المطلب الرابع: أفضلُ صِيَغِ الحمد وأكملُها
تقدّم بيانُ فضل الحمد وعظم ثوابه عند الله، والإشارةُ إلى بعض صِيَغه الواردة في القرآن الكريم وفي أحاديث الرسول الكريم ﷺ، كقول: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، وقول: "الحمد لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يحب ربّنا ويرضى"، ونحو ذلك مما ورد في القرآن الكريم مما حمد به الربُّ نفسه، وما ورد في سنة النبي الكريم ﷺ مما حمد به الرسول ﷺ ربَّه، وهي صيغٌ عظيمةٌ مشتملةٌ على أحسن الحمد وأكمله وأوفاه، وقد ذكر بعضُ أهل العلم أنَّ أفضل صيغ الحمد "الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده"، واحتجّ بما ورد عن أبي نصر التمّار أنَّه قال: قال آدم ﵇: يا رب شغلتَني بكسب يديّ فعلّمني شيئًا من مجامع الحمد والتسبيح، فأوحى الله إليه يا آدمُ إذا أصبحت فقل ثلاثًا وإذا أمسيت فقل ثلاثًا: "الحمدلله ربِّ العالمين حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، فذلك مجامع الحمد".
وقد رُفع ذلك للإمام المحقق ابن قيِّم الجوزية – ﵀ - فأنكره على قائله غايةَ الإنكار وبيَّن - ﵀ - أنَّ ذلك لم يَرِد عن النبي ﷺ في شيء من الصحاح أو السنن أو المسانيد ولا يُعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وبَسَط القول - ﵀ - في ذلك في رسالة مفردة.
قال - ﵀ -: "هذا الحديث ليس في الصحيحين ولا في أحدهما ولا يُعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة، ولا له إسناد معروف، وإنَّما يُروى عن أبي نصر التمّار عن آدم أبي البشر، لا يَدري كم بين أبي نصر وآدم إلا الله - تعالى -، وذكر الحديث المتقدّم، ثم قال: فهذا لو رواه أبو نصر التمّار عن سيِّد ولد آدم ﷺ لما قبلت روايته لانقطاع الحديث فيما بينه وبين رسول الله ﷺ فكيف بروايته له عن آدم.
[ ٤٣ / ٢٩٣ ]
وقد ظنَّ طائفة من الناس أنَّ هذا الحمد بهذا اللفظ أكمل حمدٍ حُمِد اللهُ به وأفضله وأجمعه لأنواع الحمد، وبنوا على هذا مسألة فقهيّة فقالوا: لو حلف إنسانٌ ليحمدنَّ اللهَ بمجامع الحمد وأجلِّ المحامد فطريقه في برِّ يمينه أن يقول: "الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده"قالوا: ومعنى يوافي نعمه أي: يلاقيها فتحصل النعم معه، ويكافئ - مهموز - أي: يساوي مزيد نعمه، والمعنى: أنَّه يقوم بشكر ما زاد من النعم والإحسان".
قال ابن القيِّم - ﵀ -: "والمعروف من الحمد الذي حمد الله به نفسه وحمده به رسوله ﷺ وسادات العارفين بحمده من أمته ليس فيه هذا اللفظ ألبتة، وأورد بعض صيغ الحمد الواردة في القرآن ثم قال: فهذا حمدُه لنفسه الذي أنزله في كتابه وعلَّمه لعباده، وأخبر عن أهل جنَّته به، وهو آكد من كلِّ حمدٍ وأفضلُ وأكملُ، كيف يبرُّ الحالف في يمينه بالعدول إلى لفظ لم يحمد به نفسه، ولا ثبت عن رسول الله ﷺ، ولا سادات العارفين من أمته، والنبي ﷺ كان إذا حمد الله في الأوقات التي يتأكّد فيها الحمد لم يكن يذكر هذا الحمدَ ألبتة كما في حمد الخطبة، والحمد الذي تستفتح به الأمور، وكما في تشهّد الحاجة، وكما في الحمد عقب الطعام والشراب واللباس والخروج من الخلاء، والحمد عند رؤية ما يسرّه وما لا يسرّه ".
ثم ساق - ﵀ - جملةً كبيرةً مما ورد عن النبي ﷺ من صيغ الحمد مما يقال في مثل هذه الأوقات، ثم قال: "فهذا جُملُ مواقع الحمد في كلام الله ورسوله وأصحابه والملائكة قد جُلِّيتْ عليك عرائسها وجُلِبَتْ إليك نفائسها، فلو كان الحديث المسؤول عنه أفضلَها وأكملَها وأجمعَها كما ظنّه الظانّ لكان واسطة عقدها في النظام، وأكثرِها استعمالًا في حمد ذي الجلال والإكرام". اهـ.
[ ٤٣ / ٢٩٤ ]
وبهذا التحقيق الذي ذكره - ﵀ - يتبيّن ضعف هذه الصيغة في الحمد من جهة الرواية، وأنها لو كانت صحيحةً ومشتملةً على أكمل الصيغ لما عدل عنها رسول الله ﷺ، ولما آثر غيرها عليها، قالت عائشة - ﵂ -: "كان رسول الله ﷺ يستحبّ الجوامع من الدعاء، ويدَعُ ما سوى ذلك"، رواه أبو داود وغيرُه.
وسبق أن مرّ معنا قول النبي ﷺ: "أفضلُ الدعاء الحمدلله"، وبهذا يُعلم أنَّ هذه الصيغة في الحمد لو كانت أكملَ لما تركها رسول الله ﷺ.
ثم إنَّه - أيضًا - لا يمكن للعبد أن يحمد الله حمدًا يوافي نعمة واحدة من نعم الله، فضلًا عن موافاته جميع نعم الله، ولا يمكن أن يكون فعلُ العبد وحمدُه له مكافئًا للمزيد، قال ابن القيّم - ﵀ -: "فهذا من أمحل المحال، فإنّ العبد لو أقْدَرَه الله على عبادة الثَّقلين لم يقم بشكر أدنى نعمة عليه فمن الذي يقوم بشكر ربِّه الذي يستحقه - سبحانه - فضلًا عن أن يكافئه".
وقال - ﵀ -: " ولكن يحمل على وجه يصح، وهو أنَّ الذي يستحقه الله - سبحانه - من الحمد حمدًا يكون موافيًا لنعمه ومكافئًا لمزيده وإن لم يَقدِر العبدُ أن يأتي به".
وأحسنُ من هذا وأكملُ ما ثبت في صحيح البخاري وغيره عن أبي أمامة الباهلي أنَّ النبيّ ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: "الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه غير مكفيٍّ، ولا مودَّع، ولا مستغنى عنه ربّنا"، فلو كانت تلك الصيغة وهي قوله: "حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده"أكمل وأفضل من هذه لما عدل عنها رسول الله ﷺ، فإنّه لا يختار إلاّ الأفضل والأكمل.
[ ٤٣ / ٢٩٥ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في معنى هذا الحديث: "المخلوق إذا أنعم عليك بنعمة أمكنك أن تكافئه، ونعمُهُ لا تدوم عليك، بل لا بدّ أن يودِّعك ويقطعها عنك، ويمكنك أن تستغني عنه، والله ﷿ لا يمكن أن تكافئه على نعمه، وإذا أنعم عليك أدام نعمَه، فإنّه هو أغنى وأقنى، ولا يُستغنى عنه طرفة عين". اهـ.
وفيه بيانٌ لعظم دلالات الأدعية المأثورة والأذكار الثابتة وعمق معانيها وسلامتها من الخطأ الذي قد يعتري ما سواها، وبهذا تكون السلامةُ وتحصيل الكامل.
فالحمد لله بمحامده التي حمد بها نفسه، وحمده بها الذين اصطفى من خلقه حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحب ربّنا ويرضى.
المطلب الخامس: تعريفُ الحمد، وبيان الفرق بينه وبين الشكر
الحمد في اللغة نقيض الذمِّ، قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: "الحاء والميم والدال كلمةٌ واحدة وأصلٌ واحد يدل على خلاف الذمّ، يُقال: حمدتُ فلانًا أحمده، ورجلٌ محمودٌ ومحمدٌ إذا كثرت خصالُه المحمودة غير المذمومة. ولهذا الذي ذكرناه سُمِّيَ نبيّنا محمدًا ﷺ". اهـ.
وقال الليث: أحمدت الرجل وجدته محمودًا، وكذلك قال غيرُه: يُقال أتينا فلانًا فأحمدناه وأذممناه أي: وجدناه محمودًا أو مذمومًا.
وقوله - تعالى -: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ فيه تنبيه على أنّه - صلوات الله وسلامه عليه - محمود في أخلاقه وأفعاله ليس فيه ما يُذمّ، وكذلك قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ فمحمّدٌ ههنا وإن كان اسمًا له عَلَمًا عليه ففيه إشارة إلى وصفه بذلك وتخصيصه بوافر معناه، وأما سواه فقد يُسمَّى بذلك ويكون له حظ من الوصف الذي دلّ عليه هذا الاسم وقد لا يكون، أما الرسول الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - فهو محمّدٌ اسمًا ووصفًا.
[ ٤٣ / ٢٩٦ ]
فالحمد هو الثناء بالفضيلة وهو أخصُّ من المدح وأعمُّ من الشكر، فإنَّ المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره ومما يكون منه وفيه بالتسخير، فقد يُمدح الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه، كما يُمدح ببذل ماله وشجاعته وعلمه، والحمد يكون في الثاني دون الأول، أي: أنَّ الإنسان يُحمد على بذل المال والشجاعة والعلم ونحو ذلك مما يكون منه باختياره، ولا يُحمد على صباحة الوجه وطول القامة وحسن الخِلقة ونحو ذلك مما ليس له فيه اختيار.
والشكر لا يُقال إلاَّ في مقابلة نعمة، فكلُّ شكر حمد، وليس كلُّ حمدٍ شكرًا، وكلُّ حمد مدح، وليس كلُّ مدح حمدًا.
قال ابن القيّم - ﵀ -: "الفرق بين الحمد والمدح أن يُقال: الإخبار عن محاسن الغير إما أن يكون إخبارًا مجرّدًا من حبٍّ وإرادة أو مقرونًا بحبّه وإرادته، فإن كان الأول فهو المدح، وإن كان الثاني فهو الحمد، فالحمد إخبارٌ عن محاسن الممدوح مع حبِّه وإجلاله وتعظيمه". اهـ.
وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - عن الحمد والشكر ما حقيقتهما؟ هل هما معنى واحد أو معنيان؟ وعلى أيّ شيء يكون الحمد؟ وعلى أي شيء يكون الشكر؟
[ ٤٣ / ٢٩٧ ]
فأجاب - ﵀ - بقوله: "الحمد يتضمّن المدحَ والثناءَ على المحمود بذكر محاسنه سواء كان الإحسان إلى الحامد أو لم يكن، والشكر لا يكون إلاّ على إحسان المشكور إلى الشاكر، فمِن هذا الوجه الحمد أعمّ من الشكر؛ لأنّه يكون على المحاسن والإحسان، فإنّ الله يُحمد على ما له من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى، وما خلقه في الآخرة والأولى؛ ولهذا قال تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾، وقال: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ﴾ (١) وقال: ﴿الحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلاَئِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَآءُ﴾ (٢) وأما الشكر فإنّه لا يكون إلاّ على الإنعام، فهو أخصُّ من الحمد من هذا الوجه، لكنه يكون بالقلب واليد واللسان، كما قيل:
أفادتكم النَّعماءُ مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجّبا
ولهذا قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾، والحمد إنما يكون بالقلب واللسان، فمن هذا الوجه الشكر أعمّ من جهة أنواعه، والحمد أعمّ من جهة أسبابه، ومن هذا الحديثُ: "الحمد لله رأس الشكر، فمن لم يحمد الله لم يشكره"، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها" ". اهـ كلامه - ﵀ -.
_________________
(١) سورة: الأنعام، الآية: (١) .
(٢) سورة: سبأ، الآية: (١) .
[ ٤٣ / ٢٩٨ ]
وبه يتبيّن أن بين الحمد والشكر عمومًا وخصوصًا من وجه، فيجتمعان فيما إذا كان باللسان في مقابلة نعمة، فهذا يُسمَّى حمدًا ويُسمَّى شكرًا، وينفرد الحمد فيما إذا أثنى العبد على ربّه بذكر أسمائه الحسنى ونعوته العظيمة فهذا يُسمَّى حمدًا، ولا يُسمَّى شكرًا، وينفرد الشكر فيما إذا استعمل العبد نعمة الله في طاعة الله فهذا يُسمى شكرًا ولا يُسمَّى حمدًا.
إنَّ حمدَ الله هو الثناءُ على الله بذكر صفاته العظيمة ونعمِه العميمة مع حبّه وتعظيمه وإجلاله، وهو مختصٌّ به - سبحانه - لا يكون إلاّ له، فالحمد كلّه لله رب العالمين؛ "ولذلك قال - سبحانه -: ﴿الحَمْدُ للهِ﴾ بلام الجنس المفيدة للاستغراق، فالحمد كلُّه له إمّا ملكًا وإما استحقاقًا، فحمده لنفسه استحقاق، وحمد العباد له وحمدُ بعضهم لبعض ملكٌ له فالقائل إذا قال: الحمد لله تضمّن كلامه الخبر عن كلِّ ما يحمد عليه تعالى باسم جامع محيطٍ متضمّنٍ لكلّ فرد من أفراد الحمد المحققة والمقدَّرة، وذلك يستلزم إثبات كلِّ كمال يُحمد عليه الربُّ تعالى؛ ولهذا لا تصلح هذه اللفظة على هذا الوجه ولا تنبغي إلا لمن هذا شأنه وهو الحميد المجيد".
وإذا قيل: الحمد كلّه لله، فإنَّ هذا له معنيان:
أحدهما: أنّه محمودٌ على كلِّ شيء، وهو ما يُحمد به رسله وأنبياؤه وأتباعهم، فذلك من حمده - ﵎ -، بل هو المحمود بالقصد الأول وبالذات، وما نالوه من الحمد فإنّما نالوه بحمده، فهو المحمود أوّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.
والمعنى الثاني: أن يُقال: لك الحمد كلّه؛ أي: التامّ الكامل هذا مختصٌّ بالله ليس لغيره فيه شركه.
قال ابن القيّم - ﵀ - بعد أن ذكر هذين المعنيين: "والتحقيق أنَّ له الحمد بالمعنيين جميعًا، فله عمومُ الحمد وكمالُه، وهذا من خصائصه - سبحانه -، فهو المحمود على كلِّ حال، وعلى كلِّ شيء أكمل حمد وأعظمه".
[ ٤٣ / ٢٩٩ ]
فالحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يحب ربُّنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعِزِّ جلاله بمجامع حمده كلِّها ما علمنا منها وما لم نعلم.
المبحث الخامس:
في التكبير، فضله ومعناه
المطلب الأول: فضل التكبير ومكانته من الدِّين
إنَّ التكبير شأنُه عظيم وثوابُه عند الله جزيل وقد تكاثرت النصوص في الحث عليه والترغيب فيه وذكر ثوابه.
يقول الله - تعالى -: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾، وقال - تعالى - في شأن الصيام: ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) وقال - تعالى - في شأن الحج وما يكون فيه من نُسك يَتقرَّب فيه العبدُ إلى الله: ﴿لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ (٢) وقال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٣)
_________________
(١) سورة: الإسراء، الآية: (١١١) .
(٢) سورة: البقرة، الآية: (١٨٥) .
(٣) سورة: الحج، الآية: (٣٧) .
[ ٤٣ / ٣٠٠ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وهو بصدد بيان تفضيل التكبير وعظم شأنه: "ولهذا كان شعائرُ الصلاة والأذان والأعياد والأمكان العالية هو التكبير، وهو أحد الكلمات التي هي أفضل الكلام بعد القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي ﷺ، ولم يجئ في شيء من الأثر بدل قول الله أكبر، الله أعظم؛ ولهذا كان جمهور الفقهاء على أن الصلاة لا تنعقد إلا بلفظ التكبير، فلو قال: الله أعظم لم تنعقد به الصلاة لقول النبي ﷺ: "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم". وهذا قول مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف وداود وغيرهم، ولو أتى بغير ذلك من الأذكار مثل: سبحان الله، والحمد لله لَم تنعقد به الصلاة.
ولأنَّ التكبيرَ مختصٌّ بالذكر في حال الارتفاع كما أن التسبيح مختص بحال الانخفاض كما في السنن عن جابر بن عبد الله قال: "كنا مع رسول الله ﷺ إذا علونا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا فوضعت الصلاة على ذلك"". اهـ.
[ ٤٣ / ٣٠١ ]
ثم إنَّ التكبيرَ مصاحِبٌ للمسلم في عبادات عديدة وطاعات متنوعة فالمسلم يكبر الله عند ما يكمل عدَّة الصيام، ويكبر في الحج كما سبق الإشارة إلى دليل ذلك من القرآن الكريم، وأما الصلاة فإنَّ للتكبير فيها شأنًا عظيمًا ومكانة عالية، ففي النداء إليها يشرع التكبير وعند الإقامة لها، وتحريمها هو التكبير، بل إنَّ تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، ثم هو يصاحب المسلم في كلِّ خفض ورفع من صلاة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبّر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثمَّ يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلِّها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس".
[ ٤٣ / ٣٠٢ ]
وبهذا فالتكبير يتكرر مع المسلم في صلاته مرات كثيرة، فالصلاة الرباعية فيها اثنتان وعشرون تكبيرة، والثنائية فيها إحدى عشرة تكبيرة، وكلُّ ركعة فيها خمسُ تكبيرات، وعلى هذا فالمسلم يكبر الله في اليوم والليلة في الصلوات الخمس المكتوبة فقط أربعًا وتسعين تكبيرة، فكيف إذا كان محافظًا مع ذلك على الرواتب والنوافل، وكيف إذا كان محافظًا على الأذكار التي تكون أدبار الصلوات وفيها التكبير ثلاثٌ وثلاثون مرة، فالمسلم إذا كان محافظًا على الصلوات الخمس مع السنن الرواتب وعددُها ثنتا عشرة ركعة مع الشفع والوتر ثلاث ركعات ومحافظًا على التكبير المسنون أدبار الصلوات ثلاثا وثلاثين مرة فإنَّ عدد تكبيره لله في يومه وليلته يكون ثلاثمائة واثنتين وأربعين تكبيرة، ولا ريب أنَّ هذا فيه دلالة على فضيلة التكبير حيث جعل الله للصلاة منه هذا النصيب الوافر، فإذا ضُمَّ إلى ذلك التكبيرُ في الأذان للصلاة والإقامة لها ممّن يؤذِن أو يُحافظ على إجابة المؤذِن، زاد بذلك عدد تكبيره في يومه وليلته، فإنَّ عدد ما يكون فيهما من تكبيرات في اليوم والليلة خمسون تكبيرة، فإنَّ عدد التكبير بذلك يزيد.
ثم إنَّ المسلم إذا كان محافظًا على التكبير المطلق غير المقيد بوقت فإن عدد تكبيره لله في أيامه ولياليه لا يحصيه إلا الله - سبحانه -.
[ ٤٣ / ٣٠٣ ]
والتكبير ركنٌ من أركان الصلاة، فتحريمها لا يكون إلاّ به، وهذا يُشعِر ولا ريب بمكانة التكبير من الصلاة، وأنّ الصلاة إنما هي تفاصيل للتكبير الذي هو تحريمها، يقول ابن القيّم - ﵀ -: " لا أحسن من كون التكبير تحريمًا لها، فتحريمها تكبير الربّ تعالى الجامع لإثبات كلِّ كمال له، وتنزيهه عن كلِّ نقص وعيبٍ، وإفراده وتخصيصه بذلك، وتعظيمه وإجلاله، فالتكبير يتضمّن تفاصيل أفعال الصلاة وأقوالها وهيآتها، فالصلاة من أوّلها إلى آخرها تفصيل لمضمون «الله أكبر»، وأيّ تحريم أحس-ن من هذا التحريم المتضمّن للإخلاص والتوحيد! ". اهـ.
وبهذا يتبيّن مكانةُ التكبير وجلالةُ قدره وعِظمُ شأنه من الدين، فليس التكبيرُ كلمةً لا معنى لها، أو لفظةً لا مضمون لها، بل هي كلمةٌ، عظيمٌ شأنها، رفيعٌ قدرها تتضمّن المعاني الجليلةَ والمدلولاتِ العميقةَ والمقاصد السامية الرفيعة.
قال ابن جرير - ﵀ - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾: "يقول وعظِّم ربَّك يا محمد بما أمرك أن تعظِّمه به من قول وفعل، وأطِعه فيما أمرك ونهاك لنفسه استحقاق، وحمد العباد له" (١)
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ - في تفسير الآية نفسها: "أي: عظِّمه تعظيمًا شديدًا، ويظهر تعظيم الله في شدّة المحافظة على امتثال أمره واجتناب نهيه والمسارعة إلى كلِّ ما يرضيه".
وفي هذا إشارةٌ إلى أنّ الدِّينَ كلَّه يُعدُّ تفصيلًا لكلمة «الله أكبر» فالمسلم يقوم بالطاعات جميعها والعبادات كلّها تكبيرًا لله وتعظيمًا لشأنه وقيامًا بحقِّه سبحانه، وهذا ممّا يبيّن عظمةَ هذه الكلمة وجلالةَ قدرها، ولهذا يروى عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنّه قال: "قول العبد: الله أكبر، خيرٌ من الدنيا وما فيها"، فالله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا.
المطلب الثاني: في معنى التكبير وبيان مدلوله
_________________
(١) سورة: الإسراء، الآية: (١١١) .
[ ٤٣ / ٣٠٤ ]
التكبير هو تعظيم الربّ - ﵎ - وإجلاله، واعتقاد أنّه لا شيء أكبرُ ولا أعظمُ منه، فيصغر دون جلاله كلُّ كبير، فهو الذي خضعت له الرقاب وذلَّت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كلَّ شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوّه وقدرته الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حكمه وقهره المخلوقات.
قال الإمام الأزهري في كتابه تهذيب اللغة: "وقول المصلي: الله أكبر، وكذلك قول المؤذِّن، فيه قولان:
أحدهما: أنّ معناه الله كبير، كقول الله جلّ وعزّ: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾، أي: هو هيّنٌ عليه، ومثله قول مَعنِ بن أوس: لعمرك ما أدري وإني لأوجلُ. معناه: وإني لوجلٌ.
والقول الآخر: أنّ فيه ضميرًا، المعنى: الله أكبرُ كبيرٍ، وكذلك الله الأعزّ، أي: أعزُّ عزيزٍ، قال الفرزدق:
إنّ الذي سَمَكَ السماءَ بنى لنا
بيتًا دعائمُه أَعَزُّ وأطولُ
معناه: أعز عزيز، وأطول طويل". اهـ
والصواب من هذين القولين اللذين ذكرهما - ﵀ - هو الثاني، بمعنى أن يكون اللهُ عند العبد أكبرَ من كلِّ شيء، أي: لا أكبرَ ولا أعظمَ منه، أما الأول فهو غيرُ صحيحٍ وليس هو معنى الله أكبر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "التكبير يُراد به أن يكون (الله) عند العبد أكبر من كلِّ شيء، كما قال ﷺ لعديِّ بن حاتم: "يا عديّ ما يُفرُّك؟ أيُفرُّك أن يُقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم مِن إله إلاّ الله؟ يا عديّ ما يفرُّك. أيُفرُّك أن يقال: الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله؟ "، وهذا يُبطل قولَ من جعل أكبر بمعنى كبير". اهـ.
وحديث عديٍّ هذا رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان وغيرهم بإسناد جيّد.
وبه يتبيّن أن معنى الله أكبر أي: من كلِّ شيء، فلا شيء أكبرُ ولا أعظمُ منه، ولهذا يُقال إنَّ أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال هي: الله أكبر، أي: صِفْهُ بأنّه أكبرُ من كلِّ شيء، قال الشاعر:
[ ٤٣ / ٣٠٥ ]
رأيتُ الله أكبر كلِّ شيء
محاولةً وأكثرهم جنودًا
والتكبير معناه كما تقدّم التعظيم، لكن ينبغي أن يُعلم أنّ التعظيم ليس مرادفًا في المعنى للتكبير، فالكبرياء أكمل من العظمة؛ لأنّه يتضمّنها ويزيد عليها في المعنى، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "وفي قوله «الله أكبر» إثبات عظمته، فإنّ الكبرياء تتضمّن العظمة، ولكن الكبرياء أكمل، ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الصلاة والأذان بقول: «الله أكبر» فإنّ ذلك أكمل من قول الله أعظم، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنّه قال: "يقول الله - تعالى -: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما عذّبته"، فجعل العظمة كالإزار والكبرياء كالرداء، ومعلوم أنّ الرداء أشرف، فلمّا كان التكبيرُ أبلغَ من التعظيم صرّح بلفظه، وتضمّن ذلك التعظيم". اهـ.
وها هنا أمرٌ ينبغي التنبّه له وعدم إغفاله، وهو أن المسلم إذا اعتقد وآمن بأنّ الله ﷾ أكبر من كلِّ شيء، وأنّ كلَّ شيء مهما كبر يصغر عند كبرياء الله وعظمته، علمَ من خلال ذلك علم اليقين أن كبرياءَ الربِّ وعظمتَه وجلالَه وجمالَه وسائرَ أوصافه ونعوته أمرٌ لا يمكن أن تحيط به العقول أو تتصوّره الأفهام أو تدركه الأبصار والأفكار، فالله أعظم وأعظم من ذلك، بل إنّ العقولَ والأفهامَ عاجزةٌ عن أن تدركَ كثيرًا من مخلوقات الرب - ﵎ -، فكيف بالرب - سبحانه -.
ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنّه قال: "بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كلِّ سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسيِّ خمسمائة عام، وبين الكرسيِّ والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم".
وروي عن زيد بن أسلم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما السموات السبع في الكرسي إلاّ كدراهم سبعة أُلقيت في ترس".
[ ٤٣ / ٣٠٦ ]
وقال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما الكرسي في العرش إلاّ كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض".
وليتأمّل المسلم في عظم السماء بالنسبة إلى الأرض، وعظم الكرسيِّ بالنسبة إلى السماء، وعِظم العرش بالنسبة إلى الكرسيِّ، فإنّ العقولَ عاجزةٌ عن أن تدرك كمال هذه الأشياء أو أن تحيط بكُنْهِها وكيفيتها وهي مخلوقة، فكيف بالأمر إذًا في الخالق - سبحانه -، فهو أكبر وأجلُّ من أن تعرف العقولُ كُنْهَ صفاته أو تدرك الأفهامُ كبرياءَه وعظمتَه، ولهذا جاءت السنةُ بالنهي عن التفكّر في الله؛ لأنّ الأفكار والعقول لا تدرك كنه صفاته، فالله أكبر من ذلك، قال ﷺ: "تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله ﷿".
والتفكّرُ المأمور به هنا كما يبيّن ابن القيّم - ﵀ - هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة، وهذا يتضح بالمثال، فالمسلم إذا أحضر في قلبه كبر هذه المخلوقات من سموات وأرض وكرسي وعرش ونحو ذلك، ثم أحضر في قلبه عجزه عن إدراك هذه الأشياء والإحاطة بها حصل له بذلك معرفة ثالثة وهي عظمة وكبرياء خالق هذه الأشياء وعجز العقول عن أن تدرك صفاته أو تحيط بنعوته - سبحانه -، يقول - سبحانه -: ﴿وقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾، فالله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا.
الخاتمة
في بيان التلازم بين الكلمات الأربع
[ ٤٣ / ٣٠٧ ]
الحمد لله أولًا وآخرًا، والشكر له ظاهرًا وباطنًا على نعمه العديدة وآلائه الكثيرة، ومنها إتمام هذا البحث الذي تحدثتُ فيه عن الكلمات الأربع «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاَّ الله، والله أكبر» وما ورد في فضلهنَّ إجمالًا وتفصيلًا، وما يتعلّق كذلك بمعانيهنَّ ومدلولهنّ، ولعلَّ من الحسن في ختام الحديث عن هؤلاء الكلمات أن أشير إلى ما بينهنَّ من ترابط وتلازم، وقد علمنا من خلال ما تقدّم أنَّ هؤلاء الكلمات هنَّ أفضل الكلام بعد القرآن الكريم وهنَّ من القرآن الكريم، وتقدّم معنا - أيضًا - الإشارة إلى جملة كبيرة من النصوص الدالة على عظم شأن ذكر الله - تعالى - بهؤلاء الكلمات الأربع وما يترتّب على ذلك من أجور كثيرة وفضائل وفيرة وخير مستمر في الدنيا والآخرة، ولا شك أنَّ هذا فيه أوضح إشارة على قوة الارتباط بين هذه الكلمات الأربع وشدة الصلة بينهنَّ.
[ ٤٣ / ٣٠٨ ]
وهؤلاء الكلمات كما أوضح أهل العلم "شطران، فالتسبيح قرين التحميد، ولهذا قال النبي ﷺ: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"، أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة. وقال ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي ذر: "أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده"، وفي القرآن يقول الله - تعالى -: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ (١) وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٢) فكان النبي ﷺ يقول في ركوعه: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي"، يتأوّل القرآن، هكذا في الصحاح عن عائشة - ﵂-، فجعل قوله: "سبحانك اللهم وبحمدك" تأويل ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، وقد قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾، وقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (٣) والآثار في اقترانهما كثيرة.
_________________
(١) صحيح مسلم (رقم:٢٧٣١) .
(٢) سورة البقرة، الآية (٣٠) .
(٣) سورة غافر، الآية (٥٥) .
[ ٤٣ / ٣٠٩ ]
وأمَّا التهليلُ فهو قرينُ التكبيرِ كما في كلمات الأذان: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاَّ الله أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، ثم بعد دعاء العباد إلى الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلاَّ الله، فهو مشتملٌ على التكبير والتشهد [في] أوله وآخره، وهو ذكر لله تعالى، وفي وسطه دعاء الخلق إلى الصلاة والفلاح، فالصلاة هي العمل، والفلاح هو ثواب العمل، لكن جعل التكبير شفعًا والتشهد وترًا، فمع كلِّ تكبيرتين شهادة، وجعل أوله مضاعفًا على آخره، ففي أول الأذان يكبر أربعًا، ويتشهّد مرّتين، والشهادتان جميعًا باسم الشهادة، وفي آخره التكبير مرتان فقط مع التهليل الذي لم يقترن به لفظ الشهادة.
وكما جمع بين التكبير والتهليل في الأذان جمع بينهما في تكبير الإشراف، فكان على الصفا والمروة، وإذا علا شرفًا في غزوة أو حجة أو عمرة يكبر ثلاثًا ويقول: "لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلاَّ الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده" يفعل ذلك ثلاثًا، وهذا في الصحاح، وكذلك على الدابة كبّر ثلاثًا وهلّل ثلاثًا فجمع بين التكبير والتهليل، وكذلك حديث عدي بن حاتم الذي رواه الترمذي فيه أنَّ النبي ﷺ قال له: "يا عدي ما يُفِرُّك؟ أيُفِرُّك أن يقال: لا إله إلاَّ الله، فهل تعلم من إله إلاَّ الله؟ يا عدي ما يُفِرُّك؟ أيُفِرُّك أن يقال: الله أكبر فهل من شيء أكبر من الله" فقرن النبي ﷺ بين التهليل والتكبير" ".
[ ٤٣ / ٣١٠ ]
ثم إنَّ أفضل هؤلاء الكلمات هو التهليل لاشتماله على التوحيد الذي هو أصل الإيمان، وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار، وهو ثمن الجنة، ولا يصلح إسلام أحد إلاَّ به ومن كان آخر كلامه لا إله إلاَّ الله دخل الجنة، ومنزلة التحميد والتسبيح منه منزلة الفرع من الأصل، فالتهليل أصل وما سواه فرع له وتابع، ولهذا قال ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلاَّ الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". فجعل - صلوات الله وسلامه عليه - التهليل أعلا وأرفع شعب الإيمان، وفي المسند عن أبي ذر ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله أفمن الحسنات لا إله إلاَّ الله؟ قال: هي أفضل الحسنات" (١) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًاّ، وقد تقدّم معنا جملة كبيرة منها.
ولا يعارض هذا ما ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده"؛ إذ لا يلزم منه - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أن يكون أفضل مطلقًا بدليل أنَّ قراءة القرآن أفضل من الذكر، وقد نهى النبي ﷺ عنها في الركوع والسجود وقال: "إني نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، أما الركوع فعظموا فيه الربّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِنٌ أن يستجاب لكم" (٢)
_________________
(١) صحيح البخاري (رقم:٩)، وصحيح مسلم (رقم:٣٥) .
(٢) صحيح مسلم (رقم:٢٧٣١) .
[ ٤٣ / ٣١١ ]
وها هنا أصل عظيم نبّه عليه شيخ الإسلام - ﵀ - وهو أنَّ الشيء إذا كان أفضل من حيث الجملة لم يجب أن يكون أفضل في كل حال ولا لكل أحد، بل المفضول في موضعه الذي شرع فيه أفضل من الفاضل المطلق، كما أنَّ التسبيح في الركوع والسجود أفضل من قراءة القرآن ومن التهليل والتكبير، والتشهد في آخر الصلاة والدعاء بعده أفضل من قراءة القرآن، فالتفضيل مختلف باختلاف الأحوال فقول النبي ﷺ لما سئل أيُّ الكلام أفضل؟ فقال: "سبحان الله وبحمده"، هذا خرج على سؤال سائل، فربما علم النبي ﷺ من حال السائل حالًا مخصوصة.
وعلى كلٍّ فالتفضيل مختلف باختلاف الأحوال، وإن كان التهليل أفضل مطلقًا والأحوال ثلاثة: حال يستحب فيها الإسرار ويكره فيها الجهر لأنَّها حال انخفاض كالركوع والسجود، فهنا التسبيح أفضل من التهليل والتكبير، وكذلك في بطون الأودية، وحال يستحب فيه الجهر والإعلان كالإشراف والأذان فهنا التهليل والتكبير أفضل من التسبيح، وحال يشرع فيه الأمران.
نسأل الله الكريم أن يوفقنا وجميع المسلمين لكل خير يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
فهرس المصادر والمراجع
الآداب: للبيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الأولى (١٤٠٦هـ) .
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان: لابن بَلبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة (١٤١٤هـ) .
الأسماء والصفات: للبيهقي، تحقيق: عبد الله بن محمد الحاشدي، مكتبة السوادي جدة، الأولى (١٤١٣هـ) .
أضواء البيان: للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، عالم الكتب، بيروت.
البداية والنهاية: للحافظ ابن كثير، مكتبة المعارفة، بيروت، الثانية (١٣٩٧هـ) .
بدائع الفوائد: لابن القيم، دار الكتاب العربي، بيروت.
بصائر ذوي التمييز: للفيروزأبادي، تحقيق: علي النجار، المكتبة العلمية، بيروت.
[ ٤٣ / ٣١٢ ]
تفسير القرآن العظيم: لابن كثير، ط دار الشعب، القاهرة.
تهذيب اللغة: لأبي منصور الأزهري، تحقيق: عبد السلام هارون، دار القومية العربية، القاهرة (١٣٨٤هـ) .
تيسير العزيز الحميد: للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، المكتب الإسلامي، بيروت (١٣٩٧هـ) .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الفكر (١٤٠٥هـ) .
جامع العلوم والحكم: لابن رجب، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الثانية (١٤١٢هـ) .
جامع العلوم والحكم: لابن رجب، دار المعرفة بيروت.
الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى (١٤٠٨هـ) .
جزء في تفسير الباقيات الصالحات: للعلائي، تحقيق: بدر الزمان محمد شفيع النيبالي، مكتبة الإيمان، الأولى (١٤٠٧هـ) .
الحجة في بيان المحجة: للحافظ التميمي، دار الراية الرياض، الأولى (١٤١١هـ) .
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم الأصبهاني، دار الكتاب العربي، لبنان.
الدرر السنية في الأجوبة النجدية: مطابع المكتب الإسلامي، بيروت.
الدعاء للطبراني: تحقيق: د. محمد سعيد البخاري، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الأولى (١٤٠٧هـ) .
دقائق التفسير: لابن تيمية، تحقيق: د. محمد السيد الجليذ، مؤسسة علوم القرآن، دمشق بيروت.
دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة: للبيهقي، تعليق: د. عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى (١٤٠٥هـ) .
دلائل النبوة: لأبي القاسم التيمي، تحقيق: مساعد بن سليمان الراشد الحميد، دار العاصمة، (١٤١٢هـ) .
الرد على الجهمية: للدارمي، تحقيق: بدر البدر، الدار السلفية، الكويت، الأولى (١٤٠٥هـ) .
سلسلة الأحاديث الصحيحة: للشيخ الألباني، مكتبة المعارف الرياض.
السنة: لابن أبي عاصم، ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة للشيخ الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت ط٢ (١٤٠٥هـ) .
[ ٤٣ / ٣١٣ ]
السنن الكبرى: للنسائي، تحقيق: د - عبد الغفّار البنداري، وسيد كسروي، دار الكتب العلمية (بيروت)، (١٤١١هـ) .
السنن: لأبي داود، تحقيق: عزت عبيد الدعاس، دار الحديث (حمص - سورية) .
السنن: لابن ماجه، تحقيق وترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، المكتبة العلمية (بيروت) .
السنن: للترمذي، دار الكتب العلمية (بيروت) (١٤٠٨هـ) .
السنن: للدراقطني، عالم الكتب، بيروت لبنان.
السنن: للدرامي، تحقيق: فواز زمرلي، وخالد السبع، دار الريان، الأولى (١٤٠٧هـ) .
السنن: للنسائي، ط دار الريان.
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: لللالكائي، تحقيق: د. أحمد سعد حمدان، دار طيبة للنشر، الرايض.
شرح صحيح مسلم: للنووي، دار الفكر، بيروت لبنان.
الشكر: لابن أبي الدنيا، تحقيق: بدر البدر.
صحيح البخاري: درا الكتب العلمية، بيروت، الأولى (١٤١٢هـ) .
صحيح الجامع الصغير: للشيخ الألباني، المكتب الإسلامي، الثانية، (١٤٠٦هـ) .
صحيح سنن أبي داود: للألباني، نشر مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض.
صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط دار الحديث.
الصلاة: لابن القيم، المطبعة السلفية، القاهرة، الخامسة (١٣٩٩هـ) .
طريق الهجرتين: لابن القيم، المطبعة السلفية، القاهرة، الثالثة (١٤٠٠هـ) .
عدة الصابرين: لابن القيم، تحقيق: محمد عثمان الخشت، دار الكتاب العربي، الرابعة (١٤١٠هـ) .
العظمة: لأبي الشيخ الأصبهاني، تحقيق: رضاء الله بن محمد المباركفوري، دار العاصمة، الرياض، الأولى (١٤٠٨هـ) .
فتح الباري شرح صحيح البخاري: للحافظ ابن حجر، دار المعرفة بيروت.
فضل التهليل وثوابه الجزيل: لابن البنا، تحقيق: عبد الله بن يوسف الجديع، دار العاصمة، الرياض، الأولى (١٤٠٩هـ) .
الفوائد: لابن القيم، تحقيق: بشر محمد عيون، نشر مكتبة البيان، الأولى (١٤٠٧هـ) .
القاموس المحيط: للفيروزأبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت الثانية (١٤٠٧هـ) .
[ ٤٣ / ٣١٤ ]
كشف الأستار عن زوائد البزار: للهيثمي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة.
كلمة الإخلاص: لابن رجب، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، الخامسة (١٣٩٩هـ) .
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: للهيثمي، دار الكتاب، بيروت (١٤٠٧هـ) .
مجموع الفتاوى: لابن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مكتبة المعارف الرباط.
مختصر العلو للعلي الغفار: للذهبي، اختصار: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الأولى (١٤٠١هـ) .
المستدرك على الصحيحين: للحاكم النيسابوري، دار الكتب العلمية.
المسند: للإمام أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي (بيروت)، (١٤٠٥هـ) .
المسند: للطيالسي، دار المعرفة، بيروت، ومكتبة المعارف بالرياض
المصنف: لعبد الرزاق، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت لبنان.
المصنّف: لابن أبي شيبة، تحقيق: كمال يوسف الحوت، دار التاج، بيروت لبنان.
معارج القبول: للشيخ حافظ الحكمي، المطبعة السلفية.
المعجم الأوسط: للطبراني، تحقيق: طارق بن معوض، وعبد المحسن بن إبراهيم، دار الحرمين، القاهرة.
المعجم الكبير للطبراني: تحقيق: حمدي السلفي، دار إحياء التراث العربي، الثانية.
معجم مقاييس اللغة: لابن فارس، دار الكتب العلمية، إيران.
مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: لابن هشام، دار الفكر بيروت.
مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة: لابن القيم، تحقيق: محمود حسن ربيع، مكتبة الأزهر، القاهرة، الثانية (١٣٥٨هـ) .
مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة: لابن القيم، تحقيق: علي بن حسن ابن عبد الحميد، دار ابن عفان، الخبر، الأولى (١٤١٦هـ) .
مطالع السعد بكشف مواقع الحمد: لابن القيم، تحقيق: فهد العسكر، دار ابن خزيمة، الرياض، الأولى (١٤١٤هـ) .
[ ٤٣ / ٣١٥ ]