الفصل الأوَّل
في تخريج هذا الأثر، وبيان ثبوته
وذكر الشواهد عليه من الكتاب والسنة
وأقوال السلف الصالح
المبحث الأوَّل: تخريج هذا الأثر وبيان ثبوته عن الإمام مالك - ﵀ -
لقد اشتهر هذا الأثر عن الإمام مالك - ﵀ - شهرة بالغة، ورواه عنه طائفة من تلاميذه، وهو مرويٌّ عنه من طرق عديدة، وقد حَظِي باستحسان أهل العلم، وتلقَّوه بالقبول، وهو مخرَّج في كتب عديدة من كتب السنة.
وفيما يلي ذكرٌ لما وقفت عليه من طرق لهذا الأثر مع ذكر مخرِّجيها، وما وقفت عليه من كلام أهل العلم في بيان ثبوته.
١-رواية جعفر بن عبد الله
قال الحافظ أبو نعيم في الحلية: حدّثنا محمد بن علي بن مسلم العقيلي، ثنا القاضي أبو أميَّة الغلابي، ثنا سلمة بن شبيب، ثنا مهدي بن جعفر، ثنا جعفر بن عبد الله قال: كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟، فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض وجعل ينكتُ بعود في يده حتى علاه الرّحضاء يعني العرق ثمَّ رفع رأسه ورمى بالعود وقال:"الكيف منه غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، وأمر به فأُخرج.
ورواه الإمام أبو إسماعيل الصابوني في كتابه (عقيدة السلف) قال: أخبرنا أبو محمد المخلدي العدل، حدّثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن مسلم الإسفراييني، حدّثنا أبو الحسين علي بن الحسن، حدّثنا سلمة بن شبيب به، وذكر نحوَه، إلاّ أنّه قال:"الكيف غير معلوم".
ورواه أيضًا الإمام الصابوني من طريق أخرى قال: أخبرنا به جدّي أبو حامد أحمد بن إسماعيل، عن جدّ والدي الشهيد، وأبو عبد الله محمد بن عدي بن حمدويه الصابوني، حدّثنا محمد بن أحمد ابن أبي عون النسوي، حدّثنا سلمة بن شبيب به.
[ ٤٢ / ٢٢٦ ]
ورواه الحافظ اللالكائي في شرح الاعتقاد من طريق علي بن الربيع التميمي المقري قال: ثنا عبد الله بن أبي داود قال: ثنا سلمة ابن شبيب به، باللفظ السابق.
وتابعه بكّار بن عبد الله عن مهدي بن جعفر عن مالك، ولم يذكر شيخه جعفر بن عبد الله.
أخرجه ابن عبد البر في التمهيد، أخبرنا محمد بن عبد الملك قال: حدّثنا عبد الله بن يونس قال: حدّثنا بقيُّ بن مخلد قال: حدّثنا بكار بن عبد الله القرشي قال: حدّثنا مهدي بن جعفر عن مالك ابن أنس أنَّه سُئل عن قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾: كيف استوى؟، قال: فأطرق مالك ثم قال:"استواؤه مجهول، والفعل منه غير معقول، والمسألة عن هذا بدعة".
وتابعه أيضًا الإمام الدارمي، قال في كتابه الردّ على الجهميّة: حدّثنا مهدي بن جعفر الرملي ثنا جعفر بن عبد الله وكان من أهل الحديث ثقة عن رجل قد سمّاه لي، قال: جاء رجل إلى مالك ابن أنس، وذكره.
فزاد في إسناده بعد جعفر بن عبد الله:"عن رجل".
ومهدي بن جعفر صدوق له أوهام وقد اضطرب في روايته لهذه القصة، فرواها مرّة عن شيخه جعفر بن عبد الله عن مالك، ورواها مرّة أخرى عن شيخه جعفر عن رجل عن مالك، ورواها مرّة ثالثة عن مالك مباشرة، وهذا الاضطراب الذي في هذه الطريق لا ينفي صحة القصة؛ لأنَّها قد جاءت من طرق أخرى تعضدها وتقوِّيها - كما سيأتي -.
٢- رواية عبد الله بن وهب
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أحمد بن محمد بن إسماعيل بن مهران، ثنا أبي، حدّثنا أبو الربيع بن أخي رشدين ابن سعد قال: سمعت عبد الله بن وهب يقول: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استواؤه؟، قال: فأطرق مالك وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال:"الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه، قال: فأُخرج".
[ ٤٢ / ٢٢٧ ]
قال الذهبي في العلوّ:"وساق البيهقي بإسناد صحيح عن أبي الربيع الرشديني عن ابن وهب "وذكره.
وقال الحافظ ابن حجر:"وأخرج البيهقي بسند جيِّد عن ابن وهب "وذكره.
٣- رواية يحيى بن يحيى التميمي
قال البيهقي - ﵀ - في كتابه الأسماء والصفات:
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الحارث الفقيه الأصفهاني، أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيَّان المعروف بأبي الشيخ، ثنا أبو جعفر أحمد بن زيرك اليزدي: سمعت محمد بن عمرو بن النضر النيسابوري يقول: سمعت يحيى بن يحيى يقول: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ فكيف استوى؟، قال: فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء ثم قال:"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلاّ مبتدعًا. فأمر به أن يُخرج".
ورواه البيهقي في كتابه الاعتقاد بالإسناد نفسه.
وأورده الذهبي في العلوّ قال: وروى يحيى بن يحيى التميمي وجعفر بن عبد الله وطائفة، وذكره ثم قال:"هذا ثابت عن مالك".
وقال الإمام شمس الدين محمد بن عبد الهادي في كتابه في الاستواء:"صحيح ثابت عن مالك".
٤- رواية جعفر بن ميمون
قال الإمام أبو إسماعيل الصابوني حدّثنا أبو الحسن بن إسحاق المدني، حدّثنا أحمد بن الخضر أبو الحسن الشافعي، حدّثنا شاذان، حدّثنا ابن مخلد بن يزيد القهستاني، حدّثنا جعفر بن ميمون قال: سئل مالك بن أنس عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟، قال:"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلاّ ضالًاّ، وأمر به أن يخرج من مجلسه".
٥- رواية سفيان بن عيينة
قال القاضي عياض:"قال أبو طالب المكي: كان مالك
[ ٤٢ / ٢٢٨ ]
- ﵀ - أبعدَ الناس من مذاهب المتكلِّمين، وأشدَّهم بُغضًا للعراقيين، وألزَمَهم لسنة السالفين من الصحابة والتابعين، قال سفيان بن عيينة: سأل رجلٌ مالكًا فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى يا أبا عبد الله؟، فسكت مالكٌ مليًّا حتى علاه الرحضاء، وما رأينا مالكًا وجد من شيء وجده من مقالته، وجعل الناس ينظرون ما يأمر به، ثمَّ سُريَّ عنه فقال:"الاستواء منه معلوم، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، والإيمان به واجب، وإني لأظنُّك ضالًاّ، أخرجوه".
فناداه الرجل: يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله إلاَّ هو، لقد سألتُ عن هذه المسألة أهلَ البصرة والكوفة والعراق، فلم أجِد أحدًا وُفِّق لما وُفِّقت له".
٦- رواية محمد بن النعمان بن عبد السلام التيمي.
قال أبو الشيخ الأنصاري في كتابه طبقات المحدّثين: حدّثنا عبد الرحمن بن الفيض، قال: ثنا هارون بن سليمان، قال: سمعت محمد بن النعمان بن عبد السلام يقول:"أتى رجل مالكَ بنَ أنس فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟، قال: فأطرق، وجعل يعرق، وجعلنا ننتظر ما يأمر به، فرفع رأسه، فقال:"الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلاّ ضالًاّ، أَخرجوه من داري"، وإسناده جيّد.
٧- رواية عبد الله بن نافع.
[ ٤٢ / ٢٢٩ ]
قال الحافظ ابن عبد البر - ﵀ -: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ابن مالك، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا سريج بن النعمان، قال: حدّثنا عبد الله بن نافع، قال: قال مالك بن أنس:"الله ﷿ في السماء وعلمه في كلِّ مكان، لا يخلو منه مكان، قال: وقيل لمالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟، فقال مالك - ﵀ -: استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجل سوء".
٨- رواية أيوب بن صالح المخزومي.
قال الحافظ ابن عبد البر - ﵀ -: وأخبرنا محمد بن عبد الملك، قال: حدّثنا عبد الله بن يونس، قال: حدّثنا بقي بن مخلد، قال: حدّثنا بكّار بن عبد الله القرشي وساق روايته للأثر المتقدّمة من طريق مهدي بن جعفر، ثم قال: قال بقي: وحدّثنا أيوب بن صلاح المخزومي بالرملة، قال:"كنا عند مالك إذ جاءه عراقي فقال له: يا أبا عبد الله مسألة أريد أن أسألك عنها؟، فطأطأ مالك رأسه فقال له: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟، قال: سألتَ عن غير مجهول، وتكلّمت في غير معقول، إنّك امرؤ سوء، أخرِجوه، فأخذوا بضبعيه فأخرجوه".
٩- رواية بشّار الخفّاف الشيباني.
قال ابن ماجه في التفسير: حدّثنا علي بن سعيد، قال: حدّثنا بشّار الخفّاف أو غيره، قال:"كنت عند مالك بن أنس فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾، كيف استوى؟، وذكره، كذا في تهذيب الكمال.
[ ٤٢ / ٢٣٠ ]
وقال أبو المظفر السمعاني في تفسيره:"وقد رووا عن جعفر بن عبد الله وبشر الخفّاف قالا: كنّا عند مالك بن أنس فأتاه رجل فسأله عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾، كيف استوى؟ فأطرق مالك مليًّا، وعلاه الرحضاء، ثم قال:"الكيف غير معقول، الاستواء مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنّك إلاّ ضالًاّ، ثم أمر به فأخرج"، من غير شك في رواية بشار الخفاف.
١٠- رواية سحنون عن بعض أصحاب مالك.
قال ابن رشد في البيان والتحصيل: قال سحنون: أخبرني بعض أصحاب مالك أنَّه كان قاعدًا عند مالك فأتاه رجل فقال:"يا أبا عبد الله مسألة؟، فسكت عنه ثم قال له: مسألة؟، فسكت عنه، ثم عاد فرفع إليه مالك رأسَه كالمجيب له، فقال السائل: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾، كيف كان استواؤه؟ فطأطأ مالك رأسَه ساعة ثم رفعه، فقال:"سألتَ عن غير مجهول، وتكلّمتَ في غير معقول، ولا أراك إلاَّ امرأ سوء، أَخرِجوه".
فهذا جملة ما وقفت عليه من طرق لهذا الأثر عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس - ﵀ -، وبعض طرقه صحيحة ثابتة، وبعضها لا يخلو من مقال، إلا أنّها يشدّ بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض، والأثر ثابت بلا ريب بمجموع هذه الطرق، ولذا اعتمده أهل العلم، وصححه غير واحد، وقد تقدّم الإشارة إلى بعض من صحّحه، ولا يُعرف أحدٌ منهم ضعّفه، وسيأتي في مبحث لاحق نقل كلام أهل العلم في التنويه به، والثناء عليه، وتلقّيهم له بالقبول والاستحسان.
المبحث الثاني: ذكر الشواهد على هذا الأثر من الكتاب والسنة
لقد تضمّن هذا الأثر العظيم جملًا أربعًا وهي:
١- الاستواء غير مجهول.
٢- والكيف غير معقول.
٣- والإيمان به واجب.
٤- والسؤال عنه بدعة.
[ ٤٢ / ٢٣١ ]
وهي جمل صحيحة المعنى عظيمة الدلالة، لكلِّ جملة منها شواهدها الكثيرة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وسيمرُّ معنا في ثنايا هذا المبحث العديد من النصوص التي تشهد لصحة كلِّ جملة من هذه الجمل، ولنقف هنا مع كلِّ جملة من هذه الجمل لذكر بعض الشواهد عليها من القرآن والسنة.
أوّلًا: أما قوله: (الاستواء غير مجهول) فالمراد به أنَّ الاستواء معلوم المعنى؛ لأنَّ الله قد خاطبنا في القرآن الكريم بكلام عربيٍّ مبين، قال الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٤) فهو – سبحانه - أنزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين؛"لأنَّ لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات"، وليفهم المخاطَبون به كلام الله وليعقلوا خطابه ويحيطوا بمعانيه كما قال – سبحانه -: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ فمن لطف الله بخلقه أنه يرسل إليهم الرسل منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٥) وفي المسند من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"لم يبعث
_________________
(١) سورة الشعراء، الآية: (١٩٥) .
(٢) سورة يوسف، الآية: (٢) .
(٣) سورة فصّلت، الآية: (٣) .
(٤) سورة الأحقاف، الآية: (١٢) .
(٥) سورة فصّلت، الآية: (٤٤) .
[ ٤٢ / ٢٣٢ ]
الله ﷿ نبيًّا إلاَّ بلغة قومه" (١)
والقرآن الكريم شأنه كذلك، فهو بلسان عربيٍّ مبين، يفهمه المخاطَبون به، فمدلولاته ظاهرة، ومعانيه واضحة، وقد فهمه المخاطَبون به وعقلوا معناه، ولا سيما في أشرف مقاصده وأعظم أبوابه وهو توحيد الله ﷿،"ومن المعلوم أنَّ الصحابة سمعوا القرآن والسنة من النبي ﷺ، وقرأوه وأقرأوه مَن بعدهم، وتكلّم العلماء في معانيه وتفسيره، ومعاني الحديث وتفسيره، وما يتعلّق بالأحكام وما لا يتعلّق بها، وهم مجمعون على غالب معاني القرآن والحديث، ولم يتنازعوا إلاّ في قليل من كثير، لا سيما القرون الأولى، فإنَّ النزاع بينهم كان قليلًا جدًّا بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه، وكان النزاع في التابعين أكثر، وكلّما تأخّر الزمان كثر النزاع وحدث من الاختلاف بين المتأخرين ما لم يكن في الذين قبلهم، فإنَّ القرآن تضمّن الأمر بأوامر ظاهرة وباطنة، والنهي عن منَاهٍ ظاهرة وباطنة، ورسول الله ﷺ بيَّن مقادير الصلوات ومواقيتها وصفاتها، والزكوات ونصبها ومقاديرها، وكذلك سائر العبادات، وعامة هذه الأمور نقلتها الأمة نقلًا عامًاّ متواترًا خلَفًا عن سلف، وحصل العلم الضروري للخلق بذلك كما حصل لهم العلم الضروري بأنَّه بلغهم ألفاظها، وأنَّه قاتل المشركين وأهل الكتاب، وأنَّه بُعث بمكة وهاجر إلى المدينة، وأنَّه دعا الأمة إلى أن شهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وأخبرهم أنَّ هذا القرآن كلام الله الذي تكلّم به لا كلامه ولا كلام مخلوق، وأنَّه ليس قول البشر، وأنَّه علمهم أنَّ ربه فوق سمواته على عرشه، وأنَّ المَلَك نزل من عنده إليه، ثم يعرج إلى ربِّه، وأنَّ ربّه يسمع ويرى ويتكلّم وينادي ويحب ويبغض ويرضى ويغضب، وأنَّ له يدَيْن ووجهًا، وأنَّه يعلم السِرَّ وأخفى، فلا يخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض، وأنَّه يقيمهم من قبورهم
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآية: (٤) .
[ ٤٢ / ٢٣٣ ]
أحياء بعدما مزّقهم البِلى إلى دار النعيم أو إلى الجحيم".
ثمَّ"إنَّ الله – سبحانه - وصف نفسه بأنّه بيّن لعباده غاية البيان، وأمر رسوله بالبيان، وأخبر أنَّه أنزل عليه كتابه ليبيّن للناس، ولهذا قال الزهري:"مِن الله البيان، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم"، فهذا البيان الذي تكفّل به – سبحانه -، وأمر به رسوله، إما أن يكون المراد به بيان اللفظ وحده، أو المعنى وحده، أو اللفظ والمعنى جميعًا، ولا يجوز أن يكون المراد به بيان اللفظ دون المعنى، فإنَّ هذا لا فائدة فيه، ولا يحصل به مقصود الرسالة، وبيان المعنى وحده بدون دليله وهو اللفظ الدال عليه ممتنع، فعُلم قطعًا أنَّ المراد بيان اللفظ والمعنى.
والله تعالى أنزل كتابه - ألفاظه ومعانيه -، وأرسل رسوله ليبيّن اللفظ والمعنى، فكما أنّا نقطع ونتيقّن أنّه بيَّن اللفظ، فكذلك نقطع ونتيقّن أنّه بيّن المعنى، بل كانت عنايته ببيان المعنى أشدّ من عنايته ببيان اللفظ، وهذا هو الذي ينبغي، فإنَّ المعنى هو المقصود، وأمَّا اللفظ فوسيلة إليه ودليل عليه، فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهمّ من عنايته بالمقصود؟، وكيف نتيقّن بيانه للوسيلة ولا نتيقّن بيانه للمقصود؟، وهل هذا إلا من أبين المحال؟
فإنْ جاز عليه ألاّ يبيّن المراد من ألفاظ القرآن، جاز عليه ألاّ يبيّن بعض ألفاظه، فلو كان المراد منها خلاف حقائقها وظواهرها ومدلولاتها وقد كتمه عن الأمة، ولم يبيّنه لها كان ذلك قدحًا في رسالته وعِصمته، وفتحًا للزنادقة والملاحدة من الرافضة وإخوانهم بابَ كتمان بعض ما أنزل عليه، وهذا منافٍ للإيمان به وبرسالته".
[ ٤٢ / ٢٣٤ ]
وقد أخبر الله - ﷾ - أنَّه أكمل به الدِّين وأتمَّ به النعمة، وأمره أن يبلّغ البلاغ المبين كما في قوله تعالى: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١)
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: (٣) .
[ ٤٢ / ٢٣٥ ]
"ومحال مع هذا أن يدع أهم ما خلق له الخلق وأرسلت به الرسل، وأنزلت به الكتب، ونصبت عليه القبلة، وأسست عليه الملة، وهو باب الإيمان به ومعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله ملتبسًا مشتبهًا حقّه بباطله، لم يتكلّم فيه بما هو الحق، بل تلكّم بما ظاهره الباطل، والحق في إخراجه عن ظاهره، وكيف يكون أفضل الرسل وأجلّ الكتب غير وافٍ بتعريف ذلك على أتمِّ الوجوه، مبيّن له بأكمل البيان، موضح له غاية الإيضاح، مع شدّة حاجة النفوس إلى معرفته، ومع كونه أفضل ما اكتسبته النفوس، وأجلّ ما حصلته القلوب، ومن أبين المحال أن يكون أفضل الرسل ﷺ قد علّم أمّته آداب البول، قبله وبعده ومعه، وآداب الوطء وآداب الطعام والشراب، ويترك أن يعلّمهم ما يقولونه بألسنتهم وتعتقده قلوبهم في ربهم ومعبودهم الذي معرفته غاية المعارف، والوصول إليه أجلّ المطالب، وعبادته وحده لا شريك له أقرب الوسائل، ويخبرهم فيه بما ظاهره باطل وإلحاد، ويحيلهم في فهم ما أخبرهم به على مستكرهات التأويلات، ومستنكرات المجازات، ثم يحيلهم في معرفة الحق على ما تحكم به عقولهم وتوجبه آراؤهم، هذا وهو القائل:"تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلاّ هالك"، وهو القائل:"ما بعث الله من نبي إلاّ كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمّته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شرِّ ما يعلمه لهم" (١) وقال أبو ذر:"لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلّب جناحيه في السماء إلا ذكّرنا منه علمًا"، وقال عمر بن الخطاب:"قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه"، ذكره البخاري
_________________
(١) رواه ابن ماجه (١/١٥)، وابن أبي عاصم في السنة (رقم:٤٨،٤٩) . وقال الألباني:"حديث صحيح".
[ ٤٢ / ٢٣٦ ]
فكيف يتوهّم مَن لله ولرسوله ولدينه في قلبه وَقار أن يكون رسول الله ﷺ قد أمسك عن بيان هذا الأمر العظيم ولم يتكلّم فيه بالصواب، بل تكلّم بما ظاهره خلاف الصواب؟، بل لا يتمّ الإيمان إلا باعتقاد أنَّ بيان ذلك قد وقع من الرسول على أتمِّ الوجوه، وأوضحه غاية الإيضاح، ولم يَدَع بعده لقائل مقالًا ولا لمتأوّل تأويلًا، ثم من المحال أن يكون خير الأمة وأفضلها وأعلمها وأسبقها إلى كلِّ فضل وهدى ومعرفة قصروا في هذا الباب فجفوا عنه أو تجاوزوا فغلوا فيه".
ثمّ إنَّ الله - ﷾ - قد حثَّ عباده على تدبّر القرآن وتعقّل آياته وفهم معانيه في مواطن عديدة في القرآن الكريم، فقال سبحانه: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
_________________
(١) سورة محمد، الآية: (٢٤) .
(٢) سورة النساء، الآية: (٨٢) .
(٣) سورة ص، الآية: (٢٩) .
(٤) سورة الزمر، الآية: (٢٧) .
[ ٤٢ / ٢٣٧ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -:"فحضَّ على تدبّره وفقهه وعقله والتذكّر به والتفكر فيه، ولم يستثن من ذلك شيئًا؛ بل نصوص متعدّدة تصرّح بالعموم فيه مثل قوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، وقوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾، ومعلوم أن نفي الاختلاف عنه لا يكون إلاّ بتدبّره كلّه، وإلاَّ فتدبّر بعضه لا يوجب الحكم بنفي مخالفه ما لم يتدبّر لما تدبّر.
[ ٤٢ / ٢٣٨ ]
وقال علي ﵁ لما قيل له: هل ترك عندكم رسول الله ﷺ شيئًا؟، فقال:"لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه، وما في هذه الصحيفة". فأخبر أنَّ الفهم فيه مختلف في الأمة، والفهم أخصُّ من العلم والحكم، قال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًاّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، وقال النبي ﷺ:"رُبَّ مبلّغ أوعى من سامع" (١) وقال:"بلِّغوا عني ولو آية" (٢) وأيضًا فالسلف من الصحابة والتابعين وسائرالأمة قد تكلّموا في جميع نصوص القرآن آيات الصفات وغيرها، وفسّروها بما يوافق دلالتها وبيانها، ورووا عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة توافق القرآن، وأئمة الصحابة في هذا أعظم من غيرهم مثل عبد الله بن مسعود الذي كان يقول:"لو أعلم أعلمَ بكتاب الله مني تبلغه آباط الإبل لأتيته"، وعبد الله بن عباس الذي دعا له النبي ﷺ وهو حبر الأمة وترجمان القرآن كانا هما وأصحابهما من أعظم الصحابة والتابعين إثباتًا للصفات، ورواية لها عن النبي ﷺ، ومَن له خبرة بالحديث والتفسير يعرف هذا، وما في التابعين أجلّ من أصحاب هذين السيّدين، بل وثالثهما في عليّة التابعين من جنسهم أو قريب منهم، ومثلهما في جلالته جلالة أصحاب زيد بن ثابت؛ لكن أصحابه مع جلالتهم ليسوا مختصين به بل أخذوا عن غيره مثل عمر وابن عمر وابن عباس، ولو كان معاني هذه الآيات منفيًا ومسكوتًا عنه لم يكن ربانيو الصحابة أهل العلم بالكتاب والسنة أكثر كلامًا فيه.
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: (٧٩) .
(٢) رواه البخاري (٣/٥٧٣ - ٥٧٤ - الفتح) .
[ ٤٢ / ٢٣٩ ]
ثم إنَّ الصحابة نقلوا عن النبي ﷺ أنّهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة، ولم يذكر أحد منهم عنه قط أنَّه امتنع من تفسير آية، قال أبو عبد الرحمن السلمي:"حدّثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنّهم كانوا إذا تعلّموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلّموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلّمنا القرآن والعلم والعمل"، وكذلك الأئمة كانوا إذا سُئلوا عن شيء من ذلك لم ينفوا معناه بل يثبتون المعنى وينفون الكيفية كقول مالك بن أنس لما سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟، فقال:"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، وكذلك ربيعة قبله، وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول، فليس في أهل السنة مَن ينكره ".
فهذه هي طريقة أئمة السلف أهل السنة والجماعة في هذا الباب وفي جميع أبواب الدين، وقد لخّص الإمام ابن القيم - ﵀ - طريقتهم هذه بقوله:"كان أئمة السلف وأتباعهم يذكرون الآيات في هذا الباب، ثم يُتبعونها بالأحاديث الموافقة لها، كما فعل البخاري ومَن قبله ومَن بعده من المصنفين في السنة، فإنَّ الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهما يحتجون على صحة ما تضمّنته أحاديث النزول والرؤية والتكليم والوجه واليدين والإتيان والمجيء بما في القرآن، ويثبتون اتفاق دلالة القرآن والسنة عليها، وأنّهما من مشكاة واحدة، ولا ينكر ذلك مَن له أدنى معرفة وإيمان، وإنّما يحسن الاستدلال على معاني القرآن بما رواه الثقات عن الرسول ﷺ ورثة الأنبياء، ثم يتبعون ذلك بما قاله الصحابة والتابعون أئمة الهدى.
[ ٤٢ / ٢٤٠ ]
وهل يخفى على ذي عقل سليم أنَّ تفسير القرآن بهذه الطريق خير مما هو مأخوذ عن أئمة الضلال وشيوخ التجهّم والاعتزال كالمريسي والجبّائي والنظّام والعلاّف وأضرابهم من أهل التفرّق والاختلاف الذين أحدثوا في الإسلام ضلالات وبدعًا، وفرّقوا دينهم وكانوا شيعًا، وتقطّعوا أمرهم بينهم كلُّ حزب بما لديهم فرحون.
فإذا لم يجز تفسير القرآن وإثبات ما دلّ عليه، وحصول العلم واليقين بسنن رسول الله ﷺ الصحيحة الثابتة، وكلام الصحابة وتابعيهم، أفيجوز أن يرجع في معاني القرآن إلى تحريفات جهم وشيعته، وتأويلات العلاّف والنظام والجبّائي والمرّيسي وعبد الجبار وأتباعهم من كلِّ أعمى أعجمي القلب واللسان، بعيد عن السنة والقرآن، مغمور عند أهل العلم والإيمان؟ ".
ويمكن أن نلخِّص ما تقدّم في ستة وجوه ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، فيها أوضح دلالة على أن المعنى معلوم ومطلوب من العباد العلم به:
"أحدها: أنَّ العادة المطَّرَدة التي جبل الله عليها بني آدم توجب عنايتهم بالقرآن المنزّل عليهم لفظًا ومعنىً؛ بل أن يكون عنايتهم بالمعنى أوكد، فإنَّه قد عُلم أنَّه مَن قرأ كتابًا في الطب أو الحساب أو النحو أو الفقه أو غير ذلك، فإنَّه لا بدَّ أن يكون راغبًا في فهمه، وتصوُّر معانيه، فكيف بمن قرؤوا كتاب الله تعالى المنزل إليهم، الذي به هداهم الله، وبه عرّفهم الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والرشاد والغي؟!.
فمن المعلوم أنَّ رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات؛ بل إذا سمع المتعلّم من العالم حديثًا فإنَّه يرغب في فهمه، فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلّغ عنه؟!، بل ومن المعلوم أنَّ رغبة الرسول ﷺ في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإنَّ معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود؛ إذ اللفظ إنما يُراد للمعنى.
[ ٤٢ / ٢٤١ ]
الوجه الثاني: إنَّ الله ﷾ قد حضّهم على تدبّره وتعقّله واتباعه في غير موضع، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أَمْ جَآءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرا﴾ (٣)
فإذا كان قد حضّ الكفار والمنافقين على تدبّره، علم أنَّ معانيه مما يمكن الكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها، فكيف لا يكون ذلك ممكنًا للمؤمنين، وهذا يبيّن أنَّ معانيه كانت معروفة بيّنة لهم.
الوجه الثالث: أنَّه قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٤) فبيّن أنَّه أنزله عربيًّا؛ لأنْ يعقلوا، والعقل لا يكون إلاّ مع العلم بمعانيه.
الوجه الرابع: أنّه ذمّ من لا يفهمه فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَا لِهؤَلاَءِ القَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (٥) فلو كان المؤمنون لا يفقهونه أيضًا لكانوا مشاركين للكفار والمنافقين فيما ذمّهم الله تعالى به.
_________________
(١) سورة ص، الآية: (٢٩) .
(٢) سورة محمد، الآية: (٢٤) .
(٣) سورة المؤمنون، الآية: (٦٨) .
(٤) سورة يوسف، الآية: (٢) .
(٥) سورة الإسراء، الآيات: (٤٥،٤٦) .
[ ٤٢ / ٢٤٢ ]
الوجه الخامس: أنَّه ذمّ من لم يكن حظّه من السماع إلا سماع الصوت دون فهم المعنى واتباعه، فقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمُ واتَّبَعُوا أَهْوَآءَهُم﴾ (٢) وأمثال ذلك.
وهؤلاء المنافقون سمعوا صوت الرسول ﷺ ولم يفهموا، وقالوا: ماذا قال آنفا؟، أي: الساعة، وهذا كلام من لم يفقه قوله، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمُ واتَّبَعُوا أَهْوَآءَهُم﴾ .
فمن جعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان غير عالمين بمعاني القرآن، جعلهم بمنزلة الكفار والمنافقين فيما ذمّهم الله تعالى عليه.
الوجه السادس: أنَّ الصحابة - رضي الله - عنهم فسّروا للتابعين القرآن، كما قال مجاهد:"عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره، أقف عند كلِّ آية وأسأله عنها".
ولهذا قال سفيان الثوري:"إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به". وكان ابن مسعود يقول:"لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته". وكلُّ واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقل عنه من التفسير ما لا يحصيه إلا الله، والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها".
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: (١٧١) .
(٢) سورة الفرقان، الآية: (٤٤) .
[ ٤٢ / ٢٤٣ ]
ثانيًا: قوله:"والكيف غير معقول"فإنَّ العقول لا يمكن لها أن تدرك كيفية صفات الباري – سبحانه -، وقد نصّ الله على ذلك في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ .
قال الشيخ العلاّمة محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ -:"فقوله: ﴿يُحِيطونَ بِه﴾ فعل مضارع والفعل الصناعي الذي يسمى بالفعل المضارع وفعل الأمر والفعل الماضي ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن كما قال ابن مالك في الخلاصة:
المصدر اسمُ ما سوى الزمان مِنْ
مدلولي الفعل كأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ
[ ٤٢ / ٢٤٤ ]
وقد حرّر علماء البلاغة في مبحث الاستعارة التبعية أنه ينحل عن مصدر وزمن ونسبة، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، فـ"يحيطون"في مفهومها الإحاطة، فيتسلّط النفي على المصدر الكامن في الفعل فيكون معه كالنكرة المبنية على الفتح، فيصير المعنى: لا إحاطة للعلم البشري برب السموات والأرض، فينفي جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها، فالإحاطة المسندة للعلم منفية عن رب العالمين، فلا يشكل عليكم بعد هذا صفة نزول ولا مجيء ولا صفة يد ولا أصابع ولا عجب ولا ضحك؛ لأنَّ هذه الصفات كلّها من باب واحد، فما وصف الله به نفسه منها فهو حق، وهو لائق بكماله وجلاله لا يشبه شيئًا من صفات المخلوقين، وما وُصف به المخلوقون منها فهو حق مناسب لعجزهم وفنائهم وافتقارهم، وهذا الكلام الكثير أوضحه الله في كلمتين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ تنزيه بلا تعطيل، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ إيمان بلا تمثيل، فيجب من أول الآية وهو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ التنزيه الكامل الذي ليس فيه تعطيل، ويلزم من قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ الإيمان بجميع الصفات الذي ليس فيه تمثيل، فأول الآية وآخرها إيمان، ومن عمل بالتنزيه الذي في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ والإيمان الذي في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وقطع النظر عن إدراك الكنه والكيفية المنصوص في قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ خرج سالمًا".
وروى أحمد وأبو داود وغيرهما عن معاوية بن أبي سفيان - ﵁ -:"أنَّ النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات".
قال عيسى بن يونس:"والأغلوطات ما لا يحتاج إليه من كيف وكيف".
وقال الخطابي:"وفيه كراهية التعمّق فيما لا حاجة للإنسان إليه من المسائل ووجوب التوقّف عمّا لا علم للمسؤول به".
[ ٤٢ / ٢٤٥ ]
والله - ﵎ - لم يكلّف عباده ولم يأمرهم بالبحث عن كيفية صفاته ولا أراد منهم ذلك، بل لم يجعل لهم سبيلًا إليه،"ولهذا لمّا سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان.
فبيَّن أنَّ الاستواء معلوم، وأنَّ كيفية ذلك مجهول، ومثل هذا يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنَّه لا يعلم كيف الله إلاَّ الله، فلا يعلم ما هو إلاَّ هو، وقد قال النبي ﷺ:"لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، وهذا في صحيح مسلم وغيره، وقال في الحديث الآخر:"اللهم إني أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك"، وهذا الحديث في المسند وصحيح أبي حاتم، وقد أخبر فيه أنَّ لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده".
[ ٤٢ / ٢٤٦ ]
بل إنَّ المخلوقَ عاجزٌ عن إدراك كنه كثير من المخلوقات وكيفيتها، فلأن يكون عن إدراك كنه صفات الباري وكيفيتها أعجز من باب أولى، قال رُسته: سمعتُ ابن مهدي يقول لفتى من ولد الأمير جعفر بن سليمان:"بلغني أنَّك تتكلّم في الرب، وتصفه وتشبهه. قال: نعم، نظرنا فلم نر من خلق الله شيئًا أحسن من الإنسان، فأخذ يتكلّم في الصفة، والقامة، فقال له: رُويدك يا بنيّ حتى نتكلّم أول شيء في المخلوق، فإن عجزنا عنه فنحن عن الخالق أعجز، أخبرني عمّا حدّثني شعبة، عن الشيباني، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ قال:"رأى جبريل له ستمائة جناح"، فبقي الغلام ينظر، فقال: أنا أُهوِّن عليك صِفْ لي خلقًا له ثلاثة أجنحة، وركّب الجناح الثالث منه موضعًا حتى أعلم، قال: يا أبا سعيد عجزنا عن صفة المخلوق، فأُشهدك أني قد عجزتُ ورجعتُ".
[ ٤٢ / ٢٤٧ ]
وقال أبو يحيى زكريا الساجي: حدّثنا المزني: قال: قلت:"إن كان أحدٌ يخرجُ ما في ضميري، وما تعلّقَ به خاطري من أمر التوحيد فالشافعي، فصِرتُ إليه وهو في مسجد مصر، فلما جثوت بين يديه قلت: هجس في ضميري مسألة في التوحيد، فعلمت أنَّ أحدًا لا يعلم علمك، فما الذي عندك؟، فغضب، ثم قال: أتدري أين أنت؟ قلت: نعم، قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون، أبلَغك أنَّ رسول الله ﷺ أمر بالسؤال عن ذلك؟، قلت: لا، قال: هل تكلّم فيه الصحابة؟، قلت: لا، قال: تدري كم نجمًا في السماء؟، قلت: لا، قال: فكوكبٌ منها تعرف جنسَه، طلوعَه، أفولَه، ممّ خُلق؟، قلت: لا، قال: فشيء تراه بعينك من الخلق لستَ تعرفه، تتكلّم في علم خالقه؟!، ثم سألني عن مسألة في الوضوء، فأخطأتُ فيها، ففرّعها على أربعة أوجه، فلم أُصب في شيء منه، فقال: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرّات، تدعُ علمه، وتتكلّف علمَ الخالق، إذا هجس في ضميرك ذلك، فارجع إلى الله وإلى قوله تعالى: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية، فاستدِلَّ بالمخلوق على الخالق، ولا تتكلّف علمَ ما لم يبلغه عقلك، قال: فتبتُ".
[ ٤٢ / ٢٤٨ ]
وقال القاضي أبو يعلى في كتابه إبطال التأويلات:"والله إنّا لعاجزون كالّون حائرون باهتون في حدّ الروح التي فينا، وكيف تعرج كلَّ ليلة إذا توفّاها بارئها، وكيف يرسلها؟، وكيف تستقلّ بعد الموت؟، وكيف حياة الشهيد المرزوق عند ربّه بعد قتله؟، وكيف حياة النبيين الآن؟، وكيف شاهد النبي ﷺ أخاه موسى يصلي في قبره قائمًا، ثم رآه في السماء السادسة وحاوره، وأشار عليه بمراجعة رب العالمين، وطلب التخفيف منه على أمته؟، وكيف ناظر موسى أباه آدم، وحجّه آدم بالقدر السابق، وبأنَّ اللّوم بعد التوبة وقبولها لا فائدة فيه؟، وكذلك نعجز عن وصف هيأتنا في الجنة، ووصف الحور العين، فكيف بنا إذا انتقلنا إلى الملائكة وذواتهم وكيفياتها؟، وأنّ بعضهم يمكنه أن يلتقم الدنيا في لقمة مع رونقهم وحسنهم وصفاء جوهرهم النوراني، فالله أعلى وأعظم، وله المثل الأعلى والكمال المطلق، ولا مثل له أصلا ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ".
وممّا يعين المسلم على قطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الباري – سبحانه -، اعتقاده وإيمانه بأنَّ الله أكبر من كلِّ شيء، فإذا اعتقد المسلم وآمن بأنّ الله -﷾ - أكبر من كلِّ شيء، وأنّ كلَّ شيء مهما كبر يصغر عند كبرياء الله وعظمته، علمَ من خلال ذلك علم اليقين أن كبرياءَ الربِّ وعظمتَه وجلالَه وجمالَه وسائرَ أوصافه ونعوته أمرٌ لا يمكن أن تحيط به العقول أو تتصوّره الأفهام أو تدركه الأبصار والأفكار، فالله أعظم وأعظم من ذلك، بل إنّ العقولَ والأفهامَ عاجزةٌ عن أن تدركَ كثيرًا من مخلوقات الرب -﵎-، فكيف بالرب – سبحانه -.
[ ٤٢ / ٢٤٩ ]
ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنّه قال:"بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كلِّ سماء وسَمَاءٍ خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسيِّ خمسمائة عام، وبين الكرسيِّ والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم".
وروي عن زيد بن أسلم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"ما السموات السبع في الكرسي إلاّ كدراهم سبعة أُلقيت في تُرس".
وقال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول:"ما الكرسي في العرش إلاّ كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض".
وليتأمّل المسلم في عظم السماء بالنسبة إلى الأرض، وعظم الكرسيِّ بالنسبة إلى السماء، وعِظم العرش بالنسبة إلى الكرسيِّ، فإنّ العقولَ عاجزةٌ عن أن تدرك كمال هذه الأشياء أو أن تحيط بكُنْهِها وكيفيتها، فكيف بالأمر إذًا في الخالق – سبحانه -، فهو أكبر وأجلُّ من أن تعرف العقولُ كُنْهَ صفاته أو تدرك الأفهامُ كبرياءَه وعظمتَه، ولهذا جاءت السنةُ بالنهي عن التفكّر في الله؛ لأنّ الأفكار والعقول لا تدرك كنه صفاته، فالله أكبر من ذلك، قال ﷺ:"تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله ﷿".
[ ٤٢ / ٢٥٠ ]
والتفكّرُ المأمور به هنا كما يبيّن ابن القيّم - ﵀ - هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة، وهذا يتضح بالمثال، فالمسلم إذا أحضر في قلبه كبر هذه المخلوقات من سموات وأرض وكرسي وعرش ونحو ذلك، ثم أحضر في قلبه عجزه عن إدراك هذه الأشياء والإحاطة بها حصل له بذلك معرفة ثالثة وهي عظمة وكبرياء خالق هذه الأشياء وعجز العقول عن أن تدرك صفاته أو تحيط بنعوته -سبحانه-، يقول -سبحانه-: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾، فالله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا.
ثالثًا: وأمَّا قوله:"والإيمان به واجب"أي: الاستواء الذي وصف الرب به نفسه في كتابه، ووصفه به رسوله ﷺ في سنّته، وهكذا الشأن في جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة، يجب الإيمان بها وإمرارها كما جاءت دون تعرّض لها بردّ أو تحريف أو تكييف أو تمثيل أو غير ذلك، ولهذا ندب الله عباده وحثّهم ورغّبهم في مواطن كثيرة من القرآن الكريم على تعلّم أسماء الرب وصفاته والإيمان بها ومعرفتها معرفة صحيحة سليمة.
[ ٤٢ / ٢٥١ ]
يقول الله تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّامَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ (١) وقال تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلاَمُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهَ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضَ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيء عِلْمًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وقال: ﴿وَاعْلَمُوا اَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٥) وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٦) وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٧) وقال: ﴿وَاعْلَموا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٨) وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٩)
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: (١٨٠) .
(٢) سورة الإسراء، الآية: (١١٠) .
(٣) سورة الحشر، الآيات: (٢٢ - ٢٤) .
(٤) سورة البقرة، الآية: (٢٠٩) .
(٥) سورة البقرة، الآية: (٢٣١) .
(٦) سورة البقرة، الآية: (٢٣٣) .
(٧) سورة البقرة، الآية: (٢٣٥) .
(٨) سورة البقرة، الآية: (٢٤٤) .
(٩) سورة البقرة، الآية: (٢٦٧) .
[ ٤٢ / ٢٥٢ ]
وقال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرِ﴾ (١) وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ (٢) وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ (٣) وقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾ (٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فهذه الآيات وما في معناها تدلّ أوضح الدلالة على أهمية الإيمان بأسماء الرب - ﵎ - الحسنى، وصفاته العظيمة، وأنَّ ذلك من أصول الإيمان الراسخة، وأسسه العظيمة التي لا إيمان إلاّ بها، فمن جحدها أو جحد شيئًا منها فليس بمؤمن، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾، قال ذلك – سبحانه - في شأن من ينكر اسمه الرحمن، فكيف بمن ينكر أسماءه جميعها أو صفاته كلَّها؟!
وقال تعالى في شأن من شك في صفة واحدة: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مَمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾، فهؤلاء حصل منهم شك في صفة العلم، فظنوا أنَّ الله لا يعلم كثيرًا من أعمالهم، فترتّب على هذا الظنّ الفاسد والاعتقاد الباطل تردّيهم في مهاوي الباطل وأودية الضلال، فكيف إذًا بمن عنده شك في جميع الصفات أو غالبها؟!
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: (٩٨) .
(٢) سورة الأنفال، الآية: (٤٠) .
(٣) سورة البقرة، الآية: (١٩٤) .
(٤) سورة البقرة، الآية: (٢٣٥) .
[ ٤٢ / ٢٥٣ ]
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن مسعود ﵁: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ الآية:"كان رجلان من قريش وخَتَنٌ لهما من ثقيف أو رجلان من ثقيف وخَتَنٌ لهما من قريش في بيت، فقال بعضهم: أترون أنَّ الله يسمع حديثنا؟، قال بعضهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كلّه، فأنزلت: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ﴾ ".
هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: عن ابن مسعود قال:
"اجتمع عند البيت ثلاثة نفر، قرشيّان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، قليلٌ فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟، وقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا؟، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ﴾ ".
[ ٤٢ / ٢٥٤ ]
وقال – تعالى - في شأن من لم ينزّه الله عمّا نزّه عنه نفسه مما لا يليق بجلاله وكماله – سبحانه - من النقائص والعيوب: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ فهؤلاء غلطوا في صفة من صفات التنزيه تنزيه الله عن الولد فهو – سبحانه - الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحدٌ، وقد وصف الرب – سبحانه - غلطهم هذا بأنَّه ﴿إِدًّا﴾ أي عظيمًا بالغ العظمة والخطورة، تكاد السموات على اتّساعها أن تتفطّر منه، والأرض على ترامي أطرافها أن تنشقّ والجبال على قُوَّتها وصلابتها أن تخرَّ هدًاّ، كلُّ ذلك بسبب تفوُّه هؤلاء بهذه المقالة الجائرة، المشتملة على هذا الغلط الفاحش في صفة من صفات الرب سبحانه، فكيف الشَّأن بمن كثرت أغلاطهم في هذا الباب، وتنوَّع باطلهم فيه؟!
وروى البخاري ومسلم عن أمِّ المؤمنين عائشة – ﵂ - أنَّ النبي ﷺ بعث رجلًا على سريّة وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال:"سلوه لأيِّ شيء يصنع ذلك؟ "، فسألوه فقال: لأنَّها صفة الرحمن، وأنا أحبُّ أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ: "أخبروه أنَّ الله يحبُّه".
وقد دلَّ هذا الحديث على عظم شأن الإيمان بصفات الرب ومحبّتها والحرص على تعلُّمها، وأنَّ ذلك سببٌ عظيمٌ من أسباب دخول الجنة ونيل رضى الرب – سبحانه -.
[ ٤٢ / ٢٥٥ ]
وروى عبد الرزاق في مصنّفه عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس - ﵄ - أنَّه رأى رجلًا انتفض لما سمع حديثًا عن النبي ﷺ في الصفات استنكارًا لذلك، فقال:"ما فَرَقُ هؤلاء؟، يجدون رقّة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه".
وصفات الله الواردة في القرآن والسنة جميعها من المحكم، إلاّ أنَّ هذا الرجل لقلّة علمه وضعف تفريقه اشتبه عليه الأمر فبادر إلى الاستنكار، فأنكر عليه ابن عباس - ﵄ - ذلك وأخبر أنَّ هذا الاستنكار سبيل هلكه.
والشاهد من جميع ما تقدّم أنَّ الإيمان بأسماء الرب وصفاته الواردة في كتابه وسنة نبيِّه محمد ﷺ يجب الإيمان بها جميعها، والإيمان بها داخل في الإيمان بالله بل هو ركن من أركان الإيمان بالله؛ لأنَّ الإيمان بالله يقوم على أركان ثلاثة هي: الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته، والإيمان بوحدانيته في ألوهيته، والإيمان بوحدانيته في أسمائه وصفاته.
[ ٤٢ / ٢٥٦ ]
ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في مقدمة العقيدة الواسطية:"ومن الإيمان بالله الإيمانُ بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأنَّ الله – سبحانه - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيِّفون ولا يمثِّلون صفاته بصفات خلقه، لأنه – سبحانه - لا سميّ له ولا كفء ولا ندّ له، ولا يقاس بخلقه - ﷾ -، فإنه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا وأحسن حديثًا من خلقه، ثم رسله صادقون مصدَّقون بخلاف الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ (١) فسبّح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وسلّم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب.
وهو - سبحانه - قد جمع فيما وصف وسمّى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، فإنَّه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين".
رابعًا: وأما قوله:"والسؤال عنه بدعة"فلأنَّ السؤال عنه والبحث فيه أمرٌ لم يشرع للعباد، بل دلّت النصوص على عدم إمكان ذلك، وأنَّه لا سبيل إلى العلم به.
ولهذا فإنَّه من خاض فيه وبحث عن علمه يكون قد قال على الله بلا علم، وقد قال الله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ .
_________________
(١) سورة الشورى، الآية: (١١) .
[ ٤٢ / ٢٥٧ ]
وهذا من أعظم المحرّمات، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ ما ظهر منها وما بطن والإِثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ .
وقفا ما ليس له به علم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ .
وتقدّم بعقله القاصر بين يدي الله ورسوله، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
ثم إنَّه قد ورد في القرآن والسنة النهي عن الأسئلة عن الأمور المغيبة، وعن الأمور التي عفا الله عنها فلم يوجبها ولم يحرِّمها، وكذلك عن سؤال التعنُّت والأغلوطات، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ .
وقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرةُ سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم".
[ ٤٢ / ٢٥٨ ]
قال الشيخ العلاّمة عبد الرحمن بن سعدي - ﵀ - في شرح هذا الحديث:"ومما يدخل في هذا الحديث السؤال عن كيفية صفات الباري؛ فإنَّ الأمر في الصفات كلّها كما قال الإمام مالك لمن سأله عن كيفية الاستواء على العرش؟، فقال:"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، فمن سأل عن كيفية علم الله، أو كيفية خلقه وتدبيره، قيل له: فكما أنَّ ذات الله – تعالى - لا تشبهها الذوات، فصفاته لا تشبهها الصفات، فالخلق يعرفون الله ويعرفون ما تعرّف لهم به من صفاته وأفعاله، وأما كيفية ذلك، فلا يعلم تأويله إلاّ الله".
فهذه بعض الشواهد لقول الإمام مالك – ﵀ – "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، والمقصود هنا هو الإشارة إلى بعض الشواهد فقط، وإلاّ فإنَّ استقصاء ذلك يطول.
[ ٤٢ / ٢٥٩ ]