بثلاثة أوصاف جميلةٍ عظيمةٍ، وهي: أنَّهما حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان.
وقد خُصَّ لفظ الرحمن بالذِّكر هنا؛ لأنَّ المقصود من الحديث بيانُ سعة رحمة الله - تعالى - على عباده حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل، والأجر العظيم، فما أيسرَ النطق بهاتين الكلمتين على اللسان، وما أعظم أجر ذلك وثوابه عند الكريم الرحمن، وقد وُصفت الكلمتان في الحديث بالخفّة والثقل، الخفّةِ على اللسان والثقلِ في الميزان، لبيان قلّة العمل وكثرة الثواب. فما أوسعَ فضلَ الله! وما أعظمَ عطاءَه!
[ ٤٣ / ٢٢٦ ]
ومن فضائل هذه الكلمة العظيمة، ما رواه الترمذي، وابن حبّان، والحاكم، وغيرهم، من طريق أبي الزبير عن جابر ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قال: سبحان الله العظيم وبحمده غُرست له نخلةٌ في الجنَّةِ"، وله شاهدان:
أحدهما: من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - موقوفًا، خرّجه ابن أبي شيبة في مصنَّفه.
والآخر: من حديث معاذ بن سهل مرفوعًا، خرّجه الإمام أحمد في مسنده.
ومن فضائل هذه الكلمة ما رواه الطبراني، والحاكم، من حديث نافع بن جُبير بن مطعم، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن قال سبحان الله وبحمده، سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فقالها في مجلس ذكرٍ كانت كالطّابع يطبع عليه، ومَن قالها في مجلس لغوٍ كانت كفَّارة له".
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وصحّحه العلاّمة الألبانيُّ.
وروى الترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن جلس في مجلس فكثُر فيه لغَطُه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلاّ غُفر له ما كان في مجلسه ذلك".
فهذه جملةٌ من الأحاديث الواردة في التسبيح والدّالة على عظيم فضله وثوابه عند الله، وفي أكثر هذه الأحاديث قُرن مع التسبيح حمدُ الله - تعالى -؛ وذلك لأنَّ التسبيح هو تنزيه الله عن النقائص والعيوب، والتحميدُ فيه إثباتُ المحامد كلّها لله ﷿، والإثبات أكملُ مِنَ السّلب، ولهذا لم يَرِد التسبيحُ مجرّدًا، لكن ورد مقرونًا بما يدلّ على إثبات الكمال، فتارةً يُقرنُ بالحمد كما في هذه النصوص، وتارةً يُقرنُ باسم من الأسماء الدّالة على العظمة والجلال، كقول: سبحان الله العظيم، وقول: سبحان ربّي الأعلى، ونحو ذلك.
[ ٤٣ / ٢٢٧ ]
والتنزيه لا يكون مدحًا إلاّ إذا تضمّن معنىً ثبوتيًّا، ولهذا عندما نزَّه الله - ﵎ - نفسه عمّا لا يليق به ممّا وصفه به أعداء الرُّسل سلَّم على المرسلين الذين يثبتون لله صفات كماله ونعوت جلاله على الوجه اللاّئق به، وذلك في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، وفي هذه الآية - أيضًا - حمد الله نفسه بعد أن نزّهها؛ وذلك لأنَّ الحمدَ فيه إثباتُ كمال الصفات، والتسبيحَ فيه تنزيه الله عن النّقائص والعيوب، فجمع في الآية بين التنزيه عن العيوب بالتسبيح وإثبات الكمال بالحمد، وهذا المعنى يرِد في القرآن والسنّة كثيرًا، فالتسبيحُ والحمدُ أصلان عظيمان وأساسان متينان يقوم عليهما المنهجُ الحقُّ في توحيد الأسماء والصفات، وبالله وحده التوفيق.
المطلب الثاني: تسبيحُ جميع الكائنات لله
إنَّ الله - تعالى - لكمال عظمته، ولتمام ملكه وعزَّته، تسبِّحُ له جميعُ الكائنات، من سماء، وأرض، وجبال، وأشجار، وشمس، وقمر، وحيوان، وطيرٍ، وإنْ مِن شيءٍ إلاّ يُسبِّح بحمده.
[ ٤٣ / ٢٢٨ ]
يقول الله - تعالى -: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾، ويقول تعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالَ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرُ﴾ (١) ويقول تعالى: ﴿وسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ وَالإِشْرِاقِ﴾ (٣) فهذه النصوص العظيمة تدلُّ دلالة ظاهرة أنَّ جميعَ الكائنات تسبِّح اللهَ ﷿، فالحيوانات تسبِّح لله، والنباتات تسبِّح لله، والجمادات تسبِّح لله، وإنْ مِن شيءٍ خلقه الله إلاّ يسبِّح بحمد الله ﷿، وإنْ كُنّا لا نفقه تسبيحه، وهو تسبيحٌ حقيقيٌّ يصدر من هذه الكائنات بلسان المقال، وليس بلسان الحال كما يدّعيه بعضهم، واللهُ - جلَّ وعلا - يجعل لهذه الكائنات إدراكات تسبِّح بها يعلمها هو - جلَّ وعلا - ونحن لا نعلمها، كما قال سبحانه: ﴿وَإِن مِن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (٤)
_________________
(١) ورة الإسراء، الآية: (٤٤) .
(٢) ورة سبأ، الآية (١٠) .
(٣) ورة الأنبياء، الآية: (٧٩) .
(٤) ورة ص، الآية: (١٨) .
[ ٤٣ / ٢٢٩ ]
قال الإمام أبو منصور الأزهريُّ - ﵀ - في كتابه تهذيبُ اللغة: "وممّا يدلُّك على أنَّ تسبيح هذه المخلوقات تسبيحٌ تُعُبِّدت به، قول الله جلّ وعزّ للجبال: ﴿يَاجِبَالَ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْر﴾، ومعنى أوِّبي أي: سبِّحي مع داود النّهار كلّه إلى الليل، ولا يجوز أن يكون معنى أمر الله جلّ وعزّ للجبال بالتأويب إلاّ تعبُّدًا لها، وكذلك قوله جلّ وعزّ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ والجِبَالُ والشَّجَرُ والدَّوَابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ (١) فسجود هذه المخلوقات عبادة منها لخالقها لا نفقهها عنها كما لا نفقه تسبيحها، وكذلك قوله: ﴿وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ (٢) وقد علم الله هبوطها من خشيته، ولم يعرّفنا ذلك، فنحن نؤمن بما أعلمنا ولا ندّعي بما لم نكلّف بأفهامنا، مِن عِلْمِ فِعلِها كيفيّةً نحدّها" اهـ. كلامه - ﵀ -، وهو كلام عظيم وتقرير حسن.
وقال النووي - ﵀ - بعد أن أشار إلى ما قيل في المراد بالتسبيح، قال: "والصحيح أنَّه يسبِّح حقيقة، ويجعل الله - تعالى - فيه تمييزًا بحسبه".
وهذا القول هو القول الحق في هذه المسألة بلا ريب، فالله - ﵎ - هو الذي بيده أزمّةُ الأمور، وهو القادرُ على كلِّ شيء، وهو - سبحانه - الذي أنطق كلَّ شيء، لا يتعاظمه أمر، ولا يُعجِزه شيء في الأرض ولا في السماء، إنَّما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.
_________________
(١) ورة سبأ، الآية: (١٠) .
(٢) ورة الحج، الآية: (١٨) .
[ ٤٣ / ٢٣٠ ]
وأمّا قولُ من قال: إنَّ هذا التسبيح ليس حقيقيًا وإنَّما هو تسبيح بلسان الحال فقط فهو قول مجانبٌ للحقيقةِ، بعيدٌ عن الصواب، ولا يعضُدُه دليل، بل الأدلّةٌ صريحةٌ على عدم صحّتِه.
وليس هذا الأمر بأعجب من تسبيح الحصا في يد رسول الله ﷺ، وتسبيحُ الطعام وهو يُؤكل، وقد كان يسمع ذلك الصحابةُ ﵃.
روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كنّا نعدُّ الآيات بركة وأنتم تعدّونها تخويفًا، كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ فقلَّ الماءُ، فقال: اطلبوا فضلةً من ماء، فجاؤوا بإناء فيه ماءٌ قليل، فأدخل يدَه في الإناء ثم قال: حيَّ على الطهور المبارك، والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ، ولقد كنّا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل".
فلله ما أعظمها من آيةٍ تدلّ على كمال المرسِل سبحانه، وصدق المرسَل - صلوات الله وسلامه عليه -.
وروى الطبراني في المعجم الأوسط، وأبو نعيم في دلائل النبوة عن أبي ذر ﵁ قال: إنّي لشاهدٌ عند النبي ﷺ في حلقة وفي يده حصى فسبَّحن في يده، وفينا أبو بكر وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ، فسمع تسبيحهنّ مَن في الحلقة، ثمّ دفعهنَّ النّبيُّ ﷺ إلى أبي بكر فسبّحن مع أبي بكر، سمع تسبيحَهنَّ مَن في الحلقة، ثمّ دفعَهنَّ إلى النّبيِّ ﷺ فسبَّحن في يده، ثمّ دفعهنَّ النّبيُّ ﷺ إلى عمر فسبَّحن في يده، وسمع تسبيحَهنَّ مَن في الحلقة، ثم دفعهنَّ النبيّ ﷺ إلى عثمان بن عفّان فسبَّحن في يده، ثمّ دفعهنّ إلينا فلم يسبِّحن مع أحد منّا".
[ ٤٣ / ٢٣١ ]
ولا شكّ أنَّ تسبيح الحصى الصغار والطعام أعجبُ وأبلغُ من تسبيح الجبال، ولذا فإنَّ المعجزة لنبيِّنا محمد ﷺ في ذلك أبلغُ من المعجزة لنبيِّ الله داود ﵇ في تسبيح الجبال معه.
قال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: "وأمّا تسبيح الطّير مع داود ﵇ فتسبيح الجبال الصمّ أعجبُ مِن ذلك، وقد تقدّم في الحديث أنّ الحصا سبّح في كفِّ رسول الله ﷺ، قال ابن حامد: وهذا حديثٌ معروفٌ مشهورٌ، وكانت الأحجارُ والأشجارُ والمدرُ تسلِّم عليه ﷺ.
وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود قال: "لقد كنّا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل"يعني بيد النبيِّ ﷺ، وكلّمه ذراعُ الشّاة المسمومة وأعلمه بما فيه من السُّمِّ، وشهدت بنبُوَّته الحيواناتُ الإنسيّة والوحشيّة، والجمادات - أيضًا - كما تقدّم بسط ذلك كلِّه، ولا شكّ أنَّ صدور التسبيح من الحصا الصغار الصمّ التي لا تجاويف فيها أعجبُ مِن صدور ذلك من الجبال لما فيها من التجاويف والكهوف، فإنَّها وما شاكلها تردّد صدى الأصوات العالية غالبًا كما قال عبد الله بن الزبير كان إذا خطب وهو أمير المدينة بالحرم الشريف تجاوبه الجبال أبو قبيس وزَرُود، ولكن من غير تسبيح، فإنَّ ذلك من معجزات داود ﵇، ومع هذا كان تسبيح الحصا في كفِّ رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان أعجب" اهـ. كلامه - ﵀ -.
والشّاهد مِن ذلك كلِّه هو أنَّ هذه الكائنات تسبِّح الله - تعالى - تسبيحًا حقيقًا لا يفقهه النّاس ولا يسمعونه، وقد يشاء الله فيُسمِع بعض ذلك من يشاء مِن عباده كما في النصوص المتقدّمة.
[ ٤٣ / ٢٣٢ ]
ولا ريب أنَّ في هذا أَعظمَ عبرةٍ وأجلَّ عِظةٍ للنّاس إذ تدبّروا في حال هذه الجبال وهي الحجارة الصلبة والصخور الصّمّاء كيف أنَّها تسبِّح بحمد ربِّها وتخشع له وتسجد وتشفق وتهبط من خشيته، وكيف أنّها خافت من ربِّها وفاطرها وخالقها على شدّتها وعِظم خلقها من الأمانة إذ عرَضَها عليها وأشفقت من حملها.
قال ابن القيِّم - ﵀ - وهو يتحدّثُ عن هذا الباب العظيم: "فسبحان من اختصَّ برحمته من شاء مِن الجبال والرِّجال هذا وإنَّها لَتعلمُ أنَّ لها موعدًا ويومًا تنسف فيها نسفًا، وتصير كالعهن من هوله وعظمه، فهي مشفقةٌ من هول ذلك الموعد، منتظرةٌ له فهذا حال الجبال وهي الحجارة الصلبة، وهذه رقّتُها وخشيتُها وتدكدكها من جلال ربِّها وعظمته، وقد أخبر عنها فاطرُها وباريها أنَّه لو أنزل عليها كلامه لخشعت ولتصدّعت من خشية الله. فيا عجبًا من مضغة لحمٍ أقسى مِن هذه الجبال تسمع آيات الله تتلى عليها ويُذكرُ الرّبُّ فلا تلين ولا تخشع ولا تنيب ".
فنسأل الله جلّت قدرته وتبارك اسمه أن يحييَ قلوبَنا بالإيمان، وأن يعمُرَها بذكر الكريم الرحمن، وأن يعيذنا من الرّجيم الشيطان، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.
المطلب الثالث: معنى التسبيح
لا ريب أنَّ التسبيح يُعدُّ من الأصول المهمّة والأُسُس المتينة التي ينبني عليها المُعتَقَد فيما يتعلّق بمعرفة الربّ - ﵎ - وأسمائه وصفاته، إذ إنَّ المُعتَقَدَ في الأسماء والصفات يقوم على أصلين عظيمين وأساسين متينين هما الإثبات للصفات بلا تمثيل، وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقات بلا تعطيل.
[ ٤٣ / ٢٣٣ ]
والتسبيح هو التنزيه، فأصل هذه الكلمة من السَّبح وهو البُعد، قال الأزهري في تهذيب اللغة: "ومعنى تنزيه الله من السوء تبعيده منه، وكذلك تسبيحه تبعيده، من قولك: سبحتُ في الأرض إذا أبعدتَ فيها، ومنه قوله جلّ وعزّ: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، وكذلك قوله: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ (١) .
فالتسبيح هو إبعادُ صفات النقص من أن تُضافَ إلى الله، وتنزيهُ الربِّ سبحانه عن السوء وعمَّا لا يليقُ به، "وأصلُ التسبيح لله عند العرب التنزيه له من إضافة ما ليس من صفاته إليه، والتبرئة له من ذلك".
وقد ورد هذا المعنى في تفسير التسبيح في حديث يُرفع إلى النبيِّ ﷺ إلاَّ أنَّ في إسناده كلامًا، فقد روى الحاكمُ في المستدرك عن عبد الرحمن ابن حمّاد، ثنا حفص ابن سليمان، ثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن تفسير سبحان الله، فقال: "هو تنزيه الله عن كلِّ سوءٍ". قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقّبه الذهبي في تلخيصه للمستدرك بقوله: "بل لم يصح فإن طلحة منكر الحديث، قاله البخاري، وحفصٌ واهي الحديث، وعبد الرحمن، قال أبو حاتم: منكر".
ورُويَ الحديثُ من وجه آخر مرسلًا.
وورد في هذا المعنى آثارٌ عديدةٌ عن السلف - ﵏ -، روى جملةً منها الطبريُّ في تفسيره والطبرانيُّ في كتابه الدعاء في باب: تفسير سبحان الله، وغيرهما من أهل العلم، منها:
ما جاء عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: "سبحان الله: تنزيه الله - ﷿ - عن كُلِّ سُوءٍ".
وعن عبد الله بن بريدة أنَّ رجلًا سأل عليًاّ ﵁ عن سبحان الله فقال: "تعظيم جلال الله".
وجاء عن مجاهد أنه قال: "التسبيح انكفاف الله من كلِّ سوءٍ". قال ابن الأثير في النهاية: "أي: تنزيهه وتقديسه".
_________________
(١) سورة: يس، الآية: (٤٠) .
[ ٤٣ / ٢٣٤ ]
وعن ميمون بن مهران قال: "سبحان الله اسم يُعظَّمُ الله به، ويحاشى به من السوء".
وعن أبي عبيدة معمر بن المثنّى قال: "سبحان الله: تنزيه الله وتبرئته".
وعن محمد بن عائشة قال: "تقول العرب إذا أنكرت الشيء وأعظمته سبحان الله، فكأنّه تنزيه الله ﷿ عن كلِّ سوء، لا ينبغي أن يوصف بغير صفته".
والآثار في هذا المعنى عن السلف كثيرة.
ونقل الأزهري في كتابه تهذيب اللغة عن غير واحد من أئمّة اللغة تفسير التسبيح بالمعنى السابق وقال: "وجِماعُ معناه بُعدُه - ﵎ - عن أن يكون له مثلٌ أو شريكٌ أو ضِدٌّ أو نِدٌّ".
وبهذه النقول المتقدِّمة يتبيَّنُ معنى التسبيح والمراد به، وأنَّه تنزيه الله ﷿ عن كلِّ نقص وعيبٍ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "والأمر بتسبيحه يقتضي تنزيهه عن كلِّ عَيبٍ وسُوءٍ، وإثباتَ المحامد التي يُحمد عليها، فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره وتوحيده". اهـ كلامه - ﵀ -.
وبه يتبيّن أنَّ تسبيحَ الله إنَّما يكون بتبرئة الله وتنزيهه عن كلِّ سوء وعيبٍ، مع إثبات المحامد وصفات الكمال له سبحانه، على وجهٍ يليقُ به، أمَّا ما يفعله المعطِّلةُ من أهل البدع كالمعتزلة وغيرهم من تعطيل للصفات وعدم إثبات لها وجحدٍ لحقائقها ومعانيها بحجة أنَّهم يسبِّحون الله وينزِّهونه، فهو في الحقيقة ليس من التسبيح في شيء، بل هو إنكارٌ وجحودٌ، وضلالٌ وبهتانٌ، ولذا يقول ابن هشام النحوي في كتابه مغني اللبيب: "ألا ترى أنَّ تسبيحَ المعتزلة اقتضى تعطيل كثير من الصفات".
ويقول ابن رجب ﵀ في معنى قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: "سبِّحه بما حمد به نفسه؛ إذ ليس كلُّ تسبيحٍ بمحمود، كما أنَّ تسبيح المعتزلة يقتضي تعطيل كثير من الصفات".
[ ٤٣ / ٢٣٥ ]
وقوله - ﵀ -: "إذ ليس كلُّ تسبيح بمحمود"كلامٌ في غاية الأهميَّة والدقَّة؛ إذ إنَّ تسبيح الله بإنكار صفاته وجحدها وعدم إثباتها أمرٌ لا يُحمد عليه فاعله، بل يُذمُّ غايةَ الذمِّ، ولا يكون بذلك من المسبِّحين بحمد الله، بل يكون من المعطّلين المنكرين الجاحدين، من الذين نزّه الله نفسه عن قولهم ووصفهم بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ . فسبّح الله نفسه عمّا وصفه به المخالفون للرسل، وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه في الله من النقص والعيب.
إنَّ تسبيحَ الله وتنزيهَه وتقديسَه وتعظيمَه يجب أن يكون وفق الضوابط الشرعيّة، وعلى ضوء الأدلّة النقليّة، ولا يجوز بحال أن يُبنى ذلك على الأهواء المجرّدة، أو الظنون الفاسدة، أو الأقيسة العقليّة الكاسدة كما هو الشأن عند أرباب البدع المعطّلين لصفات الربّ - سبحانه -، ومن كان يعتمد في باب التعظيم على هواه بغير هدى من الله، فإنَّه يزِلُّ في هذا الباب ويقع في أنواع من الباطل وصنوف من الضلال. جاء عن عبد الرحمن بن مهدي ﵀ وقد ذُكر عنده أنَّ الجهميّة ينفون أحاديث الصفات، ويقولون: الله أعظم من أن يوصف بشيء من هذا أنَّه قال: "قد هلك قوم من وجه التعظيم فقالوا: الله أعظم من أن ينزل كتابًا أو يرسل رسولًا ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ ثم قال: هل هلكت المجوس إلاّ من جِهة التعظيم؟ قالوا: الله أعظم من أنْ نعبُدَه، ولكن نعبدُ من هو أقربُ إليه منّا، فعبدوا الشمس وسجدوا لها، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ (١) .
_________________
(١) سورة: الأنعام، الآية: (٩١) .
[ ٤٣ / ٢٣٦ ]
وفي كلامه هذا - ﵀ - إشارة إلى أنّ التعظيم والتنزيهَ إنْ لم يكن على هديِ الكتاب والسنة فإنّه يكون غاية التعطيل، ومنتهى الجحود والعياذ بالله، ومن يتأمّل حالَ الطوائف الضالّة والفرق المنحرفة التي سلكت في التنزيه والتعظيم هذا الطريق يجد أنهم لم يستفيدوا من ذلك سوى التنقّص لربّ العالمين وجحد صفات كماله ونعوت جلاله، حتى آل الأمر ببعضهم في التنزيه إلى الاعتقاد بأنّه ليس فوق العرش إله يُعبد ولا ربٌّ يُصلى له ويُسجدُ تعالى الله عمّا يقولون، وسبحان الله عمّا يصفون.
إنّ التسبيحَ طاعةٌ عظيمةٌ وعبادةٌ جليلةٌ، والله - ﵎ - يحبُّ المسبّحين، والواجب على عبد الله المؤمن أن يكون في تسبيحه لربّه على هديٍ مستقيمٍ، فيُسبّح الله وينزّهه عن كلِّ ما لا يليقُ به من النقائص والعيوب ويُثبتُ له مع ذلك نعوتَ جلاله وصفات كماله، ولا يتجاوزُ في ذلك كلِّه كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ، كما قال الإمام أحمد - ﵀ -: "لا يُوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسولُه ﷺ لا يُتجاوَزُ القرآن والحديث". ومن كان على ذلك فهو على هدي قويمٍ، وعلى صراطٍ مستقيمٍ.
[ ٤٣ / ٢٣٧ ]