وصف النسخ ونماذج منها:
عثرت على مصوّرتين لتلوين الخطاب، وهما:
المصوّرة الأولى: عدد أوراقها (٧.٥) سبع ورقات ونصف، في الورقة صفحتان، وفي الصفحة الواحدة (٢٥) خمسة وعشرون سطرًا، وفي السطر الواحد (١٣) ثلاث عشرة كلمة تقريبًا.
وكتبت بخط فارسي، وفي بعض صفحاتها تعليقات يسيرة.
ولا يعرف ناسخها ولا تاريخ نسخها.
ويوجد منها صورة فلمية، بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم (٧٣١٣) فيلم وهي مصورة عن المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة.
وقد رمزت لهذه النسخة بالحرف (م) .
المصوّرة الثانية: عدد أوراقها (١٤) أربع عشرة ورقة. في كل ورقة صفحتان.
وفي الصفحة الواحدة (١٩) تسعة عشر سطرًا. وفي السطر الواحد: (١٠) عشر كلمات تقريبًا.
وكتبت بخط فارسي، وفي بعض صفحاتها تعليقات يسيرة جدًا، أقلّ من التعليقات التي وردت على النسخة الأولى.
ولا يعرف ناسخها، ولا تاريخ نسخها.
ويوجد منها صورة فلمية بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم (٢٤٤٠) فيلم وهي مصورة عن دار الكتب المصرية.
ورمزت لهذه النسخة بالحرف: (د) .
P٣٢٩
P٣٣٠
P٣٣١
P٣٣٢
P٣٣٣
الحمد لله الذي أنزل الكتاب تبيانًا، وجعل الخطاب ألوانًا، والصلاة على محمد أولى من نطق بالصواب، وفصل الخطاب، وعلى آله وصحبه خير آل وأصحاب، وبعد: فهذه رسالة مرتبة في بيان تلوين الخطاب، وتفصيل شعبه التي منها الالتفات الذي هو أسلوب متكاثر الفوائد، متناثر الفرائد.
والمراد من الخطاب هنا: توجيه الكلام نحو السامع.
اعلم أنهم يحسنون قرى الأشباح، فيخالفون فيه بين لون ولون، وطعم وطعم كذلك يحسنون قرى الأرواح، فيخالفون فيه أيضًا بين أسلوب وأسلوب وإيرادٍ وإيراد، بل اعتناؤهم بهذا القرى أكثر، واهتمامهم فيه أوفر.
[ ٤٣ / ١٤٤ ]
ومرجع التلوين المذكور إلى تغيير الأسلوب، وذلك قد يكون بالعدول عن الخطاب الخاصّ إلى الخطاب العام، كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ﴾ (١) فإنَّ الخطاب فيما قبله وهو قوله تعالى: ﴿واتَّبِع مَا أُوْحِيَ إليْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢) الآية كان خاصًاّ لرسول الله ﷺ، ولعلّ النكتة فيه التجنب عن مواجهته ﵊ وحده بالنهي عن خلاف ما هو عليه من الأخلاق الكريمة، إذ لم يكن ﵊ فحّاشًا ولا سبَّابًا، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَليٍّ وَلاَ نَصِيْرٍ﴾ (٣) .
وخصوص الخطاب قد يكون صورة لا معنى، فإنّ الخطاب في قوله
تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ وإن كان خاصًا بحسب الصيغة، لكنه عامّ معنى، فإن المخاطب به كلّ واحد ممن يقدر على الاستدلال من المصنوع على الصانع.
وقد يكون بصرف الخطاب عن مخاطب إلى مخاطب، كما في قول جرير:
ثِقِيْ بِاللهِ لَيْسَ لَهُ شَرِيْكٌ
وَمِنْ عِنْدِ الخَلِيْفَةِ بِالنَّجَاحِ
أَغِثْنِيْ يَا فِدَاكَ أَبِيْ وَأُمِّيْ
بِسَيْبٍ مِنْكَ إِنَّك ذُو ارْتِيَاحِ
فإن [المخاطب] بالبيت الأوّل امرأته، وبالبيت الثاني الخليفة (٤)
_________________
(١) من سورة الأنعام الآية: (١٠٨) .
(٢) من سورة الأنعام الاية: (١٠٦) .
(٣) من سورة البقرة الآية (١٠٧) وفي م: "وما لكم من دون من ولي ".
(٤) انظر: شروح سقط الزند ٥/١٩٠٢، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب الناشر الدار القومية للطباعة والنشر - القاهرة ١٣٨٣هـ ١٩٦٤م فإن صدر الأفاضل يرى هذا الرأي. وقد أورد التفتازاني رأي صدر الأفاضل في عدم وجود الالتفات في هذين البيتين، ثم عقّب ذلك بقوله "فهذا أخصّ من تفسير الجمهور"المطوّل: ١٣٣ فكأنّه يرى أنّ هذا زيادة وتشدّد في شرط الالتفات لم يذكره الجمهور ولذا قال التفتازاني: "فقول أبي العلا: هل تزجرنّكم رسالة مرسل أم ليس ينفع أولاك ألوك فيه التفات عند الجمهور من الخطاب في (يزجرنكم) إلى الغيبة في (أولاك) بمعنى أولئك، وهو قال إنه إضراب عن خطاب بني كنانة إلى الإخبار عنهم » المطول ١٣٣ -١٣٤ وهذا الرأي تابعه المؤلف هنا في هذين البيتين، وأرى أنه وهم فالالتفات ظاهر في هذين البيتين لأنه قال في البيت الأول (من عند الخليفة) والاسم الظاهر بمنزلة الغيبة، ثم قال: (أغثني) فخاطبه، فهنا التفات من الغيبة إلى الخطاب، وإن كان الشاعر وجه الخطاب في البيت الأول إلى زوجته. فهذا لا يلغي الالتفات، لأن الخطاب موجّه في الحقيقة إلى الخليفة وليس إلى الزوجة. وإنّما هو يعرض أمام الخليفة ما قاله لزوجته وفي هذا تصوير لمدى الحاجة والعوز التي يحياها الشاعر هو وأهل بيته.
[ ٤٣ / ١٤٥ ]
، وليس هذا
من قبيل الالتفات، كما سبق إلى بعض الأوهام؛ لأنّ من شرطه أن يكون الخطاب في الحالين لواحد، فلا يوجد فيه صرف الخطاب حقيقة وإن وجد ظاهرًا، بسبب العدول عن صيغة إلى أخرى، صرّح بذلك صدر الأفاضل حيث قال في شرح سقط الزّند: «قوله: (سقيت الغيث) بمعزل عن الالتفات، لأن قوله:
مَتَىكَانَ (١) الخِيَامُ بِذِيْ طُلُوحٍ (٢)
كلام مع غير الخيام، لأنه سؤال عن الخيام " وقال في موضع آخر منه، "كان يرى أنه من قبيل الالتفات، وليس منه، وذلك أنّ من شرط الالتفات أن يكون المخاطب في الحالين واحدًا".
وقد يكون بالعدول عن صيغة من الصيغ الثلاث، وهي: صيغة التكلم وصيغة الخطاب، وصيغة الغيبة، إلى الأخرى منها.
_________________
(١) في (د): كا.
(٢) هذا صدر البيت وعجزه: سقيت الغيث أيتها الخيام، وهو لجرير في ديوانه بشرح محمد إسماعيل الصاوي: ٥١٢، وهذا البيت أورده ابن الناظم من شواهد الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر ص٣٣، من المصباح. وكذلك جعله العلوي اليمني من الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. انظر الطراز ٢/١٤٠. وأورده ابن حجة الحموي في خزانته (٧٤) شاهدًا على انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة.
[ ٤٣ / ١٤٦ ]
ومنه الالتفات، فإنه تغيير لأسلوب الكلام بنقله من إحدى الصيغ المذكورة إلى الأخرى، بشرط أن يكون الكلام بعد النقل مع من كان قبله، على ما تقدم بيانه. فلا التفات في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تولَّيْتُمْ إلاّ قَلِيْلًا مِنْكُمْ﴾ (١) لأن الكلام قبله مع أسلاف المخاطبين به، نعم هو على طرزه وطريقته، ولذلك قال صاحب الكشاف: " ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ على طريقة الالتفات" فإن قلت: هلاّ يجدي نفعًا اعتبار التغلب الذي ذكره البيضاوي حيث قال في تفسيره: "ولعلّ الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله ﷺ ومن قبلهم على التغليب"؟ قلت:
لا، لأنّ اعتباره لا يحقق الشرط المذكور، لأنّ الكلام قبل النّقل مع البعض، وبعده مع الكل حينئذٍ، والكلّ غير البعض.
وقد نبّه على هذا صاحب الكشف، حيث قال في شرح القول المذكور لصاحب الكشاف: "وهو كذلك سواء حمل على تغليب الموجودين في عصره ﵊، أو لا" وكلام صاحب المفتاح خلو عن اعتبار هذا الشرط في الالتفات، والشارح الفاضل لم يتعرض له في شرحه.
وأمّا الشرط الآخر المذكور في كتب القوم، وهو أن يكون التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهر، واعتباره كيلا يدخل في حدّ الالتفات أشياء ليست منه، منها: أنا زيد وأنت عمرو، ونحن رجال وأنتم رجال، وأنت الذي فعل كذا، و:
نَحْنُ اللَّذُوْنَ صَبَّحُوا الصَّبَاحَا
ونحو ذلك ممّا عبّر عن معنى واحد، تارة بضمير المتكلم أو المخاطب، وتارة بالاسم المظهر أو ضمير الغائب.
_________________
(١) من سورة البقرة آية: (٨٣) والآية بتمامها ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ .
[ ٤٣ / ١٤٧ ]
ومنها: يا زيد قم. ويا رجلًا له بصر خذ بيدي، لأن الاسم المظهر طريق غيبته فلا حاجة إلى ذكره، واعتباره شرطًا زائدًا على ما ذكرنا، لأن أسلوب الكلام لا يتغيّر إلاّ إذا كان كذلك، بناءً على أن المراد من مقتضى الظّاهر هنا مقتضى ظاهر الكلام، لا مقتضى ظاهر المقام، ولذلك صرّح الإمام البيضاوي على وفق إشارة صاحب الكشاف، بوجود الالتفات في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ (١) فإنَّ العدول فيه عن مقتضى ظاهر الكلام، حيث كان سباقه، وهو قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ (٢) على صيغة الغيبة، لا عن مقتضى ظاهر المقام، لأن مقتضاه الخطاب في الموضعين، ونكتة العدول عن مقتضى الظاهر بحسب المقام، التعظيم للنبي ﵊، والتلطيف في تأديبه بالعدول عن الخطاب في مقام العتاب، والإباء عن المواجهة بما فيه الكراهة.
وأمّا ما قيل: "في الإخبار عمّا فرط منه، ثم الإقبال عليه دليل على زيادة الإنكار، كمن يشكو إلى الناس جانيًا جنى عليه، ثم يقبل على الجاني إذا حمي في الشكاية مواجهًا له بالتوبيخ، وإلزام الحجة" فوهم، لا ينبغي أن يذهب إليه فهم.
ومن تأمل في طريق عتابه تعالى إياه ﵊ في مواضع العتاب - كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (٣) فإنْ فيه ما لا يخفى من لطف الكناية عن خطئه ﵊ في الإذن تعظيمًا لشأنه - لا يخطر بباله مثل ذلك الوهم، وإنّما قلنا على ما ذكرنا، إذ لابدّ من اعتباره شرطًا زائدًا على ما ذكروا في تفسير الالتفات.
_________________
(١) آية (٣) من سورة عبس. انظر أنوار التنزيل وأسرار التأويل (٢/٥٤٠) فقد صرح البيضاوي بوجود الالفتات في هذه الآية وذلك لمجيئها بعد قوله تعالى ﴿عبَسَ وَتَوَلّى﴾ وهو واضح.
(٢) آية (١-٢) من سورة عبس.
(٣) من آية (٤٣) من سورة التوبة.
[ ٤٣ / ١٤٨ ]
قال صاحب التلخيص: والمشهور أن الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من الثلاثة بعد التعبير عنه بآخر منها. وقال الفاضل التفتازاني - في شرحه، "بشرط أن يكون التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهر" وفي المفتاح:
"ويسمّى هذا النقل التفاتًا عند علماء علم المعاني".
وقال الفاضل الشريف في شرحه: "ثم إن الالتفات من إحدى الطرق الثلاثة إلى آخر منها إنما يسمّى التفاتًا إذا كان على خلاف مقتضى الظاهر، كما يشعر به لفظ النقل، وإيراده في الإخراج لا على مقتضاه، وما ذكر من فائدته العامة" ويردّ عليه أن النقل الذي أشير إليه، هو النقل من صيغة إلى أخرى، وهذا ظاهر عن التأمّل في سياق الكلام المنقول، فلا إشعار فيه بما ذكر، وتعليله على ما نقل عنه في الحاشية "بأن الجاري على مقتضى الظاهر لا يقال فيه: نقل " مردود أيضًا، لأنه [إن] أريد: أنه لا يقال فيه نقل على الإطلاق، فمسلّم ولكن لا يجدي نفعًا، لأن الواقع ههنا النقل المقرون بالإشارة الصارفة عن المتبادر عند الإطلاق فلا صحة له كما لا يخفى، ثم إن قوله: "يتحقق الإشعار في إيراد الالتفات في الإخراج لا على مقتضى الظاهر بما ذكر" مبناه عدم الفرق بين ظاهر المقام وظاهر الكلام؛ فإنّ صاحب المفتاح قد أورد الالتفات في الإخراج على خلاف الظاهر بحسب اقتضاء أسلوب الكلام، وقد نبّهت فيما تقدّم على هذا وعلى الفرق بين الإخراجين. فإن قلت: قد أثبت صاحب المفتاح في أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَىقول امرئ القيس:
تَطَاوَلَ لَيلُكَ بِالأَثْمُدِ
[ ٤٣ / ١٤٩ ]
التفاتًا، وهذا بناءً على أنّ كلًا من المتكلم والخطاب والغيبة، إذا كان مقتضى الظاهر فعدل عنه (١) إلى الآخر فهو التفات عنده، قلت: نعم، أثبت فيه التفاتًا على خلاف ما عليه الجمهور، ومع ذلك لم ينكر ثبوت الالتفات إذا نقل الكلام عن أسلوب هو خلاف مقتضى المقام، إلى أسلوب هو مقتضاه ولذلك أثبت التفاتًا آخر في قوله: "وذلك من نبأ جاءني". فظهر أن المعتبر في الالتفات عنده -أيضاَ- الإخراج على خلاف الظاهر بحسب أسلوب الكلام، لا بحسب اقتضاء المقام، كما هو السابق إلى الفهم من النبأ المذكور آنفًا، إلاّ أنّه اكتفى بالعدول عن الأسلوب المتوقع، وقال: يتحقق الشرط المذكور بذلك، والجمهور على أنه لابد من العدول عن أسلوب محقّق.
فإن قلت أليس مقتضى المقام ينتظم مقتضى الكلام؟ فما هو على خلاف مقتضى أسلوبه يكون على خلاف مقتضى المقام أيضًا، قلت: كذلك إلاّ أن مقتضى الظاهر في مصطلح أهل هذا الفن ما يقتضيه ظاهر المقام قبل الشروع في الكلام، ومن خلافه خلاف ذلك فلا ينتضمان ما يحدث بعد الشروع فيه، باختيار أسلوب من الحال، وإنّما لم يعتبروا الحادث بعد الشروع فيه، لأنّه قد يكون مخالفًا للقديم، كما إذا كان المقام مقام الخطاب، وشرع في الكلام على أسلوب الغيبة، وقد مرّ مثاله من التنزيل، فلو اعتبر في مثل ذلك الحادث بعد الشروع يلزم أن يكون الكلام على مقتضى الظاهر من وجه وعلى خلافه من وجه، ولا وجه لترجيح الحادث على القديم، وإسقاطه على حيّز الاعتبار بالكليّة؛ إذ يلزم حينئذٍ أن لا يتحقق مقتضى المقام من جهة الكلام قبل الشروع بل عنده أيضًا، ما لم يتقرر أسلوبه، ولا مجال لأن يقال: أنهم اعتبروا القديم قبل حدوث (٢) المعارض، وأسقطوا [ما] بعده، إذ لا مستند لهذا التفصيل من جهة السلف، كما لا يخفى على من تتبّع وأنصف، وبالتجنب عن التعسف اتّصف.
_________________
(١) في (د): عند.
(٢) في د: فيه حدوث المعارض وأسقطوه بعده.
[ ٤٣ / ١٥٠ ]
ثمّ إنّ ما زعمه من الإشعار فيما ذكره من الفائدة العامة للالتفات بكونه على مقتضى الظاهر -مردود أيضًا؛ لأن مدار تلك الفائدة على العدول من أسلوب إلى آخر سواء كان العدول عنه على مقتضى الظاهر أو لا، على ما تقف على ذلك بإذن الله تعالى.
لا يُقال: المشهور في تفسير الالتفات ما هو المذكور في التلخيص، وعليه الجمهور على ما نصّ عليه الفاضل التفتازاني في شرحه، وما ذكرته تفسير محدث له، قلت: بل ما ذكرته على وفق إشارة صاحب المفتاح حيث قال: «والعرب يستكثرون منه، ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القبول عند السامع، وأحسن تطرئة لنشاطه، وأملأ باستدرار إصغائه» ويوافقه ما في الكشّاف، وكفى بنا ذانك الشيخان قدوةً، وقد وقفت فيما سبق على أن ما ذكر في التلخيص لا يطّرد إلا باعتبار شرط من الخارج، وذلك خارج عن قانون الحدّ، وما ذكرنا سالم عن المحذور المذكور، وذلك لأن الاختلاف في الأسلوب أخصّ من الاختلاف في التعبير؛ فإنّ الثاني يتحقّق في نحو قوله تعالى: ﴿يا أَيُّها الَّذِيْن آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاة﴾ (١) دون الأوّل؛ لأن حق الضمير العائد إلى الموصول أن يكون غائبًا، فلا يتغيّر به الأسلوب وإن تغيّر التعبير حتى احتيج إلى اعتبار قيد زايد للاحتراز عن مثله.
وبما قررناه تبيّن أن الجمهور لا يرتضي تحديد الالتفات بما ذكر في التلخيص، وأن ما ذكر في شرحه من نسبته إليهم فرية ما فيها مرية.
ومما يظنّ أنّه من قبيل الالتفات وليس منه قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
_________________
(١) آية (٦) من سورة المائدة.
[ ٤٣ / ١٥١ ]
تَجْهَلُونَ﴾ (١) أما وجه الظنّ فهو أن الاسم الظاهر غائب فلما عدل عنه إلى الخطاب في تجهلون تحقق الالتفات، وأمّا أنه ليس منه فلأنّ في عبارة القوم [جهتا غيبة] وخطاب؛ وذلك لأنّها اسم ظاهر غائب وقد حمل على ﴿أَنْتُمْ﴾ فصار عبارة عن المخاطب، ثم إنّه وصف ﴿تَجْهَلُوْنَ﴾ اعتبارًا لجانب خطابه المستفاد من حمله على ﴿أَنْتُمْ﴾ (٢) وترجيحًا له على جانب غيبته الثابت في نفسه؛ لأن الخطاب أشرف وأدل وجانب المعنى أقوى وأكمل، فهو بالحقيقة اعتبار لجانب المعنى، وتغليب له على جهة اللفظ، فإنّ الغيبة في لفظ (القوم) ومعناه الخطاب، وبهذا القدر من الاعتبار لا يتغير الأسلوب، ولا يتحقق النقل من طريق إلى آخر، وعلى هذا القياس قول علي ﵁: "أنا الَّذي سمّتْنِي أمِّي حَيْدَرَة".
قال المرزوقي في شرح قول الحماسة:
[وَإِنَّا] لَقَوْمٌ مَا نَرَى القَتْلَ سُبَّةً
إِذا مَا رَأَتْهُ عَامِرٌ وَسَلُوْلُ
"كان الوجه أن يقول: ما يرون القتل سبَّةً؛ حتى يرجع الضمير من صفة القوم إليه ولا تَعْرى منه، لكنّه لما علم أن المراد بالقوم هم قال: ما نرى، وقد جاء في الصلة مثل هذا وهو فيه أفظع، قال:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّيْ حَيْدَرَهْ
أَكِيْلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
والوجه سمّته حتى لا تعرى الصلة من ضمير الموصول، قال أبو عثمان
المازني: لولا صحة مورده وتكرره لرددته» والشريف الفاضل لغفوله عمّا قررناه قال في شرحه للمفتاح: «لا يبعد أن يجعل مثل: أنا الذي سمّتني أُمِّي حيدرة، وأنت الذي أخلفتني، ونحن قوم فعلنا، وأنتم قوم تجهلون - من باب الالتفات من الغيبة إلى التكلم أو الخطاب".
_________________
(١) آية: ٥٥ من سورة النمل. وورد في النسختين (وأنتم) وهو خطأ.
(٢) ساقط من (د) .
[ ٤٣ / ١٥٢ ]
وممّا يشبه الالتفات وليس منه: ما في قوله تعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ (١) من تغيُّر الأسلوب والعدول عن مقتضى ظاهر الكلام؛ وذلك أن موجب طرد الكلام على أسلوب ما سبق من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيْعُوا الله وَأَطِيْعُوا الرَّسُوْلَ﴾ (٢) وسوقه على مقتضى الظاهر هو أن يقال: فإن تولّوا فإنّما عليهم ما حمّلوا وعليك ما حمّلت، وإنّما قلنا إنّه ليس منه؛ لعدم النقل عن أحد الطرق الثلاثة إلى الآخر منها؛ فإن المتحقق في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيْعُوا اللهَ﴾ تنزيلهم منزلة الغائبين، لا سوق الكلام معهم على طريق الغائبة، والفرق واضح وإن خفي على صاحب الكشف حيث قال: "هو التفات حقيقي؛ لأنّه جعلهم غُيّبًا، حيث أمر الرسول [ﷺ] بخطابهم في قوله ﴿قُلْ أَطِيْعُوا اللهَ﴾ ثم خاطبهم بقوله ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ (٣) . وقد نبّه صاحب الكشاف على ما ذكرنا من عدم الالتفات حقيقة فيما ذكر لفقد شرط النقل حيث قال: "صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات" يعني أن مقتضى الظاهر نظم الكلام على الغيبة، ولما صرف عنها كان على طريقة الالتفات وإن لم يكن منه لعدم تحقّق النّقل عن الغيبة، حيث لم يوجب سوق الكلام على صيغتها، ففي إقحام عبارة الطريقة وذكر الصرف دون النّقل تنبيه على ما ذكرنا، فافهم.
_________________
(١) آية ٥٤ من سورة النور.
(٢) آية (٥٤) من سورة النور: والآية تامة: ﴿قُلْ أَطِيْعُوا الله وأَطِيْعُوا الرَّسُول فإن توَلَّوا فَإِنَّما عليه ما حُمِّل وعلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تطيعُوه تهتدوا وما على الرَّسُول إلا البلاغُ المُبِيْن﴾ .
(٣) انظر حاشية الشهاب الخفاجي ٦/٣٩٦ فقد ذكر هذا الرأي ثم عقب عليه بقوله: "وقيل إنه من تلوين الخطاب إذ عدل عن خطاب الرسول ﵊ إلى خطابهم بالذات فليس مندرجًا تحت القول".
[ ٤٣ / ١٥٣ ]
ومن ههنا وما تقدم بيانه تبيّن أنّ كلًا من تغيير الأسلوب والنّقل عن صيغة إلى أخرى - أعمّ من الآخر من وجهٍ؛ ولذلك جمعنا بينهما في تفسير الالتفات، وظهر لك شعبة أخرى لتلوين الخطاب، وهي: ما يوجد فيه تغيير الأسلوب دون النّقل.
فاعلم أن أنواع الالتفات بحسب النّقل من كل واحدة من الصيغ الثلاث إلى إحدى الأخريين ستّة، وقد أفصح عن هذا صاحب المفتاح بقوله: "بل الحكاية والخطاب والغيبة ثلاثتها ينقل كل واحد منها إلى الآخر، ويسمّى هذا النقل التفاتًا عند علماء علم المعاني " وإن قصر عنه بيان صاحب الكشاف بقوله: "هذا يسمّى الالتفات في علم البيان، وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم" حيث اقتصر على ذكر أنواعه الثلاثة، وقوله: "في علم البيان"لا ينافي قول صاحب المفتاح "عند علماء المعاني"لأنه أراد بالبيان علم البلاغة الشامل للمعاني والبيان، وإنما كان الالتفات من علم المعاني لأن ما يترتب عليه من الفوائد من جملة خواصّ التراكيب التي يبحث عنها في العلم المذكور.
وأمّا ما قيل: "يُبحث عنه في علمي البلاغة والبديع، أمّا في المعاني فباعتبار كونه على خلاف مقتضى الظاهر، وأمّا في البيان فباعتبار أنَّه إيراد لمعنى واحد في طرق مختلفة في الدلالة عليه جلاء، [وخفاء] (١) وبهذين الاعتبارين يفيد الكلام حسنًا ذاتيًا للبلاغة، وأمّا في البديع فمن حيث إنّ فيه جمعًا بين صورٍ متقابلة في معنى واحد فكان من محسّناته المعنوية " - ففيه نظر؛ أمّا أوّلًا: فلأن مجرد كونه على خلاف مقتضى الظاهر لا يكفي في دخوله في علم المعاني، وهذا ظاهر عند من له أدنى تأمل في حدّ العلم المذكور.
_________________
(١) هذه الزيادة من حاشية السيد الشريف على الكشاف.
[ ٤٣ / ١٥٤ ]
وأمّا ثانيًا: فلأن اعتبار أنّه إيراد لمعنى واحد في طرق مختلفة في الدلالة عليه جلاء [وخفاء]، غير كافٍ في دخوله في علم البيان؛ بل لابدّ معه أن يكون ذلك الاختلاف بحسب الدلالة العقلية، وهو مفقود في الالتفات، ولذلك لم يورده صاحب المفتاح في البيان واقتصر على إيراده في المعاني والبديع.
وعدّه خلاف مقتضى الظاهر من الكناية لا يجدي نفعًا في كونه من البيان؛ لأنه ليس منها حقيقة؛ كيف وهي من أقسام اللفظ، والخلاف المذكور ليس من جنس اللفظ، وكذا إخراج الكلام عليه ليس منه، وإنّما عدّه من الكناية لما بينهما من المشابهة، والشريف الفاضل لغفوله عن هذا قال في شرح المفتاح في حاشيته "وكونه من إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر المندرج تحت الكناية؛ لا يوجب كونه من مباحث البيان كسائر الجزئيات المندرجة تحت (١) قواعده؛ لأن الأحكام الجزئية المندرجة تحت قواعد علم [البيان] فروعٌ وثمراتٌ لمسائله، إذ ليست مبحوثًا عنها بخصوصيّاتها".
ثم إن موجب تعليله بقوله: "لأن الأحكام"الخ. على تقدير تمامه هو إيجاب ما ذكر من الاندراج عدم كونه من مباحث البيان لا عدم إيجاب كونه منها، وإنّما قلنا: "على تقدير تمامه"لأنه محل نظر، فتدبّر.
_________________
(١) في (د): في.
[ ٤٣ / ١٥٥ ]
وهذا الكلام قد وقع في البيان استطرادًا، فلنعد إلى ما كنّا فيه من تفصيل أنواع الالتفات الحاصلة من ضرب الثلاث في الاثنين، فنقول: أحدها: الالتفات من التكلم إلى الخطاب: ومثاله من التنزيل ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ (١) وذلك أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ﴾ المخاطبون، والمعنى: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم فالمعبّر عنه في الجميع هو المخاطبون، ولمّا عبّر عنهم بصيغة التكلم كان مقتضى الظاهر أن لا يغيّر أسلوب الكلام، بل يجري اللاحق على سنن السابق، ويقال: وإليه أرجع، فلمّا عدل عنه إلى ما ذكر تحقق الالتفات.
ومن الشعر:
تَذَكَّرْتَ والذِّكْرَى تَهِيْجُكَ زَيْنَبَا
وَأَصْبَحَ باقِي وَصْلِها قَدْ تَقضَّبا
إن قُرئ (تذكرتَ) بالفتح كما هو الرواية، فالالتفات فيه على رأي صاحب المفتاح؛ حيث كان الظاهر ضمّها على التكلم (٢) فعدل عنه إلى الخطاب، وإن قُرِئ بالضمّ فالالتفات في (يهيجك) وهذا باتفاق.
وثانيها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة: ومثاله من التنزيل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ (٣) كان الظاهر أن يقال: فصلّ لنا. قال الفاضل التفتازاني في شرح التلخيص: "وقد كثر في الواحد من المتكلم لفظ الجمع تعظيمًا له لعدّهم المعظّم كالجماعة، ولم يجيء ذلك للغائب والمخاطب في الكلام القديم، وإنّما هو استعمال المولّدين كقوله:
بِأَيِّ نَوَاحِي الأَرْضِ أَبْغِي وِصَالَكُمْ
وَأَنْتُمْ مُلُوْكٌ مَا لِمَقْصَدِكُمْ نَحْوُ
_________________
(١) الآية (٢٢) من سورة يس والآية من شواهد المصباح في المعاني والبيان والبديع لابن الناظم: ٣١، والتلخيص (٨٧) والإيضاح (١٥٨) .
(٢) في (م): المتكلم.
(٣) الآية (١-٢) من سورة الكوثر، والآية من شواهد: المصباح (٣٣) والتلخيص (١٧) والإيضاح (١٥٨) وشروح التلخيص (١/٤٦٨) .
[ ٤٣ / ١٥٦ ]
تعظيمًا للمخاطب وتواضعًا من المتكلم وفيه نظر؛ لأنّه قد جاء ذلك للغائب والمخاطب أيضًا في الكلام القديم، أمّا الأول: فقد قال الإمام البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿و(١) مَا كَانَ لِمُوْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللهُ ورَسُوْلُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢) "أي قضى رسول الله [ﷺ] وذكر الله لتعظيم أمره، والإشعار بأنّ قضاءَه قضاءُ الله، تعالى وجمع الضمير الثاني للتعظيم".
وأمّا الثاني فقد قال صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿لا تَقُوْلُوا (٣) رَاعِنَا (٤)﴾: "وقرأ ابن مسعود: (راعونا) على أنهم كانوا [يخاطبونه] بلفظ الجمع للتوقير" والفاضل المذكور اعترف بما أنكره ههنا - في بحثه: أن الأمر للوجوب من التلويح.
ومثال النوع المذكور من الشعر لم يوجد في أشعار الجاهلية، ولذلك لم يورد صاحب المفتاح مثالًا له إلاّ أنَّه لم يصب في ذلك، لأن وجود مثاله في التنزيل كان كافيًا، فلا وجه لاقتصاره على إيراد المثال للأقسام الخمسة.
وثالثها: الالتفات من الخطاب إلى التكلم، ومثاله لم يوجد في التنزيل، وأمّا مثاله من الشعر فقوله:
طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الحِسَانِ طَرُوبُ
بُعيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيْبُ
يُكَلِّفُنِي لَيْلَى وقد شَطَّ وَلْيُها
وَعَادتْ عَوَادٍ بَيْنَناَ وخُطُوبُ
التفت من الخطاب في (طحابك) إلى التكلم؛ حيث لم يقل يكلّفك، وفاعل يكلفني ضميرُ القلب، وليلى مفعوله الثاني، والمعنى: يكلفني ذلك القلب ليلى ويطالبني بوصلها.
_________________
(١) ساقط من (د) .
(٢) آية (٣٦) من سروة الأحزاب.
(٣) في (م): ولا تقولوا.
(٤) سورة البقرة من الآية (١٠٤) .
[ ٤٣ / ١٥٧ ]
ورابعها: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة؛ ومثاله من التنزيل: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (١) كان الظاهر أن يقال: وجرين بكم.
ومن الشعر قوله:
إنْ تَسْأَلوا الحقَّ نُعطِ الحقَّ سائِلَهُ
والدِّرْعُ مُحْقَبَةٌ والسَّيْفُ مَقْرُوبُ
التفت في (سائله) من الخطاب إلى الغيبة.
وخامسها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب؛ ومثاله من التنزيل: ﴿مالكِ يومِ الدِّيْن. إيَّاكَ نَعْبُدُ (٢)﴾ كان الظاهر أن يقول: إيّاه نعبد.
ومن الشعر:
طَرَقَ الخَياَلُ ولا كَلَيْلَةِ مُدْلجِ
سَدِكًا بِأَرْحُلِنَا وَلَمْ يَتَعَرَّجِ
أنَّى اهْتَدَيْتِ وَكُنْتِ [غير] رجِيْلَةٍ (٣)
والقومُ قَدْ قَطَعُوا متان السَّجْسَجِ (٤)
التفت في البيت الثاني من الغيبة إلى الخطاب، حيث قال: (اهتديت) وكان الظاهر أن يقول: اهتدى.
وسادسها: الالتفات من الغيبة إلى التكلم، ومثاله من التنزيل: ﴿والله الَّذِيْ أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيْرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ﴾ (٥) كان الظاهر أن يقال: فساقه.
ومن الشعر قوله:
تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بالأثْمُدِ
ونَامَ الخَلِيُّ وَلَمْ تَرْقُدِ
_________________
(١) الآية (٢٢) من سورة يونس والآية من شواهد المصباح (٣٤) والتلخيص (٨٨) والإيضاح (١/١٥٨) .
(٢) آية (٤-٥) من سورة الفاتحة والآية من شواهد المفتاح: ٢٠١، والمصباح: ٣٤، والإيضاح ١/١٥٨، والتلخيص (٨٨) وشروحه: ١/٤٦٩، ٤٧١.
(٣) في (م): صله وفي (د) رحيلة. وما أثبتّه من ديوان الشاعر. والرجيلة: القوّية على المشي.
(٤) في (د): السجع وفي (م) بسميج، والبيتان للحارث بن حلزة اليشكري، الشاعر الجاهلي، وهما في ديوانه جمع وتحقيق د. إميل بديع يعقوب ص ٤٢. وهما من شواهد المفتاح: ٢٠٠، والبيت الثاني فيه: أنى اهتديت لنا وكنت رحيلة والقوم قد قطعوا متان السجيج وورد أيضًا في المصباح: (٣٣) والشطر الأول من البيت الثاني يوافق ما في المفتاح.
(٥) الآية (٩) من سورة فاطر.
[ ٤٣ / ١٥٨ ]
وبَاتَ وبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ
كَلَيْلةِ ذِيْ العَائِر الأرْمَدِ
وَذَلِكَ مِنْ نَبإٍ جاءَنِيْ
وخُبِّرْتُه عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ
التفت في (جاءني) (١) من الغيبة إلى التكلم، وكان الظاهر أن يقول: جاءه. وقال صاحب المفتاح: "فالتفت - يعني امرأ القيس - في الأبيات [الثلاثة] " أراد أنه التفت في كل بيت. وكلام صاحب الكشاف في هذا المعنى أظهر؛ حيث قال: "التفت [امرؤ] القيس ثلاث التفاتات في [ثلاثة] أبيات" فإنه نصّ في الثلاث وظاهر في التوزيع؛ أمّا في الأول: فمن التكلم إلى الخطاب؛ إذا القياس: (تطاول ليلى) .
وأمّا في الثاني: فمن الخطاب إلى الغيبة؛ حيث قال: (وبات) والقياس: (وبتَّ) على الخطاب.
وأمّا في الثالث: فقد مرّ بيانه.
وهذا القول من صاحب الكشاف صريح في أنَّ سَبْقَ طريق آخر تحقيقًا ليس بشرطٍ في الالتفات. فالمخالفة للجهمور في هذا الخصوص ليست من خصائص صاحب المفتاح، بل هو مقلّد فيها لصاحب الكشّاف، فحقُّ ذلك المذهب أن يُنسب إليه لا إلى صاحب المفتاح؛ لأن القول حقُّه أن ينسب إلى من سبق به.
لا يقال: إن في لفظ (ذلك) التفاتًا من الغيبة إلى الخطاب؛ فيكون في تلك الأبيات ثلاثة التفاتات على مذهب الجمهور أيضًا، فلا ضرورة إلى حمل قول صاحب الكشاف على خلاف ما عليه الجمهور، لأنّا نقول: الالتفات فيما ذكر غير متعين، إذ يجوز أن يكون الكاف خطابًا لغيره لا لنفسه؛ على أن قول صاحب الكشاف على ما نبهت فيما تقدم - صريحٌ في توزيع الالتفاتات على الأبيات الثلاثة، وعلى ما ذكر لا يصح ذلك.
_________________
(١) في (م): جاء.
[ ٤٣ / ١٥٩ ]