(١٢) العناية بالطباعة والصحافة
في ظل النهضة المباركة التي شهدتها البلاد السعودية في عهد الملك عبد العزيز آل سعود - يرحمه الله - ظهرت الحاجة إلى وسائل الطباعة الحديثة التي يعتمد عليها في نشر العلم وتعميمه، ولتأمين تلك المطابع الحديثة أصدر الملك عبد العزيز - يرحمه الله - أوامره بإحضار مطابع حديثه لمختلف المدن، واستقدم لها الأيدي العاملة، وأنواع الورق والمعدات اللازمة، وعرف من تلك المطابع مطبعة الحكومة في مكة المكرمة التي أنشئت لتأمين ما تحتاجه الدولة وإداراتها الحكومية المختلفة من المطبوعات في ذلك الوقت.
ونظرًا لحاجة الحكومة السعودية لصحيفة رسمية تكون وسيلة لنشر الإعلانات والبيانات الحكومية، ولإبلاغ ما تريد الدولة إيصاله إلى المواطنين من تعليمات وتوجيهات أصدر الملك عبد العزيز ﵀ أوامره في سنة ١٣٤٣هـ بإصدار جريدة (أم القرى) في مكة المكرمة، "وهى جريدة أسبوعية عدد صفحاتها أربع، ولكنها تصدر بثماني صفحات أو أكثر من ذلك في المناسبات، وكانت هذه الجريدة تطبع في مطابع الحكومة، وتنشر فيها البلاغات والإعلانات الحكومية الرسمية وتضيف إليها طائفة من الأنباء الداخلية والعالمية، والمقالات في الشؤون الدينية وشؤون الصحة والأدب والاجتماع "
وتبع هذه الخطوة صدور بعض الصحف الأهلية، فظهرت صحيفة (صوت الحجاز) في سنة ١٣٥٠ هـ، ثم صدرت صحيفة (المدينة المنورة) في سنة ١٣٥٦ هـ، وصدرت بعد ذلك في البلاد السعودية مجلات شهرية لكل منها طابعها الخاص الذي يُميزها عن غيرها من المطبوعات وفي مقدمتها: مجلة الحج، مجلة المنهل، مجلة اليمامة.
[ ٤١ / ٩٤ ]
وتتابع ظهور الإصدارات الصحفية والإعلامية اليومية والأسبوعية والشهرية والفصلية، مما يدل على اهتمام الحكومة السعودية بهذا الجانب الإعلامي الهام خاصة بعدما أخذ في التطور والانتشار في حركة متوافقة مع النهضة المباركة التي تمر بها البلاد السعودية بعد توحيدها على يد الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - (١) .
(١٣) تنظيم إدارات الدولة
تحمّل الملك عبد العزيز ﵀ تبعات الفترة الزمنية السابقة لعهده، وما تركته تلك الحقبة الزمنية من آثار سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وغيرها، لذا حرص ﵀ بعد توحيد المملكة على إقامة دولته المباركة على أسس راسخة قوية الأركان، واهتم بالنهوض بدولته، فسابق الزمن معتمدًا على الله ﷿ في خطوات الوحدة والبناء والتطوير في كافة المجالات التي تحتاجها دولته الحديثة.
وقد استطاع الملك عبد العزيز - يرحمه الله - بتوفيق من رب العزة والجلال إقامة دولة مهابة الجانب يقر لها الجميع بالاحترام والتقدير، وحمل الملك عبد العزيز ﵀ مسئولية هذه الدولة المترامية الأطراف فحقق الله ﵎ على يديه لأهلها الأمن والاطمئنان، والتقدم والازدهار، فغدت المملكة العربية السعودية بعد سنوات من حكمه محط الأنظار، وأصبحت التجربة السعودية في الوحدة والبناء محل إعجاب وإكبار نظرًا لما وصلت إليه المملكة العربية السعودية، في هذا الوقت القصير، وما قطعته من مراحل كبيرة وخطوات عظيمة في طريقها للتقدم، ومسايرة الحضارة الحديثة في مختلف المجالات.
_________________
(١) المصدر السابق.١٠٢٧.
[ ٤١ / ٩٥ ]
"لقد بدأ الملك عبد العزيز ﵀ خطواته التنظيمية الإدارية لدولته بتحديد ملامح الدولة ونظام الحكم فيها والمنهج الذي تسير عليه، وتحديد مرجع جميع السلطات الإدارية وهو الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الذي كان كل شيء في الدولة، ليس لأحد من أعوانه أو أمرائه أن يتصرف في أمر أو شأن داخلي أو خارجي قبل عرضه عليه "
واهتم الملك عبد العزيز ﵀ بتنظيم أحوال ديوانه، وتحديد المهام الداخلية والخارجية التي يحتاجها سير العمل الإداري في دولته بذلك الوقت.
وفي مقدمة ما عنى به الملك عبد العزيز - يرحمه الله - في خطواته المباركة لتنظيم شؤون الدولة، وتوزيع المهام الإدارية والمسئوليات واصطفاء الأكفّاء، اختيار نجله سمو الأمير سعود بن عبد العزيز لولاية العهد، واختيار نجله سمو الأمير فيصل بن عبد العزيز للنيابة عن الملك في الحجاز، ثم رئاسة مجلس الشورى ثم تعينيه وزيرًا للخارجية، وهي أول وزارة أنشئت في المملكة العربية السعودية.
ثم تتابع إنشاء الوزارات في عهد الملك عبد العزيز ﵀ وكانت هذه الوزارات المختلفة تستمد سلطانها مباشرة منه، ويتصل كل منها بالملك عبد العزيز شخصيًا، وأهم الوزارات التي ظهرت الحاجة إلي إنشائها في عهده هي:
وزارة الخارجية، وزارة المالية، وزارة الدفاع، وزارة الداخلية، وزارة الصحة.
وحرصًا من الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - على متابعة شؤون دولته، ومراقبة سير أعمال الإدارات الحكومية رأى أن يكون لوزرائه مجلس يعقدونه للتداول في المهام العامة للدولة، وافتتح الملك عبد العزيز ﵀ أول اجتماع لمجلس الوزراء في عهده بمدينة الرياض يوم الأحد ٣ ذي الحجة ١٣٧٢ هـ، ثم أصدر أمره في ٣ صفر ١٣٧٣ هـ بجعل مجلس الوزراء تحت رئاسة ولي العهد سمو الأمير سعود بن عبد العزيز ﵀.
(١٤) بناء الجيش السعودي
[ ٤١ / ٩٦ ]
بذل الملك عبد العزيز - يرحمه الله - جهودًا عظيمة بعد إعلان قيام المملكة العربية السعودية لتحقيق أهدافه وأمنياته، فعمل بعزيمة قوية لا تعرف الكلل أو الملل لنشر الدعوة الإسلامية، وإقامة شعائر الدين، وبسط العدل والأمن والاستقرار في دولته بعد توحيد أجزائها.
"وقد تنبه الملك عبد العزيز ﵀ إلى أن هذه الدولة التي أقامها بعون من الله ﷿ لا بد لها أن تكون قوية الجانب، تقترن الهيبة في النفوس عند سماع اسمها، خاصة وأنه يعيش في عصر لا يعترف إلا بالأقوياء، ولبناء قوة الدولة اهتم الملك عبد العزيز ﵀ بجيشه وقواته العسكرية التي رافقته في معاركه ضد خصومه، وشاركته في مراحل بناء هذا الصرح المبارك، وكان يطلق على هذه المجموعات (جيش الجهاد)، ويتكون من حاضرة أهل نجد بالإضافة إلى جيش الإخوان الذي يتكون من القبائل التي سكنت الهجر فكانت تشبه الثكنات العسكرية، وقد شاركت هذه المجموعات مع الملك عبد العزيز ﵀ في حروبه بدافع الولاء للدين الحنيف ثم للقيادة، وكانت أسلحة هذه المجموعات متفاوتة من فرد لآخر كل حسب استطاعته، فبعضهم يحمل البندقية، وبعضهم الرماح، وبعضهم السيوف، وغيرهم الخناجر " وظل هذا الوضع سائدًا حتى عام ١٣٤٨ هـ حين رأي الملك عبد العزيز ﵀ أهمية بناء الجيش السعودي وتطويره ومجاراة التقدم في صناعة الأسلحة فأمر بتكوين إدارة للأمور العسكرية، فكان ذلك إيذانا بغرس نواة للجيش النظامي السعودي.
وقد بدأت مراحل البناء مباشرة وأثمرت تلك النواة الأولى في سنة ١٣٤٩ هـ، حيث أقيم في مدينة جدة أول استعراض للقوة العسكرية السعودية أمام الملك عبد العزيز - يرحمه الله - وكانت تلك القوة مؤلفة من المجموعات التالية:
١ – فوج المدفعية.
٢ – فوج المشاة.
٣ – فوج الرشاش.
[ ٤١ / ٩٧ ]
وبدأت هذه القوات العسكرية النظامية تأخذ طريقها في النمو شيئا فشيئًا إلى جانب جيش الجهاد وجيش الأخوان.
وفي سنة ١٣٥٤ هـ بلغت القوات النظامية حدًا اقتضى إنشاء وكالة لشؤون الدفاع، ومديرية للأمور العسكرية، وتم إلغاء المجموعات غير النظامية ما عدا جيش الجهاد، وأصبحت القوات السعودية النظامية الحديثة تضم ثلاثة أنواع هي:
١ – سلاح المشاة.
٢ – سلاح المدفعية.
٣ – سلاح الفرسان.
وتم تنظيم الجيش السعودي على أساس كتائب وألوية وزعت إلى مجموعات تبعا للوضع الجغرافي للدولة السعودية على النحو التالي:
١ – المنطقة المركزية.
٢ – المنطقة الجنوبية الغربية.
٣ – المنطقة الجنوبية الشرقية.
٤ – المنطقة الشرقية الشمالية.
٥ – المنطقة الغربية الشمالية.
وبموجب قرار إنشاء وكالة الدفاع فقد جعل مقرها مدينة الطائف، وتبعا لذلك أصبحت هذه المدينة المقر الرئيس للجيش السعودي، وتم إحداث مجموعات عسكرية للقيام بواجبات الأمن في كل من المدن التالية:
مكة، المدينة، جدة، أبها، ينبع، تبوك، العلا، الوجه.
ولما كانت تطلعات القائد الأعلى الملك عبد العزيز ﵀ تهدف إلى بناء قوة عسكرية قوية بإيمانها بالله ﷿، وفي تمسكها بسنة نبيه ﷺ ولديها قدرات عسكرية، ومهارات متقدمة تعتمد على التعليم والتدريب،أمر بإنشاء المدرسة العسكرية، وتم الاستفادة من الخبرات العسكرية لضباط عسكريين من دولة سوريا لتأسيس تلك المدرسة، وتعتبر هذه المنشأة العسكرية من جملة المنجزات المهمة التي تمت في عهد الملك عبد العزيز - يرحمه الله - بإشراف من وكالة الدفاع.
[ ٤١ / ٩٨ ]
وبعد هذه الخطوات كانت النقلة الكبيرة بإعلان إنشاء وزارة الدفاع حيث صدر أمر الملك عبد العزيز – ﵀ - في ١ربيع الثاني ١٣٦٥ هـ بإنشائها وتعيين أول وزير لها وهو سمو الأمير منصور بن عبد العزيز - يرحمه الله - وبتعيينه بدأت النهضة العسكرية الحديثة للجيش السعودي، فقد خصص موازنة مالية ثابتة لوزارة الدفاع تضاعفت سنة بعد أخرى، وأرسل البعثات العسكرية التعليمية إلى مصر وغيرها من البلدان، وتم استقدام الخبرات العسكرية المختلفة لتدريب أفراد الجيش السعودي على أنواع من الأسلحة الحديثة، وتبع ذلك افتتاح المدارس العسكرية في مختلف أنواع الأسلحة وإقامة المصانع العسكرية، والورش الهندسية، وتطوير الخدمات الطبية بإنشاء المستشفى العسكري بالطائف.
وفي خطوة من الخطوات المهمة لتطوير الجيش السعودي تم استحداث سلاح الطيران وإنشاء مدرسة خاصة به، وتم إيفاد بعض خريجيها لمواصلة الدراسة في الدول المتقدمة في مجال علوم الطيران، وفي عهد الأمير منصور بن عبد العزيز ﵀ واصلت وزارة الدفاع خطواتها في بناء القوات العسكرية السعودية من حيث الهيئات الإدارية، والقدرات البشرية، والآليات العسكرية.
وعلى هذا النهج من العناية والاهتمام بالجيش السعودي استمر الملك عبد العزيز - يرحمه الله - مدة حكمه، فنالت القوات المسلحة السعودية نصيبا وافرًا من التطوير والتجديد في مختلف تشكيلاتها العسكرية، وفي مختلف مواقعها المتعددة في أنحاء المملكة العربية السعودية لتكون بإذن الله قوة لنصرة الحق وردع الباطل.
(١٥) العناية بالتعليم
للعلم والتعليم أهمية خاصة في حياة الأمم والشعوب، وقد اهتم الملك عبد العزيز - يرحمه الله - بالعلم والتعليم وأولاه عناية كبيرة، "وأغدق على العلم وأهله في جميع أنحاء الجزيرة العربية، وقدّر العلماء، وجعل لهم الصدارة الأولى في نهضته المباركة ".
[ ٤١ / ٩٩ ]
إن التطور الكبير الذي شهدته البلاد السعودية في عهد الملك عبد العزيز - يرحمه الله - شمل جميع جوانب الحياة، ولا يزال ذلك العهد وذلك القائد الفذ - طيب الله ثراه - موضع إعجاب وتقدير،ومثار بحث وكتابة وإشادة بين الأفراد والدول.
لقد اعتمد الملك عبد العزيز ﵀ في نهضته التعليمية على أمر مهم اجتهد في العناية به، وبيان أهميته لشعبه ولأبناء الأمة الإسلامية ألا وهو التوجيه إلى تعلم التوحيد الخالص لله ﷿، والعمل به، ونبذ البدع والخرافات التي ليست من الدين الحق في شيء، وحرصا منه على تحقيق هذا الهدف بدأت النهضة العلمية والحركة التعليمية في البلاد السعودية بواسطة إرسال العلماء إلى أنحاء المملكة، لتعليم الناس أصول الدين الإسلامي الحنيف الذي هو سبب الخير في الدارين، وسبب للحياة الطيبة وكانت هذه أولى الخطوات المباركة لنشر العلم والتعليم بين المواطنين في عهده.
وفي المرحلة التالية من مراحل اهتمام الملك عبد العزيز ﵀ بالتعليم، أصدر أمره في سنة١٣٤٤ هـ بإنشاء إدارة حكومية يطلق عليها (إدارة المعارف العامة)، تختص بما يتعلق بشؤون التربية والتعليم، يتولى الإشراف عليها مدير عام، ومعاون للمدير العام مع الأقسام الإدارية الأخرى التي تحتاجها هذه الإدارة.
وبعد إنشاء (إدارة المعارف العامة) بدأت هذه الإدارة الحكومية في القيام بمسئولياتها تجاه التعليم، ووضعت القواعد ضمن نشاطها الواسع لجميع مراحل التعليم، وفتحت مدارس جديدة في أنحاء المملكة، وتم تقسيم البلاد السعودية - حماها الله - إلى عدة مناطق تعليمية، يشرف على كل منطقة معتمد للمعارف يساهم في تنظيم تلك المدارس، ويشرف على سير العمل فيها.
[ ٤١ / ١٠٠ ]
وبالرغم من العقبات التي واجهها الملك عبد العزيز - يرحمه الله - سواء الاقتصادية أو الاجتماعية ألا أنه مضى قدمًا في خطواته لنشر العلم في أنحاء مملكته، "وقد كانت الحركة التعليمية التي بدأها الملك عبد العزيز - يرحمه الله - حركة حديثة الملامح بالنسبة للجزيرة العربية، وتعتبر تطورًا جذريًا لمفاهيم التعليم السابقة التي كانت على أهميتها مقصورة على التعليم الديني، حيث قام الملك عبد العزيز ﵀ بإدخال التعليم الحديث على نطاق واسع ودعا إليه وشجع المواطنين على الإقبال عليه ".
وبهذه الهمة القوية والعزيمة الصادقة قام التعليم بالمملكة العربية السعودية في عهد الملك عبد العزيز - يرحمه الله - على أربعة أسس وهي:
الأول: المدارس الحكومية في المدن والقرى.
الثاني: المرشدون في الهجر وبين القبائل.
الثالث: البعثات في الخارج.
الرابع: التعليم الأهلي، ويظهر أثر هذه الأسس في الناحية التعليمية فيما يلي:
أ – المدارس الحكومية (النظامية):
اهتم الملك عبد العزيز ﵀ ببناء هذه المدارس،وقد شملت مراحل التعليم المختلفة في ذلك الوقت ومنها:
١ – المدارس الابتدائية، ومدة الدراسة فيها ست سنوات.
٢ – المدارس الثانوية، ومدة الدارس فيها خمس سنوات.
٣ – المدارس العالية وأهمها:
أ – المعاهد العلمية / وتم إنشاء أول هذه المعاهد، وهو المعهد العلمي السعودي بمكة في سنة ١٣٤٤هـ، وهو بمثابة النواة الأولى لبناء معاهد علمية مماثلة في مختلف مدن المملكة.
ب – دار التوحيد/ وهي المدرسة التي أسست في مدينة الطائف سنة ١٣٦٤هـ لأعداد متخرجين أكفاء في العلوم الدينية؛ لإسناد وظائف القضاء في المملكة إليهم،والقيام بما يتطلبه واجبهم الديني من الوعظ والإرشاد بعد تخرجهم.
ج – كلية الشريعة/ وقد تم افتتاحها في سنة ١٣٦٩هـ في مكة المكرمة، واهتمت هذه الكلية بتدريس العلوم الدينية واللغة العربية.
[ ٤١ / ١٠١ ]
د – دور المعلمين / وقد أنشئت هذه المعاهد لأعداد المعلمين لمواجهة النهضة العلمية المباركة التي تشهدها البلاد السعودية، والتوسع الكبير في نشر العلم وتعميمه.
ب – المرشدون:
وأما المرشدون (المطاوعة) فينحصر نشاطهم التعليمي بين أهل الهجر ومواطن القبائل، وكانوا يختارون في الغالب من متعلمي تلك الهجر والمدن القريبة من تلك القبائل، وكان المرشد يقوم بوظيفة المعلم، فيبدأ بتعليم القرءان الكريم وأركان الإسلام، والعبادات والمعاملات، ومبادئ القراءة والكتابة، وما يحتاجه الطالب في أمور دينه ودنياه..، ويُعد المرشد واعظ تلك الهجر أو القبيلة، وخطيب مسجدها، وإمامها في صلواتها، والمرجع الديني لأهل الهجر أو القبيلة.
ج – البعثات:
أما البعثات فقد هيأت الحكومة السعودية - وفقها الله لكل خير - منذ وقت مبكر الفرصة لأبنائها لطلب العلم، ومواصلة الدراسة والتحصيل العلمي في خارج البلاد للاستفادة من المعاهد العلمية الموجودة بالدول الأخرى، ولتهيئة الطلاب السعوديين لتلك الغاية تم إنشاء (مدرسة تحضير البعثات) بمكة في سنة ١٣٥٤ هـ، وقد وضع لهذه المدرسة المنهج الخاص بحيث تكفى شهادتها لدخول حاملها في المعاهد العليا والكليات الجامعية في مصر أو غيرها من الدول، وقد زودت مدرسة تحضير البعثات بهيئة تدريسية عرفت بالكفاءة في مجال التربية والتعليم.
وبعد فترة زمنية بدأت طلائع خريجي مدرسة تحضير البعثات تصل إلي مصر لإكمال الدارسة في التخصصات التي تحتاجها المملكة العربية السعودية في نهضتها المباركة على يد الملك عبد العزيز ﵀، وقد تكفلت الحكومة السعودية بالنفقات اللازمة لدراسة أولئك المبتعثين.
وتتابعت الأوامر الملكية السامية من الملك عبد العزيز - يرحمه الله - بإيفاد هؤلاء الخريجين في بعثات تعليمية، لدراسة مختلف التخصصات في عدد من الدول، فوصل عدد الطلاب المبتعثين في سنة ١٣٦٩هـ ما يقارب (١٩٢) طالبًا.
[ ٤١ / ١٠٢ ]
د – التعليم الأهلي:
والمراد بهذا النوع من التعليم المدارس الأهلية التي أنشئت قبل العهد السعودي الزاهر، وقد اهتم الملك عبد العزيز ﵀ بالمدارس الأهلية التي انتشرت في كل من مكة والمدينة، وجدة، وكان للتعليم الأهلي أثره الواضح في تطور المملكة فمعظم القائمين بالأعمال الحكومية في وظائف الدولة في عهد الملك عبد العزيز - يرحمه الله - هم من خريجي تلك المدارس الأهلية.
لقد حظيت المدارس الحكومية والمدارس الأهلية وطلابها بالدعم والتشجيع والرعاية من الملك عبد العزيز ﵀، فقد كانت مراحل التعليم المختلفة مجانًا وتحملت الدولة السعودية – ومازالت حتى وقتنا الحاضر – الأعباء المالية المتزايدة عامًا بعد عام لإنشاء المدارس، وتأمين احتياجات مديرية المعارف، ولصرف المساعدات المالية للطلاب لإعانتهم على طلب العلم ومواصلة الدراسة في مراحل التعليم المختلفة.
وـ التعليم الفني والتدريب المهني:
ويضاف إلى ما سبق المدارس المهنية التي أمر الملك عبد العزيز - يرحمه الله - بإنشائها لإعداد القوى البشرية التي تحتاجها الإدارات الحكومية في مختلف المجالات المهنية والفنية ومنها على سبيل المثال:
المدارس العسكرية، المدارس الصناعية وخاصة صناعة تكرير النفط، المدارس الخاصة بالهاتف والبرق والاتصالات وشؤون البريد، وكانت الدولة السعودية - أيدها الله - توفد بعض الطلاب من خريجي هذه المدارس في بعثات تعليمية لتلقى الجديد في هذه العلوم والمهن والتخصصات الفنية حسب حاجة الإدارات الحكومية في ذلك الوقت.
[ ٤١ / ١٠٣ ]
وهكذا سادت المملكة العربية السعودية نهضة تعليمية مباركة بتوجيه ومتابعة وعناية واهتمام من الملك عبد العزيز ﵀، وقد زادت أعباء التعليم واتسعت عناية الدولة بالشؤون التعليمية مما أدى إلى إنشاء (وزارة المعارف) وكان أول من تولى هذه الوزارة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز - حفظه الله - وفي فترة وزارته أنشئت جامعة الملك سعود، واستمر في بناء المدارس في ظل اهتمامه ببناء الوطن وتعليم المواطن،وقد آتت جهود خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز - أيده الله - ثمارها يانعة في عصرنا الحاضر،حيث تشهد المملكة العربية السعودية نهضة تعليمية عظيمة من خلال الجامعات المنتشرة في أنحاء البلاد، والكليات الجامعية المتخصصة للبنين والبنات، والصروح العلمية المتعددة في مختلف التخصصات، التي تشارك في البناء الذي وضع أسسه رائد التعليم الأول، وباني النهضة التعليمية في البلاد السعودية خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز - حفظه الله ـ.
(١٦) توطين البادية *
ومن الإصلاحات الهامة في عهد الملك عبد العزيز - يرحمه الله - اهتمامه بأهل البادية، فقد اتخذ ﵀ الخطوات الأولى لتوطين البادية،ورعايتهم من الناحية الدينية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية وغيرها.
واستطاع الملك عبد العزيز ﵀ بهذه الفكرة الناجحة أن يخرج هذا المشروع إلى حيز التنفيذ متخطيًا جميع ما كان يعترضها من صعوبات ومشاق حتى تمكن من تحقيق أكبر وأعمق تغيير اجتماعي شهدته الجزيرة العربية منذ عدة قرون.
لقد كان هم الملك عبد العزيز - يرحمه الله - أن يجد أبناء المملكة قد أخذوا أماكنهم في قيادة أمتهم على أسس من الدين الإسلامي الحنيف، وليتبؤوا مكانهم بين شعوب العالم، فكانت خطوته الإصلاحية الأولى لتوطين البادية سعيا لتحقيق تلك الغاية.
[ ٤١ / ١٠٤ ]
إن مشروع توطين البادية يعطينا صورة واضحة عن مدى سعة أفق الملك عبد العزيز - يرحمه الله ـ، وبعد نظره حينما اهتم بالنواحي المدنية والاقتصادية والاجتماعية التي بواسطتها يمكن تحسين أحوال مجتمعه الذي غلبت على فئات كبيرة منه حياة البداوة.
وبفضل الله وتوفيقه استطاع الملك عبد العزيز ﵀ أن يحدث نقلة كبيرة من خلال فكرة توطين البادية، فغيّر أسلوب حياتهم من حالة التنقل إلى الاستقرار، مع الاشتغال بالزراعة وما اعتادوا عليه من تربية الماشية، وقد رضيت القبائل السكنى في تلك الهجر الصغيرة، وبنوا البيوت حول الآبار، وعملوا بالزراعة بعد أن يسر لهم الملك عبد العزيز - يرحمه الله - ما يحتاجونه من الآلات وأمدهم بالمساعدات اللازمة.
وكانت الأعمدة الأساسية لإقامة وبناء تلك الهجر هي:
١- المسجد، ٢- المسكن، ٣- تأمين الماء، ثم العامل الأهم التي قامت عليه تلك الهجر وهو مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، والسير على منهج السلف الصالح - رحمهم الله تعالى ـ، ويبدأ في تأسيس هذه الهجر ببناء المسجد ثم تبنى المساكن من حوله، وتتسع الهجرة بعد ذلك شيئًا فشيئًا حسب عدد سكانها.
ويتم تحديد المكان بواسطة الملك عبد العزيز - يرحمه الله - حيث يعين بقعة من الأرض تتوفر فيها المياه لقبيلة من القبائل فتنتقل إليها، وتبدأ في بناء البيوت في ذلك الموضع، وكان الملك عبد العزيز ﵀ يساعد ماليًا في بناء البيوت الجديدة، فأسست أول هجرة في سنة ١٣٣٠هـ في (الأرطاوية)، وأصبحت فيما بعد أكبر الهجر وأهمها، ثم تبعها في كل سنة هجرة جديدة لقبيلة من القبائل، حتى زادت أعدادها على سبعين هجرة، وعرف سكانها بـ (الإخوان) إشارة إلى أواصر الأخوة الإسلامية التي ربطت فيما بينهم، وروح المحبة والتعاون والتناصر التي تجمع بينهم.
[ ٤١ / ١٠٥ ]
وقد ظهرت بعد فترة من الزمن من بناء هذه الهجر بعض مظاهر الكسل على بعض أهلها نتيجة لانشغالهم بدراسة الدين والإقبال على العلم والتعلم حتى امتلأت بهم مساجد تلك الهجر، فعالج الملك عبد العزيز ﵀ تلك المظاهر بحكمة وبعد نظر عن طريق العلماء والدعاة إلى الله الذين انتشروا بين هذه الهجر بأمر من الملك عبد العزيز - يرحمه الله - لتوجيه أهل الهجر إلى طلب العلم النافع والعمل الصالح، وحثهم على طلب الرزق والسعي في الأرض، وإرشادهم إلى خير الدين والدنيا،وأنه لابد من العلم والعمل، وإعلامهم بأن العمل في الزراعة أو الصناعة أو التجارة لا يتعارض مع الدين الحنيف، وبيان "أن المؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف"
وبتنفيذ الملك عبد العزيز - يرحمه الله - لفكرة توطين البادية تحققت نتائج هامة، أثرت في حياة القبائل من الناحية الدينية والاجتماعية والاقتصادية ومن أهم هذه النتائج:
١ - انتشار تعاليم الدين الإسلامي الحنيف بين سكان هذه الهجر، وإقبالهم على التفقه في الدين،والعلم الشرعي وأداء العبادات على علم وبصيرة بواسطة العلماء والدعاة إلى الله ﷿.
٢ - انتشار الأمن في ربوع الجزيرة العربية بعد توحيدها على يد الملك عبد العزيز ﵀ وتم القضاء على أسباب الفوضى والمنازعات بين القبائل، وساعد ذلك الأمن والاستقرار على ازدهار الحركة الاقتصادية في البلاد السعودية.
٣ - أوجدت فكرة توطين البادية الشعور بالمواطنة والولاء للدولة، والسمع والطاعة لولى الأمر، وانتهت - بحمد الله - أسباب الفتن والخلافات بين القبائل، والتعصب للقبيلة بين الأفراد والمجموعات.
[ ٤١ / ١٠٦ ]
٤ - أوجد مشروع توطين البادية قوة عسكرية دينية شاركت في جهود الملك عبد العزيز - يرحمه الله - في توحيد المملكة العربية السعودية، وكانت هذه القوة العسكرية على أكمل استعداد للتحرك مع الملك عبد العزيز ﵀ في حملاته العسكرية، وكانت جندًا في وقت الشدائد وأيدٍ عاملة في وقت السلم.
٥ - أظهرت فكرة توطين البادية حرص الملك عبد العزيز ﵀ واهتمامه بشئون رعيته، وعنايته بمصالحهم وبما يحقق لهم الحياة الكريمة من خلال تقديمه للمساعدات المختلفة لسكان تلك الهجر، وسؤاله الدائم عن أحوالهم، ولا غرابة إذ احتل موحد الجزيرة العربية الملك عبد العزيز - يرحمه الله - مكانة كبيرة في نفوس مواطنيه، وذلك لما أبداه - طيب الله ثراه - من عناية بهم ورعاية لأحوالهم، فقد أعلن أنه يعتبر كبيرهم بمنزلة الوالد، وأوسطهم أخًا، وصغيرهم ابنًا
(١٧) العناية بالخدمات البلدية
اقتضت النهضة المباركة الشاملة التي شهدتها البلاد السعودية في عهد الملك عبد العزيز - يرحمه الله - إنشاء إدارات حكومية تهتم بالشئون البلدية لتقديم أفضل الخدمات للمواطنين، وقد اتجهت عناية الملك عبد العزيز - يرحمه الله - ضمن جهوده المباركة لتنظيم الأعمال الحكومية فأنشأ فيما بعد ماعرف بـ (البلديات) في كل من مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والرياض، وجدة، والطائف، والظهران، وجيزان، وغيرها من المدن السعودية الأخرى.
وقد جعلت لهذه البلديات صفتان مزدوجتان:
الصفة الأولى: حكومية تتمثل في نظامها الإداري والمالي، وطرق جباية الرسوم والضرائب، وفي تعيين رؤساء البلديات وكبار موظفيها.
الصفة الثانية: أهلية تتمثل في مجالسها البلدية التي يجري اختيارها عن طريق الانتخابات.
[ ٤١ / ١٠٧ ]
وحدد المرجع لهذه البلديات في سائر أنحاء المملكة العربية السعودية، وهم حكامها الإداريون، ماعدا بلدية مكة المكرمة فمرجعها النيابة العامة بالحجاز (نائب الملك) ولها اختصاصات انفردت بها عن بلديات المدن الأخرى.
وقد توسعت الخدمات البلدية التي تقدمها هذه البلديات، وزادت المسئوليات بسبب الخطى المباركة التي خطتها حكومة المملكة العربية السعودية في طريق نهضتها الحديثة، فجمعت تلك البلديات بين الأعمال البلدية، ومصالح التنظيم في المدن السعودية، ومن أهم الأعمال التي كلفت بها البلديات: المسئولية عن تنظيم المدينة ونظامها وإنارتها، ومراقبة الإنشاءات والمباني، وتوسعة الطرق، ونزع الملكيات لتوسعة الطرق بعد اتخاذ الإجراءات النظامية، وإحصاء العقارات وترقيمها، ومراقبة الأسعار بالأسواق، ومنع الاحتكار، ومراقبة المخابز والمأكولات والمشروبات غير الصالحة للاستعمال، إلى غير ذلك من الأعمال والخدمات البلدية التي تحتاجها المدن في العصر الحديث.
(١٨) الرعاية الصحية
اهتم الملك عبد العزيز ﵀ بالصحة العامة للمواطنين والوافدين لبلاده، وكانت العناية بالصحة من أبرز ما عرف عن الملك عبد العزيز - يرحمه الله - حتى وصف بأنه من أشد الناس شعورًا بالواجب في هذا المجال.
وبهذه العناية الملكية بالشئون الصحية انتقلت المملكة العربية السعودية إلى عهد جديد ظهرت فيه الخدمات الصحية لتشمل الحواضر والبوادي، فقد أصدر الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ أوامره باستقدام الأطباء من البلاد المجاورة الذين وضعوا النواة الأولى للتنظيم الصحي في البلاد السعودية، وبذلك الاهتمام بالصحة انتهت الحقبة الزمنية التي كان الناس فيها يعتمدون على المعالجة الطبية بواسطة الأعشاب، وطرق العلاج البدائي التي هي في غاية من الخطورة في كثير من الأحيان.
[ ٤١ / ١٠٨ ]
وبعد صدور أمر الملك عبد العزيز - يرحمه الله - في سنة ١٣٤٤هـ بإنشاء (مديرية الصحة العامة) تطورت الخدمات الصحية،وأخذت هذه المديرية خطوات إلى الإمام، فأنشأت المستشفيات الحكومية، والمستوصفات الطبية في أنحاء البلاد، واستقدمت الأطباء في التخصصات المتعددة، وأحضرت الأدوية والعلاجات اللازمة مع التوسع في استخدام أساليب الفحص والعلاج الحديث.
ولإدراك الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - لحجم المسئولية أمام الله ﷿ عن مئات الألوف التي تقدم إلى مكة لحج بيت الله الحرام زاد من استقدام أهل الاختصاص بالطب والجراحة من الأقطار القريبة والبعيدة لتأمين الرعاية الصحية لضيوف الرحمن، وهم يؤدون هذا الركن من أركان الإسلام.
ولتزايد الحاجة للخدمات الصحية أمر الملك عبد العزيز - يرحمه الله - بإنشاء (وزارة الصحة) يتولى شئونها صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله الفيصل آل سعود، وقد بدأت هذه الوزارة مهامها بجد ونشاط من خلال تقسيم المملكة العربية السعودية إلى مناطق صحية من أهمها:
منطقة صحة مكة، منطقة صحة المدينة، منطقة صحة الرياض، منطقة صحة جدة، وقامت بإنشاء مراكز طبية في مدن المملكة تحت إشراف تلك المناطق الصحية، وبذلت وزارة الصحة جهودها المكثفة لإعداد القوى البشرية الوطنية العاملة في الخدمات الطبية، فتم إرسال الشباب السعودي لدراسة العلوم الطبية بجميع فروعها في الجامعات المصرية والأوربية والأمريكية، فيعودون إلى بلادهم أعضاء عاملين في الخدمات الطبية.
[ ٤١ / ١٠٩ ]
ونالت البوادي نصيبها من الخدمات الطبية التي عمت أنحاء المملكة، فأنشئت إدارة خاصة تضم مجموعة من الأطباء المتنقلين يقومون بجولات طبية في البادية، وتقديم الأدوية والأمصال اللازمة للبدو الرحل، وقد زودت هذه الإدارة بما تحتاجه من أدوية وخيام وسيارات. وحرصا على تقديم هذه الوزارة للخدمات الطبية والرعاية الصحية لحجاج بيت الله الحرام تم اتخاذ التدابير الطبية اللازمة من خلال:
أ - إنشاء المحاجر الصحية في الموانئ والمطارات وغيرها من منافذ قدوم الحجاج، وقد تم رعاية هذه المحاجر الطبية وفقا للأنظمة الصحية.
ب - إقامة مراكز طبية في الأماكن المقدسة التي ينزل بها الحجاج أثناء رحلة الحج في منى، وعرفات، ومزدلفة، وداخل مكة وغيرها من الأماكن مع تقديم المساعدة الطبية لمن يحتاجها من الحجاج المرضى، ونقلهم بين المشاعر المقدسة مراعاة لحالتهم الصحية.
لقد كان الملك عبد العزيز - يرحمه الله - حريصًا على تأمين الرعاية الصحية ليستفيد منها أكثر عدد من المواطنين والمقيمين وحجاج بيت الله الحرام، ومما يؤكد هذا الحرص أنه كان يقوم من وقت لآخر بجولات تفقدية على تلك المستشفيات والمراكز الطبية، ويصدر أوامره بعمل ما تحتاجه من إصلاحات، وبناء المرافق والعيادات، وتأمين المستلزمات الطبية بالإضافة إلى صدور الأوامر الملكية من حين لآخر بإنشاء المستشفيات الحكومية في المدن السعودية فأنشئ في عهده:
مستشفى الملك عبد العزيز بمكة، مستشفى الملك عبد العزيز بالرياض، مستشفى الملك عبد العزيز بجدة، مستشفى الملك عبد العزيز بالمدينة، وبذلك عاشت المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - نهضة صحية عمت الحواضر والبوادي السعودية لتأمين الصحة للجميع.
(١٩) تنمية الاقتصاد السعودي
[ ٤١ / ١١٠ ]
أبدى الملك عبد العزيز - يرحمه الله - اهتمامه بالناحية الاقتصادية، وذلك لرغبته في تنظيم الشؤون المالية للدولة السعودية بهدف تقوية دعائم الدولة، ولاقتناعه بأن تنظيم الدولة وفق الدين الإسلامي سيكفل بإذن الله ﷿ لأبناء البلاد الأمن والرخاء،إذ إن الدين الإسلامي دين ودولة وفطرة سليمة نظم العلاقة بين أفراد المجتمع المسلم.
ولم تكن للشؤون المالية في بداية توحيد الدولة السعودية إدارة منظمة خاصة بها، وإنما أنشئت في كل مدينة إدارة لجباية الزكاة يتولى الأشراف عليها الحاكم الإداري ومرجعه الملك عبد العزيز - يرحمه الله ـ، وتبع ذلك صدور أمر الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - القاضي بربط الإدارات المالية المتفرقة في مدن المملكة في إدارة واحدة، فأنشئت في ١٧ ربيع الآخر ١٣٤٦هـ (مديرية المالية العامة) ومقرها مكة المكرمة.
وخلال فترة قصيرة من حكم الملك عبد العزيز - يرحمه الله - ظهرت ملامح الدولة السعودية، فأصبحت دولة إسلامية بنيت على أسس الشريعة الإسلامية، وبدأ ﵀ بتنظيم الشئون المالية لدولته بالاعتماد على أن مديرية المالية وفروعها هي بيت مال المسلمين تحفظ فيها الزكاة والرسوم المتحصلة التي كانت تعتبر أهم الموارد المالية للدولة السعودية في بداية حكم الملك عبد العزيز يرحمه الله.
وفي شهر جمادى الآخرة ١٣٤٨هـ جعلت هذه المديرية (وكالة المالية العامة)، ثم بعد فترة زمنية رأي الملك عبد العزيز - يرحمه الله - أن تكون للشئون المالية في دولته وزارة واسعة النطاق ذات نظام خاص، فأنشأ وزارة المالية سنة ١٣٥١هـ، وصدر نظام المالية، ومازالت هذه الوزارة تتسع باتساع أعمالها، وزيادة مهامها المالية، وانتشار فروعها الإدارية في مدن المملكة.
وظهرت خبرة الملك عبد العزيز - يرحمه الله - في الشئون المالية من خلال سياسته المالية لتصريف أمور الدولة السعودية، وتميزت هذه السياسة باتجاهين هما:
[ ٤١ / ١١١ ]
١ - تحديد المصادر المالية للدولة.
٢ - تنظيم إجراءات الإنفاق للدولة.
وإدراكا من الملك عبد العزيز - يرحمه الله - لأهمية الاتجاه الأول أنشأ مجلسًا مهمته تدقيق الأوراق الرسمية،والمعاملات المالية والإدارية للدولة.
ولما زادت - بفضل الله ﵎ الواردات المالية للدولة السعودية بعد اكتشاف النفط، وكثر التعامل بين المملكة العربية السعودية وبين المؤسسات الاقتصادية في الداخل والخارج رأى الخبراء في الشئون المالية حماية الصندوق الحكومي والأسواق التجارية من تقلبات حركة النقد العالمية وأثرها في النقد السعودي،ولما عرض الرأي على الملك عبد العزيز - يرحمه الله - أمر بإنشاء (مؤسسة النقد العربي السعودي)، بموجب الأمر الملكي الصادر في ٢٥ رجب ١٣٧١هـ.
وقد أشار الأمر الملكي إلى أهمية إنشاء هذه المؤسسة لخدمة النقد الرسمي للدولة، ولما تقتضيه المصلحة العامة، وتم إعلان نظام هذه المؤسسة والمهام المالية الموكلة إليها،وختم نظام مؤسسة النقد بالمادة التي تنص على أنه لا يحق لهذه المؤسسة أن تأتي بأي عمل يتعارض مع قواعد الشرع الحنيف.
ومما تقدم عن اهتمام الملك عبد العزيز - يرحمه الله - بالاقتصاد الوطني، والشئون المالية للدولة يظهر لنا حرصه على إيرادات الدولة المالية ونفقاتها، وتتبين لنا ملامح السياسة المالية في عهده حيث كانت غاية الملك عبد العزيز - يرحمه الله - تحقيق الأمن الاقتصادي للدولة السعودية وتحقيق الأمن الاجتماعي للمواطنين، وشدة عنايته واهتمامه باستمرار الدولة السعودية المباركة في تقديم الخدمات العامة التي تحتاجها الإدارات الحكومية، وبقاء الخدمات التي يحتاجها المجتمع السعودي في ذلك الوقت من خلال التوازن بين إيرادات الدولة ونفقاتها ليضمن بذلك استمرار العمل والبناء والنهضة المباركة الشاملة في أنحاء بلاده.
(٢٠) الاهتمام بالاتصالات الحديثة
[ ٤١ / ١١٢ ]
اهتم الملك عبد العزيز - يرحمه الله - بأن يكون لبلاده الحظ الأوفر من وسائل الاتصال الحديثة، وكان في مقدمة ما وّجه الملك عبد العزيز ﵀ إليه جهده إنشاء مصلحة حكومية خاصة بشئون الاتصالات، وأمر - يرحمه الله - بإعداد الإدارات الحكومية التي تحتاجها تلك المصلحة في كافة أنحاء المملكة العربية السعودية.
واهتم الملك عبد العزيز - يرحمه الله - بالخدمة الهاتفية فتم إيصالها إلى الإدارات الحكومية، والمنازل والمحلات التجارية في كل من مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والرياض، وجدة، والطائف، وعسير، والأحساء، ولتقديم أفضل الخدمات للمستفيدين من هذه الخدمة الحيوية الهامة تم ابتعاث عدد كبير من الدارسين إلى كل من مصر وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، فعادوا من تلك البلدان بعد إتقانهم لشئون الهاتف الفنية، وأمر الملك عبد العزيز - يرحمه الله - بإنشاء أربع مدارس للتعليم والتدريب على أعمال الهاتف واللاسلكي في كل من مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والرياض، وبعد فترة أصبح جميع مدرسي اللاسلكي والهاتف في المملكة من المواطنين السعوديين، وكذلك جميع أعمال المراكز الهاتفية كلها في أيدي السعوديين.
وقد ظهر بوضوح نتائج هذا الاهتمام الذي أبداه الملك عبد العزيز ﵀ بوسائل الاتصالات الحديثة من خلال تغطية أطراف البلاد السعودية بشبكة من الاتصالات السلكية واللاسلكية، والاتصالات الهاتفية، والخدمات البرقية والبريدية، بالإضافة إلى ربط الإدارات الحكومية المختلفة بواسطة تلك الخدمات الهامة، وقد ساعدت وسائل الاتصال على حفظ الأمن، ونهضة البلاد السعودية من الناحية العمرانية، وازدهار الحركة التجارية، فضلا عن التواصل عبر تلك الوسائل بين المواطنين مما أدى إلى تقوية الروابط الاجتماعية فيما بينهم.
(١ ٢) الاهتمام بالمواصلات الحديثة
(أ) الطرق البرية:
[ ٤١ / ١١٣ ]
كانت أقاليم البلاد السعودية مفككة الأوصال لا يربط أجزاءها من وسائل المواصلات غير الإبل والخيل، وكانت الطرق غير معّبدة وغير صالحة للسير، فكان المسافر يلاقي في طريقه كثيرًا من العقبات والمصاعب، ولإدراك الملك عبد العزيز - يرحمه الله - لأهمية الطرق الحديثة لما لها من أثر في تنمية المملكة العربية السعودية، وتطويرها اهتم ﵀ بالمواصلات اهتمامًا كبيرًا، مما ساعد على ازدهار بلاده وزيادة الحركة التجارية، واستتاب الأمن فيها، واستقرار أوضاعها.
ولاستمرار تلك النهضة السعودية المباركة أمر الملك عبد العزيز ﵀ بتأسيس مصلحة عرفت باسم (مصلحة الطرق والمخابرات اللاسلكية) وجعلها تابعة لوزارة المالية، وكلف هذه المصلحة بالعمل على تذليل مصاعب التنقلات، وحركة السفر من خلال شق الطرق وتعبيدها،وإدخال وسائل النقل والمواصلات الحديثة، وربط أجزاء البلاد السعودية بعضها ببعض، وقد قامت هذه المصلحة بما عهد إليها، وبذلت في سبيل تحقيق رغبة الملك عبد العزيز - يرحمه الله - جهودًا كبيرة، ونفذت مشاريع متعددة لتسهيل حركة النقل والتنقل في أنحاء المملكة.
ومن أهم الطرق التي أولاها الملك عبد العزيز - يرحمه الله - عنايته واهتمامه الطرق التي يسلكها حجاج بيت الله الحرام أثناء تنقلهم بين مكة والمدينة وجدة، فكانت أمنيته أن يرى الطرق ممهدة بين جده والمدينة ومكة تخفيفًا عن حجاج بيت الله الحرام وغيرهم مما كانوا يلاقونه من مشاق في سفرهم، وتنقلهم بين تلك المدن.
[ ٤١ / ١١٤ ]
وقد سعى ﵀ في تحقيق تلك الأمنية فأمر بإنشاء ذلك الطريق بالاتفاق مع شركة عالمية تقوم بتعبيد الطريق وفرشه بالإسفلت، ونص المشروع على إنجاز ذلك الطريق في سنة ١٣٧٣هـ، وتوفي الملك عبد العزيز - يرحمه الله - قبل ذلك الموعد فلم تقر عينه بالسير على هذا الطريق بين جدة المدينة الذي أنجز وفق أحسن الأساليب المتبعة في إنشاء الطرق في ذلك الوقت.
وقد حظيت القرى التي مر بها هذا الطريق بالعناية والاهتمام، وتم بواسطة هذا الطريق المهم ربطها ببعض مما حقق لها التقدم والازدهار، ومواكبة النهضة الشاملة التي تعيشها البلاد السعودية.
وبعد اتساع حركة النقل والمواصلات وتزايد أعمالها تم تحويل (مصلحة الطرق) إلى (وزارة المواصلات)، فأخذت هذه الوزارة في العمل المتواصل وإنجاز المشاريع الهامة في مجال المواصلات البرية بين مدن المملكة ومنها: طريق مكة - منى - عرفات، طريق مكة - جده، وطريق مكة - الطائف، وطريق جدة - المدينة، وطريق مكة - الرياض. وغيرها من الطرق البرية الحديثة التي هيأت للمسافرين التنقل المريح، وخففت عن حجاج بيت الله الحرام ما كانوا يجدونه من المشاق أثناء تنقلهم بين المشاعر المقدسة.
(ب) النقل الجوى:
[ ٤١ / ١١٥ ]
تعتبر الخطوط الجوية العربية السعودية ثمرة من الثمرات اليانعة التي وضع غرسها المبارك الملك عبد العزيز - يرحمه الله ـ، وهي إحدى إنجازاته انطلاقًا مما كان يبديه من اهتمام فائق بوسائل المواصلات المختلفة في عهده، ومحاولته الاستفادة منها لخدمة المساحات الشاسعة التي تتألف منها المملكة العربية السعودية، وعندما ظهرت الحاجة لتأمين الطائرات لنقل الركاب بين مدن المملكة واقترح المتحمسون لهذه الفكرة جمع التبرعات لشراء الطائرات اللازمة كان الملك عبد العزيز - يرحمه الله - قي مقدمة المتبرعين لهذا المشروع المهم، وشارك في التبرع ولي عهده الأمير سعود ونائبه الأمير فيصل - رحمهما الله ـ، ووصلت التبرعات إلى أكثر من ثلاثة ملايين ريال، فتم شراء ثلاث طائرات أطلقت عليها أسماء المدن الرئيسة بالمملكة وهي: مكة -المدينة -الرياض.
وإسهامًا من الملك عبد العزيز - يرحمه الله - في خدمة المواطنين وضع الطائرة الخاصة به التي أهديت إليه من الرئيس الأمريكي (روزفلت) في عام ١٣٦٥هـ وضعها في خدمة المواطنين لمساعدتهم على التنقل بواسطتها، وبذلك بدأ عصر ازدهار الطيران والنقل الجوي في المملكة العربية السعودية.
ولما تزايدت الحاجة للنقل الجوى واعتماده وسيلة أولية في تأمين الاتصال بين مناطق المملكة العربية السعودية، أمر الملك عبد العزيز - يرحمه الله - بشراء طائرتين، فكانت هذه الطائرات الست هي النواة الأولى للأسطول الجوى الذي تملكه الخطوط الجوية العربية السعودية في الوقت الحاضر، وتم استخدام هذه الطائرات في نقل المسافرين، وحمل البريد بين المناطق الوسطى والشرقية والغربية من المملكة.
[ ٤١ / ١١٦ ]
وأمر الملك عبد العزيز ﵀ بشراء المزيد من الطائرات المختلفة بين الحين والآخر، مما ساعد على ربط المملكة العربية السعودية داخليًا وبالعالم حولها خارجيًا عبر الرحلات الجوية التي كانت تنطلق من المطارات السعودية في الرياض وجدة والظهران، وبهذا الاهتمام الذي أبداه الملك عبد العزيز ﵀ بالطيران والنقل الجوى أصبحت الخطوط الجوية السعودية إحدى أقدم مؤسسات الطيران في العالم العربي.
(ج) الموانئ البحرية:
اهتم الملك عبد العزيز - يرحمه الله - بالموانئ السعودية على ساحل البحر الأحمر، وساحل الخليج العربي، وأبدى رغبته في تطوير هذه الموانئ، وربطها مع بعضها البعض بواسطة السفن البخارية التي أمر ﵀ بشراء أعداد منها، بالإضافة إلى زوارق بحرية صغيرة، وقد زاد عدد هذه السفن بشراء أعداد جديدة منها لتحقيق رغبة الملك عبد العزيز - يرحمه الله ـ.
وقد اعتنى الملك عبد العزيز ﵀ بميناء جده لأهميته حيث إنه محطة وصول الحجاج وطريقهم إلى بيت الله الحرام بمكة، وليخفف مما كان يجده الحجاج عند وصولهم إلى ميناء جده من مشاق،وذلك بسبب عجز الميناء عن استقبال السفن البخارية الكبيرة، واضطرار الحجاج إلى ركوب قوارب صغيرة حتى يصلوا إلى ميناء جدة، وفي ذلك مشقة عليهم لتعرضهم لحرارة الشمس، وتعريضهم للخطر في نزولهم وصعودهم.
وتلافيًا لتلك الأخطار أمر الملك عبد العزيز - يرحمه الله - في المحرم سنة ١٣٦٦هـ بتطوير ميناء جدة، وبعد سنوات قلائل من العمل المستمر افتتح هذا الميناء في جمادى الآخر ١٣٦٩هـ، وبافتتاحه ظهر نجاح هذا المشروع الهام، وبعد نظر الملك عبد العزيز ﵀ باهتمامه بهذا الميناء الذي أصبح يستقبل باخرة للركاب وأخرى للبضائع في وقت واحد، وألحق بهذا المشروع المباني الخاصة بالإدارات الحكومية ذات العلاقة بنقل البضائع، وخدمة حجاج بيت الله الحرام.
[ ٤١ / ١١٧ ]
واهتم الملك عبد العزيز ﵀ بميناء الدمام على ساحل الخليج العربي وأصبح يطلق عليه (ميناء الملك عبد العزيز)، وهو من الموانئ التجارية الهامة، وتم ربط هذا الميناء بخط السكك الحديدية الذي يصل إلى مدينة الرياض، فسهلت بهذا الاتصال حركة النقل التجارية بين المدينتين، بالإضافة إلى أن ميناء الدمام أصبح الطريق الوحيد لنقل وتصدير البترول بعد اكتشافه.
(د) السكك الحديدية:
أبدى الملك عبد العزيز - يرحمه الله - خلال زيارته لدولة مصر إعجابه بالطرق التي تسير عليها القطارات البخارية، وبعد عودته إلى بلاده أخذ يردد الحديث عن سكك الحديد التي رآها، ولماذا لا يكون في البلاد السعودية منها مثل ما هو موجود في غيرها؟
وبعد زيادة النشاط التجاري ونشاط حركة النقل بين الرياض والدمام خاصة بعد ظهور النفط، وصعوبة الطريق البري بين المدينتين تطلع الملك عبد العزيز ﵀ إلى وسيلة أخرى تقطع تلك المفاوز، وتساءل لماذا لا يكون بين ميناء الدمام وبين الرياض العاصمة قطار حديدي؟
وبدأ الملك عبد العزيز - يرحمه الله - بدراسة تنفيذ الفكرة فعليًا، وتم في شهر شعبان ١٣٦٥هـ عقد لقاء بينه وبين رؤساء بعض الشركات، وأمرهم بدراسة إنشاء سكة حديدية من الثغر السعودي الشرقي مدينة الدمام إلى قلب الجزيرة العربية مدينة الرياض.
ونظرًا لما أبداه الملك عبد العزيز ﵀ من حماس شديد ورغبة قوية تجاه هذا المشروع الحيوي الهام،فقد بدء العمل في إنشاء ذلك الخط الحديدي الذي يصل بين الخليج ومدينة الرياض، وبتاريخ ١٩ محرم ١٣٧١هـ وصلت عربات هذا القطار إلى النقطة المحددة له بمدينة الرياض، وأقيم احتفال كبير بهذه المناسبة حضره الملك عبد العزيز - يرحمه الله - والأمراء والوزراء والأعيان وغيرهم.
[ ٤١ / ١١٨ ]
ولأهمية هذا الإنجاز فقد تعاهده الملك عبد العزيز ﵀ بالعناية والاهتمام من خلال تفقده لمحطات القطار، وما يحتاجه من تطوير، ومتابعته لما ينضم للخدمة من عربات جديدة.
وكانت همة الملك عبد العزيز ﵀ أكبر وعزيمته أقوى من الاكتفاء بهذا الخط الحديدي الذي ربط بين الدمام والرياض، فقد تطلع إلى استمرار العمل لإيصال هذا الخط الحديدي من الرياض إلى جده، ففي عام ١٣٧٢هـ وجه الملك عبد العزيز - يرحمه الله - وزارة المالية باتخاذ التدابير لاعتماد هذا المشروع الذي يربط شرق البلاد السعودية بغربها، وتم تكليف لجنة فنية لاختيار المواضع التي تصلح لمرور هذا الطريق الحديدي، بالإضافة إلى وضع التصاميم اللازمة لذلك المشروع.
(٢٢) وسائل الإعلام
لا تخفى أهمية الوسائل الإعلامية للدول في العصر الحديث، فهي الناطق الرسمي لكل دولة، ومصدر الأخبار الموثوقة لما يحدث في تلك الدول، وإدراكًا من الملك عبد العزيز - يرحمه الله - لأهمية وسائل الإعلام فقد أولاها اهتماما خاصًا حرصًا منه على نشر تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وإيصال صوت الحق إلى أبعد مدى ممكن عبر الإذاعة السعودية.
[ ٤١ / ١١٩ ]
وقد افتتحت محطة الإذاعة بالمملكة العربية السعودية بكلمة للملك عبد العزيز ﵀ ألقاها نيابة عنه نائب الملك في المنطقة الغربية الأمير فيصل بن عبد العزيز - يرحمه الله - في يوم الوقفة بعرفات ٩ذي الحجة ١٣٦٨هـ في تمام الساعة الواحدة بالتوقيت الغروبي ومما ورد في تلك الكلمة الافتتاحية: "الحمد لله الذي جعل هذا البيت الحرام مثابة وأمنا، كما أحمده وأشكره والشكر من نعمائه أن يسر للناس حج بيته العتيق، وجعل قلوبهم تهفو إليه ليشهدوا منافع لهم، وتتألف قلوبهم بذكر الله في هذه البقاع الطاهرة التي كانت منزلًا للوحي لهدى الناس أجمعين،وأصلى واسلم على رسول الله الذي بعثه بالهدى ودين الحق، وبعد فإنه ليسرنا أن نخاطب إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من هذا البيت الحرام،في هذا اليوم المبارك ونتناصح ونتواصى بالبر والتقوى وندعو الجميع للتمسك بكتاب الله،وإخلاص العبادة له وحده كما أمرنا ربنا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
وقد أنشئت مباني محطة الإذاعة في مدينة جدة، وهي تضاهي أحسن المحطات العالمية، وبإنشائها تهيأ للمواطن الاستماع إلى ما يلقى ويبث من آي الذكر الحكيم والنصائح الدينية، وإلى ما يدعو إلى تهذيب النفوس، والثقافة العامة من دروس وخطب ومحاضرات حسب المناهج المقررة لتلك الإذاعة.
وتم تكليف وزارة المالية بالإنفاق على شئون هذه المحطة الإذاعية وفق المخصصات التي رصدت لتمويل المحطة للقيام بالمهام الموكلة إليها.
ونظرًا لتوسع الخدمات الإذاعية فيما بعد، تم إنشاء محطة إذاعية ثانية في مكة المكرمة، تفضل بافتتاحها الأمير فيصل بن عبد العزيز ﵀ نيابة عن والده الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - وذلك بتاريخ ١محرم ١٣٧١هـ.
ولما اتسعت أعمال الإذاعة، وزادت أهمية وسائل الإعلام، اقتضت المصلحة إنشاء (وزارة الإعلام)، ومقرها مدينة الرياض في سنة ١٣٨٢هـ.
[ ٤١ / ١٢٠ ]