المطلب الثاني: أقوال التابعين وتابعي التابعين
لو نظرنا في أقوال التابعين وتابعي التابعين لوجدناها لم تخرج عن أقوال الصحابة السابق ذكرها إلا أنه لم يرد عن أحد منهم نفي الرؤية مطلقًا اللهم إلا من توقف في المسألة وإليك أقوالهم:
القول الأول: من أثبت الرؤية مطلقا
١ - قول كعب الأحبار:
عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: قال لي كعب: "إن الله ﷿ قسَّم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد ﷺ فكلَّمه موسى مرتين ورآه محمد مرتين".
٢ - قول عكرمة (١٠٦ هـ)
أ - عن عيسى بن عبيد وسالم مولى معاوية قالا: "سمعنا عكرمة، وسئل: هل رأى محمد ربه؟. قال: "نعم، قد رأى ربَّه".
ب - عن عباد بن منصور قال: سألت عكرمة عن قوله ﴿مَا كَ ذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم ١١]، قال: "أتريد أن أقول لك: قد رآه. نعم قد رآه، ثم قد رآه، ثم قد رآه، حتى ينقطع النفس".
٣ - قول الحسن البصري (١١٠هـ)
وعن المبارك بن فضالة قال: "كان الحسن يحلف ثلاثة لقد رأى محمد ربه".
٤ - قول الزهري (١٢٥ هـ)
الإمام الزهري ممن نسب إليه القول بأن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج كما ذكر ذلك ابن حجر.
٥ - قول معمر (١٥٤ هـ)
روى ابن خزيمة في التوحيد أن عبد الرزاق قال بعد أن روى حديث مسروق مع عائشة: "فذكرت هذا الحديث لمعمر، فقال: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس".
٦ - قول إبراهيم بن طهمان (١٦٨ هـ)
قال حفص بن عبد الله سمعت إبراهيم بن طهمان يقول: "والله الذي لا إله إلا هو لقد رأى محمد ربه".
القول الثاني: من قيدها بالرؤية القلبية
١ - قول كعب الأحبار
[ ٤٣ / ٣٢٤ ]
عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: "اجتمع ابن عباس وكعب، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم نزعم أو نقول إن محمدًا رأى ربه مرتين. قال: فكبر كعب حتى جاوبته الجبال ثم قال (أي كعب): إن الله قسَّم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى صلى الله عليهم وسلم فرآه محمد بقلبه وكلمه موسى".
٢ - قول مجاهد بن جبر (١٠٤ هـ)
عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم ١٦] قال: "كان أغصان السدرة من لؤلؤ وياقوت وزبرجد، فرآه محمد ﷺ بقلبه ورأى ربه".
٣ - قول أبي العالية رفيع بن مهران (٩٣ هـ)
عن أبي العالية في قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، قال: "محمدٌ رآه بفؤاده ولم يره بعينه".
٤ - قول أبي صالح مولى أم هانئ (بعد المائة)
عن أبي صالح في قوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، قال: "رآه مرتين بفؤاده".
٥ - قول الربيع بن أنس (١٤٠ هـ)
عن أبي جعفر عن الربيع بن أنس في قوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾: "فلم يكذبه" ﴿مَا رَأَى﴾ قال: "رأى ربَّه"وفي رواية قال: "رأى محمدٌ ربَّه بفؤاده".
القول الثالث: من رجح التوقف في المسألة
٦ - قول سعيد بن جبير (٩٥ هـ)
عن سعيد بن جبير قال: "لا أقول رآه ولا لم يره".
المطلب الثالث: أقوال العلماء في المسألة.
بعد استعراض أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم نعرض لأقوال من بعدهم في المسألة وهي خمسة أقوال:
القول الأول: من أثبت الرؤية مطلقا.
وهو رواية عن الإمام أحمد، وقول ابن خزيمة، والآجري، والألوسي.
١ - قول الإمام أحمد (٢٤١هـ)
حكى أبو يعلى في كتابه الروايتين والوجهين اختلاف الروايات عن الإمام أحمد في مسألة رؤية النبي ﷺ لربه على ثلاث روايات أحدها أنه رآه مطلقا.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: "رآه بفؤاده"".
[ ٤٣ / ٣٢٥ ]
وقال ابن كثير: "وممن أطلق الرؤية أبو هريرة وأحمد بن حنبل ﵄".
٢ - قول ابن خزيمة (٣١١هـ)
الإمام ابن خزيمة نصر في كتابه التوحيد القول بأن النبي ﷺ رأى ربه ليلة
المعراج، وأطال في سرد الحجج على ذلك.
ولكن ابن كثير - ﵀ - نسب إليه بأنه يقول بالرؤية البصرية كما سيأتي ذكر قوله.
٣ - قول الإمام الآجري (٣٦٠ هـ)
بوب الإمام الآجري في كتابه الشريعة بابًا بعنوان "باب ذكر ما خصَّ الله ﷿ النبي ﷺ من الرؤية لربه ﷿".
ثم ساق مجموعة من الأحاديث والأثار التي تدل على أنه ينصر القول بأنه ﷺ رأى ربه -﷿- ليلة المعراج.
٤ - قول الألوسي
قال الألوسي في تفسيره: "وأنا أقول برؤيته ﷺ ربَّه سبحانه وبدنوه على الوجه اللائق".
ونسبه إلى معظم الصوفية فقال: "ومعظم الصوفية على هذا، فيقولون بدنو الله - ﷿ - من النبي ﷺ، ودنوه - سبحانه - على الوجه اللائق، وكذا يقولون بالرؤية كذلك".
القول الثاني: من قيد الرؤية بالعين
نسب القول بتقييد الرؤية بالعين إلى بعض العلماء، ومن بينهم بعض الصحابة والتابعين، وفي نسبة ذلك إلى بعضهم نظر، وممن نسب لهم القول بذلك: ابن عباس، وأنس بن مالك، والحسن البصري، وعكرمة، ورواية عن الإمام أحمد، وابن خزيمة، وابن جرير، وأبو الحسن الأشعري وعامة أتباعه، وأبو عبد الله بن حامد وأبو بكر النجاد والقاضي أبو يعلى، وعبد القادر الجيلاني، وجماعة من المتأخرين.
فقد نسب البغوي هذا القول إلى ابن عباس فقال في تفسيره: "وعن ابن عباس أنه قال رأى ربه بعينه".
وقد سبق الرد على ذلك عند عرض أقوال الصحابة، وأن هذا التقييد بالعين لم يثبت عن ابن عباس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين".
[ ٤٣ / ٣٢٦ ]
وقال البغوي أيضًا:"وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس والحسن وعكرمة".
وبالنسبة لما نسبه البغوي إلى أنس وعكرمة من تقييد الرؤية بالعين فإن الروايات السابق ذكرها عنهما جاءت مطلقة، وكذا ما أوردناه عن الحسن البصري فإن الرواية جاءت مطلقة، وقد سبق كذلك الإشارة إلى ما ورد في تفسير البغوي عن الحسن البصري أنه قال: "رآه بعينه"ولكن البغوي لم يسندها فلا يعدل عن الرواية التي سبق إيرادها عن الحسن من إطلاق الرؤية وعدم تقييدها بالعين، والله أعلم.
قال ابن كثير: "وقول البغوي في تفسيره: وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس والحسن وعكرمة، فيه نظر والله أعلم".
وقال ابن كثير: "ورأى، أي: النبي ﷺ ربه -﷿- ببصره على قول بعضهم، وهو اختيار الإمام أبي بكر بن خزيمة من أهل الحديث، وتبعه في ذلك جماعة من المتأخرين".
وقال أيضًا: "وصرح بعضهم بالرؤية بالعينين، واختاره ابن جرير، وبالغ فيه، وتبعه على ذلك آخرون من المتأخرين، وممن نص على الرؤية بعيني رأسه الشيخ أبو الحسن الأشعري فيما نقله السهيلي عنه، واختاره الشيخ أبو زكريا النووي في فتاويه".
وحمل القاضي أبو يعلى في كتابه الروايتين والوجهين وفي إبطال
التأويلات الرواية التي عن الإمام أحمد بأنها نص على الرؤية بالعين، فقال في كتاب الروايتين: "فظاهر هذا أنه أثبت رؤيا عين"وقال في إبطال التأويلات: "والرواية الأولى أصح، وأنه رآه في تلك الليلة بعينيه".
وقد اعترض شيخ الإسلام على هذا التوجيه من القاضي فقال: "وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: "رآه بفؤاده"، ولم يقل أحد: أنه سمع أحمد يقول رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق، ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين.
[ ٤٣ / ٣٢٧ ]
وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: "سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك: فقال: "نور أنى آراه"".
وقال فيما نقله عنه تلميذه ابن القيم: "قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: وليس قول ابن عباس إنه رآه مناقضا لهذا ولا قوله رآه بفؤاده وقد صح عنه أنه قال: "رأيت ربي ﵎" ولكن لم يكن هذا في الإسراء ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح ثم أخبرهم عن رؤية ربه -﵎- تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وقال: نعم رآه حقا فإن رؤيا الأنبياء حق ولابد، ولكن لم يقل أحمد -رحمه الله تعالى- إنه رآه بعيني رأسه يقظة، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن قال: مرة رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك".
[ ٤٣ / ٣٢٨ ]
وكذلك اعترض ابن القيم على توجيه القاضي أبي يعلى -أيضا- فقال: "وقد جعلها القاضي مختلفة، وجعل المسألة على ثلاث روايات، ثم احتج للرواية الأولى بحديث أم الطفيل، وحديث عبد الرحمن بن عائش الحضرمي ولا دلالة فيهما، لأنها رؤية منام فقط، واحتج لها بما لا يرضى أحمد أن يحتج به، وهو حديث لا يصح عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا: "لما كانت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة، فقال: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ " (١) وذكر الحديث وهذا غلط قطعًا فإنما القصة كانت بالمدينة، كما قال معاذ بن جبل: "احتبس عنا رسول الله ﷺ في صلاة الصبح حتى كدنا نترآى عين الشمس، ثم خرج وصلى بنا ثم قال: "رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فقال: يا محمد: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ " وذكر الحديث فهذا كان بالمدينة والإسراء بمكة وليس عن الإمام أحمد، ولا عن النبي ﷺ نص أنه رآه بعينه يقظة، وإنما حمل القاضي كلام أحمد ما لا يحتمله، واحتج لما فهم منه بما لا يدل عليه، وكلام أحمد يصدق بعضه بعضا، والمسألة رواية واحدة عنه فإنه لم يقل بعينه، وإنما قال: رآه. واتبع في ذلك قول ابن عباس: رأى محمد ربه. ولفظ الحديث "رأيت ربي" وهو مطلق وقد جاء بيانه في الحديث الآخر.
_________________
(١) سيأتي تخريجه.
[ ٤٣ / ٣٢٩ ]
ولكن في رد الإمام أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي ﷺ إشعار بأنه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة، وهي لم تنكر رؤية المنام، ولم تقل من زعم أن محمدًا رأى ربه في المنام فقد أعظم على الله الفرية، وهذا يدل على أحد أمرين: إما أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية؛ إذ هو مخالفة للحديث وإما أن يكون رواية عنه بإثبات الرؤية، وقد صرح بأنه رآه رؤيا حلم بقلبه، وهذا تقييد منه للرؤية، وأطلق عنه بأنه رآه، وأنكر قول من نفى مطلق الرؤية، واستحسن قول من قال رآه ولا يقول بعينه ولا بقلبه. وهذه النصوص عنه متفقة لا مختلفة وكيف يقول أحمد: "بعيني رأسه يقظة"ولم يجد ذلك في حديث قط، فأحمد إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت، وإنكاره قول من قال: لم يره أصلا لا يدل على إثبات رؤية اليقظة بعينه والله أعلم» .
قول الأشعري (٣٢٤هـ) وعامة أتباعه:
ممن نسب هذا القول إلى أبي الحسن الأشعري وأكثر أتباعه القاضي عياض، والقرطبي في تفسيره، والنووي وابن كثير وابن حجر.
قال القاضي عياض: "وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري -﵁- وجماعة من أصحابه: أنه رأى الله -تعالى- ببصره وعيني رأسه، وقال: كلُّ آية أوتيها نبيٌّ من الأنبياء -﵈- فقد أوتي مثلها نبيُّنا، وخُصَّ من بينهم بتفضيل الرُّؤية".
وهذا ما ذكره شارح جوهرة التوحيد -وهو من الأشاعرة- في شرحه فقال: "والراجح عند أكثر العلماء أنه ﷺ رأى ربه ﷾ بعيني رأسه وهما في محلهما، خلافا لمن قال: حولا إلى قلبه لحديث ابن عباس وغيره".
قول أبي بكر النجاد أحمد بن سليمان (٣٤٨ هـ)
[ ٤٣ / ٣٣٠ ]
حكى القاضي أبو علي بن أبي موسى عن أبي بكر النجاد قال: "رآى محمد ربه إحدى عشرة مرة، منها بالسنة تسع مرات في ليلة المعراج، حين كان يتردد بين موسى وبين الله -﷿- يسأل أن يخفف عن أمته الصلاة فنقص خمسة وأربعين صلاة في تسع مقامات ومرتين بالكتاب" (١) .
قول أبي عبد الله الحسن بن حامد (٤٠٣ هـ)
نقل أبو يعلى في كتابه الروايتين والوجهين أن اختيار شيخه أبي عبد الله ابن حامد أن النبي ﷺ رأى ربه ليلة الإسراء بعينه.
وقال القاضي أبو يعلى -بعد أن أورد الرواية الأولى عن الإمام أحمد- بأنه ﷺ رأى ربه ليلة المعراج بعينه، وجعلها هي الصحيحة قال: "وهذه الرواية اختيار أبي بكر النجاد".
قول القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء (٤٥٨ هـ)
رجح القول بالرؤية البصرية فقال -في معرض ذكره للروايات الواردة عن الإمام أحمد-: "والرواية الأولى أصح، وأنه رآه في تلك الليلة بعينه".
وقال: "وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة؛ لأن قول ابن عباس يطابق قول النبي ﷺ؛ لأن النبي ﷺ أثبت رؤيته في تلك الليلة؛ ولأنه مثبت والمثبت مقدم على النافي، ولا يجوز أن يثبت ابن عباس ذلك إلا عن توقيف؛ إذ لا مجال للقياس في ذلك".
قول عبد القادر الجيلاني (٤٧١ هـ)
وهذا القول قال به أيضًا - عبد القادر - الجيلاني في كتابه الغنية، حيث قال: "ونؤمن بأن النبي ﷺ رأى ربه - ﷿ - ليلة الإسراء بعيني رأسه لا بفؤاده ولا في المنام".
قول النووي (٦٧٦ هـ)
_________________
(١) إبطال التأويلات ١/١١٤
[ ٤٣ / ٣٣١ ]
قال الإمام النووي -﵀- في شرحه على صحيح مسلم: "فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره مما تقدم، وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﷺ هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه ثم عائشة -﵂- لم تنف الرؤية بحديث عن رسول الله ﷺ ولو كان معها فيه حديث لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات".
قول الحافظ مغلطاي (٧٦٢ هـ)
قال ﵀: "والصحيح أن الإسراء كان يقظة بجسده، وأنه مرات متعددة، وأنه رأى ربه - ﷿ - بعيني رأسه صلى الله عليه وعلى آله
وصحبه وسلم".
قول السيوطي (٩١١ هـ)
قال السيوطي في الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج: "الراجح عند أكثر العلماء أنه ﷺ رأى ربَّه بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره، وإثبات هذا لا يكون إلا بالسماع من رسول الله ﷺ، ولم تعتمد عائشة في نفي الرؤية على حديث رسول الله ﷺ، وإنما اعتمدت على الاستنباط من الآيات".
قول القسطلاني (٩٢٣ هـ)
قال ﵀: " ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى فوق سبع سموات ورأى ربه بعيني رأسه وأوحى إليه ما أوحى".
قول محمد بن أحمد الصاوي (١٢٤١ هـ)
قال في حاشيته على تفسير الجلالين: " واختلف في تلك الرؤية، فقيل: رآه بعينه حقيقة، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين منهم ابن عباس، وأنس ابن مالك، والحسن، وغيرهم، وقيل: لم يره بعينه وهو قول عائشة ﵂، والصحيح الأول؛ لأن المثبت مقدم على النافي؛ أو لأن عائشة لم يبلغها حديث الرؤية لكونها كانت حديثة السن ".
القول الثالث: من قيدها بالرؤية القلبية
قول الإمام أحمد (٢٤١هـ)
[ ٤٣ / ٣٣٢ ]
ذكر أبو يعلى في الروايتين والوجهين أن للإمام أحمد رواية أخرى أثبت فيها أن النبي ﷺ رأى ربه بقلبه كما جاء ذلك في بعض الروايات عن ابن عباس.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية "وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: "رآه بفؤاده"".
قول القرطبي المفسر. (٦٧١ هـ)
قال في تفسير قوله تعالى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾: "أي لم يكذب قلب محمد ﷺ ليلة المعراج، وذلك أن الله – تعالى - جعل بصره في فؤاده حتى رأى ربه تعالى وجعل الله تلك رؤية".
قول أبي المظفر السمعاني (٤٨٩هـ)
قال أبو المظفر السمعاني في تفسيره: "وقد ثبت عن ابن عباس أنه قال رأى محمد ربه بفؤاده فإن قال قائل: المؤمنون يرونه بفؤادهم، وليس ذلك إلا العلم به فما معنى تخصيص النبي ﷺ؟.
والجواب أنهم قالوا: إن الله – تعالى - خلق رؤية لفؤاده فرأى بفؤاده مثل ما يرى الإنسان بعينه".
قول شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨هـ)
قال - ﵀ - في مجموع الفتاوى: "وأما الرؤية، فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين"وعائشة أنكرت الرؤية. فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد. والألفاظ الثابثة عن ابن عباس هي مطلقة، أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: "رأى محمد ربه"، وتارة يقول: "رآه محمد"، ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح أنه رآه بعينه وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: "سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى آراه"".
[ ٤٣ / ٣٣٣ ]
وقد قال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء ١]، ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
وكذلك قوله ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم ١٢]، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم ١٨]، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
وفي الصحيحين عن ابن عباس: في قوله ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء ٦٠]، قال: "هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به"، وهذه رؤيا الآيات لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم أنه رأى ربه بعينه، وليس في شئ من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه".
قال ابن القيم ﵀: "قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: وليس قول ابن عباس: إنه رآه مناقضا لهذا، ولا قوله رآه بفؤاده، وقد صح عنه أنه قال: "رأيت ربي ﵎" ولكن لم يكن هذا في الإسراء ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه - ﵎ - تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وقال: نعم رآه حقا، فإن رؤيا الأنبياء حق ولابد، ولكن لم يقل أحمد - رحمه الله تعالى -: إنه رآه بعيني رأسه يقظة. ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن قال: مرة رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه. وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك.
[ ٤٣ / ٣٣٤ ]
وأما قول ابن عباس: أنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى قوله - تعالى - ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ثم قال ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ والظاهر أنه مستنده فقد صح عنه ﷺ أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خلق عليها، وقول ابن عباس هو مستند الإمام أحمد في قوله رآه بفؤاده والله أعلم".
قول ابن كثير (٧٠٤ هـ)
قال ابن كثير بعد ذكر الروايات عن ابن عباس أنه رآه بفؤاده مرتين:
" وقد خالفه ابن مسعود، وفي رواية عنه أنه أطلق الرؤية، وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد، ومن روى عنه بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شئ عن الصحابة -﵃- وقول البغوي في تفسيره: وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس والحسن وعكرمة، فيه نظر والله أعلم".
وقال ﵀ في البداية والنهاية:
"واختلفوا في الرؤية فقال بعضهم: رآه بفؤاده مرتين، قاله ابن عباس
وطائفة، وأطلق ابن عباس وغيره الرؤية وهو محمول على التقييد. وممن أطلق الرؤية أبو هريرة وأحمد بن حنبل - ﵄ -. وصرح بعضهم بالرؤية بالعينين، واختاره ابن جرير وبالغ فيه، وتبعه على ذلك آخرون من المتأخرين. وممن نص على الرؤية بعيني رأسه الشيخ أبو الحسن الأشعري فيما نقله السهيلي عنه، واختاره الشيخ أبو زكريا النووي في فتاويه. وقالت طائفة: لم يقع ذلك لحديث أبي ذر وقالوا: لم يمكن رؤية الباقي بالعين الفانية والخلاف في هذه المسألة مشهور بين السلف والخلف والله أعلم".
[ ٤٣ / ٣٣٥ ]
وقال - ﵀ - في الفصول في سيرة الرسول ﷺ: "ورأى النبي ﷺ ربه - ﷿ - ببصره على قول بعضهم، وهو اختيار الإمام أبي بكر بن خزيمة من أهل الحديث، وتبعه على ذلك جماعة من المتأخرين. وروى مسلم عن ابن عباس - ﵄ -: أنه رآه بفؤاده مرتين، وأنكرت عائشة أم المؤمنين - ﵂ - رؤية البصر، وروى مسلم عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله رأيت ربك فقال: "نور أنى أراه" وإلى هذا مال جماعة من الأئمة قديما وحديثا اعتمادًا على هذا الحديث، واتباعًا لقول عائشة -﵂ - قالوا: هذا مشهور عنها، ولم يعرف لها مخالف من الصحابة إلا ما روي عن ابن عباس أنه رآه بفؤاده، ونحن نقول به، وما روي في ذلك من إثبات الرؤية بالبصر فلا يصح شيء من ذلك لا مرفوعا بل ولا موقوفا والله أعلم".
قول ابن أبي العز (٧٩٢ هـ)
قال ابن أبي العز الحنفي ﵀: "واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه، ولم يتنازعوا في ذلك إلا في نبينا محمد ﷺ خاصة، منهم من نفى رؤيته بالعين، ومنهم من أثبتها له ﷺ".
وقال في موضع آخر: " وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته ﷺ ربَّه - ﷿ - بعين رأسه، وأن الصحيح أنه رآه بقلبه، ولم يره بعين رأسه. وقوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم ١١]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم ١٣] صح عن النبي ﷺ أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين على صورته التي خلق عليها".
قول ابن حجر (٨٥٢ هـ)
[ ٤٣ / ٣٣٦ ]
قال ﵀: "جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة، وأخرى مقيدة فيجب حمل مطلقها على مقيدها وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب، ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب، لا مجرد حصول العلم؛ لأنه ﷺ كان عالما بالله على الدوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه، كما يخلق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلا، ولو جرت العادة خلقها في العين".
قول السفاريني (١١١٨هـ)
قال -﵀- في لوامع الأنوار:
" وإذاعلم ما حررناه فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة - ﵃ - بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب كما قاله الحافظ ابن حجر في شرح البخاري" (١) .
قول محمد الأمين الشنقيطي (١٣٩٣ هـ)
الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ - ممن يرجح الرؤية القلبية فقد قال ﵀: "التحقيق الذي دلت عليه نصوص الشرع أنه ﷺ لم يره بعين رأسه، وما جاء عن بعض السلف من أنه رآه، فالمراد به الرؤية بالقلب، كما في صحيح مسلم أنه رآه بفؤاده مرتين، لا بعين الرأس".
القول الرابع: من قال رآه مرة بفؤاده ومرة بعينه.
وبه قال قوام السنة أبو القاسم الأصبهاني، وأنور شاه الكشميري.
١ - قول أبي القاسم الأضبهاني (٥٣٥ هـ)
قال قوام السنة أبو القاسم الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة: "ومن مذهب أهل السنة أن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج، وكان رؤيا يقظة لا رؤيا منام.
وروي عن أحمد بن حنبل - ﵀ - قال: رآه بعين رأسه، وروي عنه أنه رآه بعين قلبه، والصحيح أنه رآه بعين رأسه، وعين قلبه.
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية ٢/٢٥٤-٢٥٥.وقد بحث مسألة الرؤية من ٢/٢٥٠ إلى ٢/٢٥٦.
[ ٤٣ / ٣٣٧ ]
قيل في التفسير ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ رآه في المرة الأولى بعيني قلبه، وفي المرة الأخرى بعيني رأسه".
٢ - قول أنور شاه الكشميري
قال أنور شاه الكشميري - فيما نقله عنه صاحب فتح الملهم -:
"إن الراجح في آية النجم أن الرؤية في قوله تعالى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ أن الرؤية هنا للفؤاد، والرؤية في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ أن الرؤية هنا بالعين.
وقال: وعن ابن عباس أنه كان يقول أن محمدًا ﷺ رأى ربَّه مرتين، مرة ببصره ومرة بفؤاده، رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، خلا جهور بن منصور الكوفي وجهور بن منصور ذكره ابن حبان في الثقات كذا في الزوائد".
القول الخامس: من نفى الرؤية مطلقا
وقال بهذا القول: الدارمي، وابن عطية، وأبو حيان.
قول الإمام الدارمي (٢٨٠ هـ)
قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي - في رده على بشر الريسي -:"ويلك، إن تأويل هذا الحديث على غير ما ذهبت إليه لما أن رسول الله ﷺ قال في حديث أبي ذر: إنه لم ير ربه، وقال رسول الله ﷺ: "لن تروا ربكم حتى تموتوا" وقالت عائشة ﵂: "من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية"وأجمع المسلمون على ذلك مع قول الله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يعنون أبصار أهل الدنيا، وإنما هذه الرؤية كانت في المنام، وفي المنام يمكن رؤية الله على كل حال، وفي كل صورة".
قول ابن عطية (٥٤٦ هـ)
ذهب ابن عطية في تفسيره إلى ترجيح مذهب عائشة - ﵂ - ومن معها في أنه ﷺ لم ير ربَّه، ونسبه إلى الجمهور.
قول أبي حيان الأندلسي (٧٥٦ هـ)
كما ذهب أبو حيان إلى ترجيح مذهب عائشة ومن معها.
القول السادس: من توقف في المسألة.
قول القاضي عياض (٥٤٤ هـ)
قال القاضي عياض: "ووقف بعض مشايخنا في هذا، وقال: ليس عليه دليل واضح، ولكنه جائز أن يكون.
[ ٤٣ / ٣٣٨ ]
قال القاضي أبو الفضل: الحق الذي لاامتراء فيه أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلًا، وليس في العقل ما يحيلها".
وقال أيضا: "وأما وجوبه لنبينا ﷺ والقول بأنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع أيضا، ولا نص، إذ المعول فيه على آية النجم والتنازع فيهما مأثور والاحتمال لهما ممكن ولا أثر قاطع متواتر عن النبي ﷺ بذلك.
وحديث ابن عباس خبر عن اعتقاده لم يسنده إلى النبي ﷺ فيجب العلم باعتقاد مضمنه.
ومثله حديث أبي ذر في تفسير الآية، وحديث معاذ محتمل للتأويل، وهو مضطرب الإسناد والمتن.
وحديث أبي ذر الآخر محتمل مشكل فروي: "نور أنى أراه" وحكى بعض شيوخنا أنه روي: "نَورَاني أراه".
وفي حديثه الآخر: سألته فقال: "رأيت نورا" وليس ممكن الاحتجاج بواحد منها على صحة الرؤية فإن كان الصحيح رأيت نورا فهو قد أخبر أنه لم ير الله، وإنما رأى نورا منعه وحجبه عن رؤية الله.
وإلى هذا يرجع قوله: "نور أنى أراه" أي كيف أراه مع حجاب النور المغشي للبصر، وهذا مثل ما في الحديث الآخر: "حجابه النور" وفي الحديث الآخر: "لم أره بعيني ولكن رأيته بقلبي مرتين" وتلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ والله قادر على خلق الإدراك الذي في البصر في القلب، أو كيف شاء لا إله غيره.
فإن ورد حديث نص بين في الباب وجب المصير إليه، إذ لا استحالة فيه، ولا مانع قطعي يرده والله الموفق".
قول أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي (٦٥٦هـ)
قال ﵀: "وذهبت طائفة من المشايخ إلى الوقف، وقالوا: ليس عليه قاطع نفيًا ولا إثباتًا، ولكنه جائز عقلًا وهذا هو الصحيح".
[ ٤٣ / ٣٣٩ ]
وقال في موضع آخر: " ثم هل وقعت رؤية الله -تعالى- لمحمد ﷺ ليلة الإسراء أو لم تقع؟ ليس في ذلك دليل قاطع، وغاية ما للمستدل على نفي ذلك أو إثباته التمسك بظواهر متعارضة معرّضة للتأويل، والمسألة ليست من باب العمليات فيكتفى فيها بالظنون، وإنما هي من باب المعتقدات ولا مدخل للظنون فيها".
قول الذهبي (٧٤٨ هـ)
قال ﵀: "والذي دلَّ عليه الدليل عدم الرؤية مع إمكانها، فنقف عن هذه المسألة، فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فإثبات ذلك أو نفيه صعب، والوقوف سبيل السلامة والله أعلم، ولا نعنف من أثبت الرؤية لنبينا في الدنيا، ولا من نفاها، بل نقول الله ورسوله أعلم، بل نعنف ونبدع من أنكر الرؤية في الآخرة؛ إذ رؤية الله في الآخرة ثبتت بنصوص متوافرة.. ".
ولكن ورد في كتابه العرش ما يناقض ذلك حيث صرح بإثبات الرؤية فقال: "وأكثر الصحابة على أنه ﷺ رأى ربهقلت: لأنه رآه في عالم البقاء حين خرج من عالم الفناء، وارتقى فوق السموات السبع فهذا الحديث أيضًا دال على أنه - ﷾ - فوق السموات وفوق جميع المخلوقات، ولولا ذلك لكان معراج النبي ﷺ إلى فوق السماء السابعة إلى السدرة المنتهى، ودنو الجبار منه، وتدليه - ﷾ - بلا كيف حتى كان من النبي ﷺ قاب قوسين أو أدنى، وأنه رآه تلك الليلة، وأن جبريل علا به حتى أتى به إلى الله تعالى".
[ ٤٣ / ٣٤٠ ]