[٢٧] الحديث الأول:
عن أبي هريرة ﵁ قال: "في كل صلاة يقرأ فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير".
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
من طرق عن عطاء أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول به موقوفًا.
وأخرجه مسلم من طريق أبي أسامة عن حبيب بن الشهيد قال سمعت عطاء يحدث عن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة إلا بقراءة" قال أبو هريرة: فما أعلن رسول الله ﷺ أعلناه لكم وما أخفاه أخفيناه لكم".
فجعل أوله مرفوع لكن اعترض على ذلك الدارقطني ورجح وقفه فقال: "وهذا لم يرفع أوله إلا أبو أسامه وخالفه يحيى بن القطان وسعيد بن أبي عروبة وأبو عبيدة الحداد وغيرهم رووه عن حبيب بن الشهيد عن عطاء عن أبي هريرة "في كل صلاة قراءة فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم"جعلوا أول الحديث من قول أبي هريرة وهو الصواب وكذلك رواه قتادة وأيوب وحبيب المعلم وابن جريج".
وقال ابن رجب: "وذكر الدارقطني وأبو مسعود الدمشقي وغيرهما أن رفعه وهم وإنما هو موقوف.
وقد رفعه أيضًا ابن أبي ليلى عن عطاء عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة إلا بقراءة" قال أبو هريرة: "كان رسول الله ﷺ يصلي بنا فيجهر ويخافت فجهرنا فيما جهر وخافتنا فيما خافت".
أخرجه الحارث بن أبي أسامة وابن أبي ليلى سيىء الحفظ جدًا ورفعه وهم والله أعلم".ا. هـ
وقال الحافظ ابن حجر: "هكذا أورده مسلم من رواية أبي أسامة عنه وقد أنكره الدارقطني على مسلم وقال: إن المحفوظ عن أبي أسامة وقفه كما رواه أصحاب ابن جريج وكذا رواه أحمد عن يحيى القطان وأبي عبيدة الحداد كلاهما عن حبيب المذكور موقوفًا.
[ ٤٣ / ١٠٢ ]
وأخرجه أبو عوانة من طريق يحيى بن أبي الحجاج عن ابن جريج كرواية الجماعة لكن زاد في آخره وسمعته يقول: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وظاهر سياقه أن ضمير "سمعته"للنبي ﷺ فيكون مرفوعًا بخلاف رواية الجماعة نعم قوله: "وما أسمعنا وما أخفى عنا"يشعر بأن جميع ما ذكره متلقي عن النبي ﷺ فيكون للجميع حكم الرفع".أ. هـ
[٢٨] الحديث الثاني:
عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ بعث رجلًا في سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "سلوه لأي شيىء يصنع ذلك". قال فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ: "أخبروه أن الله يحبه".
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي من طريق عمرة بنت عبد الرحمن وكانت في حجر عائشة زوج النبي ﷺ عن عائشة به.
[٢٩] الحديث الثالث:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء فكان كلما أفتتح سورة يقرأ لهم في الصلاة فقرأ بها أفتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يفرغ منها ثم يقرأ بسورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلمه أصحابه فقالوا: "إنك تقرأ بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى". قال: "ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بها فعلت وإن كرهتم تركتكم وكانوا يرونه أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره"، فلما أتاهم رسول الله ﷺ أخبروه الخبر، فقال: "يا فلان ما يمنعك مما يأمر به أصحابك وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟ " فقال: "يا رسول الله إني أحبها". فقال رسول الله ﷺ: "إن حبها أدخلك الجنة".
[ ٤٣ / ١٠٣ ]
أخرجه البخاري تعليقًا، والترمذي واللفظ له، وأبو يعلي، وابن خزيمة، وابن حبان، والطبراني، والبيهقي من طرق عن عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله بن عمر عن ثابت البناني عن أنس به.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه من حديث عبيد الله ابن عمر عن ثابت".أ. هـ
وهذا الطريق معلول من وجهين هما:
الأول: أنه من رواية الدراوردي عن عبيد الله بن عمر، قال الإمام أحمد: "ما حدث عن عبيد الله بن عمر فهو عن عبد الله بن عمر".
وقال النسائي فيه: "ليس به بأس وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر".
وقال الدارقطني: "غريب من حديث عبيد الله عن ثابت تفرد به عبد العزيز الدراوردي عنه".
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله إلا عبد العزيز".أ. هـ
وعبيد الله لم ينفرد به فقد تابعه المبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس أن رجلًا قال: "يا رسول الله إني أحب هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " فقال: "إن حبك إياها يدخلك الجنة" مختصرًا.
أخرجه الترمذي، وأحمد، والدارمي، وابن حبان، والبغوي من طرق عن المبارك بن فضالة به ومبارك يدلس ويسوى وقد صرح بالتحديث عن شيخه فقط كما عند الدارمي.
الثاني: الإرسال قال الحافظ ابن حجر: "ذكر الدارقطني في العلل أن حماد بن سلمة خالف عبيد الله في إسناده فرواه عن ثابت عن حبيب ابن سبيعة مرسلًا وقال: وهو أشبه بالصواب وإنما رجحه لأن حماد بن سلمة مقدم في حديث ثابت لكن عبيد الله بن عمر حافظ حجة وقد وافقه مبارك بن فضالة في إسناده فيحتمل أن يكون لثابت فيه شيخان".
وقال ابن رجب: "وإنما لم يخرجه البخاري هاهنا مسندًا لأن حماد ابن سلمة رواه عن ثابت عن حبيب بن سبيعة عن الحارث عن النبي ﷺ".
قال الدارقطني: هو أشبه بالصواب وحماد بن سلمة ذكر كثير من الحفاظ أنه أثبت الناس في حديث ثابت وأعرفهم به".
[ ٤٣ / ١٠٤ ]
والحارث هذا اختلف هل هو صحابي أم لا؟ فقال أبو حاتم الرازي: "له صحبة" وقال الدارقطني: "حديثه مرسل".
والحاصل أن إعلال هذا الحديث بالإرسال قوي ومما يؤيد هذا أن الطريق الموصولة من رواية الدراوردي عن عبيد الله فيها الكلام السابق والمتابع له فضالة وهو يدلس ويسوى لكن الحديث يشهد له حديث عائشة الذي قبله في الصحيحين كما أشار إلى ذلك ابن رجب والله أعلم
[٣٠] الحديث الرابع:
عن أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ قال: "جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة فقال هذًّا كهذ الشعر لقد عرفت النظائر التي كان النبي ﷺ يقرن بينهن فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين في كل ركعة".
أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي عن شعبة عن عمرو بن مرة، والترمذي عن شعبة عن الأعمش كلاهما عن أبي وائل به.
وفي لفظ في الصحيحين من طريق واصل الأحدب عن أبي وائل عن ابن مسعود "أنا قد سمعنا القراءة وإنى لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي ﷺ ثماني عشرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم".
وفي لفظ للبخاري من طريق الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله:
"قد علمت النظائر التي كان النبي ﷺ يقرؤهن اثنين اثنين في كل ركعة فقام عبد الله ودخل معه علقمة وخرج علقمة فسألناه فقال: عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن الحواميم ﴿حم﴾ الدخان و﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ".
وأخرج مسلم نحوه وفي لفظ له "اثنتين في ركعة عشرين سورة في عشر ركعات".
وأخرجه أبو داود عن علقمة والأسود، والنسائي عن مسروق، وأحمد عن نهيك بن سنان السلمي وزر، والطحاوي عن نهيك بن سنان وعلقمة والأسود، والطبراني عن نهيك بن سنان ومسروق وعلقمة والأسود كلهم عن ابن مسعود بنحوه.
[ ٤٣ / ١٠٥ ]
وزاد أبو داود من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود عن ابن مسعود (النجم والرحمن) في ركعة و(اقتربت والحاقة) في ركعة و(الطور والذاريات) في ركعة و(وإذا وقعت ونون) في ركعة و(سأل سائل والنازعات) في ركعة و(ويل للمطففين وعبس) في ركعة و(المدثر والمزمل) في ركعة و(هل أتى ولا أقسم بيوم القيامة) في ركعة و(عم يتساءلون والمرسلات) في ركعة و(الدخان وإذا الشمس كورت) في ركعة".
قال أبو داود: "هذا تأليف ابن مسعود ﵀.
ورجال إسناده ثقات لكن هذه الزيادة من طريق إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق وقد ذكر ابن الكيال أن إسرائيل روى عن أبي إسحاق بعد اختلاطه".
وقال الإمام أحمد: "إسرائيل عن أبي إسحاق فيه لين سمع منه بآخره".
وأخرجه ابن خزيمة من طريق أبي خالد الأحمر عن الأعمش عن شقيق قال جاء نهيك بن سنان إلى عبد الله فذكر الحديث وفي آخره "وإني أعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بهن سورتين في ركعة ثم أخذ بيد علقمة فدخل ثم خرج فعدهن علينا".
قال الأعمش: "وهي عشرون سورة على تأليف عبد الله ثم سردها".
ثم قال عَقِبَة نا أبو موسى نا الأعمش وحدثنا يوسف بن موسى وسلم بن جنادة قالا: حدثنا أبو معاوية نا الأعمش فذكر الحديث بطوله إلى قوله فدخل علقمة فسأله ثم خرج إلينا فقال: "عشرون سورة من أول المفصل في تأليف عبد الله لم يزيدوا على هذا".
وأبو خالد الأحمر تفرد بذكر سردها من بين أصحاب الأعمش وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه.
وقال البزار: "اتفق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا وأنه روى عن الأعمش أحاديث لم يتابع عليها".
وقال ابن عدي: "إنما أتى من سوء حفظه فيغلط ويخطئ وهو في الأصل كما قال ابن معين صدوق وليس بحجة".
وأخرجه الطبراني من طريق محمد بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن شقيق بن سلمة عن عبد الله وسردها لكن قال الحافظ: "قدّم وأخر في بعض وحذف بعضها ومحمد ضعيف".
[ ٤٣ / ١٠٦ ]
وقال ابن رجب: "وهذه الرواية تخالف ما تقدم وتلك الرواية أصح ومحمد بن سلمة بن كهيل تكلم فيه وتابعه عليه أخوه يحيى وهو أضعف منه".
[٣١] الحديث الخامس:
عن أنس ﵁ قال: "ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من صلاة رسول الله ﷺ في تمام كانت صلاته متقاربة وكانت صلاة أبي بكر متقاربة فلما كان عمر بن الخطاب مد في صلاة الفجر وكان رسول الله ﷺ إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى تقول: قد أوهم ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم".
أخرجه مسلم من طريق حماد عن ثابت عن أنس به.
وأخرجه أحمد، وأبو يعلي مختصرًا بذكر موطن الشاهد منه فقط من طريق حميد عن أنس مرفوعًا.
وفي لفظ لأحمد "كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربة وصلاة أبي بكر وسط وبسط عمر في قراءة صلاة الغداة".
من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد عن أنس به.
[٣٢] الحديث السادس:
عن حفصة ﵂ أنها قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ صلى في سبحة قاعدًا حتى كان قبل وفاته بعام فكان يصلي في سبحته قاعدًا، وكان يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها".
أخرجه مسلم، والنسائي، والترمذي من طريق ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن المطلب بن أبي وداعة السهمي عن حفصة به.
[٣٣] الحديث السابع:
عن عبد الله بن شقيق قال: "سألت عائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ "فقالت: "لا إلا أن يجئ من مغيبه"قلت: "هل كان رسول الله ﷺ يقرن بين السورتين؟ "قالت: "من المفصل".
أخرجه أبو داود واللفظ له وأحمد ولفظه "يقرن السور" والبيهقي من طريق الجريري عن عبد الله بن شقيق به، وسنده صحيح.
وأخرج مسلم من هذا الطريق طرفه الأول.
[ ٤٣ / ١٠٧ ]
وأخرجه أبو داود، وأحمد، وابن أبي شيبة، وابن خزيمة من طرق عن كهمس بن الحسن عن عبد الله بن شقيق قال: "قلت لعائشة هل كان رسول الله ﷺ يجمع السور في ركعة؟ "قالت: "المفصل".
ولفظ أبي داود "أكان رسول الله ﷺ يقرأ السورة في ركعة؟ "قالت: "المفصل". ورجال إسناده ثقات وهذه متابعة لسعيد الجريري.
[٣٤] الحديث الثامن:
عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "ما من سورة من المفصل صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها في الصلاة كلها".
أخرجه الطبراني من طريق إسماعيل بن عياش عن صالح ابن كيسان عن نافع عن ابن عمر به.
وسنده ضعيف لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن صالح بن كيسان وهو مدني وهو ضعيف في غير أهل بلده كما قاله غير واحد.
قال يحيى بن معين: "إسماعيل بن عياش ثقة فيما روى عن الشاميين وأما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم".
وقال أيضًا: "إذا حدث عن الشاميين وذكر الخبر فحديثه مستقيم وإذا حدث عن الحجازيين والعراقيين خلِّط ما شئت".
وقال المروزي: "سألته -يعني الإمام أحمد- عن إسماعيل بن عياش فحسن روايته عن الشاميين وقال هو فيهم أحسن حالًا مما روى عن المدنيين وغيرهم".
وقال علي بن المديني: كان يوثق فيما روى عن أصحابه أهل الشام فأما ما روى عن غير أهل الشام ففيه ضعف".
وقال البخاري: "إذا حدث عن أهل بلده فصحيح وإذا حدث عن غير أهل بلده ففيه نظر".
وقال أيضًا: "ما روى عن الشاميين فهو أصح".
وقال الهيثمي: "رواه الطبراني من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وهي ضعيفة".
[٣٥] الحديث التاسع:
عن ابن عمر ﵄ قال: "صليت خلف رسول الله ﷺ ثلاث مرات فقرأ السجدة في المكتوبة".
أخرجه أحمد من طريق جابر عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عمر به.
وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي.
[ ٤٣ / ١٠٨ ]
قال الهيثمي: "رواه أحمد وفيه جابر الجعفي وفيه كلام وقد وثقه شعبة والثوري".
[٣٦] الحديث العاشر:
عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: "آخر كلام كلمني به رسول الله ﷺ حين استعملني على الطائف قال: "خفف الصلاة على الناس" حتى وقت لي اقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَق﴾ وأشباهها من القرآن".
أخرجه أحمد وابن أبي شيبة واللفظ له، والطبراني من طريق عبد الله بن خثيم عن داود بن أبي عاصم الثقفي عن عثمان بن أبي العاص به لكن عند أحمد القراءة بالعلق بدل الأعلى.
ورجال إسناده ثقات غير عبد الله بن عثمان بن خثيم وثقه غير واحد وتكلم فيه آخرون.
وقال ابن عدي: "هو عزيز الحديث وأحاديثه حسان مما يجب أن يكتب".
وهذا الحديث رواه سعيد بن المسيب وموسى بن طلحة ومطرف بن عبد الله والنعمان بن سالم الثقفي وداود بن أبي عاصم والمغيرة بن شعبة وعبد الله وعبد ربه ابنا الحكم ابن سفيان وغيرهم عن عثمان بن أبي العاص ولم يذكروا التوقيت والله أعلم.
قال البوصيري: "رواه مسلم في صحيحه من طريق سعيد ابن المسيب عن عثمان بن أبي العاص به بدون قوله: حتى وقت لي إلى آخره".أ. هـ
ومما يشكل على التوقيت في هذا الحديث الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرها من تطويل النبي ﷺ القراءة في صلاة الفجر وغيرها بأكثر من هذا كما تقدم والله أعلم.
[٣٧] الحديث الحادي عشر:
عن جابر ﵁ قال: "سنة القراءة في الصلاة: أن يقرأ في الأوليين بأم القرآن وسورة، وفي الأخريين بأم القرآن".
أخرجه الطبراني من طريق عثمان بن الضحاك عن أبيه عن عبيد الله بن مقسم عن جابر به وسنده ضعيف.
قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن جابر إلا بهذا الإسناد تفرد به عبيد الله بن مقسم".
وقال الهيثمي: "وفيه شيخ الطبراني وشيخ شيخه لم أجد من ذكرهما".أ. هـ
وفيه أيضًا عثمان بن الضحاك كما تقدم.
[٣٨] الحديث الثاني عشر:
[ ٤٣ / ١٠٩ ]
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: "ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله ﷺ يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة".
أخرجه أبو داود والبيهقي من طريق وهب بن جرير حدثنا أبي قال: "سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن عمرو بن شعيب به".
وفيه ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه.
ذكره الحافظ في المرتبة الرابعة من المدلسين وقال: "صدوق مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين وعن شر منهم وصفه بذلك أحمد والدارقطني وغيرهما".
[٣٩] الحديث الثالث عشر:
عن ابن سابط "أن رسول الله ﷺ قرأ في الركعة الأولى بسورة نحوًا من ستين آية فسمع بكاء صبي قال: فقرأ في الثانية بثلاث آيات".
أخرجه ابن أبي شيبة واللفظ له وعبد الرزاق، وأبو داود كلاهم من طريق سفيان عن أبي السوداء النهدي عن ابن سابط به ورجال إسناده ثقات لكنه مرسل.
قال الحافظ: "وهذا مرسل".
ولفظ أبي داود "أن النبي ﷺ صلى الصبح فقرأ ستين آية فسمع صوت صبي فركع ثم قام فقرأ آيتين ثم ركع".
والحديث في الصحيحين من طريق قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال:
"إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه".
وفي لفظ لمسلم من طريق ثابت البناني عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة".
مسألة:
أكثر الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في القراءة في صلاة الفجر القراءة بطوال المفصل لكن يرد على هذا الأحاديث الواردة في القراءة في الفجر بأوساط المفصل وقصاره كحديث عمرو بن حريث القراءة بالتكوير وحديث رجل من جهينة القراءة بالزلزلة وحديث عقبة بن عامر وعمرو بن عبسة القراءة بالمعوذتين، وحديث ابن عمر القراءة بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ والصمد وغيرها.
[ ٤٣ / ١١٠ ]
لكن يمكن أن يجاب عن ذلك من وجهين:
الأول: أن التخفيف لعارض من سفر أو بكاء صبي أو غير ذلك.
قال ابن القيم ﵀: "وأما تخفيف النبي ﷺ الصلاة عند بكاء الصبي فلا يعارض ما ثبت عنه من صفة صلاته بل قد قال في الحديث نفسه "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز" (١) فهذا تخفيف لعارض وهو من السنة كما يخفف في صلاة السفر وصلاة الخوف.
وكل ما ثبت عنه من التخفيف فهو لعارض كما ثبت عنه أنه قرأ في السفر في العشاء بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (٢) وكذلك قراءته في الصبح بالمعوذتين فإنه كان في السفر ولذلك رفع الله الجناح عن الأمة في قصر الصلاة في السفر والخوف.
والقصر قصران: قصر أركان وقصر عدد فإن اجتمع السفر والخوف اجتمع القصران وإن انفرد السفر وحده شرع قصر العدد وإن انفرد الخوف وحده شرع قصر الأركان وبهذا يعلم سر تقييد القصر المطلق في القرآن بالخوف والسفر فإن القصر المطلق الذي يتناول القصريين إنما يشرع عند الخوف والسفر فإن انفرد أحدهما بقى مطلق القصر إما في العدد وإما في القدر".أ. هـ
وقال ابن رجب: "وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على تقصير القراءة في السفر وقال أصحابنا: لا يكره تخفيف القراءة في الصبح وغيرها في السفر دون الحضر".
وقال إبراهيم النخعي: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرأون في السفر بالسور القصار.
خرجه ابن أبي شيبة". أ. هـ
ومما يؤيد هذا الوجه وأن هذا ليس منه ﷺ دائما ما في حديث الرجل من جهينة من قراء النبي ﷺ بالزلزلة في الركعتين كلتيهما.
_________________
(١) انظر: حديث رقم (٣٩) .
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١/٢٦٦رقم٧٣٣) كتاب صفة الصلاة، باب الجهر في العشاء. ومسلم في صحيحه (١/٣٣٩ رقم ٤٦٤) كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء.
[ ٤٣ / ١١١ ]
قال الراوي: فلا أدري أنسى رسول الله ﷺ أم قرأ ذلك عمدًا، فلو كان شأن رسول الله ﷺ التخفيف دائمًا ما حصل هذا الاستفهام.
الثاني: أن النبي ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز ففي غالب أحواله ﷺ يقرأ بطوال المفصل لكنه قرأ بقصار المفصل ليبين للأمة جواز ذلك.
قال ابن القيم ﵀: "ولو قدر أنه ﷺ خفف الصلاة لا لعذر كان في ذلك بيان الجواز وأن الاقتصار على ذلك لعذر ونحوه يكفي في أداء الواجب فأما أن يكون هو السنة وغيره مكروه مع أنه فعل النبي ﷺ في أغلب أوقاته فحاشى وكلا ولهذا رواته عنه أكثر من رواة التخفيف والذين رووا التخفيف رووه أيضًا فلا نضرب سنن رسول الله ﷺ بعضها ببعض بل يستعمل كل منها في موضعه وتخفيفه إما لبيان الجواز وتطويله لبيان الأفضل.
وقد يكون تخفيفه لبيان الأفضل إذا عرض ما يقتضي التخفيف فيكون التخفيف في موضعه أفضل والتطويل في موضعه أفضل ففي الحالين ما خرج عن الأفضل وهذا اللائق بحاله ﷺ وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته وهو اللائق بمن اقتدى به وائتم به ﷺ".أ. هـ
فإن قيل فما الجواب عن الأحاديث التي فيها الأمر بتخفيف الصلاة مطلقًا يجاب عن ذلك بما ذكره ابن القيم رحمه: "من أنه يرجع في التخفيف المأمور بة إلى فعله ﷺ فإنه كان يصلي وراءه الضعيف والكبير وذو الحاجة وقد أمرنا بالتخفيف لأجلهم فالذي كان يفعله هو التخفيف إذ من المحال أن يأمر بأمر ويعلله بعلة ثم يفعل خلافه مع وجود تلك العلة إلا أن يكون منسوخًا.
[ ٤٣ / ١١٢ ]
وفي صحيح مسلم عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ: "طول صلاة الرجل وقصر خطبتة مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من البيان سحرًا" فجعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل وأمر بإطالتها وهذا الأمر إما أن يكون عامًا في جميع الصلوات وإما أن يكون المراد به صلاة الجمعة فإن كان عامًا فظاهر وإن كان خاصًا بالجمعة مع كون الجمع فيها يكون عظيمًا وفيه الضعيف والكبير وذو الحاجة وتفعل في شدة الحر ويتقدمها خطبتان ومع هذا فقد أمر بإطالتها فما الظن بالفجر ونحوها التي تفعل في وقت البرد والراحة مع قلة الجمع "أ. هـ.
وقال أيضًا: "إن الإيجاز هو الذي كان يفعله وعليه داوم حتى قبضه الله إليه فلا يجوز غير هذا البتة".
وقال ابن القيم أيضًا: "وأما ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر (بقاف والقرآن المجيد) وكانت صلاته بعد تخفيفًا.
فالمراد به -والله أعلم- أن صلاته كانت بعد الفجر تخفيفًا يعني أنه كان يطيل قراءة الفجر ويخفف قراءة بقية الصلوات لوجهين:
أحدهما: أن مسلمًا روى في صحيحه عن سماك بن حرب قال: "سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي ﷺ فقال: كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء قال: وأنبأني أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر (بقاف والقرآن المجيد) ونحوها"فجمع بين وصف صلاة رسول الله ﷺ بالتخفيف وأنه كان يقرأ في الفجر بقاف.
الثاني: أن سائر الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة رسول الله ﷺ التي مازال يصليها ولم يذكر أحد أنه نقص في آخر أمره من الصلاة وقد أخبرت أم الفضل عن قراءته في المغرب بالمرسلات في آخر الأمر وأجمع الفقهاء أن السنة في صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصل.
وأما قوله: "ولا يصلي صلاة هؤلاء"فيحتمل أمرين:
أحدهما: لم يكن بحذف كحذفهم بل يتم الصلاة.
[ ٤٣ / ١١٣ ]
والثاني: أنه لم يكن يطيل القراءة إطالتهم.
وفي مسند أحمد وسنن النسائي عن عبد الله بن عمر قال: "إن كان رسول الله ﷺ ليأمرنا بالتخفيف وإن كان ليؤمنا بالصافات"وهذا يدل على أن الذي أمر به هو الذي فعله فإنه ﷺ أمر أصحابه أن يصلوا مثل صلاته ولهذا صلى على المنبر، وقال: "إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي" (١) .
وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢) وذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويسمى خفيفًا بالنسبة إلى ما هو أطول منه وطويلًا بالنسبة إلى ما هو أخف منه فلا يمكن تحديد التخفيف المأمور به في الصلاة باللغة ولا بالعرف لأنه ليس له عادة في العرف كالقبض والحرز والإحياء والاصطياد حتى يرجع فيه إليه بل هو من العبادات التي يرجع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع كما يرجع إليه في أصلها ولو جاز الرجوع فيه إلى العرف لاختلفت الصلاة الشرعية اختلافًا متباينًا لا ينضبط ولكان لكل أهل عصر ومصر بل لأهل الدرب والسكة وكل محل لكل طائفة غرض وعرف وإرادة في مقدار الصلاة يخالف عرف غيرهم وهذا يفضي إلى تغيير الشريعة وجعل السنة تابعة لأهواء الناس فلا يرجع في التخفيف المأمور به إلا إلى فعله ﷺ ".أ. هـ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/٣١٠،٣١١رقم٨٧٥) كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر. ومسلم في صحيحه (١/٣٨٦-٣٨٧ رقم ٥٤٤) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١/٢٢٦ رقم ٦٠٥) كتاب الآذان، باب الآذان للمسافر إذا كانوا جماعة
[ ٤٣ / ١١٤ ]
وقال أيضًا: "وأما إن قدِّر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى وكثير من الباطوليه الذين يعتادون النقر كصلاة المنافقين وليس لهم في الصلاة ذوق ولا لهم فيها راحة بل يصليها أحدهم استراحة منها لا بها فهؤلاء لا عبرة بنفورهم فإن أحدهم يقف بين يدي المخلوق معظم اليوم ويسعى في خدمته أعظم السعي فلا يشكو طول ذلك ولا يتبرم به فإذا وقف بين يدي ربه في خدمته جزءً يسيرًا من الزمان، وهو أقل القليل بالنسبة إلى وقوفه في خدمة المخلوق استثقل ذلك الوقوف واستطال وشكى منه وكأنه واقف على الجمر يتلوى ويتقلى ومن كانت هذه كراهته لخدمة ربه والوقوف بين يديه فالله تعالى أكره لهذه الخدمة منه والله المستعان". أ. هـ
الخاتمة
الحمد لله الذي وفق وأعان على إتمام هذا البحث المتواضع وقد ظهر لي من خلاله الأمور التالية:
-أن عدد الأحاديث الواردة في القراءة في صلاة الفجر (٢٦) حديثًا الثابت منها (١٦) حديثًا.
-أن عدد الأحاديث الواردة في القراءة في الصلاة غير مقيد بالفجر (١٣) حديثًا الثابت منها سبعة أحاديث.
-أن غالب الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في القراءة في الفجر بطوال المفصل وأما ما ورد من قراءته بقصار المفصل فمحمول على أن فعله لعارض أو لبيان الجواز والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٤٣ / ١١٥ ]