الفصل الثاني
في
ماهية الدعائم، وبيان أهميتها
وفيه مباحث:
الأول: في الدعامة الأولى: (إقام الصلاة) .
الثاني: في الدعامة الثانية: (إيتاء الزكاة) .
الثالث: في الدعامتين الثالثة والرابعة: (الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) .
المبحث الأول: في الدعامة الأولى (إقام الصلاة):
وفيه مطالب:
الأول: ماهية الصلاة
الثاني: أهميتها.
الثالث: في المقصود بإقامة الصلاة على ضوء الآية الكريمة.
المطلب الأول: ماهية الصلاة:
أولًا: الصلاة في اللغة:
اختلف علماء اللغة في أصل الصلاة:
فقيل: الصلاة الركوع والسجود.
وقيل: أصل الصلاة الدعاء مأخوذة من (صَلَّى) يُصَلِّي إذا دعا. ومنه قوله ﷺ: "إذا دُعِيَ أحدكم فليُجِب، فإن كان صائمًا فليُصَلِّ، وإن كان مفطِرًا فليَطْعَم" [١] . فقوله: (فليُصَلِّ) يعني فليدع لأرباب الطعام بالبركة والخير [٢] .
ومنه قوله الأعشى: [٣]
نومًا فإن لجنب المرء مضطجعًا
عليك مثل الذي صَلَّيْت فاغتمضي
أي: عليك مثل دعائك [٤] .
وقيل: أصلها التعظيم وسُمِّيَت الصلاة المخصوصة صلاةً لما فيها من تعظيم الرب تعالى [٥] .
وقيل: الأصل في الصلاة اللزوم، يقال: قد صَلِىَ واصطلى إذا لزم، ومن هذا مَن يُصْلَى في النار أي يلزم النار [٦] .
هذه أشهر الأقوال التي قيلت في أصل الصلاة لغةً [٧] .
ثانيًا: الصلاة شرعًا:
عرَّفها العلماء بأنها: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم [٨] .
وأرادوا بالأقوال: القراءة، والتكبير، والتسبيح، والدعاء، ونحوه.
وبالأفعال: القيام، والركوع، والسجود، والجلوس، ونحوه [٩] .
[ ٤١ / ٣٤٥ ]
وإذا نظرنا إلى معنى الصلاة لغةً وشرعًا، وجدنا الصلة بينهما وثيقة؛ فالدعاء، واللزوم، والتعظيم. كلها معانٍ موجودة في الصلاة بمعناها الشرعي، وأُطْلِقَت على الصلاة، كلها من باب تسمية الشيء ببعض أجزائه. وإن كانت مأخوذة من "الصَّلْوَين"فهما موضعان في الإنسان يقوم عليهما الركوع والسجود، فلا ركوع ولا سجود بلا تحريك لهما، فأخذ اسم الصلاة منهما، كما أخذ اسم البيع من "الباعين"اللذين يمدهما البائع والمشتري [١٠] .
ثالثًا: الصلاة في القرآن:
لم يقصر القرآن الكريم إطلاق لفظ "الصلاة" على الصلوات الخمس المفروضة؛ بل أطلقه عليها وعلى غيرها، كما لم يقصر التعبير عن الصلاة المفروضة على لفظ "الصلاة"وحدها؛ بل عبَّر عن الصلاة المفروضة بألفاظ أخرى غير لفظ "الصلاة":
ففي المجال الأول: جاء لفظ "الصلاة"في القرآن مرادًا به عِدَّة معانٍ:
الأول: الصلاة بمعنى الدعاء [١١]، -قال تعالى-: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي ادع لهم.
الثاني: بمعنى الاستغفار [١٢]، قال -تعالى-: ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُول﴾
[التوبة: ٩٩] أي استغفاره لهم.
الثالث: بمعنى بيوت الصلاة أو الكنائس [١٣]، قال -تعالى-: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج:٤٠] .
الرابع: بمعنى الإسلام، قال -تعالى-: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾
[القيامة: ٣١] أي: ولا أسلم [١٤] .
الخامس: بمعنى الدين [١٥]، قال -تعالى-: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾
[هود: ٨٧] .
السادس: بمعنى القراءة [١٦]، قال -تعالى-: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِك﴾
[الإسراء: ١١٠] أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن [١٧] .
السابع: بمعنى الصلاة الشرعية [١٨] أو الصلوات الخمس، قال -تعالى-:
[ ٤١ / ٣٤٦ ]
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٢] . قال ابن الجوزي -﵀- تعالى: "وكذلك كل صلاة قُرِنَت بذكر الزكاة" [١٩] .
الثامن: الصلاة بمعنى صلاة الأمم الماضية [٢٠]، قال -تعالى-: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ والزكاة﴾ [مريم: ٣١] .
وهذا بالنسبة لإطلاق لفظ الصلاة في القرآن على معانٍ متعددة ومنها المعنى الشرعي.
كما عبَّر القرآن عن الصلاة بألفاظٍ أخرى غير لفظ "الصلاة" ومنها:
الأول: عبَّر عن صلاة الجمعة بلفظ الذكر [٢١]، قال -تعالى-: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وكذلك صلاة العصر على لسان سليمان ﵇: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]، وعبَّر عن الصلوات الخمس بالذكر أيضًا، قال -تعالى-: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٣٩] أي: صلوا الصلاة كاملة بدون نقص [٢٢] .
الثاني: التعبير عن الصلاة بلفظ الاستغفار. قال -تعالى-: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] أي: يصلون؛ لأنَّ في الصلاة سؤال المغفرة [٢٣] .
الثالث: التعبير عن الصلاة بلفظ الركوع [٢٤]، قال -تعالى-: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: صلوا [٢٥] .
الرابع: التعبير عن الصلاة بلفظ الإيمان [٢٦]، قال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] .
الخامس: التعبير عن الصلاة بلفظ الحسنات [٢٧]، قال -تعالى-: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] أي الصلوات [٢٨] .
تلك بعض المعاني التي يشملها لفظ الصلاة في القرآن، وهذه بعض الألفاظ التي عبر بها القرآن الكريم عن الصلاة.
وحين نتأمل في هذا التعبير القرآني ندرك اهتمام القرآن بالصلاة وتفخيمه لشأنها لفظًا ومعنى.
[ ٤١ / ٣٤٧ ]
فإذا قيل: علة اهتمام القرآن بأجزاء الصلاة وإطلاقها على كل الصلاة ظاهرة لا تخفى، فما عِلَّة اهتمامه باسم (الصلاة) وإطلاقها على غيرها؟
فالجواب: إنَّ المتأمل في المعاني التي أطلق عليها لفظ الصلاة يجدها لا تعدو أربع حالات:
الأولى: استعمال كلمة (الصلاة) في معناها الأصلي (الدعاء)، ومنه الاستغفار.
الثانية: إطلاق الكل على البعض، مثل إطلاق الصلاة على صلاة الخوف.
الثالثة: إطلاق الصلاة على بيوت الصلاة.
الرابعة: إطلاق لفظ الصلاة على غيرها؛ لإظهار الصلة الوثيقة بين المعنيين وجعل اللفظ (الصلاة) بمثابة الرباط القوي بينهما، الذي يجعلهما – كالشيء الواحد الذي لا ينفصل بعضه عن بعض – كإطلاق لفظ الصلاة على الدين في: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [٢٩] أو على الإسلام في: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ [٣٠] أي: ولا أسلم. وفي هذا بلا شك كشف للتلازم بين الصلاة والدين، أو الصلاة والإسلام، أو إطلاقها على المغفرة في قوله -تعالى- ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ [٣١]، أو على الرحمة في قوله -تعالى-: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَة﴾ [٣٢] .
وفي هذا إشارة هامة إلى أثرين من آثار الصلاة على العباد، وكأنَّ المغفرة والرحمة لازمتان من لوازم الصلاة المقبولة لا ينفكان عنها. ولذلك ورد في الحديث: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن" [٣٣] .
ولو لم يكن في استعمالات القرآن كلها للفظ الصلاة إلاَّ إطلاقه لها على الدين والإسلام لكفى بهما بيانًا لمفهوم الصلاة في القرآن الكريم، حيث جعلهما كالشيىء الواحد الذي لا ينفصل بعضه عن بعض.
وهذا المعنى ظاهر في حديث رسول الله ﷺ: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" [٣٤] .
وحديث: "إنَّ العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" [٣٥] .
[ ٤١ / ٣٤٨ ]
فأي تلازم بين الصلاة والإسلام أكثر من هذا؟! وكفى بهذا المفهوم للصلاة في القرآن بيانًا [٣٦] .
والذي يهمنا في هذا أنَّ الصلاة أُطْلِقَت في القرآن الكريم على الدين وعلى الإسلام، وعلى الإيمان.
وقد جاء في الآية التي هي موضوع البحث ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ ﴾ الآية.
وسبقتها الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وهذا معنى الإيمان.
فلو حُمِلَت الصلاة في الآية التي هي موضوع البحث على الإيمان، أو الدين، أو الإسلام، لم يكن في ذلك بُعْد؛ لوجود التلازم بين هذه الأمور في الاصطلاح الشرعي.
ولو قيل: إنَّ الصلاة في الشرع من الأمور التي إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت، كالإسلام والإيمان. لم أر في ذلك بعْدًا أيضًا. وهذا الأمر هو الذي دعاني لذكر المعاني التي جاء القرآن بها للفظ الصلاة. أو التعبير عن الصلاة بما هو من لوازمها أو ثمراتها.
فيكون معنى الآية الكريمة: الذين إنْ مكَّناهم في الأرض أقاموا الإسلام، أو أقاموا الدين، أو أقاموا الإيمان. وهذا ما فهمه الصحابة ﵃، وكذلك السلف الصالح من بعدهم؛ لأنَّ من لوازم إقامة الصلاة الشرعية العمل بالإسلام.
ولأنَّ الإيمان قولٌ وعمل، فالقول وُجِدَ من المهاجرين في مكَّة؛ ولذا قال -تعالى-: ﴿إِلاَّ أَنْ يَقُولُواْ رَبُّنَا الله﴾ . وأمَّا العمل الكامل بالإسلام فلَمَّا مكَّنهم اللهُ في الأرض، أمرهم في مقابل هذا التمكين أن يأتوا بحق الإيمان، وحق الإسلام، وحق الدين كاملًا، وحق الأخوة الإسلامية كاملًا؛ لعدم العذر.
المطلب الثاني: أهمية الصلاة:
[ ٤١ / ٣٤٩ ]
١ - للصلاة منزلة في الإسلام، لا تصل إليها أية عبادة أخرى، فهي عماد الدين الذي لا يقوم إلاَّ به، كما جاء في الحديث: " ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟ " قلت: "بلى يا رسول الله". قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد " [٣٧] .
٢ - وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، بها يفرق بين المسلم
والكافر، فهي مظهر للإسلام، وعلامة للإيمان، وقرة عين وراحة ضمير.
وتأتي منزلتها بعد الشهادتين، لتكون دليلًا على صحة الاعتقاد وسلامته، وبرهانًا على صدق ما وقر في القلب، وتصديقًا له. قال رسول الله ﷺ: "بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت" [٣٨] . كما أنَّ الصلاة تتقدم على جميع أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ لمكانتها وعظيم شأنها، فهي أول عبادة فرضها الله على عباده في مكَّة، وأول عبادة تكتمل بالمدينة. كما جاء في الحديث: "فرضَ اللهُ الصلاةَ حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقِرَّت صلاة السفر وزيد في الحضر" [٣٩] .
٣ - ومِمَّا يدل على مكانة الصلاة في الإسلام: طريقة فرضيتها؛ إذ أنَّ كُلَّ العبادات تُفْرَض على الأُمَّة بطريق الوحي بواسطة جبريل ﵇. أمَّا الصلاة ففُرِضَت بدون واسطة، بل بالإسراء بالرسول ﷺ نفسه إلى السماوات العلا حين لقي ربه في أسمى منزلة وأعظم لقاء، حيث تلقَّى الرسول الكريم ﷺ من ربه هذا التكليف العظيم.
[ ٤١ / ٣٥٠ ]
٤ - ومِمَّا يدل على مكانة الصلاة ومنزلتها العظمى: اشتراك الشرائع السماوية فيها. فقد جاءت آيات كثيرة، وفي مواضع متعددة، تدل على أنَّ الصلاة مِمَّا تشترك فيه الشرائع السماوية، ومِمَّا كان يوصي به الله أنبياءه ويوصي به الأنبياءُ أهليهم وأقوامهم. قال الله -تعالى- في شأن إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [٤٠] . ووصف الله إسماعيل ﵇ بقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [٤١] . وأمر الله سبحانه نبيه موسى ﵇ بقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [٤٢] . ووصف الله -﷾- عبده زكريا بقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَاب﴾ [٤٣] . ولقمان ﵇ يوصي ابنه وصيته الخالدة وفيها: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [٤٤] . بل المساجد الثلاثة تشهد بذلك، فالمسجد الحرام في مكة بناه إبراهيم وإسماعيل ﵉. والمسجد الأقصى بناه نبيّ الله سليمان بن داود ﵉ بأمرٍ من الله ﷿ [٤٥] . وبنى نبينا محمد ﷺ مسجده في المدينة بعد الهجرة. والمساجد إنَّما تبنى للصلاة.
إذًا فالصلاة هي القاعدة التي يقوم عليها الدين الذي جاء به الأنبياء ﵈. ألا وهو الدين الإسلامي بمعناه العام.
٥ - ومما يدل على مكانة الصلاة - أيضًا - أنَّها لا تسقط بحال، وإنَّما تخفف أركانها وعدد ركعاتها على العبد*، وكذلك النداء لها بنداء خاص أصبح شعيرة من شعائر الإسلام، وعلامة مميزة للمسلمين. وهو الأذان.
[ ٤١ / ٣٥١ ]
٦ - وكذلك الطهارة للصلاة والأمر ببناء المساجد لها، مِمَّا يدل على مكانة الصلاة وعظم شأنها، فدوام الصلاة واطرادها على اختلاف الأحوال والأزمنة صفة تميزها عن غيرها من التكاليف العملية. فعامَّة التكاليف غير التعبدية - كالصلاة والصوم والحج* - منوطة بمصالح معينة تدور معها، فتثبت برجاء المصلحة، وترتفع بانتفائها أو نفادها.
وأمَّا أركان الإسلام المتقدمة فهي واجبات عينية، وحقوق لله لا تتخلف؛ ولكن الصلاة من بين تلك الأركان تتميز بصفة الدوام؛ لأنَّ الصوم لا يجب إلاَّ على المستطيع. والحج لا يلزم إلاَّ على من وجد إليه سبيلًا. والزكاة لا يخرجها إلاَّ مَنْ ملك النصاب. أمَّا الصلاة فلا تسقطها أعذار الطاقة، وإنَّما تخفف أركانها لرفع الحرج، ويبقى أصلها لئلا تتخلَّف معانيها الجليلة [٤٦] .
٧ - والصلاة تكاد أن تكون جماعًا لأركان الإسلام؛ وذلك لاشتمالها على الشهادتين في التشهد الأول والأخير. والصلاة زكاة يومية، فالمصلي يبذل من وقته لأداء الصلاة، في حين يحتاج إلى هذا الوقت لأداء عمل يستفيد منه في تحصيل المال الذي سيزكي عنه. فعندما يصلي ينفق من وقته الذي هو أصل المال. فكما أنَّ الزكاة طهرة للمال، فكذا الصلاة طهرة للأوقات، وطهرة للإنسان مِمَّا يرتكبه من معاصي في أوقاته: " أرأيتم لو أنَّ نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا، ما تقول ذلك يبقى من درنه؟ ". قالوا: "لا يبقى من درنه شيئًا" قال: "فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا" [٤٧] .
بل تتعدى الصلاة هذا المعنى لتكون تمهيدًا للنفس وإعدادًا لها لتتخلَّص من البخل والأنانية، فالصلاة [٤٨] وما فيها من إقرار لله بالربوبية*، وما تشتمل عليه من خضوع لله، وقيام وركوع وسجود. هي ترويض للنفس، وإذلال كبريائها، وجعلها طيعة لقبول الأوامر الإلهية والعمل بها.
[ ٤١ / ٣٥٢ ]
ومن هنا نلمح اقتران ذكر الصلاة بالزكاة في أكثر الآيات التي أمرت بالزكاة. ويأتي الأمر بالزكاة بعد الأمر بالصلاة، قال الله -تعالى-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [٤٩]، ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [٥٠]، ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ [٥١] .
والصلاة بعد ذلك أقوالٌ وأفعالٌ مخصوصة، تصوم فيها نفس الإنسان وجوارحه عن جميع المخالفات التي تفسد تمامها وكمالها.
ويتوجه المصلي في صلاته شطر المسجد الحرام، قال -تعالى-: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [٥٢] . وهو في أداء هذا الركن من الصلاة بتوجهه إلى
البيت، يشترك مع ركن الإسلام الحج من طرف.
٨ - والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهي تعالج النفس البشرية من نوازع الشر حتى تصفو من الرذائل، ويبتعد صاحبها عن كُلِّ منكر. قال -تعالى-: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [٥٣] .
٩ - وللصلاة آثارٌ تربوية، فهي تربي النفس على طاعة الخالق، وتعلِّم العبد آداب العبودية، وواجبات الربوبية، بما تغرسه في قلب صاحبها من قدرة الله وعظمته، وبطشه وشدته، ورحمته ومغفرته.. كما تحليه وتجمله بمكارم الأخلاق لسموها بنفسه عن صفات الخسة والدناءة، فإذا فتَّشْتَ عن آثار الصلاة فيه وجدته صادقًا أمينًا متواضعًا عدلًا. ينأى عن الكذب والخيانة والطمع والغدر والكبر والظلم [٥٤] .
[ ٤١ / ٣٥٣ ]
وعندما يتجه المصلون في أنحاء الدنيا إلى القبلة، يشعر المسلم بالتآلف والوحدة، ونبذ الفرقة. فكلُّ المسلمين عبيدٌ لله، إلههم واحد، وقبلتهم واحدة، ودينهم واحد. لا فرق بين غني وفقير، وعظيم وحقير. يتوخى المسلم الاستقامة في استقبال بيت الله، فلا يحيد ولا يميل، وبذلك يتربى على العدل في جميع أمور حياته، والحكمة بوضع كل شيىء موضعه.
يعيش آلام إخوانه المسلمين جماعة المسجد وآمالهم، فيصبح عنصرًا فعالًا في جماعته ومجتمعه، تعوِّده الصلاة على الدقة في الموعد، والحرص على الوقت. تنظم له أوقاته فيتعوَّد على النظام في جميع أموره، ويتبع الإمام، فيتدرَّب على الطاعة والالتزام [٥٥] .
١٠ - والصلاة أهم ركن في الإسلام بعد الشهادتين، وأول ما يحاسب عليه العبد. ولهذا نجد القرآن الكريم يصور حال أهل النار عندما يُسْأَلُون عن سبب ما هم فيه من عذاب فيقولون: لم نكن من المصلين. قال -تعالى-: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [٥٦] .
فالصلاة أول عمل كفر به أولئك المكذبون. وأول ما يندمون على تضييعه يوم القيامة. قال رسول الله ﷺ: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإنْ صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله" [٥٧] .
ولما للصلاة من الفضل العظيم بعد الشهادتين، كانت آخر وصية أوصى بها رسول الله ﷺ أمَّته، فعن أم سلمة ﵂ [٥٨] قالت: "كان من آخر وصية رسول الله ﷺ: "الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم" [٥٩] .
والصلاة آخر ما يفقد من الدين؛ فإذا ضاعت ضاع الدين كله. قال رسول الله ﷺ: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" [٦٠] .
[ ٤١ / ٣٥٤ ]
لهذا ينبغي أن يفقه المسلم مكانة الصلاة في الإسلام، وأن يحرص على أدائها في أوقاتها. كاملةً أركانها وشروطها، وأن يقيمها كما أمر الله بها. وما ذُكِرَ من الأدلة على مكانة الصلاة، إنَّما هو بعض الأدلة، وإلاَّ فمكانة الصلاة في الإسلام لا يمكن الإحاطة بأدلتها ومواضع الاهتمام بها، وبيان آثارها ومزاياها. لأنَّها تشترك مع أصول الدين الإسلامي من حيث تبادل الأسماء، فتارة تطلق الصلاة على الدين، وتارة يطلق الدين على الصلاة، مِمَّا يؤكِّد التلاحم بينهما كأنَّهما شيء واحد.
المطلب الثالث: في المقصود بإقام الصلاة على ضوء الآية الكريمة:
قال الراغب الأصفهاني [٦١] في مفرداته: "وإقامة الشيء توفيته حقه" ثُمَّ قال: "ولم يأمر الله تعالى بالصلاة حينما أمر، ولا مدح بها حينما مدح، إلاَّ بلفظ الإقامة تنبيهًا أنَّ المقصود منها توفية شرائطها لا الإتيان بهيئاتها" [٦٢] .
ومن هنا ندرك أنَّ إقامة الصلاة في القرآن أمر زائد على مجرَّد فعل الصلاة. فالصلاة هي حركة الأجساد الخاصة من قيام وقعود وركوع وسجود ودعاء وتسبيح وتكبير وتحميد ونحو ذلك. وبها يعتد في أحكام الدنيا.
أمَّا تمامها الذي يحصل به الثواب فهو إقامتها بحضور القلب فيها. ومن هنا يحصل التفاوت بين المصلين مع أنَّ الحركات الظاهرة واحدة شكلًا وزمنًا، لكنها تختلف وتتباين في حضور القلب والخشوع. فليس للعبد من صلاته إلاَّ ما عقل منها وحضر قلبه فيها.
وهذا ما يؤكد أنَّ حضور القلب في الصلاة هو روحها ولبها، وبقدر حضور القلب فيها تكون إقامتها. فإذا تجرَّدت من حضور القلب لم تقترن في القرآن الكريم بلفظ الإقامة.
[ ٤١ / ٣٥٥ ]
وقد سبق أنَّ مِمَّا يدل على مكانة الصلاة كونها تأتي بعد الشهادتين. فهي الركن الثاني من أركان الإسلام - كما في الحديث: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلًا" [٦٣] .
والحكمة من ذلك كونها دليلًا على صحة الاعتقاد وسلامته، وبرهانًا على صدق ما وقر في القلب، وتصديقًا له.
وسبق أيضًا أنَّ الصلاة تأتي بمعنى الإيمان، وخاصّةً في الآية التي هي موضوع البحث، وأنَّها تشتمل على الشهادتين في التشهد الأول والأخير، وتطلق على الإسلام، والدين - كما سبق - وأنَّها الفارق بين الإيمان والكفر. وأنَّها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتشتمل على جميع أركان الإسلام الخمسة بطريق التلازم. فإقامتها تعني توفية حقوق هذه المعاني - كما تعنى - أداءها كاملة بأقوالها وأفعالها، في أوقاتها المعينة لها شرعًا. فلو نقص المصلي شيئًا من ذلك لم يكن مقيمًا لصلاته وإنْ أتى بهيئاتها الظاهرة.
ومِمَّا يدل على ذلك وأنَّها تستلزم الإيمان والزكاة والدين كله:
أنَّ الإيمان في الشرع قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالجنان، وعملٌ بالأركان. وكذلك الصلاة أقوال واعتقاد وعمل بالأركان.
وأمَّا استلزامها للزكاة فقد سبق بيانه، وأنَّ أداء الصلاة كاملة بحقوقها يستلزم أداء الزكاة ودفعها لمستحقيها.
وأمَّا كونها تستلزم الدين كله، فلأمور منها:
أولًا: أنَّها الفارق بين الكفر والشرك والإيمان: "بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة" [٦٤] .
ثانيًا: مشروعيتها في جميع الشرائع - كما سبق - وهذا مِمَّا اتفقت عليه جميع الأديان، فهي بمعنى التوحيد، أو تتضمن معناه. فإقامتها تستلزم إقامة الدين كله، والنقص فيها نقص في الدين.
[ ٤١ / ٣٥٦ ]
ولَمَّا كان من لوازم إقامتها حضور القلب، والخشوع فيها، وهذا يتطلب أمورًا يجب الإتيان بها، فإنَّ من تلك الأمور ما يأتي:
الأمر الأول: تحقيق معنى التوحيد الذي دلَّت عليه الصلاة، وهو الهدف العام الذي سبقت الإشارة إليه في هذه الدعامة.
الأمر الثاني: معرفة ما تتوقف عليه صحتها. وفيه النقاط التالية:
١ - تأديتها كاملة بأركانها وشروطها وواجباتها وسننها.
٢ - إقامة الصلاة بالنهي عن تركها أو التساهل فيها.
٣ - إقامة الصلاة بتعيين الأئمة العالمين بما تصح به إقامتها.
٤ - إقامتها ببناء مواضعها والمحافظة عليها وتوفير كل ما يلزم لذلك من فرش وتنظيف وتهوية وإنارة وغير ذلك.
المبحث الثاني: في الدعامة الثانية (إيتاء الزكاة):
وفيه مطالب:
الأول: في ماهية الزكاة.
الثاني: في أهمية الزكاة.
الثالث: في الحكمة من تشريع الزكاة على ضوء الآية الكريمة.
المطلب الأول: في ماهية الزكاة:
أ - الزكاة في اللغة:
الزكاة في اللغة مشتركة بين الطهارة والنماء والبركة والمدح.
قال -تعالى-: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا..﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]، أي طهرها من الآثام.
وفي معنى النماء والبركة جاء قوله -تعالى-: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩] .
ويقال: زكا الزرع يزكو زكاةً إذا نما. وكل شيء ازداد فقد زكا وزكت النفقة إذا بورك فيها، وفلانٌ زاكٍ أي كثير الخير [٦٥] .
وبمعنى المدح جاء قوله -تعالى-: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [النجم: ٣٢] أي فلا تمدحوها على سبيل الفخر والإعجاب.
[ ٤١ / ٣٥٧ ]
والزكاة - أيضًا - الصلاح، ومنه قوله -تعالى-: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] .
وتطلق الزكاة على معانٍ أخرى منها: النفقة، والعفو، والحق. وهذه المعاني تدور حول الزكاة بمعناها العام.
وأمَّا إطلاقها بمعناها الخاص، فهي تأتي بمعنى إعطاء الصدقة. وتطلق على الصدقة نفسها واجبة أو مندوبة [٦٦] .
ب - وفي الشرع:
حق واجب في مال مخصوص في وقت مخصوص لتحقيق رضى الرب تعالى. وتزكية النفس والمال والمجتمع [٦٧] . وهذا التعريف - كما سيأتي - يتضمن أهم أهداف الزكاة.
جـ – وإذا نظرنا إلى المعنى اللغوي للزكاة، والمعنى الشرعي لها، وجدنا المناسبة بينهما قوية الصلة موجودة، ذلك أنَّ معاني الزكاة في اللغة وهي: الطهارة، والنماء، والمدح، والصلاح، كلها موجودة في المعنى الشرعي، لأنَّها تطهر مؤديها من الذنوب، ومن صفة البخل، والمال بإنفاق بعضه وتنميته بالخلف، ويمدح بها الفاعل ويثنى عليه بالجميل. قال -تعالى-: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] .
المطلب الثاني: في أهمية الزكاة:
سبق أنَّ بَيْنَ الصلاة والزكاة تلازمًا وثيقًا، حيث قرنت الزكاة بالصلاة في كثيرٍ من النصوص الشرعية، مِمَّا يدل على اتفاقهما وشدة اتحادهما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، حتى أصبحا كالشيىء الواحد الذي لا ينفك بعضه عن بعض، وذلك لاتحاد هذين الركنين العظيمين من أركان الإسلام، في الأهداف والغايات السامية التي جمعت بينهما.
[ ٤١ / ٣٥٨ ]
وقبل أن نبين أهمية الزكاة ومكانتها في الإسلام، لابُدَّ أن نشير إلى أنَّ الإنسان قد عرف الفقر والحرمان منذ زمن بعيد [٦٨] . وذلك لحكمة يعلمها الله تعالى، حيث لم يسوِّ بين خلقه في الرزق، فهناك الغني والفقير، ولم يفلح الداعون لعلاج هذه المشكلة في مختلف العصور لانتشال الفقراء من وضعهم، كما لم يفلحوا في كسب عطف الأغنياء وبذلهم على الفقراء بدون مَنٍّ أو فضل.
وبالرجوع إلى القرآن وحديثه عن الشرائع السابقة على الإسلام، نجد أنَّها دعت إلى البر بالفقراء، والعطف على الضعفاء، والإحسان إليهم والأخذ بأيديهم [٦٩] . قال تعالى في شأن إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣] .
وقال عن إسماعيل ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا. وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤-٥٥] .
وقال عن ميثاق بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣] .
وقال في شأن أهل الكتاب عامَّة [٧٠]: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة﴾ [البينة: ٥] .
[ ٤١ / ٣٥٩ ]
وبالنظر في هذه الآيات التي تتحدث عن عناية الشرائع السابقة في علاجها لمشكلة الفقر، ومكانة الزكاة في تلك الشرائع - كوسيلة من وسائل العلاج الناجع - يظهر لنا عدة أمور:
الأمر الأول: أنَّ الآيات السابقة لا تعدو أن تكون ترغيبًا في الإحسان والعطف، وترهيبًا من الأنانية والبخل، ودعوة صريحة إلى التصدق عن طواعية واختيار، وليس فيها إلزام بحيث يشعر التارك للزكاة بأنَّه محاسب ومعاقب في الدنيا والآخرة.
الأمر الثاني: لم تحدد النصوص الأموال التي تجب فيها الزكاة، ولا شروط الزكاة، ولا مَنْ تُدفع إليه الزكاة، بل أبهمت ذلك كله مِمَّا يتعذَّر معه جباية الزكاة وتوزيعها.
الأمر الثالث: وكلت النصوص السابقة موضوع الزكاة إلى الأفراد،
ولم تلزم الدولة بجبايتها وتوزيعها على مستحقيها.
الأمر الرابع: لا يفهم من النصوص السابقة حل مشكلة الفقر حلًاّ جذريًا والقضاء عليه والأخذ بيد الضعفاء والمحتاجين إلى حد الاكتفاء، بحيث لا يمدون يد الحاجة إلى الأغنياء، بل يفهم منها التخفيف من ويلات الفقراء والتقليل من بؤسهم مع بقاء المشكلة.
وهذا يعني بقاء الضعفاء والمحتاجين تحت رحمة الأغنياء ومِنَّتهم - إذا حرَّكهم حب الله والآخرة أو الثناء الدنيوي جادوا بشيءٍ ولو قليل - على ذوي الحاجة والفقر، فهم أصحاب الفضل والمِنَّة. وإذا غلب عليهم الشح وحب المال - ضاع الفقراء وافترستهم الفاقة - ولم يجدوا من يدافع عنهم أو يطلب لهم حقًّا. إذ لم يكن لهم حق معلوم، وهذا هو خطر الإحسان الموكول إلى الأفراد [٧١] .*
[ ٤١ / ٣٦٠ ]
فلمَّا جاءت الرسالة الخاتمة، والرحمة العامَّة، والهداية التامَّة، على يد محمَّدٍ ﷺ، اعتنت بعلاج مشكلة الفقر، ورعاية الفقراء والمحتاجين، ولم تكتف بسد عوزهم وانتشالهم من فقرهم، بل قرنت ذلك تمامًا بالتربية والتوجيه والتأكيد على أنَّ ما يدفعه الغني حق واجب عليه، وما يأخذه الفقير ملك له ليس عليه فيه غضاضة. وبهذه المبادئ السامية، قضى الإسلام على مشكلة الفقر، وأراح الفقراء وأخذ بأيديهم لِمَا فيه خيرهم في عاجلهم وآجل أمرهم.
وهذا ما سوف يتَّضِح إن شاء الله تعالى من الأهداف التي شُرِعَت من أجلها الزكاة في الإسلام.
أهداف الزكاة:
للزكاة أهداف إنسانية جليلة، ومُثُل أخلاقية رفيعة، وقِيَم روحية عالية. وكلها قصد الإسلام إلى تحقيقها وتثبيتها حين فرض الزكاة، قال -تعالى-: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] .
وحين طبَّق المسلمون فريضة الزكاة -في عصورهم الزاهية- كما شرعها الله، تحققت أهدافها الجليلة، وبرزت آثارها العظيمة في حياة الفرد والمجتمع، ومن أبرز تلك الأهداف ما يلي:
١ - الزكاة عبادة مالية:
لأنَّ أداءها استجابة لأمر الله ووفاءً بعهده، يرجو فاعلها حسن الجزاء في الآخرة ونماء المال والبركة فيه في الدنيا.
٢ - في الزكاة طهارة من البخل والشح والطمع:
والإسلام يقدر غريزة حب المال، ويقرر أن الشح حاضر في النفس الإنسانية، فيعالج ذلك كله علاجًا نفسيًا بالترغيب والترهيب، حتى يتم له ما يريد، فيطلب من هذه النفس الشحيحة أن تجود بما هو حبيب إليها، عزيز عليها. ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] .
٣ - في الزكاة إعانة للضعفاء وكفاية لأصحاب الحاجة [٧٢]:
[ ٤١ / ٣٦١ ]
والمسلم عندما يدفع زكاة ماله يشعر بمسئوليته عن مجتمعه وعن تكافله مع المحتاجين فيه، فتغمره السعادة عندما يؤدي الأمانة ويأخذ بيد أخيه المعدم، ويرتفع به من ويلاتٍ حلَّت به فأفقرته وهو في هذا كله يستشعر قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤-٢٥] .
٤ - الزكاة تنمي الروح الاجتماعية بين أفراد المجتمع:
لأنَّ المسلم حين يدفع الزكاة يشعر بعضويته الكاملة في الجماعة، فهو يشترك في واجباتها وينهض بأعبائها، فيتحول المجتمع إلى أسرةٍ واحدة يسودها التعاون والتكامل والتواد، ويتحقق فيها قول الرسول ﷺ: "مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" [٧٣] .
والزكاة تعبير عملي عن أخوة الإسلام، وتطبيق واقعي لأخلاق المسلم من جانب المزكي، وهي - أيضًا - تجعل الفقير يعيش في المجتمع المسلم خالية نفسه من أي حقد أو حسد، ذلك لأنَّ حقه محفوظ في مال الغني، فنجده يحبه ويدعو له بالبركة وكثرة المال، يقول الرسول ﷺ: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" [٧٤] .
٥ - الزكاة امتحان للعبد من الله:
لأنَّ أداءها فيه امتحان لإيمان العبد بربه، وذلك لأنَّ المال محبوب لكل الناس، ودليل الإيمان الصادق مفارقة المحبوب والجود به "وشرط تمام الوفاء بالتوحيد أن لا يبقى للموحِّد محبوبٌ سوى الواحد الفرد الصمد، فإنَّ المحبة لا تقبل الشركة، والتوحيد باللسان قليل الجدوى، وإنَّ مِمَّا يمتحن به درجة الحب مفارقة المحبوب، والأموال محبوبة عند الناس؛ لأنَّها آلة تمتعهم بالدنيا، وبسببها يأنسون بهذا العالم، وينفرون عن الموت مع أنَّ فيه لقاء المحبوب، فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب، واستنزلوا عن المال الذي هو مرغوبهم" [٧٥] .
[ ٤١ / ٣٦٢ ]
٦ - الزكاة تكفر الذنوب وتدفع البلاء:
وتقع فداء عن المزكي وجالبة له الرحمة من الله تعالى، قال -تعالى-: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ..﴾ [الأعراف: ١٥٦] .
هذه بعض أهداف الزكاة مختصرة، ولها أهداف كثيرة ماثلة للعيان في كل مجتمع تؤدَّى فيه فريضة الزكاة، وينعم فيه الفقير بأخذ حقه من مال الغني.
وهي أهداف روحية وخلقية ومعنوية للفرد والجماعة. وفيها أهداف اجتماعية واقتصادية كثيرة للمجتمع المسلم بأسره [٧٦] .
المطلب الثالث: في الحكمة من تشريع الزكاة على ضوء الآية الكريمة:
سبق بعض أهداف الزكاة في الإسلام، وهي سر من أسرار تشريعها، وغاية سامية مقصودة من فرضيتها. فالله جلَّ وعلا فرض الزكاة؛ لأنَّها تطهر المزكي من الشح والبخل وأرجاس الذنوب والخطايا، وتدرب المسلم على البذل والإنفاق في سبيل الله.
ولأنَّ في أدائها شكرًا لله على ما أسبغ من نعمه الظاهرة والباطنة، ولأنَّها تنمي شخصية الغني، وذلك باستشعاره أنَّه تغلب على شحه وهواه، كما أنَّها تكوِّن بين الغني والفقير حقيقة المحبة والأخوة الإسلامية، وتربط بين أفراد المجتمع بوشائج الصلة والقربى والتكامل [٧٧] .
وبهذا يتضح أنَّ هناك أسرارًا عظيمة يرمي إليها الإسلام من وراء تشريعه للزكاة، ولعلَّ من أبلغ وأسمى الأهداف التي تتحقق من أداء الزكاة أنَّ المسلم لا يقتصر نفعه على نفسه وحسب، بل إنَّه مطالب بحكم الشرع أن يمد يد العون إلى أخيه المسلم؛ لأنَّ إيمانه لا يكمل وعقيدته لا تتم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" [٧٨] .
[ ٤١ / ٣٦٣ ]
ولأنَّه قد سبق أنَّ الحقَّ لا يكفيه كونه حقًّا فقط، بل لابُدَّ له من دافع ومدافع تحقيقًا لقوله –تعالى-: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُه﴾ [الحج: ٤٠]، وقوله -تعالى-: ﴿وَالْعَصْرِ. إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] .
ومن يتتبع آيات القرآن الكريم يجد أنَّ الزكاة قُرِنَت بالصلاة في ثمانيةٍ وعشرين موضعًا [٧٩]، وهذا دليل على كمال الاتصال بينهما. ثُمَّ إنَّ ذكر الصلاة في كثيرٍ من الآيات يجيء مقرونًا بالإيمان أولًا، وبالزكاة ثانيًا، وقد يقرن الثلاثة بالعمل الصالح. وهو ترتيب منطقي، فالإيمان أساس وهو عمل القلب*، والعمل الصالح من حيث الجملة دليل صدق الإيمان، وهو عمل الحس، وأول عمل يطالب به المؤمن الصلاة، وهي عبادة بدنية، ثُمَّ الزكاة وهي عبادة مالية.
[ ٤١ / ٣٦٤ ]
ومِمَّا يدل على تلازم الزكاة والصلاة أنَّه لَمَّا توفي رسول الله ﷺ، وكفر مَنْ كفر من العرب بمنع الزكاة، استشار أبو بكر [٨٠] ﵁ الصحابةَ ﵃، في قتالهم. فقال عمر [٨١] ﵁: "كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ: "أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أنَّه لا إله إلاَّ الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلاَّ بحقه، وحسابه على الله؟! " فقال أبو بكر ﵁: "والله لأقاتلن مَنْ فَرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حق المال. والله لو منعوني عَناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه". قال عمر بن الخطاب ﵁: "فوالله ما هو إلاَّ أنْ قد شرح الله صدر أبي بكر، فعرفت أنَّه الحق" [٨٢] .
فهذه النصوص وغيرها كثير تدل دلالة قاطعة على أنَّ الزكاة أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، الذي لا يتم إسلام إلاَّ بأدائها.
فإنْ أدَّاها عن طواعية واختيار فبها، وإلاَّ وجب على ولي الأمر أخذها منه وإيصالها إلى مستحقيها، وتأديب مانعها بما يراه مناسبًا [٨٣] .
[ ٤١ / ٣٦٥ ]
وهذا مِمَّا تفارق به مشروعية الزكاة في الإسلام غيرها من الشرائع، إذ سبق أنَّه لا إلزام في الشرائع السابقة على أداء الزكاة، ولذلك لم تحل مشكلة الفقراء، أمَّا في الرسالة التي اختارها الله خاتمةً للشرائع، فإنَّ الزكاة حين طبقت في العصور الإسلامية السالفة [٨٤] لم يبق فقير تصرف إليه الزكاة. وكان الساعي يدور بها فلم يجد من يأخذها، فحُلَّت مشكلة الفقراء، وقام التكافل الاجتماعي، ونُزِعَ من القلوب حقد الفقراء على الأغنياء، وقلَّت الجرائم؛ فلا سرقة، ولا غصب، ولا اختلاس، ولا نهب؛ بل أمن واستقرار ومحبة وإخاء، ومجتمع يسود فيه مبدأ التعاون والتعاطف، فهل يعي المسلمون ذلك ويسارعون إلى تطبيق شرع الله في كل شئونهم؟ ومن ذلك شريعة الزكاة لينعموا بالحياة الآمنة والثواب الجزيل من رب العالمين. ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [٨٥] [الحج: ٤١] .
وقد سبق أنَّ إقامة الصلاة وهي الدعامة الأولى، تعني فيما تعنيه توفية الإسلام، أو الإيمان، أو الدين، حقه كاملًا. وعطف عليها في الآية الأمر بإيتاء الزكاة، وهو داخل فيما سبق، فهل ذلك تكرار، أو لأنَّ الأمر بإيتاء الزكاة يعني شيئًا آخر لم يسبق التعرض لحكمه؟
[ ٤١ / ٣٦٦ ]
إنَّ الذي يبدو من الآية وهي ترسم الإطار العام أن يدل العطف فيها على معنى جديد، وهو أنَّ مَنْ مكَّنه الله في الأرض يجب عليه أن لا يقتصر نفعه على نفسه وحسب. بل يجب عليه أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؛ لأنَّ إيمانه لا يتم ولا يكمل إلاَّ بذلك. وقد سبق أنَّ الحق لا يكفيه كونه حقًّا فقط [٨٦]، بل لابُدَّ له من دافع ومدافع، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] .
وهذا لا يعني أنَّ الآية لا يجوز حملها على المعنى الخاص، وهو دفع الزكاة الخاصة إلى مستحقيها - كما سبق - إلاَّ أنَّ الهدف العام الذي ترمي إليه الآية الكريمة، وهو تكاتف المجتمع المسلم، وتواصي أفراده على فعل الخيرات، والاعتصام بحبل الله، وعدم التفرق، والالتفاف حول المنهج، وتنفيذ أحكامه، يجعل حمل الآية على المعنى الأول أولى، والله تعالى أعلم.
والسبب في ذلك أنَّ الآية الكريمة تركز على أهداف وأسس سامية منها:
١ - وجوب تطبيق المنهج (الذي تُعَبِّرُ عنه الدعامة الأولى) (إقام الصلاة) (توفية الإسلام، أو الإيمان، أو الدين، حقه كاملًا) على من مكنه الله في الأرض، وحصلت له الولاية على الخلق.
[ ٤١ / ٣٦٧ ]
٢ - وجوب الالتفاف حول ذلك المنهج والتكاتف على تطبيقه، لا على النفس فقط، بل على جميع أفراد المجتمع المسلم التعاون على ذلك وتطبيقه في أنفسهم وعلى غيرهم؛ لأنَّ الله -تعالى- تفضَّل به عليهم فأصبحوا بسببه كالجسد الواحد، قال -تعالى- ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
وتحقيقًا لقول الرسول ﷺ: "الدين النصيحة" - قالها ثلاثًا -
قلنا: "لمن يا رسول الله؟ "قال: "لله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامَّتهم" [٨٧] .
ولقوله ﷺ: "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم "*.
الأمر الثالث: الذي تركز عليه الآية - كما سيأتي - عالمية المنهج ووجوب المحافظة عليه بما يجعله سالمًا معافى، والدعوة إلى نشره، والدخول تحت لوائه ومظلته - بحسب الاستطاعة – "بلِّغوا عني ولو آية" [٨٨] .
و"مَنْ رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" [٨٩] .
المبحث الثالث: في الدعامة الثالثة والرابعة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر):
وفيه مطالب:
الأول: في ماهيتهما.
الثاني: في أهميتهما.
الثالث: في الحكمة من مشروعيتهما على ضوء الآية الكريمة.
المطلب الأول: في ماهية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
أ - تعريف المعروف في اللغة والاصطلاح:
١ - المعنى اللغوي: يدور معنى المعروف في اللغة غالبًا على ما تعارف عليه الناس وعلموه ولم ينكروه [٩٠] .
[ ٤١ / ٣٦٨ ]
وقال ابن فارس: "العين والراء والفاء أصل صحيح يدل على معانٍ منها: السكون، والطمأنينة إلى الشيء، يقال: هذا أمر معروف، أي أنَّ النفس تألفه وتسكن إليه" [٩١] .
وجاء في المعجم الوسيط: العرف، المعروف وهو خلاف المنكر. وما تعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم [٩٢] .
٢ - وفي الاصطلاح: المعروف هو كل ما يعرفه الشرع ويأمر به ويمدحه ويثني على أهله، ويدخل في ذلك: جميع الطاعات، وفي مقدمتها توحيد الله ﷿ والإيمان به [٩٣] .
ب - معنى المنكر لغةً واصطلاحًا:
١ - تدور مادة المنكر في اللغة غالبًا على ما جهله الناس واستنكروه وجحدوه [٩٤] .
جاء في القاموس المحيط وغيره: النكر بالضم، وبضمتين المنكر - النكراء، والأمر الشديد، والنكرة خلاف المعرفة، وتناكر تجاهل، والقوم تعادوا، ونكر فلان الأمرَ وتناكره، نكرًا ونكورًا جهله، والمنكر ضد المعروف، ويقال: نكر الشيىء وأنكره: لم يقبله ولم يعترف به لسانه [٩٥] .
٢ - والمنكر في الاصطلاح: هو كل ما ينكره الشرع وينهى عنه ويذمه ويذم أهله. ويدخل في ذلك جميع المعاصي والبدع، وفي مقدمتها: الشرك بالله ﷿، وإنكار وحدانيته، أو ربوبيته، أو أسمائه، أو صفاته [٩٦] .
والمنكر هو كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استباحته واستحسانه العقول، فتحكم الشريعة بقبحه [٩٧] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله ﷺ هو الأمر بالمعروف والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر" [٩٨] .
وقال أيضًا: "وتحريم الخبائث مِمَّا يندرج في معنى النهي عن المنكر، كما أنَّ إحلال الطيبات يندرج في الأمر بالمعروف؛ لأنَّ تحريم الطيبات مِمَّا نهى الله عنه" [٩٩] .
[ ٤١ / ٣٦٩ ]
وإذا أطلق الأمر بالمعروف يدخل فيه النهي عن المنكر، وذلك لأنَّ ترك المنهيات من المعروف، ولأنَّه لا يتم فعل الخير إلاَّ بترك الشر. قال -تعالى-: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاس﴾ [النساء:١١٤] .
وكذلك إذا أطلق النهي عن المنكر يدخل فيه الأمر بالمعروف؛ لأنَّ ترك المعروف من المنكر، ولأنَّه لا يتم ترك الشر إلاَّ بفعل الخير. -قال تعالى-: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: ١٦٥] . فإنَّ نهيهم عن السوء يتضمن أمرهم بالخير.
وأمَّا عند اقتران كل منهما بالآخر، فيفسر المعروف بفعل الأوامر، ويفسر المنكر بترك النواهي. وأمثلة ذلك كثيرة منها، قوله -تعالى-: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] .
ولعموم موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمكن القول: أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدخل تحتهما الدين كله؛ فكل ما أوجبت الشريعة عمله أو حببت للناس فعله من صلاة وصيام، وحج، وتوحيد، وغير ذلك، فهو معروف، وكل ما خالف الشريعة من أفعال وعقائد فهو منكر، فيدخل تحته النهي عن التثليث، والقول بصلب المسيح وقتله ﵇، ويدخل أيضًا فيه النهي عن الترهُّب وعن شرب الخمر وعن أكل لحم الخنزير، وغير ذلك مِمَّا تخالف فيه الشريعة الشرائع السابقة [١٠٠] .
المطلب الثاني: أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
[ ٤١ / ٣٧٠ ]
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، أصل عظيم من آكد الأصول الإسلامية وأوجبها وألزمها. حتى ألحقه بعض العلماء بالأركان التي لا يقوم بناء الإسلام إلاَّ عليها.
وإنَّما أُرْسِلَت الرسل وأُنْزِلَت الكتب للأمر بالمعروف الذي رأسه وأصله التوحيد، وللنهي عن المنكر الذي رأسه وأصله الشرك والعمل لغير الله. وشرع الجهاد لأجل ذلك، وإن كان الجهاد قدرًا زائدًا على مجرد الأمر والنهي.
إذ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، يتوقف قيام الدين، فلولاه ما قام الإسلام، ولا ظهر دين الله، ولا علت كلمته.
ويتوقف - أيضًا - قيام الدولة الإسلامية واستقامتها وصلاحها على القيام به. كما أنَّ صلاح العباد متوقف على القيام به [١٠١] .
وبيان ذلك: أنَّ جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي، والأمر الذي بعث الله به رسوله ﷺ هو الأمر بالمعروف. والنهي الذي بعث الله به رسوله ﷺ هو النهي عن المنكر.
وبهذا نعت الله تعالى النبيَّ والمؤمنين فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ [التوبة: ٧١] .
وجميع الولايات الإسلامية، كولاية الحكم، وولاية الحرب، وولاية المال، وولاية الحسبة، وغيرها، إنَّما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [١٠٢] .
وولي الأمر إنَّما نُصِّبَ ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية.
بل إنَّ صلاح العباد جميعهم يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ أنَّ صلاح العباد في معاشهم ومعادهم في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلاَّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[ ٤١ / ٣٧١ ]
وبه صارت هذه الأُمَّة خير أمَّةٍ أُخرجَت للناس، كما قال -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾ [آل عمران: ١١٠] .
ومما يدل على عظم شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقديمه على الإيمان الذي هو أصل العقيدة ولا يتقدمه شيىء، لكن في هذه الآية قُدِّمَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان. ولا نعلم السر في هذا التقديم إلاَّ عِظَم شأن هذا الواجب، وما يترتب عليه من المصالح العظيمة العامَّة، ولعلَّ التلازم بين الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي سوغ هذا التقديم [١٠٣] .
فالأمر والنهي لا يكونان إلاَّ حيث يكون الإيمان، وليس الإيمان إلاَّ عقيدةً وسلوكًا في بضعٍ وسبعين شعبة من أخلاق الإسلام، كلها تعمل في سبيل إرساء قواعد أمَّة الإسلام على أسس من الأصالة والثبات والحياة السعيدة؛ لأنَّ هذه الشعب الإيمانية تشمل كل النشاطات الإنسانية من جهة العقيدة، ومن جهة الذات، ومن جهة ارتباط الإنسان بالإنسان، والتزامه بغيره.
والأمَّة التي تسودها شعب الإيمان تهب إلى الأمر بها، والنهي عمَّا يضادها، حرصًا على مميزان أخلاق الإيمان وأثرها في سعادة الإنسان، وفي قوة الأُمَّة كلها. ومن هنا لا يوجد إيمان إلاَّ كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لازمًا له، وخاصّةً من خواصّه لا ينفك عنه [١٠٤] .
وقد اتفقت الأُمَّة الإسلامية على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يخالف في ذلك إلاَّ مَنْ شَذَّ [١٠٥] .
كما اعتبره الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ شرطًا رئيسًا في الانتماء إلى صفوف هذه الأُمَّة، فقد قرأ قول الله -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [١٠٦] .
[ ٤١ / ٣٧٢ ]
ثُمَّ قال: "أيها الناس! مَنْ سرَّه أن يكون من تلك الأُمَّة فليؤدّ شرط الله فيها" [١٠٧] .
- وقد أكَّد الله فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتابه العزيز، وبيَّنه الرسول ﷺ في أخبارٍ متواترة، وأجمع سلف الأُمَّة وفقهاء الأمصار - ﵏ - على وجوبه [١٠٨] .
وقال الغزالي [١٠٩]: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين" [١١٠] .
وقال النووي [١١١]: "قد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسُنَّة وإجماع الأُمَّة، وهو أيضًا من النصيحة التي هي من الدين" [١١٢] .
وقال الشوكاني [١١٣]: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها" [١١٤] .
وهذا غيض من فيض من الأمور التي تدل على أهمية هذه الدعامة من دعائم الإسلام ومبانيه العظام [١١٥] .
وسيأتي بعض حكمه وأسراره في المطلب الثالث إن شاء الله تعالى.
المطلب الثالث: في الحكمة من مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضوء الآية الكريمة:
سبق في الكلام على الدعامة الأولى (إقام الصلاة) أنَّ معنى الآية والهدف العام منها هو توفية الإسلام أو الإيمان أو الدين حقه من الأقوال والاعتقادات والأعمال على مَنْ مكَّنه الله في الأرض. وهذه هي القاعدة الأولى في حياة الأمة، وهي تقوى الله، والالتزام بشريعته ومنهجه الذي رضيه، وما رضيه الله لها دينًا فلن يسخط عليه.
[ ٤١ / ٣٧٣ ]
كما مرَّ في الدعامة الثانية (إيتاء الزكاة) أنَّ الهدف العام منها هو أن لا يقتصر نفع المؤمن على نفسه، بل إنَّه مطالب أن يمد يد العون إلى أخيه المسلم؛ لأنَّ إيمانه لا يكمل إلاَّ بذلك، وأنَّ التفاف الأمة حول المنهج والتعاون على الخير وتحقيق معنى الأخوة الإسلامية والاعتصام بالكتاب والسُنَّة وعدم التفرق - حتى يصبح المجتمع المسلم كالجسد الواحد، وكالبنيان يشد بعضه بعضًا، وتنعدم فيه الأنانية والبغضاء - هو من أهداف القاعدة الثانية أيضًا.
ثُمَّ تأتي القاعدة الثالثة والرابعة [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] وهي صمام الأمان لسلامة الأمة المسلمة واستمرار صلاحها.
فالحكمة من مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضوء الآية الكريمة حينئذٍ أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الحارس الأمين الدائم الذي يراقب المجتمع المسلم. فيسد نوافذ الشر والبدع - حتى لا تصل إلى ذلك التجمع الذي مكنه الله في الأرض وأسبغ عليه نعمه وأنقذه من هوة الشرك إلى نور الإسلام. ومن الاضطراب والفرقة إلى التماسك والوئام والمحبة في الله ومن أجل الله.
ولك أن تتصور - أخي الكريم - مجتمعًا - توافرت فيه هذه الأُسس: القيام بتوفية الدين حقه من الأقوال والأعمال والاعتقادات، وتواصي أهله بإيصال كل حق إلى مَنْ يستحقه. ولم يقتصر نفع أفراده على أنفسهم وحسب، بل أحب كل فرد فيه لأخيه ما يحبه لنفسه، وتلاشت بينهم الفروق التي تُسَبِّب العداوة والافتراق، وحلَّت بدلها الألفة والوئام، وأخوة الإسلام.
[ ٤١ / ٣٧٤ ]
ثُمَّ جاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كالسياج الواقي من الأشرار، والدرع الحامي من الأخطار، والمعلم الدائم الاستمرار، الحاث على خير الأعمال، الناهي عن قبح القول والأعمال، فهل ترى أخي القارئ لذلك المجتمع من مثال؟ أو تتوقع أين يوجد ما هو أفضل منه مِمَّن يستحق الوعد بالنصر والتمكين على الأعداء؟! كلا. لقول الله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُِمُورِ﴾ . وقوله جلَّ وعلا: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] رواه مسلم ٢/١٠٤٥ كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة.
[٢] لسان العرب لابن منظور ١٤/٤٦٥
[٣] ديوان الأعشى ص ١٠٦
والأعشى هو: ميمون بن قيس البكري، جاهلي قديم، وأحد أصحاب المعلَّقات. ويلقَّب بصناجة العرب؛ لأنَّه كان يتغنى بشعره. رحل إلى النبي ﷺ ليسلم فصدته قريش عنه.
انظر: طبقات الشعراء ١/٦٥، الشعراء ١/٢٥٧، الأعلام ٧/٣٤١ الشعر والشعراء ص١٥٩
[٤] لسان العرب ١٤/٤٦٦
[٥] المرجع السابق.
[٦] المرجع السابق ١٤/٤٦٥
[٧] الصلاة في القرآن مفهومها وفقهها ص ٩، والصلاة للطيار ص ١١
وقيل: إنَّها من الصَّلْوَيْن، وهما: مكتنفا العصعص.
[ ٤١ / ٣٧٥ ]
(لسان العرب ١٤/٤٦٥) .
[٨] الروض المربع مع حاشية العنقري ١/١١٨
[٩] الصلاة في القرآن ص٩، والصلاة للطيار ص ١١
[١٠] الصلاة في القرآن ص١٠، والصلاة للطيار ص ١٢
[١١] بصائر ذوي التمييز للفيروزآبادي ٣/٤٣٧، ومنتخب قرة العيون النواظر ص ١٦١
[١٢] منتخب قرة العيون ٣/٤٣٨، إصلاح الوجوه والنظائر للدامغاني ص ٢٨٤، وكشف السرائر لابن العماد ص ١٠٦
[١٣] المراجع السابقة، ونزهة الأعين النواظر لابن الجوزي ص ٣٩٥
[١٤] بصائر ذوي التمييز ٣/٤٣٧، فتح القدير ٥/٣٤١، وابن كثير ٨/٣٠٧.
[١٥] منتخب قرة العيون، ابن الجوزي ص ١٦١، وكشف السرائر ص ١٠٥
[١٦] المعجم الجامع، عبد العزيز السيروان ص ٢٤٤، وانظر: منتخب قرة العيون ص ١٦١
[١٧] صحيح البخاري في كتاب التفسير، سورة الإسراء، باب ١٤ ج٥/٢٢٩
[١٨] بصائر ذوي التمييز ٣/٤٣٨، وكشف السرائر ص ١٠٦
[١٩] منتخب قرة العيون النواظر ص ١٠٦
[٢٠] بصائر ذوي التمييز ٣/٤٣٨
[٢١] منتخب قرة العيون ص١٢١، وتحصيل نظائر القرآن للحكيم الترمذي ص٥٢
[٢٢] الصلاة في القرآن ص ١٥
[٢٣] تحصيل نظائر القرآن ص ١١٨، وابن كثير ٧/٣٩٥، ونسبه إلى مجاهد وغيره. والنكت للماوردي٥/٣٦٦.
[٢٤] إصلاح الوجوه للدامغاني ص ٢١٠
[٢٥] صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة المرسلات ٦/٧٧، والصلاة في القرآن ص١٥
[٢٦] كشف السرائر ص ١٠٥، بصائر ذوي التمييز ٢/١٠٥
[٢٧] المرجعان السابقان.
[٢٨] الصلاة في القرآن مفهومها وفقهها ص١٧، وجامع البيان لابن جرير١٥/٤٠٩، والنكت والعيون للماوردي٢/٥٠٩.
[٢٩] هود: ٨٧
[٣٠] القيامة: ٣١
[٣١] الأحزاب: ٤٣
[٣٢] البقرة: ١٥٧
[٣٣] صحيح مسلم ١/٢٠٩
[ ٤١ / ٣٧٦ ]
[٣٤] رواه مسلم في كتاب الإيمان، حديث ١٣٤ ج١/٨٨
[٣٥] رواه النسائي في كتاب الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة ١/٢٣١-٢٣٢
[٣٦] الصلاة في القرآن ص ١٨
[٣٧] رواه الترمذي ٥/١١-١٢ ح ٢٦١٦، والمزي: تحفة الأشراف ٨/٣٩٩ ح١١٣٧ وقال عنه أبو عيسى: "حديث حسن صحيح".
[٣٨] رواه البخاري ١/٨ كتاب الإيمان، ومسلم ١/٤٥ ح ٣١
[٣٩] رواه البخاري ١/٩٣ كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة.
[٤٠] إبراهيم: ٤٠
[٤١] مريم: ٥٥
[٤٢] طه: ١٤
[٤٣] آل عمران: ٣٩
[٤٤] لقمان: ١٧
[٤٥] الصلاة في القرآن ص ٢٢-٢٣، والصلاة للطيار ص ١٨
* أي في حال الرخصة تخفف أركانها وعدد ركعاتها فقط بخلاف غيرها كالصوم.
[٤٦] الصلاة للطيار ص ١٩-٢٠، والصلاة عماد الدين ص:٥٤
* أي أن غير الأمور التعبدية في الشرع تدور مع مصلحتها في الغالب، المرجع السابق ص:٢٠.
[٤٧] رواه البخاري ١/١٣٤ كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلوات الخمس كفارة.
[٤٨] الصلاة عماد الدين، د. حسن الترابي ص ٥٤
[٤٩] وردت عِدَّة مرات، منها سورة البقرة الآيات: ٤٣، ٨٣، ١١٠، وغيرها.
[٥٠] البقرة: ٢٧٧
[٥١] الأحزاب: ٣٣
* إنما خص الإقرار بالربوبية دون الألوهية لظهور الألوهية فيها.
[٥٢] البقرة: ١٤٤
[٥٣] العنكبوت: ٤٥
[٥٤] الصلاة للطيار ص ٢٤، والصلاة في القرآن ص ٤٦
[٥٥] المرجع السابق.
[٥٦] المدثر: ٤٢ - ٤٣
[٥٧] مجمع الزوائد: الهيثمي ١/٢٩١-٢٩٢
[٥٨] أم سلمة هي: هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر المخزومية، أُم المؤمنين. تزوجها النبي ﷺ بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل: ثلاث. تقريب التهذيب ص ٤٨٣
[٥٩] رواه أحمد ١/٢٩٠، الإرواء ٧/٢٣٨
[ ٤١ / ٣٧٧ ]
[٦٠] رواه مسلم ١/٨٨ ح ٨٢، والصلاة للطيار ص ٢٦-٢٧
[٦١] هو: الحسين بن محمد بن الفضل - أو المفضل - من أهالي أصبهان، أديب لغوي، مفسر، توفي سنة ٥٠٢ هـ.
الأعلام ٢/٢٧٩، معجم المؤلفين ٤/٩، البلغة في علوم اللغة ص ١٥٣، مقدمة المفردات ص ٣
[٦٢] المفردات للراغب الأصفهاني ص ٤٢٩، الصلاة في القرآن ص ٥٤
[٦٣] سبق تخريجه ص ٥٩
[٦٤] سبق تخريجه ص ٥٦
[٦٥] الزكاة وتطبيقاتها للدكتور عبد الله بن محمد الطيار ص ١٢، لسان العرب ٢/٢٣٦
[٦٦] ينظر: لسان العرب ٢/٣٦، القاموس المحيط للفيروزآبادي ٤/٣٤١، المعجم الوسيط ١/٣٩٦
[٦٧] الزكاة وتطبيقاتها المعاصرة ص ١٢، شرح منهاج الطالبين لجلال الدين المحلى ٢/٣٦٨، المغني لابن قدامة ٢/٥٧٢
[٦٨] الزكاة للطيار ص ١٢
[٦٩] الزكاة وتطبيقاتها المعاصرة للطيار ص ١٤
[٧٠] تفسير ابن كثير ٤/٥٣٧، ٥٣٨.
[٧١] فقه الزكاة ١/٥٢، الزكاة للطيار ص ١٦- ١٧.* ولا يفهم مما سبق أن ذلك حال المسلمين في الشريعة المحمدية. بل ذلك مفروض في الشرائع التي ترك أمر إخراج الزكاة فيها إلى صاحب المال: لأن الفقر والغنى في الإسلام كله بمشيئة الله تعالى وله فيه حكم لا يمكن الإحاطة بها.
[٧٢] الزكاة للطيار ص٢٤
[٧٣] رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري ٨/١١، صحيح مسلم ٨/٢٠.
[٧٤] المصدر السابق، الجزء والصفحة.
[٧٥] موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، لجمال الدين القاسمي ١/٤٧
[٧٦] فقه الزكاة للقرضاوي ٢/٨٥١، الزكاة لمحي الدين مستو ص ٤٧، الزكاة للطيار ص ٢٣-٢٧
[٧٧] الزكاة وتطبيقاتها المعاصرة ص ٢٩
[٧٨] متفق عليه. رواه البخاري ومسلم (كتاب الإيمان) . ورواه الإمام أحمد في مواضع منها ٣/١٧٦-١٧٧
[٧٩] الزكاة وتطبيقاتها المعاصرة ص ٣٤، تيسير فقه فريضة الزكاة للميداني ص٧.
[ ٤١ / ٣٧٨ ]
[٨٠] هو: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن مرة التيمي، أبو بكر بن قحافة (الصديق)، خليفة رسول الله ﷺ، مناقبه كثيرة، مات في جمادى الأولى سنة ١٣هـ وعمره ثلاث وستون سنة، ومدة خلافته سنتان وشهر. تقريب التهذيب ص١٨١، شذرات الذهب ١/٢٤
* ليس المراد تعريف الإيمان عند السلف. وإنما المراد ترتيب الأهم فالمهم فإن الإيمان قد يوجد بدون العمل، ويعتد به، ولا يعتد بالعمل دون الإيمان.
[٨١] هو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى العدوي. لُقِّبَ بالفاروق، وبأمير المؤمنين. وهو ثاني الخلفاء الراشدين. ومناقبه جمة مشهورة، استشهد في ذي الحجة سنة ٢٣ هـ، ومدة خلافته عشر سنوات ونصف.
تقريب التهذيب ص ٥٣، شذرات الذهب ١/٣٣، الإصابة ٢/٥٨٨
[٨٢] رواه البخاري ٢/٩١
[٨٣] الزكاة للطيار ص ٣٦
[٨٤] ملامح الانقلاب الإسلامي في سيرة عمر بن عبد العزيز، للدكتور عماد الدين خليل ص١٤٠، الزكاة للطيار ص ٥١
[٨٥] المرجعان السابقان.
[٨٦] انظر ص ٤٥ من البحث.
[٨٧] رواه مسلم في كتاب الإيمان ٢٣، باب بيان أنَّ الدين النصيحة، حديث (٥٥)، وأبو داود، أدب، حديث (٤٩٤٤)، وأحمد (٤/١٠٢-١٠٣) .
* رواه الإمام أحمد من حديث جبير بن مطعم عن أبيه ٤،٨٠،٨٣،والترمذي كتاب العلم باب ما جاء في تبليغ العلم حديث رقم ٢٦٥٦.
[٨٨] رواه مسلم، كتاب الأنبياء (٥٠)، وأحمد ٣/١٥٩، ٣٠٢، ٣١٤، والترمذي كتاب العلم ١٣ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "بلغوا عني ولو آية وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج".
[٨٩] أخرجه الإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان (١/٦٩ رقم ٤٦)، وأبو داود، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقم (٤٣٤٠) .
[ ٤١ / ٣٧٩ ]
[٩٠] القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص٨ والقاموس المحيط ٣/٢٥١-٢٥٢
[٩١] معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٤/٢٨١
[٩٢] المعجم الوسيط، لإبراهيم مصطفى وآخرين ٢/٦٠١
[٩٣] القول البين الأظهر ص ١٠، والتعريفات ص ٢٧٥
[٩٤] القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص٨
[٩٥] القاموس المحيط للفيروزآبادي ٢/٢٠٨، معجم مقاييس اللغة ٤/٢٨١
[٩٦] القول البين الأظهر ص ١٠، التعريفات للجرجاني ص ٢٩٠، من فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمحمد عبد الله الخطيب ص ١٣، حقيقة الأمر بالمعروف ص١٢
[٩٧] المفردات للراغب ص ٥٠٥
[٩٨] مجموع الفتاوى لابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم ٢٨/٦٥، ٢٨/١٢٢، وتفسير ابن سعدي ٢/٧٧
[٩٩] المرجعان السابقان.
[١٠٠] انظر: التشريع الجنائي في الإسلام ١/٤٩٧، الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه ص٤٦
[١٠١] القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص١٢-١٣
[١٠٢] المرجع السابق ص ١٣
[١٠٣] وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لسماحة الشيخ عبد العزيز بن
عبد الله بن باز ص ٦
[١٠٤] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر أحمد بن محمد الخلال ص ٤٢ دراسة وتحقيق عبد القادر أحمد عطا.
[١٠٥] الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، تحقيق د. محمد نصر، ود. عبد الرحمن عميرة.
[١٠٦] آل عمران: ١١٠
[١٠٧] فتح القدير للشوكاني، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة ١/٤٥٣، جامع البيان للطبري ٤/٤٣
[١٠٨] أحكام القرآن للجصاص ٢/٤٨٦، مناهج العلماء في الأمر بالمعروف ص ٥٤
[١٠٩] هو محمد بن محمد بن محمد الغزالي، حجة الإسلام، أصولي، فقيه، فيلسوف، متصوف، وُلِدَ عام ٤٥٠هـ، وتوفي سنة ٥٠٥هـ.
[ ٤١ / ٣٨٠ ]
طبقات السبكي ٦/١٩١، تبيين كذب المفتري ص ٢٩١
[١١٠] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للغزالي، تحقيق سيد إبراهيم ص ٥
[١١١] هو الإمام محي الدين أبو زكريا يحي بن شرف بن مُرِّي النووي الدمشقي، عالم مشهور، اعتنى بالحديث والفقه، شَرَحَ صحيح مسلم. وُلِدَ عام ٦٣١ وتوفي سنة ٦٧٦هـ. المنهج السوي للسيوطي ص ٢٥-٢٦، البداية والنهاية ١٣/٢٩٤، طبقات الشافعية ٨/٣٩٥-٣٩٧
[١١٢] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٢
[١١٣] هو: أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الشوكاني الخولاني، ثُمَّ الصنعاني، عالم بالحديث والتفسير والأصول. وُلِدَ ونشأ في صنعاء، وبها توفي سنة ١٢٥٠هـ. من مؤلَّفاته: فتح القدير في التفسير، وإرشاد الفحول في الأصول وغيرهما.
أبجد العلوم ٣/٢٠١، الأعلام ٦/٢٩٨، معجم المؤلفين ١١/٥٣
[١١٤] فتح القدير للشوكاني، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة ١/٤٥٠
[١١٥] حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأركانه ومجالاته ص ٤٠
[ ٤١ / ٣٨١ ]