٢٥- الحميد:
قال رحمه الله تعالى: "الحميد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فله من الأسماء أحسنها، ومن الصفات أكملها، ومن الأفعال أتمها، وأحسنها، فإن أفعاله تعالى دائرة بين الفضل، والعدل.
فالحمد كثرة الصفات والخيرات، فهو الحميد لكثرة صفاته الحميدة، وهو سبحانه حميد من وجهين:
أحدهما: أن جميع المخلوقات ناطقة بحمده، فكل حمد وقع من أهل السماوات والأرض الأولين منهم، والآخرين، وكل حمد يقع منهم في الدنيا، والآخرة، وكل حمد لم يقع منهم بل كان مفروضًا، ومقدرًا حيثما تسلسلت الأزمان، واتصلت الأوقات حمدًا يملأ الوجود كله العالم العلوي، والسفلي، ويملأ نظير الوجود من غير عد، ولا إحصاء فإن الله تعالى مستحقه من وجوه كثيرة:
منها أن الله هو الذي خلقهم، ورزقهم، وأسدى عليهم النعم الظاهرة، والباطنة الدينية، والدنيوية، وصرف عنهم النقم، والمكاره، فما بالعباد من نعمة فمن الله، ولا يدفع الشرور إلا هو، فيستحق منهم أن يحمدوه في جميع الأوقات، وأن يثنوا عليه، ويشكروه بعدد اللحظات.
الوجه الثاني: أنه يحمد على ماله من الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، والمدائح والمحامد والنعوت الجليلة الجميلة، فله كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أكملها، وأعظمها فكل صفة من صفاته يستحق عليها أكمل الحمد، والثناء، فكيف بجميع الأوصاف المقدسة، فله الحمد لذاته، وله الحمد لصفاته، وله الحمد لأفعاله لأنها دائرة بين أفعال الفضل، والإحسان، وبين أفعال العدل، والحكمة التي يستحق عليها كمال الحمد، وله الحمد على خلقه، وعلى شرعه، وعلى أحكامه القدرية وأحكامه الشرعية، وأحكام الجزاء في الأولى، والآخرة، وتفاصيل حمده، وما يحمد عليه لا تحيط بها الأفكار، ولا تحصيها الأقلام.
٢٦- الحي: (الحي القيوم)
قال رحمه الله تعالى: "الحي القيوم كامل الحياة والقائم بنفسه.
[ ٤٣ / ١٣ ]
القيوم لأهل السماوات والأرض القائم بتدبيرهم وأرزاقهم وجميع أحوالهم فالحي: الجامع لصفات الذات، والقيوم: الجامع لصفات الأفعال وجمعهما في غاية المناسبة كما جمعهما الله في عدة مواضع من كتابه كقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ (١)، وذلك أنهما محتويان على جميع صفات الكمال، فالحي هو كامل الحياة، وذلك يتضمن جميع الصفات الذاتية لله كالعلم والعزة والقدرة، والإرادة، والعظمة، والكبرياء، وغيرها من صفات الذات المقدسة.
والقيوم هو كامل القيومية الذي قام بنفسه، وعظمت صفاته، واستغنى عن جميع مخلوقاته، وقامت به الأرض، والسماوات، وما فيهما من المخلوقات، فهو الذي أوجدها، وأمدها، وأعدّها لكل ما فيه بقاؤها، وصلاحها، وقيامها، فهو الغني عنها من كل وجه، وهي التي افتقرت إليه من كل وجه، فالحي، والقيوم من له صفة كل كمال، وهو الفعال لما يريد الذي إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، وكل الصفات الفعلية، والمجد، والعظمة، والجلال ترجع إلى اسمه القيوم، ومرجع صفات الكمال كلها ترجع إلى هذين الاسمين الكريمين، ولذلك ورد الحديث أن اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢) لاشتمالهما على جميع الكمالات.
فصفات الذات ترجع إلى الحي، ومعاني الأفعال ترجع إلى القيوم ".
٢٧- الحيي: (الحيي الستير الستار)
قال رحمه الله تعالى:"هذا مأخوذ من قوله ﷺ: "إن الله حيي يستحي من عبده إذا مد يده إليه أن يردها صفرًا" (٣) .
_________________
(١) البقرة (٢٥٥) .
(٢) آل عمران (٢١) ."
(٣) أخرجه أبو داود (٢/١٦٥) كتاب الصلاة باب الدعاء، والترمذي (٥/٥٥٧) كتاب الدعوات، وابن ماجه (٢/١٢٧١) كتاب الدعاء باب رفع اليدين في الدعاء من حديث سلمان الفارسي، وصححه الألباني. انظر: صحيح الترمذي (٣/١٧٩ ح ٣٨٠٩) .
[ ٤٣ / ١٤ ]
وهذا من رحمته، وكرمه، وكماله، وحلمه أن العبد يجاهر بالمعاصي مع فقره الشديد إليه، حتى أنه لا يمكنه أن يعصى إلا أن يتقوى عليها بنعم ربه، والرب مع كمال غناه عن الخلق كلهم من كرمه يستحي من هتكه، وفضيحته، وإحلال العقوبة به، فيستره بما يفيض له من أسباب الستر، ويعفو عنه، ويغفر له، فهو يتحبب إلى عباده بالنعم وهم يتبغضون إليه بالمعاصي، خيره إليهم بعدد اللحظات، وشرهم إليه صاعد.
ولا يزال الملك الكريم يصعد إليه منهم بالمعاصي، وكل قبيح، ويستحي تعالى ممن شاب في الإسلام أن يعذبه، وممن يمد يديه إليه أن يردهما صفرًا، ويدعو عباده إلى دعائه، ويعدهم بالإجابة.
وهو الحيي الستير: يحب أهل الحياء، والستر، ومن ستر مسلما ستر الله عليه في الدنيا، والآخرة، ولهذا يكره من عبده إذا فعل معصية أن يذيعها، بل يتوب إليه فيما بينه وبينه ولا يظهرها للناس، وإن من أمقت الناس إليه من بات عاصيًا، والله يستره فيصبح يكشف ستر الله عليه.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ (١) وهذا كله من معنى اسمه الحليم الذي وسع حلمه أهل الكفر، والفسوق، والعصيان، ومنع عقوبته أن تحل بأهل الظلم عاجلًا، فهو يمهلهم ليتوبوا، ولا يهملهم إذا أصروا، واستمروا في طغيانهم، ولم ينيبوا".
٢٨- الخافض الرافع:
٢٩- الخالق:
٣٠- الخبير: (العليم الخبير)
قال رحمه الله تعالى: "الخبير العليم: هو الذي أحاط علمه بالظواهر، والبواطن، والإسرار، والإعلان، والواجبات، والمستحيلات، والممكنات. وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي، والحاضر، والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء.
_________________
(١) النور (١٩) .
[ ٤٣ / ١٥ ]
وهو العليم المحيط علمه بكل شيء: بالواجبات، والممتنعات، والممكنات، فيعلم تعالى نفسه الكريمه، ونعوته المقدسة، وأوصافه العظيمة، وهى الواجبات التي لا يمكن إلا وجودها، ويعلم الممتنعات حال امتناعها، ويعلم ما يترتب على وجودها لو وجدت كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢) .
فهذا وشبهه من ذكر علمه بالممتنعات التي يعلمها، واخباره بما ينشأ منها لو وجدت على وجه الفرض، والتقدير، ويعلم تعالى الممكنات، وهى التي يجوز وجودها وعدمها ما وجد منها، وما لم يوجد مما لم تقتض الحكمة إيجاده، فهو العليم الذي أحاط علمه بالعالم العلوي، والسفلي لا يخلو عن علمه مكان، ولا زمان ويعلم الغيب، والشهادة، والظواهر، والبواطن، والجلي، والخفي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) .
والنصوص في ذكر إحاطة علم الله، وتفصيل دقائق معلوماته كثيرة جدًا لا يمكن حصرها، وإحصاؤها، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر، وإنه لا يغفل، ولا ينسى ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٤) ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (٥) (٦) .
وإن علوم الخلائق على سعتها، وتنوعها إذا نسبت إلى علم الله اضمحلت، وتلاشت، كما أن قدرتهم إذا نسبت إلى قدرة الله لم يكن لها نسبة إليها بوجه من الوجوه، فهو الذي علمهم ما لم يكونوا يعلمون وأقدرهم على ما لم يكونوا عليه قادرين.
_________________
(١) الأنبياء (٢٢) .
(٢) المؤمنون (٩١) .
(٣) البقرة (٢٣١) .
(٤) الأنعام (٥٩) .
(٥) طه (٧) .
(٦) توضيح الكافية الشافية (ص١١٨) .
[ ٤٣ / ١٦ ]
وكما أن علمه محيط بجميع العالم العلوي، والسفلي، وما فيه من المخلوقات ذواتها، وأوصافها، وأفعالها، وجميع أمورها.
فهو يعلم ما كان، وما يكون في المستقبلات التي لا نهاية لها، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، ويعلم أحوال المكلفين منذ أنشأهم، وبعد ما يميتهم، وبعد ما يحييهم، قد أحاط علمه بأعمالهم كلها خيرها، وشرها، وجزاء تلك الأعمال وتفاصيل ذلك في دار القرار.
فينبغي للمؤمن الناصح لنفسه أن يبذل ما استطاع من مقدوره في معرفة أسماء الله، وصفاته، وتقديسه، ويجعل هذه المسألة أهم المسائل عنده، وأولاها بالإيثار، وأحقها بالتحقيق ليفوز من الخير بأوفر نصيب.
[ ٤٣ / ١٧ ]
فيتدبر مثلًا اسم العليم: فيعلم إن العلم كله بجميع وجوهه، واعتباراته لله تعالى فيعلم تعالى الأمور المتأخرة أزلًا وأبدًا ويعلم جليل الأمور، وحقيرها، وصغيرها، وكبيرها، ويعلم تعالى ظواهر الأشياء، وبواطنها غيبها، وشهادتها ما يعلم الخلق منها، وما لا يعلمون، ويعلم تعالى الواجبات أو المستحيلات، والجائزات، ويعلم تعالى ما تحت الأرض السفلى كما يعلم ما فوق السماوات العلى، ويعلم تعالى جزئيات الأمور وخبايا الصدور، وخفايا ما وقع، ويقع في أرجاء العالم، وأنحاء المملكة، فهو الذي أحاط علمه جميع الأشياء في كل الأوقات، ولا يعرض تعالى لعلمه خفاء، ولا نسيان، ويتلو على هذه الآيات المقررة له كقوله في غير موضع: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢) ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٣) ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (٤) ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ (٥) ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٦) ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٧) ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ
_________________
(١) البقرة (٢٨٢) .
(٢) آل عمران (١١٩) .
(٣) التغابن (٤) .
(٤) طه (٧) .
(٥) الرعد (١٠) .
(٦) الحج (٧٠) .
(٧) آل عمران (٦) .
[ ٤٣ / ١٨ ]
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١) ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (٣) ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤) ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٥) ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٦) .
وغير ذلك من النصوص الكثيرة على هذا المعنى فإن تدبر بعض ذلك يكفي المؤمن البصير معرفته باحاطة علم الله تعالى وكمال عظمته وجليل قدره إنه الرب العظيم المالك.
٣١- ذو الجلال والإكرام:
قال رحمه الله تعالى:
_________________
(١) لقمان (٣٤) .
(٢) الأنعام (٥٩) .
(٣) الحج (٦٣) .
(٤) لقمان (٢٧) .
(٥) المجادلة (٧) .
(٦) السجدة (١٧) .
[ ٤٣ / ١٩ ]
"ذو الجلال والإكرام أي: ذو العظمة، والكبرياء، وذو الرحمة، والجود، والإحسان العام، والخاص، المكرم لأوليائه، وأصفيائه الذي يجلونه ويعظمونه ويحبونه".
٣٢- الرؤوف:
قال رحمه الله تعالى: "الرؤوف أي: شديد الرأفة بعباده فمن رأفته ورحمته بهم أن يتم عليهم نعمته التي ابتدأهم بها.
ومن رأفته توفيقهم القيام بحقوقه وحقوق عباده.
ومن رأفته ورحمته أنه خوف العباد، وزجرهم عن الغي، والفساد كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ (١) .
فرأفته ورحمته سهلت لهم الطرق التي ينالون بها الخيرات ورأفته ورحمته، حذرتهم من الطرق التي تقضي بهم إلى المكروهات فنسأله تعالى أن يتمم علينا إحسانه بسلوك الصراط المستقيم، والسلامة من الطرق التي تفضي بسالكها إلى الجحيم".
٣٣- الرافع الخافض:
٣٤- الرب:
قال المؤلف رحمه الله تعالى: "قد تكرر اسم (الرب) في آيات كثيرة.
والرب هو المربي جميع عباده بالتدبير وأصناف النعم.
وأخص من هذا تربيته لأصفيائه بإصلاح قلوبهم وأرواحهم وأخلاقهم وبهذا كثر دعاؤهم له بهذا الإسم الجليل لأنهم يطلبون منه هذه التربية الخاصة.
وهو الذي له جميع معاني الربوبية التي يستحق أن يؤله لأجلها وهي صفات الكمال كلها والمحامد كلها له والفضل كله والإحسان كله، وأنه لا يشارك الله أحد في معنى من معاني الربوبية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢) .
لا بشر ولا ملك، بل هم جميعًا عبيد مربوبون لربهم بكل أنواع الربوبية مقهورون خاضعون لجلاله وعظمته، فلا ينبغي أن يكون أحد منهم ندًا ولا شريكًا لله في عبادته وإلوهيته.
فبربوبيته سبحانه يربي الجميع من ملائكة وأنبياء وغيرهم خلقًا ورزقًا وتدبيرًا وإحياءً وإماتةً.
_________________
(١) الزمر (٦٦) .
(٢) الشورى (١١) .
[ ٤٣ / ٢٠ ]
وهم يشكرونه على ذلك بإخلاص العبادة كلها له وحده، فيؤلهونه ولا يتخذون من دونه وليًا ولا شفيعًا، فالإلهية حق له سبحانه على عباده بصفة ربوبيته ".
٣٦- الرحمن الرحيم:
قال رحمه الله تعالى: "الرحمن الرحيم: اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل مخلوق، وكتب الرحمة الكاملة للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة المتصلة بالسعادة الأبدية، ومن عداهم محروم من هذه الرحمة الكاملة، لأنه الذي دفع هذه الرحمة وأباها بتكذيبه للخبر وتوليه عن الأمر فلا يلومن إلا نفسه.
واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها ما دل عليه الكتاب والسنة من الإيمان بأسماء الله كلها وصفاته جميعها وبأحكام تلك الصفات.
فيؤمنون مثلًا بأنه رحمن رحيم ذو الرحمة العظيمة التي اتصف بها المتعلقة بالمرحوم، فالنعم كلها من آثار رحمته، وهكذا يقال في سائر الأسماء الحسنى.
فيقال عليم: ذو علم عظيم يعلم به كل شيء.
قدير: ذو قدرة يقدر على كل شيء.
فإن الله قد أثبت لنفسه الأسماء الحسنى والصفات العليا، وأحكام تلك الصفات، فمن أثبت شيئًا منها ونفى الآخر كان مع مخالفته للنقل والفعل متناقضًا مبطلًا.
[ ٤٣ / ٢١ ]
ودلالة الأسماء على الذات والصفات تكون بالمطابقة، والتضمين، والإلتزام فإن الدلالة نوعان: لفظية، ومعنوية عقلية، فإن أعطيت اللفظ جميع ما دخل فيه من المعاني فهي دلالة مطابقة لأن اللفظ طابق المعنى من غير زيادة ولا نقصان، وإن اعطيته بعض المعنى فتسمى دلالة تضمن، لأن المعنى المذكور بعض اللفظ وداخل في ضمنه، وأما الدلالة المعنوية العقلية فهي خاصة بالعقل والفكر الصحيح لأن اللفظ بمجرده لا يدل عليها وإنما ينظر العبد ويتأمل في المعاني اللازمة لذلك اللفظ الذي لا يتم معناها بدونه وما يشترط له من الشروط، وهذا يجرى في جميع الأسماء الحسنى كل واحد منها يدل على الذات وتلك الصفة دلالة مطابقة ويدل على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمن. ويدل على الصفة الأخرى اللازمة لتلك المعاني دلالة إلتزام، مثال ذلك: (الرحمن) يدل على الذات وحدها وعلى الرحمة وحدها دلالة تضمن، وعلى الأمرين دلالة مطابقة، ويدل على الحياة الكاملة والعلم المحيط والقدرة التامة ونحوها دلالة التزام لأنه لا توجد الرحمة من دون حياة الراحم وقدرته الموصلة لرحمته، للمرحوم وعلمه به وبحاجته.
[ ٤٣ / ٢٢ ]
ومن تدبر اسمه "الرحمن" وأنه تعالى واسع الرحمة له كمال الرحمة، ورحمته قد ملئت العالم العلوي والسفلي وجميع المخلوقات وشملت الدنيا والآخرة ويتدبر الآيات الدالة على هذا المعنى كقوله تعالى ﴿أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١) الآيات ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ (٣) ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٤) ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ (٥) ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦) .
ويتلو سورة النحل الدالة على أصول النعم وفروعها التي هى نفحة وأثر من آثار رحمة الله ولهذا قال في آخرها ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (٧) .
ثم تدبر سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فإنها عبارة عن شرح وتفصيل لرحمة الله تعالى فكل ما فيها من ضروب المعاني وتصاريف الألوان من رحمة الرحمن ولهذا اختتمها في ذكر ما أعد الله للطائعين في الجنة من النعيم المقيم الكامل الذي هو أثر من رحمته تعالى ولهذا يسمى الله الجنة الرحمة كقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٨) .
وفي الحديث أن الله قال للجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي". وقال: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٩) .
_________________
(١) الأعراف (١٥٦) .
(٢) البقرة (١٤٣) .
(٣) الروم (٥٠) .
(٤) لقمان (٢٠) .
(٥) النحل (٥٣) .
(٦) إبراهيم (٣٤) .
(٧) النحل (٨١) .
(٨) آل عمران (١٠٧) .
(٩) وسف (٦٤) .
[ ٤٣ / ٢٣ ]
وفي الحديث الصحيح: "الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها" (١) .
وفي الحديث الآخر: "أن الله كتب كتابًا عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي" (٢) .
وبالجملة فالله خلق الخلق برحمته، وأرسل إليهم الرسل برحمته، وأمرهم ونهاهم وشرع لهم الشرائع برحمته، وأسبغ عليهم النعمة الظاهرة، والباطنة برحمته، ودبرهم أنواع التدبير وصرفهم بأنواع التصريف برحمته وملأ الدنيا والآخرة من رحمته فلا طابت الأمور، ولا تيسرت الأشياء، ولا حصلت المقاصد، وأنواع المطالب إلا برحمته، ورحمته فوق ذلك، وأجل وأعلى. وللمحسنين المتقين من رحمته النصيب الوافر والخير المتكاثر ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) ".
٣٧- الرزاق:
قال رحمه الله تعالى: "الرزاق لجميع المخلوقات، فما من موجود في العالم العلوي والعالم السفلي إلا متمتع برزقه مغمور بكرمه.
ورزقه نوعان:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاق﴾ (٤) ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٥) (٦) .
_________________
(١) خرجه البخاري (٧/٧٥) كتاب الأدب باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، ومسلم (٤/٢١٠٩) كتاب التوبة باب في سعة ورحمة الله وهو جزء من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٨/١٧٦) كتاب التوحيد باب وكان عرشه على الماء، ومسلم (٤/٢١٠٧) كتاب التوبة باب في سعة رحمة الله تعالى.
(٣) الأعراف (٥٦) .
(٤) الذاريات (٥٨) .
(٥) هود (٦) .
(٦) الحق الواضح المبين (ص٨٥) .
[ ٤٣ / ٢٤ ]
أحدهما: الرزق النافع الذي لا تبعة فيه وهو موصل للعبد إلى أعلى الغايات، وهو الذي على يد الرسول ﷺ بهدايته وإرشاده، وهو نوعان أيضا: رزق القلوب بالعلوم النافعة والإيمان الصحيح، فإن القلوب لا تصلح وتفلح ولا تشبع حتى يحصل لها العلم بالحقائق النافعة والعقائد الصائبة، ثم التخلق بالأخلاق الجميلة، والتنزه عن الأخلاق الرذيلة، وما جاء به الرسول كفيل بالأمرين على أكمل وجه بلا طريق لها إلا من طريقه.
والنوع الثاني: أن يغني الله عبده بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه.
والأول هو المقصود الأعظم وهذا وسيلة إليه ومعين له فإذا رزق الله العبد العلم النافع والإيمان الصحيح والرزق الحلال والقناعة بما أعطاه الله منه، فقد تمت أموره واستقامت أحواله الدينية والبدنية وهذا النوع من الرزق هو الذي مدحته النصوص النبوية واشتملت عليه الأدعية النافعة.
وأما النوع الثاني، وهو إيصال الباري جميع الأقوات التي تتغذي بها المخلوقات برها وفاجرها المكلفون وغيرهم فهذا قد يكون من الحرام كما يكون من الحلال، وهذا فصل النزاع في مسألة هل الحرام يسمى رزقًا أم لا، فإن أريد النوع الأول وهو الرزق المطلق الذي لا تبعة فيه فلا يدخل فيه الحرام فإن العبد إذا سأل ربه أن يرزقه فلا يريد به إلا الرزق النافع في الدين، والبدن وهو النوع الأول، وإن أريد به مطلق الرزق - وهو النوع الثاني - فهو داخل فيه، فما من دابة على الأرض إلا على الله رزقها.
ومثل هذا يقال في النعمة والرحمة ونحوها".
٣٨- الرشيد:
قال رحمه الله تعالى:
[ ٤٣ / ٢٥ ]
"وهو الرشيد الذي أقواله رشد، وأفعاله رشد، وهو مرشد الحائرين في الطريق الحسي، والضالين في الطريق المعنوي، فيرشد الخلق بما شرعه على ألسنة رسله من الهداية الكاملة، ويرشد عبده المؤمن، إذا خضع له وأخلص عمله أرشده إلى جميع مصالحه، ويسره لليسرى وجنّبه العسرى والرشد الدال عليه اسم الرشيد وصفه تعالى والإرشاد لعباده. فأقواله القدرية التي يوجد بها الأشياء ويدبر بها الأمور كلها حق لاشتمالها على الحكمة، والحسن، والإتقان وأقواله الشرعية الدينية وهي: أقواله التي تكلم بها في كتبه، وعلى ألسنة رسله المشتملة على الصدق التام في الأخبار، والعدل الكامل في الأمر، والنهي فإنه لا أصدق من الله قيلا ولا أحسن منه حديثًا ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (١) في الأمر والنهي.
وهي أعظم وأجل ما يرشد بها العباد بل لا حصول إلى الرشاد بغيرها فمن ابتغى الهدى من غيرها أضله الله، ومن لم يسترشد بها فليس برشيد فيحصل بها الرشد العلمي وهو بيان الحقائق والأصول، والفروع والمصالح والمضار، الدينية والدنيوية، ويحصل بها الرشد العملي فإنها تزكي النفوس، وتطهر القلوب، وتدعو إلى أصلح الأعمال، وأحسن الأخلاق، وتحث على كل جميل، وترهب عن كل ذميم رذيل، فمن استرشد بها فهو المهتدي ومن لم يسترشد بها فهو ضال، ولم يجعل لأحد عليه حجة بعد بعثته للرسل وإنزاله الكتب المشتملة على الهدي المطلق، فكم بفضله هدى ضالًا وأرشد حائرًا، وخصوصًا من تعلق به وطلب منه الهدى من صميم قلبه، وعلم أنه المنفرد بالهداية".
٣٩- الرفيق:
قال رحمه الله تعالى: "ومن أسمائه "الرفيق"في أفعاله وشرعه، وهذا قد أخذ من قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "إن الله رفيق يحب أهل الرفق، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" (٢) .
_________________
(١) الأنعام (١١٥) .
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/٢٠٠٣، ٢٠٠٤) كتاب البر والصلة باب فضل الرفق من حديث عائشة ﵂ بنحوه.
[ ٤٣ / ٢٦ ]
فالله تعالى رفيق في أفعاله خلق المخلوقات كلها بالتدريج شيئًا فشيئًا بحسب حكمته ورفقه مع أنه قادر على خلقها دفعة واحدة وفي لحظة واحدة.
ومن تدبر المخلوقات وتدبر الشرائع كيف يأتي بها شيئًا بعد شيء شاهد من ذلك العجب العجيب، فالمتأني الذي يأتي الأمور برفق وسكينة ووقار إتباعًا لسنن الله في الكون وإتباعًا لنبيه ﷺ.
فإن كان هذا هديه وطريقه تتيسر له الأمور، وبالأخص الذي يحتاج إلى أمر الناس ونهيهم وإرشادهم، فإنه مضطر إلى الرفق واللين، وكذلك من آذاه الخلق بالأقوال البشعة وصان لسانه عن مشاتمتهم، ودافع عن نفسه برفق ولين، اندفع عنه من أذاهم ما لا يندفع بمقابلتهم بمثل مقالهم وفعالهم، ومع ذلك فقد كسب الراحة، والطمأنينة والرزانة والحلم.
ومن تأمل ما احتوى عليه شرعه من الرفق وشرع الأحكام شيئًا بعد شيء وجريانها على وجه السعة واليسر ومناسبة العباد وما في خلقه من الحكمة إذ خلق الخلق أطوارًا، ونقلهم من حالة إلى أخرى بحكم واسرار لا تحيط بها العقول.
والرفق من العبد لا ينافي الحزم، فيكون رفيقًا في أموره متأنيًا، ومع ذلك لا يفوت الفرص إذا سنحت، ولا يهملها إذا عرضت".
٤٠- الرقيب: (الرقيب الشهيد)
قال ﵀: "الرقيب والشهيد من أسمائه الحسنى وهما مترادفان، وكلاهما يدل على إحاطة سمع الله بالمسموعات وبصره بالمبصرات، وعلمه بجميع المعلومات الجليّة والخفية، وهو الرقيب على ما دار في الخواطر، وما تحركت به اللواحظ، ومن باب أولى الأفعال الظاهرة بالأركان.
والرقيب المطلع على ما أكنته الصدور، القائم على كل نفس بما كسبت، الذي حفظ المخلوقات وأجراها على أحسن نظام وأكمل تدبير.
[ ٤٣ / ٢٧ ]
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١) ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢) ولهذا كانت المراقبة التي هي من أعلى أعمال القلوب هي التعبد لله باسمه الرقيب الشهيد، فمتى علم العبد أن حركاته الظاهرة، والباطنة قد أحاط الله بعلمها، واستحضر هذا العلم في كل أحواله، أوجب له ذلك حراسة باطنة عن كل فكر، وهاجس يبغضه الله، وحفظ ظاهره عن كل قول أو فعل يسخط الله وتعبد بمقام الإحسان فعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه ".
٤١-٤٢- (الستار- الستير)
٤٣- السلام: (القدوس- السلام)
قال رحمه الله تعالى: " ومن أسمائه القدوس السلام، أي: المعظم المنزه عن صفات النقص كلها وأن يماثله أحد من الخلق، فهو المتنزه عن جميع العيوب، والمتنزه عن أن يقاربه أو يماثله أحد في شيء من الكمال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٤) ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٥) ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ (٦) فالقدوس كالسلام، ينفيان كل نقص من جميع الوجوه، ويتضمنان الكمال المطلق من جميع الوجوه، لأن النقص إذا انتفى ثبت الكمال كله فهو المقدس المعظم المنزه عن كل سوء، السالم من مماثلة أحد من خلقه ومن النقصان ومن كل ما ينافي كماله. فهذا ضابط ما ينزه عنه، ينزه عن كل نقص بوجه من الوجوه، وينزه ويعظم أن يكون له مثيل أو شبيه أو كفو أو سمي أو ند أو مضاد، وينزه عن نقص صفة من صفاته التي هى أكمل الصفات وأعظمها وأوسعها.
_________________
(١) النساء (١) .
(٢) المجادلة (٦) .
(٣) الشورى (١١) .
(٤) الإخلاص (٤) .
(٥) مريم (٦٥) .
(٦) البقرة (٢٢) .
[ ٤٣ / ٢٨ ]
ومن تمام تنزيهه عن ذلك إثبات صفات الكبرياء والعظمة له فإن التنزيه مراد لغيره ومقصود به حفظ كماله عن الظنون السيئة كظن الجاهلية الذين يظنون به ظن السوء، ظن غير ما يليق بجلاله وإذا قال العبد مثنيًا على ربه "سبحان الله"أو "تقدس الله"أو "تعالى الله" ونحوها كان مثنيًا عليه بالسلامة من كل نقص وإثبات كل كمال ".
٤٤- السميع:
قال رحمه الله تعالى:"ومن أسمائه الحسنى السميع الذي يسمع جميع الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، فالسر عنده علانية البعيد عنده قريب.
وسمعه تعالى نوعان:
احدهما: سمعه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة، الخفية والجلية، واحاطته التامة بها.
والثاني: سمع الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين فيصيبهم ويثيبهم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (١) وقول المصلي سمع الله لمن حمده أي استجاب".
٤٥-٤٦- (الشاكر - الشكور)
قال رحمه الله تعالى: "ومن أسمائه تعالى الشاكر الشكور وهو الذي يشكر القليل من العمل الخالص النقي النافع، ويعفو عن الكثير من الزلل ولا يضيع أجر من أحسن عملا بل يضاعفه أضعافًا مضاعفة بغير عدٍ ولا حساب، ومن شكره أنه يجزي بالحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وقد يجزئ الله العبد على العمل بأنواع من الثواب العاجل قبل الآجل، وليس عليه حق واجب بمقتضى أعمال العباد وإنما هو الذي أوجب الحق على نفسه كرمًا منه وجودًا، والله لا يضيع أجر العاملين به إذا أحسنوا في أعمالهم واخلصوها لله تعالى.
فإذا قام عبده بأوامره، وامتثل طاعته أعانه على ذلك، وأثنى عليه، ومدحه، وجازاه في قلبه نورًا وإيمانًا وسعة، وفي بدنه قوة ونشاطًا وفي جميع أحواله زيادة بركة ونماء، وفي أعماله زيادة توفيق.
_________________
(١) إبراهيم (٣٩) .
[ ٤٣ / ٢٩ ]
ثم بعد ذلك يقدم على الثواب الآجل عند ربه كاملًا موفورًا، لم تنقصه هذه الأمور. ومن شكره لعبده، أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، ومن تقرب منه شبرًا تقرب منه ذراعًا، ومن تقرب منه ذراعًا تقرب منه باعًا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة، ومن عامله ربح عليه أضعافًا مضاعفة ".
٤٧- الشهيد (١):
قال رحمه الله تعالى: "الشهيد أي: المطلع على جميع الأشياء سمع جميع الأصوات خفيها، وجليها وأبصر جميع الموجودات دقيقها، وجليلها صغيرها، وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء الذي شهد لعباده، وعلى عباده بما عملوه".
٤٨- الصبور:
قال رحمه الله تعالى:
"الصبور مأخوذ من قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يجعلون له الولد وهو يعافيهم ويرزقهم" (٢) .
وبما ثبت أيضًا في الصحيح قال الله تعالى: "كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأما شتمه أياي فقوله: إن لي ولدًا وأنا الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد" والله تعالى يدر على عباده الأرزاق المطيع منهم، والعاصي، والعصاة لا يزالون في محاربته، وتكذيبه، وتكذيب رسله، والسعي في اطفاء دينه، والله تعالى حليم صبور على ما يقولون، وما يفعلون، يتتابعون في الشرور وهو يتابع عليهم النعم، وصبره أكمل صبر، لأنه عن كمال قدره وكمال غنى عن الخلق وكمال رحمه وإحسان، فتبارك الرب الرحيم الذي ليس كمثله شيء الصبور الذي يحب الصابرين ويعينهم في كل أمرهم ".
٤٩- الصمد:
_________________
(١) سبق زيادة إيضاح لهذا الاسم مع اسم الله الرقيب.
(٢) أخرجه مسلم (٤/٢١٦٠) كتاب صفات المنافقين باب لأحد أصبر على أذى من الله ﷿ من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
[ ٤٣ / ٣٠ ]
قال رحمه الله تعالى: "الصمد: أي الرب الكامل والسيد، العظيم، الذي لم يبق صفة كمال إلا اتصف بها، ووصف بغايتها، وكمالها بحيث لا تحيط الخلائق ببعض تلك الصفات بقلوبهم، ولا تعبر عنها ألسنتهم وهو المصمود إليه، المقصود في جميع الحوائج والنوائب ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (١) .
فهو الغني بذاته، وجميع الكائنات فقيرة إليه بذاتهم: في إيجادهم، وأعدادهم، وإمدادهم بكل ما هم محتاجون إليه من جميع الوجوه ليس لأحد منها غنى مثقال ذرة، في كل حالة من أحوالها.
والصمد: هو الذي تقصده الخلائق كلها في جميع حاجاتها وأحوالها وضروراتها لما له من الكمال المطلق في ذاته وصفاته، وأسمائه وأفعاله.
والصمد المغني الجامع الذي يدخل فيه كل مافسر به هذا الاسم الكريم، فهو الصمد الذي تصمد إليه أي: تقصده جميع المخلوقات بالذل والحاجة والافتقار.
ويفزع إليه العالم بأسره، وهو الذي قد كمل بعلمه وحكمته وحلمه، وقدرته، وعظمته ورحمته وسائر أوصافه".
٥٠- ٥١- الضار: (النافع الضار)
قال رحمه الله تعالى: "من أسمائه الحسنى ما يؤتي به مفردًا ويؤتى به مقرونًا مع غيره وهو أكثر الأسماء الحسنى، فيدل ذلك على أن لله كمالًا من إفراد كل من الاسمين فأكثر وكمال من اجتماعهما أو اجتماعها.
_________________
(١) الرحمن (٢٩) .
[ ٤٣ / ٣١ ]
ومن أسمائه مالا يؤتى به إلا مع مقابلة الاسم الآخر لأن الكمال الحقيقي تمامه وكماله من اجتماعهما، وذلك مثل هذه الأسماء وهي متعلقة بأفعاله الصادرة عن إرادته النافذة وقدرته الكاملة وحكمته الشاملة فهو تعالى النافع لمن شاء من عباده بالمنافع الدينية والدنيوية، الضار لمن فعل الأسباب التي توجب ذلك، وكل هذا تبع لحكمته وسننه الكونية وللأسباب التي جعلها موصلة إلى مسبباتها، فإن الله تعالى جعل مقاصد للخلق وأمورًا محبوبة في الدين، والدنيا، وجعل لها أسبابًا، وطرقًا، وأمر بسلوكها ويسرها لعباده غاية التيسير، فمن سلكها أوصلته إلى المقصود النافع، ومن تركها أو ترك بعضها أو فوت كمالها أو أتاها على وجه ناقص ففاته الكمال المطلوب فلا يلومن إلا نفسه وليس له حجة على الله، فإن الله أعطاه السمع، والبصر، والفؤاد، والقوة، والقدرة، وهذه النجدين وبين له الأسباب، والمسببات ولم يمنعه طريقًا يوصل إلى خير ديني، ولا دنيوي، فتخلفه عن هذه الأمور يوجب أن يكون هو الملوم عليها المذموم على تركها.
٥٢- الظاهر:
٥٣- العدل:
٥٤- العزيز: (العزيز- القوي - المتين - القدير)
قال رحمه الله تعالى: "هذه الأسماء العظيمة معانيها متقاربة فهو تعالى كامل القوة عظيم القدرة شامل العزة ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (١) (٢) .
العزيز الذي له العزة كلها عزة القوة، وعزة الغلبة وعزة الامتناع، فممتنع أن يناله أحد من المخلوقات وقهر جميع الموجودات، ودانت له الخليقة وخضعت لعظمته.
_________________
(١) يونس (٦٥) .
(٢) الحق الواضح المبين (ص٤٤) وتوضيح الكافية الشافية (ص١١٩) .
[ ٤٣ / ٣٢ ]
فمعاني العزة الثلاث كلها كاملة لله العظيم عزة القوة الدال عليها من أسمائه القوي المتين، وهي وصفه العظيم الذي لا تنسب إليه قوة المخلوقات وإن عظمت، وعزة الامتناع فإنه هو الغني بذاته فلا يحتاج إلى أحد، ولا يبلغ العباد ضرة فيضرونه، ولا نفعه فينفعونه بل هو الضار النافع المعطي المانع، وعزة القهر والغلبة لكل الكائنات فهي كلها مقصورة لله خاضعة لعظمته منقادة لإرادته، فجميع نواصي المخلوقات بيده، لا يتحرك منها متحرك ولا يتصرف متصرف إلا بحوله وقوته وإذنه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا به، فمن قوته واقتداره أنه خلق السماوات، والأرض، وما بينهما في ستة أيام، وأنه خلق الخلق ثم يميتهمثم يحييهم ثم إليه يرجعون ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (١) . ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه﴾ (٢) ومن آثار قدرته أنك ترى الأرض هامدة، فإذا أنزل عليها الماء اعتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ومن آثار قدرته ما أوقعه بالأمم المكذبين، والكفار الظالمين من أنواع العقوبات وحلول المثلات، وأنه لم يغن عنهم كيدهم، ومكرهم، ولا أموالهم، ولا جنودهم، ولا حصونهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك، وما زادوهم غير تتبيب، وخصوصًا في هذه الأوقات فإن هذه القوة الهائلة، والمخترعات الباهرة التي وصلت إليها مقدرة هذه الأمم هي من أقدار الله لهم وتعليمه لهم، ما لم يكونوا يعلمونه، فمن آيات الله أن قواهم، وقدرهم ومخترعاتهم لم تغن عنهم شيئًا في صد ما أصابهم من النكبات، والعقوبات المهلكة مع بذل جدهم واجتهادهم في توقي ذلك، ولكن أمر الله غالب، وقدرته تنقاد لها عناصر العالم العلوي، والسفلي.
_________________
(١) لقمان (٢٨) .
(٢) الروم (٢٧) .
[ ٤٣ / ٣٣ ]
ومن تمام عزته وقدرته وشمولهما أنه كما أنه هو الخالق للعباد فهو خالق أعمالهم وطاعتهم ومعاصيهم، وهي أيضًا أفعالهم، فهي تضاف إلى الله خلقًا وتقديرًا وتضاف إليهم فعلًا ومباشرة على الحقيقة ولا منافاة بين الأمرين، فإن الله خالق قدرتهم وإرادتهم، وخالق السبب التام خالق للمسبب قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١) .
ومن آثار قدرته ما ذكره في كتابه من نصرة أولياءه على قلة عددهم وعُددهم على أعدائهم الذين فاقوهم بكثرة العدد، والعُدة، قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢) .
ومن آثار قدرته ورحمته ما يحدثه لأهل النار، وأهل الجنة من أنواع العقاب، وأصناف النعيم المستمر الكثير المتتابع الذي لا ينقطع، ولا يتناهى ".
٥٥- العظيم: (العظيم - الكبير)
قال ﵀: "العظيم الجامع فجميع صفات العظمة والكبرياء والمجد والبهاء الذي تحبه القلوب، وتعظمه الأرواح، ويعرف العارفون أن عظمة كل شيء، وإن جلت في الصفة، فإنها مضمحلة في جانب عظمة العلي العظيم.
والله تعالى عظيم له كل وصف ومعنى يوجب التعظيم فلا يقدر مخلق أن يثني عليه كما ينبغي له ولا يحصى ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يتثنى عليه عباده.
واعلم أن معاني التعظيم الثابتة لله وحده نوعان:
أحدهما: أنه موصوف بكل صفة كمال، وله من ذلك الكمال أكمله، وأعظمه وأوسعه، فله العلم المحيط، والقدرة النافذة، والكبرياء، والعظمة، ومن عظمته أن السماوات والأرض في كف الرحمن أصغر من الخردلة كما قال ذلك ابن عباس وغيره وقال تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٣) .
_________________
(١) الصافات (٩٦) .
(٢) البقرة (٢٤٩) .
(٣) الزمر (٦٧) .
[ ٤٣ / ٣٤ ]
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (١) .
وقال تعالى وهو العلي العظيم: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ (٢) الآية.
وفي الصحيح عنه ﷺ: "إن الله يقول الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته" (٣) فلله تعالى الكبرياء والعظمة، والوصفان اللذان لا يقدر قدرهما ولا يبلغ كنههما.
النوع الثاني: من معاني عظمته تعالى أنه لا يستحق أحد من الخلق أن يعظم كما يعظم الله فيستحق ﷻ من عباده أن يعظموه بقلوبهم، وألسنتهم، وجوارحهم وذلك ببذل الجهد في معرفته، ومحبته، والذل له، والإنكسار له، والخضوع لكبريائه، والخوف منه وإعمال اللسان بالثناء عليه، وقيام الجوارح بشكره وعبوديته، ومن تعظيمه أن يتقى حق تقاته فيطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، ومن تعظيمه تعظيم ما حرمه وشرعه من زمان ومكان وأعمال ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٤) و﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (٥) ومن تعظيمه أن لايعترض على شيء مما خلقه أو شرعه.
٥٦- العفو: (العفو - الغفور - الغفار)
قال رحمه الله تعالى: "العفو الغفور الغفار: الذي لم يزل، ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران، والصفح عن عباده موصوفًا.
كل أحد مضطر إلى عفوه، ومغفرته كما هو مضطر إلى رحمته، وكرمه وقد وعد بالمغفرة، والعفو لمن أتى بأسبابها قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٦) (٧) .
٥٧- العلي:
٥٨- العليم:
_________________
(١) فاطر (٤١) .
(٢) الشورى (٥٠) .
(٣) أخرجه مسلم (٤/٢٠٢٣) كتاب البر والصلة والآداب باب ماجاء في الكبر.
(٤) الحج (٣٢) .
(٥) الحج (٣٠) .
(٦) طه (٨٢) .
(٧) التفسير (٥/٦٢٣) .
[ ٤٣ / ٣٥ ]
٥٩- ٦٠- الغفار: (الغفور)
قال رحمه الله تعالى: "الغفور الذي لم يزل يغفر الذنوب ويتوب عل كل من يتوب ففي الحديث: "إن الله يقول يابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة" (١) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٢) .
وقد فتح الله الأسباب لنيل مغفرته بالتوبة، والاستغفار، والإيمان، والعمل الصالح، والإحسان إلى عباد الله، والعفو عنهم، وقوة الطمع في فضل الله، وحسن الظن بالله، وغير ذلك مما جعله الله مقربًا لمغفرته".
٦١- ٦٢- الغني المغني:
قال رحمه الله تعالى: قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد﴾ (٣) .
فهو الغني بذاته، الذي له الغنى التام المطلق، من جميع الوجوه، والاعتبارات لكماله، وكمال صفاته.
فلا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون إلا غنيًا، لأن غناه من لوازم ذاته، كما لا يكون إلا خالقًا قادرًا رازقًا محسنًا فلا يحتاج إلى أحد بوجه من الوجوه.
فهو الغني الذي بيده خزائن السماوات والأرض، وخزائن الدنيا والآخرة المغني جميع خلقه غني عامًا، والمغني لخواص خلقه مما أفاض على قلوبهم من المعارف الربانية والحقائق الإيمانية.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/١٤٧) بنحوه، والترمذي في سننه (٥/٥٤٨) كتاب الدعوات باب في فضل التوبة والاستغفار، وابن ماجه (٢/١٢٥٥) كتاب الآداب باب فضل العمل، والدارمي (٢/٢٣٠) كتاب الرقاق باب إذا تقرب العبد إلى الله عن أنس، وقال الترمذي هذا حديث غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه، وصححه الشيخ الألباني بمجموع طرقه. انظر: السلسلة الصحيحة (١/٢٠٠) .
(٢) النجم (٣٢) .
(٣) فاطر (١٥) .
[ ٤٣ / ٣٦ ]
ومن كمال غناه وكرمه أنه يأمر عباده بدعائه، ويعدهم بإجابة دعواتهم، وإسعافهم بجميع مراداتهم، ويؤتيهم من فضله ما سألوه، وما لم يسألوه، ومن كمال غناه أنه لو اجتمع أول الخلق وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلًا منهم ما سأله وما بلغت أمانيه ما نقص من ملكه مثقال ذرة، ومن كمال غناه، وسعة عطاياه ما يبسطه على أهل دار كرامته من النعيم، واللذات المتتابعات، والخيرات المتواصلات، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ومن كمال غناه أنه لم يتخذ صاحبًا ولا ولدًا ولا شريكًا في الملك، ولا وليًا من الذل، وهو الغني الذي كمل بنعوته، وأوصافه، المغني لجميع مخلوقاته.
٦٣- الفتاح:
قال رحمه الله تعالى: "الفتاح: الذي يحكم بين عباده، بأحكامه الشرعية، وأحكامه القدرية، وأحكام الجزاء، الذي فتح بلطفه بصائر الصادقين، وفتح قلوبهم لمعرفته، ومحبته، والإنابة إليه، وفتح لعباده أبواب الرحمة والأرزاق المتنوعة، وسبب لهم الأسباب التي ينالون بها خير الدنيا والآخرة.
وفتحه تعالى قسمان:
أحدهما: فتحه بحكمه الديني، وحكمه الجزائي.
والثاني: الفتاح بحكمه القدري.
ففتحه بحكمه الديني هو شرعه على الّسنة رسله جميع ما يحتاجه المكلفون، ويستقيمون به على الصراط المستقيم، وأما فتحه بجزائه فهو فتحه بين أنبيائه ومخالفيهم وبين أوليائه وأعدائه بإكرام الأنبياء واتباعهم ونجاتهم، وبإهانة أعدائهم وعقوباتهم، وكذلك فتحه يوم القيامة، وحكمه بين الخلائق حين يوفى كل عامل ما عمله. وأما فتحه القدري فهو ما يقدره على عباده من خير، وشر، ونفع، وضر، وعطاء، ومنع، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) .
_________________
(١) فاطر (٢) .
[ ٤٣ / ٣٧ ]
فالرب تعالى هو الفتاح العليم الذي يفتح لعباده الطائعين خزائن جوده وكرمه، ويفنح على أعدائه ضد ذلك، وذلك بفضله وعدله.
٦٤- الفعال لما يريد:
قال رحمه الله تعالى: "الفعال لما يريد هذا من كمال قوته، ونفوذ مشيئته، وقدرته، أن كل أمر يريده يفعله بلا ممانع، ولا معارض.
وليس له ظهير، ولا عوين على أي أمر يكون، بل إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون.
ومع أنه الفعال لما يريد فإرادته تابعة لحكمته، وحمده، فهو موصوف بكمال القدرة، ونفوذ المشيئة، وموصوف بشمول الحكمة لكل مافعله ويفعله.
وليس أحد فعال لما يريد إلا الله".
٦٥- القابض: (القابض الباسط)
٦٦- القريب:
قال المؤلف رحمه الله تعالى: "القريب أي: هو القريب من كل أحد، وقربه نوعان:
قرب عام من كل أحد بعلمه، وخبرته، ومراقبته، ومشاهدته، واحاطته وهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد.
وقرب خاص من عابديه، وسائليه، ومجيبيه، وهو قرب يقتضي المحبة، والنصرة، والتأييد في الحركات، والسكنات، والإجابة للداعين، والقبول، والإثابة.
وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (١) وفي قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (٢) وفي قوله ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٣) وهذا النوع قرب يقتضي الطافه تعالى، وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لمراداتهم ولهذا يقرن باسمه "القريب"اسمه "المجيب"وهذا القرب قربه لا تدرك له حقيقة، وإنما تعلم آثاره من لطف بعبده، وعنايته به وتوفيقه، وتسديده، ومن آثاره الإجابة للداعين والإثابة للعابدين".
٦٧- القدوس:
٦٨- القدير:
_________________
(١) العلق (١٩) .
(٢) هود (٦١) .
(٣) البقرة (١٨٦) .
[ ٤٣ / ٣٨ ]
قال رحمه الله تعالى: "القدير: كامل القدرة بقدرته أوجد الموجودات، وبقدرته دبرها، بقدرته سواها وأحكمها، وبقدرته يحيي ويميت، ويبعث العباد للجزاء، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، الذي إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، وبقدرته يقلب القلوب ويصرفها على مايشاء ويريد".
٦٩- القهار:
قال رحمه الله تعالى: "القهار: لجميع العالم العلوي، والسفلي، القهار لكل شيء الذي خضعت له المخلوقات وذلك لعزته وقوته، وكمال اقتداره.
وهو الذي قهر جميع الكائنات، وذلت له جميع المخلوقات أو دانت لقدرته، ومشيئته مواد وعناصر العالم العلوي والسفلى، فلا يحدث حادث، ولا يسكن ساكن إلا بإذنه، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وجميع الخلق فقراء إلى الله عاجزون لا يملكون لأنفسهم نفعًا، ولا ضرًا، ولا خيرًا، ولا شرًا ثم إن قهره مستلزم لحياته وعزته وقدرته، فلا يتم قهره للخليقة إلا باتمام حياته، وقوة عزته، واقتداره".
٧٠- القوي:
٧١- القيوم:
٧٢- الكافي:
قال رحمه تعالى: "الكافي عباده جميع ما يحتاجون ويضطرون إليه. الكافي كفاية خاصة من آمن به وتوكل عليه واستمد منه حوائج دينه ودنياه".
٧٣- الكبير:
قال رحمه الله تعالى: "الكبير: الذي له الكبرياء في ذاته، وصفاته وله الكبرياء في قلوب أهل السماء، والأرض".
[ ٤٣ / ٣٩ ]