المبحث الثاني: رؤية النبي ﷺ لربه في المنام
المطلب الأول: الأحاديث الواردة في المسألة.
الاعتماد في هذه المسألة على بعض الأحاديث من بينها:
١- الحديث الأول.
عن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: "احتبس عنا رسول الله ﷺ ذات غداة في صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج رسول الله ﷺ سريعا فثوّب بالصلاة، وصلى وتجوّز في صلاته فلما سلم قال: "كما أنتم على مصافكم، ثم أقبل إلينا فقال: إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت (١) فإذا أنا بربي - ﷿ - في أحسن صورة. فقال: يا محمد أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ (٢) . قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل. قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك. وقال رسول الله ﷺ: إنها حق فادرسوها وتعلموها".
هذا الحديث جاء عن جمع من الصحابة -﵃- من عدة طرق إليك تفصيلها:
الأول: عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل - ﵁ - مرفوعا..
_________________
(١) استثقلت، أي: نمت.
(٢) المراد بهم الملائكة.
[ ٤٣ / ٣٤٩ ]
أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/٢٤٣. والترمذي في السنن ٥/٣٦٨ كتاب التفسير باب ومن سورة (ص) رقم ٣٢٣٥ وقال: "هذا حديث حسن صحيح سألت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح".وابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٤٠ رقم ٣٢٠ وقال عن هذه الرواية: أنها "أشبه بالصواب". والحاكم في المستدرك ١/٥٢١. والطبراني في المعجم الكبير ٢٠/١٠٩. والدارقطني في الرؤية ص ١٦٧ رقم ٢٥٣ وص ١٧٠ رقم ٢٥٩. وأورد هذا الحديث بمختلف طرقه في كتابه العلل (٦/٥٤-٥٧ رقم ٩٧٣) وتكلم عليها بكلام طويل ثم حكم عليها في نهاية كلامه بقوله: "ليس فيها صحيح، وكلها مضطربة". والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات ١/١٢٥. وابن عدي في الكامل ٦/٢٣٤٤. والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٥-٥٦ رقم ٧٤-٧٥.
وحديث معاذ هذا صححه الإمام أحمد كما في الكامل لابن عدي ٦/٢٣٤٤ وتهذيب التهذيب٦/٢٠٥.
الثاني: عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي مرفوعا.
أخرجه الدارمي في السنن ٢/١٢٦ كتاب الرؤية باب في رؤية النبي ﷺ الرب تعالى في النوم. وابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٣٤ رقم ٣١٨. وابن أبي عاصم في السنة ١/١٦٩ رقم ٣٨٨ وفي ١/٢٠٤ رقم ٤٦٧-٤٦٨ وقال الألباني: "حديث صحيح". والآجري في الشريعة ٣/١٥٤٩-١٥٥١ رقم ١٠٤١. والحاكم في المستدرك ١/٥٢٠ وصححه ووافقه الذهبي. واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٣/٥١٤ رقم ٩٠١-٩٠٢ مختصرا. والدراقطني في الرؤية ص ١٧٠ رقم ٢٦٠. والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٧ رقم ٧٧ وص ٥٨ رقم ٨٠-٨١. والبغوي في تفسيره ٧/١٠١ وفي شرح السنة ٤/٣٥-٣٦ رقم ٩٢٤. وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/١٧. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/١٧٦-١٧٧ وقال رجاله ثقات.
وانظر الكلام حول أسانيد هذا الطريق في الميزان ٢/٥٧١ والإصابة ٢/٤٠٥ وتهذيب التهذيب ٦/٢٠٤.
الثالث: عبد الرحمن بن عائش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ مرفوعا.
[ ٤٣ / ٣٥٠ ]
أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/٣٧٨.وعبد الله بن أحمد في السنة ٢/٤٨٩ رقم ١١٢١. وابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٣٧.
الرابع: عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعا.
أخرجه الترمذي في السنن ٥/٣٦٦ كتاب التفسير باب من سورة (ص) رقم ٣٢٣٤ وقال: "حسن غريب من هذا الوجه". وابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٣٨ رقم ٣١٩. وابن أبي عاصم في السنة ١/٢٠٤ رقم ٤٦٩ وقال الألباني: "حديث صحيح". والآجري في الشريعة ٣/١٥٤٧-١٥٤٩رقم ١٠٣٩-١٠٤٠. والدارقطني في الرؤية ص ١٧٥-١٧٦ رقم ٢٦٨-٢٦٩. كلهم من طريق أيوب عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس مرفوعا مطولا.
وجاء من طريق أيوب عن أبي قلابة، عن ابن عباس مرفوعا دون ذكر خالد بن اللجلاج.
أخرجه أحمد في المسند ١/٣٦٨ وقال الشيخ أحمد شاكر - في تعليقه على المسند - ٥/١٦٢: "إسناده صحيح". والترمذي في السنن ٥/٣٦٦ كتاب التفسير باب من سورة (ص) رقم ٣٢٣٣. وابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٤٠ رقم ٣٢٠. والدراقطني في الرؤية ص ١٧٦ رقم ٢٧١-٢٧٣. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٦ رقم ٧٦. وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢١.
وقال الترمذي بعد الحديث: "وقد ذكروا بين أبي قلابة وبين ابن عباس في هذا الحديث رجلا، وقد رواه قتادة عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن ابن عباس".
الخامس: عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ.
[ ٤٣ / ٣٥١ ]
أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ٢/٥٤٣. وابن أبي عاصم في السنة ١/٢٠٤ رقم ٤٧٠ وقال الألباني: "حديث صحيح بما تقدم له من الشواهد". والدارقطني في الرؤية ص ١٨١ رقم ٢٨٤-٢٨٧. والبزار كما في كشف الأستار ٣/١٣-١٤ رقم ٢١٢٨. والبغوي في شرح السنة ٤/٣٨-٣٩ رقم ٩٢٥. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٦٠ رقم ٨٣. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/١٧٧-١٧٨ وقال: "رواه البزار من طريق أبي يحيى عن أبي أسماء الرحبي، وأبو يحيى لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات" وكذا قال الألباني في تخريج السنة ١/٢٠٥: "أنه لا يعرف أبا يحي". وعرفه ابن خزيمة كما في التوحيد ٢/٥٤٣ فقال: "هو عندي سليمان أو سليم ابن عامر". وجزم بذلك البغوي في شرح السنة ٤/٣٩ فقال: "هو سليم بن عامر الخبارائي تابعي سمع أبا أمامة". وهو ثقة. انظر التقريب ص ٤٠٤.
وفيه أبو يزيد الشامي لا يعرف بجرح ولا تعديل "التوحيد ٢/٥٤٤ وشرح السنة ٤/٣٩"وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٩/٤٥٩ ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
السادس: عن أبي أمامة - ﵁ - مرفوعا.
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ١/١٧٠ رقم ٣٧٩ وفي ١/٢٠٣ رقم ٤٦٦ وقال الألباني: "حديث صحيح". والطبراني في الكبير ٨/٣٤٩ رقم ٨١١٧. والدارقطني في الرؤية ص ١٧٨-١٨٠ رقم ٢٧٧-٢٨٠. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٨ رقم ٧٨. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٧ ونسبه إلى ابن مردويه. وقال الهيثمي في المجمع ٧/١٧٩: "رواه الطبراني، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو حسن الحديث على ضعفه، وبقية رجاله ثقات". قال الحافظ في التقريب ص ٨١٧-٨١٨ عن ليث: "صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك".
السابع: عن جابر بن سمرة - ﵁ - مرفوعا.
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ١/٢٠٣ رقم ٤٦٥ وقال الألباني: "إسناده حسن". وأورده السيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٧ ونسبه إلى الطبراني في السنة وابن مردويه.
[ ٤٣ / ٣٥٢ ]
الثامن: عن ابن عمر - ﵁ - مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في الرؤية ص ١٨٠ رقم ٢٨٣. والبزار كما في كشف الأستار ٣/١٤-١٥ رقم ٢١٢٩. وقال الهيثمي في المجمع ٧/١٧٨: "رواه البزار وفيه سعيد بن سنان وهو ضعيف، وقد وثقه بعضهم، ولم يلتفت إليه في ذلك".
وانظر ترجمته في تهذيب الكمال ١٠/٤٩٥ وقال عنه الحافظ في التقريب ص ٣٨١: "متروك".
التاسع: عن أبي رافع - ﵁ - مرفوعا.
أخرجه الطبراني في الكبير ١/٣١٧ رقم ٩٣٨. وقال الهيثمي في المجمع ١/٢٣٧: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد الله بن إبراهيم بن الحسين عن أبيه لم أر من ترجمهما". وأورده المتقي الهندي في كنز العمال ١/٢٢٧ رقم ١١٥١.
العاشر: عن أبي هريرة مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في الرؤية ص ١٨٢ رقم ٢٨٨. والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٩ رقم ٨٢. واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد٣/٥٢٠ رقم ٩١٩. وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢٠. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٧ ونسبه إلى الطبراني في السنة وابن مردويه.
وفيه عبد الله بن أبي حميد قال عنه الحافظ في التقريب ص ٦٣٧: "متروك الحديث".
الحادي عشر: عن أنس بن مالك - ﵁ - مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في الرؤية ص ١٧٨ رقم ٢٧٦ وص ١٨٩ رقم ٣١٥. وابن حبان في المجروحين ٣/١٣٥. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص ٥٨ رقم ٧٩. وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢٠.والسيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٧ ونسبه إلى الطبراني في السنة والشيرازي في الألقاب. وابن حجر في الإصابة ٢/٤٠٦ ونسبه إلى الطبراني في السنة.
وفيه يوسف بن عطية قال عنه الحافظ في التقريب ص ١٠٩٤: "متروك".
الثاني عشر: عن عمران بن حصين - ﵁ - مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في الرؤية ص ١٨٠ رقم.
الثالث عشر: عن أبي عبيدة بن الجراح - ﵁ - مرفوعا.
[ ٤٣ / ٣٥٣ ]
أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٨/١٥١-١٥٢. وبإسناده ابن الجوزي في العلل المتناهية ١/١٦ من طريقين. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٨ ونسبه إلى الطبراني في السنة والخطيب.
وقد ورد في بعض ألفاظ حديث أبي عبيدة زيادة قوله ﷺ: "لما كانت ليلة أسري بي إلخ"كما أوردها السيوطي في الدر إلا أن هذه الزيادة لم ترد في رواية الخطيب للحديث وعنه ابن الجوزي.
وقد جزم الإمام ابن القيم بأنها خطأ فقال ﵀: "وهو حديث لا يصح عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا: "لما كانت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ " وذكر الحديث ثم قال: "وهذا غلط قطعا فإنما القصة كانت بالمدينة، كما قال معاذ بن جبل: "احتبس عنا رسول الله ﷺ في صلاة الصبح حتى كدنا نترآى عين الشمس، ثم خرج وصلى بنا ثم قال: "رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فقال: يا محمد: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ "وذكر الحديث فهذا كان بالمدينة والإسراء بمكة".التبيان في أقسام القرآن ص٢٦٠-٢٦١.
الرابع عشر: عن عدي بن حاتم - ﵁ - مرفوعا.
أورده السيوطي في الدر المنثور ٥/٥٩٨ ونسبه إلى ابن مردويه. وفي اللفظ الذي أورده السيوطي الزيادة نفسها التي في حديث أبي عبيدة وقد سبق الكلام عليها والله أعلم.
وللحافظ ابن رجب الحنبلي - ﵀ - رسالة في شرح هذا الحديث تحت عنوان (اختيار الأولى شرح حديث اختصام الملأ الأعلى) طبعت بتحقيق حسين الجمل في مؤسسة الكتب الثقافية بيروت لبنان ط١-١٤٠٧هـ.
وهناك اختلاف في بعض ألفاظ الحديث، وذلك في مختلف الروايات التي جاءت من طرق أخرى عن أربعة عشر صحابيا، كما هو مبين في تخريج الحديث، إلا أني لم أتعرض لاختلاف ألفاظه؛ لأن جميع من رووه اتفقوا على الجملة الأولى وهي قوله ﷺ "رأيت ربي في أحسن صورة" وهي موطن الشاهد في هذه المسألة.
[ ٤٣ / ٣٥٤ ]
وقد وردت أحاديث أخرى فيها إثبات الرؤية المنامية، لكن في تصحيحها وتضعيفها نزاع كبير بين أهل العلم وهي:
٢- الحديث الثاني:
عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت ربي ﷿".
أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في المسند ١/٢٨٥،٢٩٠. وعبد الله بن أحمد في السنة ٢/٤٨٤ رقم ١١١٧، وفي٢/٥٠٣ رقم١١٦٧. وابن أبي عاصم في السنة ١/١٨٨ رقم ٤٣٣، وفي ١/١٩١-١٩٢ رقم ٤٤٠. والآجري في الشريعة ٣/١٥٤٢ رقم ١٠٣٣. واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ٣/٥١٢-٥١٣ رقم ٨٩٧. والذهبي في السير ١٠/١١٣-١١٤. وأورده الهيثمي في المجمع /٧٨ وقال: "رجاله رجال الصحيح". وقال ابن كثير في تفسيره ٧/٤٢٥: "إسناده على شرط الصحيح لكنه مختصر من حديث الرؤية". وقال الألباني في تخريج السنة ١/١٨٨: "حديث صحيح مختصر من حديث الرؤية". وقال: "أخرجه – أيضا - الضياء في المختارة ٦٦/٧٩/١"ثم قال: "وروى الضياء في المختارة عن أبي زرعة الرازي: "حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في الرؤية صحيح ولا ينكره إلا معتزلي".
وجاء من طرق أخرى بلفظ آخر أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ٢/٣٦٣-٣٦٤ رقم ٩٣٨، والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات ١/١٣٣-١٣٦، ١٤٣، والخطيب في تاريخ بغداد ١١/٢١٤، وابن عدي في الكامل ٢/٦٧٧، وأبو بكر بن أبي داود والطبراني في السنة كما في اللالئ المصنوعة ١/٢٩، وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢٢-٢٣، وأورده المتقي الهندي في كنز العمال ١/٢٢٨ رقم ١١٥٢.
كلهم من طرق عن حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا لكن بلفظ: "رأيت ربي - ﷿ - جعدا أمرد عليه حلة خضراء"أو نحو ذلك.
قال ابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢٣: "هذا الحديث لا يثبت وطرقه كلها على حماد بن سلمة قال ابن عدي: قد قيل: أن ابن أبي العوجاء كان ربيب حماد فكان يدس في كتبه هذه الأحاديث".
[ ٤٣ / ٣٥٥ ]
وقد ذكر هذه الحكاية ابن عدي في الكامل لكن من طريق محمد بن شجاع الثلجي وابن الثلجي هذا له ترجمة مظلمة انظرها في ميزان الاعتدال ٣/٥٧٧-٥٧٩، وابن عدي نفسه قال في الكامل: "إنه كان يضع الحديث في التشبيه وينسبها إلى أصحاب الحديث يثلبهم بذلك". وانظر التنكيل ١/٢٤٣-٢٤٤.
وقال الذهبي في السير ١٠/١١٣-١١٤: "وهو خبر منكر نسأل الله السلامة في الدين، فلا هو على شرط البخاري، ولا مسلم ورواته، وإن كانوا غير متهمين فما هم بمعصومين من الخطأ والنسيان فأول الخبر قال "رأيت ربي" وما قيده بالنوم وبعض من يقول: إن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج يحتج بظاهر الحديث".
ونقل السيوطي في اللالئ المصنوعة ١/٣١ عن ابن أبي داود قوله بعد الحديث: "فهذا من أنكر ما أتى به حماد بن سلمة، وهذه الرؤية رؤية منام إن صحت".
فإن كان الحمل في هذا الحديث على حماد بن سلمة فقد قال ابن عدي في الكامل: "إن الأحاديث التي رويت عن حماد بن سلمة في الرؤية قد رواها غير حماد بن سلمة".
وقد رد الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في التنكيل ١/٢٤٤ على الكوثري الذي زعم أن حماد بن سلمة روى أحاديث طامات من بينها هذا فقال: "والجواب: أن لهذا الحديث طرقا معروفة في بعضها ما يشعر بأنها رؤيا منام، وفي بعضها ما يصرح بذلك، فإن كان كذلك اندفع الاستنكار، وإلا فلأهل العلم في تلك الأحاديث كلام معروف".
وقد أطال القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات في الكلام على طرق
الحديث وذكر من صححه من أهل العلم وبخاصة كلام الإمام أحمد بما ملخصه أن الحديث صحيح والله أعلم انظر: إبطال التأويلات ١/١٣٩-١٤٥.
٣- الحديث الثالث:
عن عمارة بن عامر، عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب - ﵄ - قالت: "سمعت رسول الله ﷺ يذكر أنه رأى ربه - ﷿ - في المنام في صورة شاب موفر في خضر على فراش من ذهب، في رجليه نعلان من ذهب".
[ ٤٣ / ٣٥٦ ]
أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ١/٢٠٥ رقم ٤٧١. والطبراني في المعجم الكبير ٢٥/١٤٣ رقم ٣٤٦. والبيهقي في الأسماء والصفات ٢/٣٦٧-٣٦٩ رقم ٩٤٢. والدارقطني في الرؤية ص ١٩٠ رقم ٣١٦. والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات ١/١٤١. والخطيب في تاريخ بغداد ١٣/٣١١. وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/١٥ وفي الموضوعات ١/١٨١ من طريق الخطيب. والهيثمي في مجمع الزوائد ٧/١٧٩. والسيوطي في اللالئ المصنوعة ١/٣٠. وابن عراق في تنزيه الشريعة ١/١٤٥. والشوكاني في الفوائد المجموعة ص ٤٤٧-٤٤٨. والمتقي الهندي في كنز العمال ١/٢٢٨ رقم ١١٥٣.
وقال ابن حبان في الثقات ٥/٢٤٥: "عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: "رأيت ربي" حديثا منكرا لم يسمع عمارة من أم الطفيل وإنما ذكرته لكي لا يغتر الناظر فيه، فيحتج به من حديث أهل مصر".
وقال البخاري في التاريخ الكبير ٦/٣١١١: "لا يعرف سماع عمارة من أم الطفيل" وقال في التاريخ الأوسط ١/٤٣٥ "ولايعرف عمارة ولا سماعه من أم الطفيل".
وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع وقال: "أما نعيم فقد وثقه قوم، وقال ابن عدي: كان يضع الحديث، وكان يحيى بن معين يهجنه في رواية حديث أم الطفيل، وكان يقول ما كان ينبغي به أن يحدث بمثل هذا الحديث"وانظر: تاريخ بغداد ١٣/٣١١.
ثم قال: "وأما مروان فقال أبو عبد الرحمن النسائي: ومن مروان حتى يصدق على الله ﷿. قال مهنا: سألت أحمد عن هذا الحديث، فحوّل وجهه عني، وقال: هذا حديث منكر، هذا رجل مجهول: يعني مروان"اهـ. انظر إبطال التأويلات ١/١٤٠.ثم قال: "ولا يعرف – أيضا - عمارة".
وتبعه في ذلك الشوكاني كما في الفوائد المجموعة ص ٤٤٧، ٤٤٨ وقال: "موضوع، وفي إسناده وضاع وكذاب ومجهول".
[ ٤٣ / ٣٥٧ ]
لكن تعقبه المحقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي - ﵀ - بقوله: "يريد بالأول نعيم بن حماد بناء على قول ابن الجوزي، قال ابن عدي: يضع الحديث. وهذا وهم قبيح من ابن الجوزي، وإنما حكى ابن عدي، عن الدولابي، عن بعضهم لا يدرى من هو ورده ابن عدي، وحمل على الدولابي". راجع ترجمة نعيم في تهذيب التهذيب ومقدمة الفتح.
ويريد بالكذاب مروان بن عثمان بناء على ما روى عن النسائي أنه قال: ومن مروان بن عثمان حتى يصدق على الله، وهذا لا يعطي أنه كذاب، وعدم التصديق لا يستلزم التكذيب، فإنه يحتمل التوقف، ويحتمل قوله على أنه أخطأ.
ويدل على هذا أن النسائي أخرج لمروان هذا في سننه.
ويريد بالمجهول عمارة بن عامر بن حزم، ويقال: عمارة بن عمير، وذكره البخاري في الضعفاء، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر هذا الحديث وقال: منكر لم يسمعه عمارة من أم الطفيل، وله شواهد ذكرها في اللآلئ، وحاصله رؤيا المنام تجيء - غالبا - على وجه التمثيل المفتقر إلى التأويل، والله أعلم.
وقال الألباني في تخريج السنة ١/٢٠٥ رقم ٤٧١: "حديث صحيح بما قبله وإسناده ضعيف مظلم".
المطلب الثاني: القول في رؤية النبي ﷺ لربه في المنام.
أثبت العلماء رؤية النبي ﷺ المنامية لربه - ﷿ -، واعتمدوا في ذلك على الأحاديث الواردة بهذا الشأن، والتي تقدم ذكرها في المطلب الأول، وهذه الرؤيا ليست محل خلاف، وقد وقعت بالمدينة النبوية، وهناك فرق بينها وبين الرؤية التي وقعت ليلة الإسراء بمكة، والتي دار الخلاف عليها حسب ما تقدم ذكره في المبحث الأول، وهذه الرؤيا التي وقعت في المنام داخلة في عموم أن رؤيا الأنبياء وحي.
[ ٤٣ / ٣٥٨ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد صح عنه أنه قال: "رأيت ربي ﵎" ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه - ﵎ - تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وقال: نعم رآه حقا، فإن رؤيا الأنبياء حق ولابد".
وقال أيضًا: "وكذلك الحديث الذي رواه أهل العلم أنه قال: "رأيت ربي في صورة كذا وكذا"، يروى من طريق ابن عباس، ومن طريق أم الطفيل، وغيرهما وفيه "أنه وضع يده بين كتفيَّ حتى وجدت برد أنامله على صدري"، هذا الحديث لم يكن ليلة المعراج، فإن هذا الحديث كان بالمدينة. وفي الحديث: أن النبي نام عن صلاة الصبح، ثم خرج إليهم، وقال: "رأيت كذا وكذا"وهو من رواية من لم يصل خلفه إلا بالمدينة كأم الطفيل وغيرها، والمعراج إنما كان من مكة باتفاق أهل العلم، وبنص القرآن والسنة المتواترة، كما قال الله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء ١] .
فعلم أن هذا الحديث كان رؤيا منام بالمدينة، كما جاء مفسرًا في كثير من طرقه أنه كان رؤيا منام، مع أن رؤيا الأنبياء وحي، لم يكن رؤيا يقظة ليلة المعراج".
المطلب الثالث: أقوال أهل العلم في الرؤية المنامية عمومًا
ذكر غير واحد من أهل العلم أن رؤية الله في المنام جائزة، وهذه الرؤية شأنها شأن سائر الرؤى المنامية تعبر، فإن النائم لا يرى الله حقيقة، فرؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير، وتأويل؛ لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق، وإليك بعض أقوال العلماء في هذه المسألة.
قال الإمام الدارمي: "وفي المنام يمكن رؤية الله على كل حال، وفي كل صورة".
[ ٤٣ / ٣٥٩ ]
قال الإمام البغوي: "رؤية الله في المنام جائزة، قال معاذ عن النبي ﷺ: "إني نعست فرأيت ربي"وتكون رؤيته - جلّت قدرته - ظهور العدل، والفرج، والخصب، والخير لأهل ذلك الموضع، فإن رآه فوعد له جنة أو مغفرة، أو نجاة من النار، فقوله حق ووعده صدق. وإن رآه ينظر إليه، فهو رحمته، وإن رآه معرضا عنه فهو تحذير من الذنوب، لقوله ﷾ ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران ٧٧] وإن أعطاه شيئا من متاع الدنيا فأخذه فهو بلاء ومحن، وأسقام تصيب بدنه، يعظم بها أجره، لا يزال يضطرب فيها حتى يؤديه إلى الرحمة، وحسن العاقبة".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحا لم ير إلا صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه، نقص رأى ما يشبه إيمانه ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة ولها تعبير وتأويل، لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق".
وقال - ﵀ - في بيان تلبيس الجهمية: "فالإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه. فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام، فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلًا، ولكن لابد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة، ومشابهة لاعتقاده في ربه، فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقا أتي من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان بالعكس.
قال بعض المشايخ: "إذا رأى العبد ربه في صورة كانت تلك الصورة حجابًا بينه وبين الله. وما زال الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم، وما أظن عاقلًا ينكر ذلك، فإن وجود هذا مما لا يمكن دفعه، إذ الرؤيا تقع للإنسان بغير اختياره، وهذه مسألة معروفة، وقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين.
[ ٤٣ / ٣٦٠ ]
وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام، ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام، فيكونون قد جعلوا هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل، مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم، وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به ﷾، وإنما ذلك بحسب حال الرائي، وصحة إيمانه وفساده، واستقامة حاله وانحرافه، وقول من يقول: ما خطر بالبال أو دار في الخيال فالله بخلافه ونحو ذلك [بياض بمقدار أربع كلمات] إذا حمل على مثل هذا كان محملًا صحيحًا، فلا نعتقد ما يتخيله الإنسان في منامه أويقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك، بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان، ويتخيلها على حقيقتها، بل هي على خلاف مايتخيله ويتصوره في منامه ويقظته، وإن كان ما رآه مناسبًا ومشابهًا لها، فالله -تعالى- أجل وأعظم".
المبحث الثالث: رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا عيانًا.
المطلب الأول: قول أهل السنة في مسألة رؤية النبي ﷺ لربه عيانًا في الدنيا.
ينبغي - هنا - التفريق، وعدم الخلط بين مسألتين، المسألة الأولى: رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، وهذه هي التي حصل الكلام فيها بين أهل السنة، وقد تقدم بسط ذلك في المبحث الأول؛ والمسألة الثانية: رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا عيانًا وهذه لم يختلف فيها قول أهل السنة، فهم مجمعون على أن النبي ﷺ لم ير ربه في الدنيا عيانًا، وأن ما ذكر من أحاديث في هذه المسألة فهو في عداد الموضوعات التي لا يصح نسبتها إلى النبي ﷺ.
[ ٤٣ / ٣٦١ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد اتفق المسلمون على أن النبي ﷺ لم ير ربه بعينه في الأرض، وأن الله ينزل له إلى الأرض، وليس عن النبي ﷺ قط حديث فيه أن الله نزل له إلى الأرض، بل الأحاديث الصحيحة: "أن الله يدنو عشية عرفة" وفي رواية "إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفرله؟ " ".
المطلب الثاني: الأحاديث الموضوعة في المسألة.
علم في المطلب السابق أنه لم يصح حديث في مسألة رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا عيانًا، وقد ذكر العلماء أن ما يروى في هذا الشأن فهو كذب على النبي ﷺ، وليس له أصل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكل حديث فيه "أن محمدًا ﷺ رأى ربه بعينه في الأرض"، فهو كذب باتفاق المسلمين وعلمائهم، هذا شيء لم يقله أحد من علماء المسلمين ولا رواه أحد منهم.
وقال أيضًا: "وبالجملة أن كل حديث فيه أن النبي ﷺ رأى ربه بعينيه في الأرض، وفيه أنه نزل له إلى الأرض، وفيه أن رياض الجنة خطوات الحق، وفيه أنه وطئ على صخرة بيت المقدس، كل هذا كذب باطل باتفاق علماء المسلمين، من أهل الحديث وغيرهم".
ومن الأحاديث الموضوعة في هذا الشأن ما يلي:
١- الحديث الأول.
عن أسماء بنت أبي بكر - ﵂ - مرفوعا: "رأيت ربي ﷿ على جمل أحمر عليه إزاران وهو يقول: قد سمحت قد غفرت إلا المظالم، فإذا كان ليلة المزدلفة، ثم يصعد إلى السماء، وينصرف الناس إلى منى".
أورده ابن الجوزي في الموضوعات (١/١٨٠) وقال عنه: "هذا حديث لا يشك أحد في أنه موضوع، محال".
والسيوطي في اللآلي المصنوعة ١/٢٧.
وابن عراق في تنزيه الشريعة ١/١٣٩ رقم ١٧ وقال: "أخرجه الأهوازي في الصفات من حديث أسماء فقبح الله واضعه".
٢- الحديث الثاني.
[ ٤٣ / ٣٦٢ ]
عن أبي رزين العقيلي - ﵁ - مرفوعا: "رأيت ربي بمنى يوم النفر، على جمل أورق عليه جبة صوف أمام الناس".
أورده الذهبي في ميزان الاعتدال ١/٥١٣ وفي السير ١٨/١٦-١٧.
والقاضي الفتني في تذكرة الموضوعات ص ١٢-١٣.
والقاري في المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص ١٠٢.
واتفقوا على أنه موضوع باطل، وأن المتهم به هو أبوعلي الأهوازي، كما قال ابن عساكر.
المبحث الرابع: رؤية البشر لربهم في الحياة الدنيا.
لعل من المناسب بعد ذكر ما يتعلق بمسألة رؤية النبي ﷺ لربه، وما يتصل بها من مسائل، الإشارة إلى مسألة رؤية البشر لربهم في الحياة الدنيا، وذلك لما بين المسألتين من ترابط من جهة وجود نوع علاقة بين المسألتين، باعتبار أن من زعم جواز حصول الرؤية للبشر استند في زعمه على ما ذكر من أحاديث مكذوبة في وقوع الرؤية للنبي ﷺ في الحياة الدنيا، ومعلوم أن بضاعة المتصوفة الذين جوزوا حصول ذلك لأوليائهم هي الأحاديث المكذوبة من مثل ما تقدم ذكره في المطلب الثاني من المبحث الثالث، وعلى هذا الاعتبار بنى أولئك المتصوفة مزاعمهم، بأن ذلك يجوز حصوله لمن وصل إلى مرحلة معينة في الولاية التي قد يعتبرها البعض منهم فوق منزلة النبوة، وبهذه النظرة ما المانع أن يحصل مثل ذلك لغير النبي ﷺ.
وأما من قال بامتناع رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا عيانًا، فلا شك أنه يقول بامتناعها على غيره من باب أولى، فإذا كانت الرؤية لم تحصل للنبي ﷺمع ما له من مكانة وشرف ومنزلة عظيمة عند الله - فكيف تحصل لمن هو دونه في المنزلة والمكانة، على أن مستند من نفى رؤية البشر لله في الدنيا هو نص السنة، كما سيأتي ذكره.
ومسألة رؤية البشر لله عمومًا يتنازعها ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: من نفى الرؤية بإطلاق فلم يثبتها في الدنيا، ولا في الآخرة على حد سواء، بل نفى حتى الرؤيا المنامية.
[ ٤٣ / ٣٦٣ ]
وهؤلاء هم الجهمية والمعتزلة المعطلة الذين ليس عندهم فوق العرش إلا العدم المحض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام، ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام فيكونون قد جعلوا هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم".
وقال أيضًا: "وإنما يكذب بها أو يحرفها - أي: أحاديث الرؤية في الآخرة - الجهمية، ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة ونحوهم، من الذين يكذبون بصفات الله تعالى، وبرؤيته وغير ذلك، وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة.
ودين الله وسط بين تكذيب هؤلاء بما أخبر به رسول الله ﷺ في الآخرة، وبين تصديق الغالية، بأنه يرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل".
الطائفة الثانية: من يثبت الرؤية بإطلاق فيزعم أن الله يرى في الدنيا عيانًا، كما يرى في الآخرة عيانًا. وهذا يقول به بعض المتصوفة من الاتحادية والحلولية.
فأما الاتحادية أهل وحدة الوجود فهم الذين لا يميزون الخالق بصفات تميزه عن المخلوق، ويقولون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق. فعلى سبيل المثال هم يقولون بأن الله هو المتكلم بكل ما يوجد من الكلام، وفي ذلك يقول ابن عربي:
ألا كل قول في الوجود كلامه
سواء علينا نثره ونظامه
يعم به أسماع كل مكون
فمنه إليه بدؤه وختامه
[ ٤٣ / ٣٦٤ ]
فيزعمون أنه هو المتكلم على لسان كل قائل. ولا فرق عندهم بين قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤] ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٢٨] وبين القول الذي يسمعه موسى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه ١٤]، بل يقولون: إنه الناطق في كل شيء، فلا يتكلم إلا هو، ولا يسمع إلا هو، حتى قول مسيلمة الكذاب، والدجال، وفرعون، يصرحون بأن أقوالهم هي قوله".
وهذا قول أصحاب وحدة الوجود كابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض، والعفيف التلمساني.
وأصل مذهبهم: أن كل واحد من وجود الحق، وثبوت الخلق يساوى الآخر، ويفتقر إليه، وفي هذا يقول ابن عربي:
فيعبدني وأعبده
ويحمدني وأحمده
ويقول: إن الحق يتصف بجميع صفات العبد المحدثات، وإن المحدث يتصف بجميع صفات الرب، وإنهما شيء واحد؛ إذ لا فرق في الحقيقة بين الوجود والثبوت فهو الموصوف عندهم بجميع صفات النقص والذم والكفر والفواحش والكذب والجهل، كما هو الموصوف عندهم بصفات المجد والكمال فهو العالم والجاهل، والبصير والأعمى، والمؤمن والكافر، والناكح والمنكوح، والصحيح والمريض، والداعي والمجيب، والمتكلم والمستمع، وهو عندهم هوية العالم ليس له حقيقة مباينة للعالم، وقد يقولون: لا هو العالم ولا غيره، وقد يقولون: هو العالم – أيضا - وهو غيره، وأمثال هذه المقالات التي يجمع فيها في المعنى بين النقيضين مع سلب النقيضي".
وهؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي العام، والإثبات العام، فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال وليس له اسم ولا صفة ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له.
[ ٤٣ / ٣٦٥ ]
ويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون: يرى هو في الأشياء، وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:
عين ما ترى ذات لا ترى
وذات لا ترى عين ما ترى
وهم مضطربون؛ لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقًا بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود.
وفي هذا يقول ابن عربي:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدًا
وإن قلت بالتشبيه كنت محددًا
وإن قلت بالأمرين كنت مسددًا
وكنت إمامًا في المعارف سيدًا
فمن قال بالإشفاع كان مشركًا
ومن قال بالإفراد كان موحدًا
فإياك والتشبيه إن كنت ثانيًا
وإياك والتنزيه إن كنت مفردًا
فما أنت هو بل أنت هو وتراه
في عين الأمور مسرحا ومقيدًا (١)
وأما الفرق بين الاتحاد والحلول، فإن الاتحاد كاتحاد الماء باللبن، وأما الحلول فكحلول الماء في الإناء.
والقسمة بين الحلولية والاتحادية رباعية، فإن كل واحد من الحلول والاتحاد: إما معين في شخص، وإما مطلق.
قال شيخ الإسلام: "وذلك أن القسمة رباعية؛ لأن من جعل الرب هو العبد حقيقة، فإما أن يقول بحلوله فيه، أو اتحاده به، وعلى التقدرين: فإما أن يجعل ذلك مختصا ببعض الخلق كالمسيح، أو يجعله عاما لجميع الخلق، فهذه أربعة أقسام:
_________________
(١) بغية المرتاد (ص٤٧٣)
[ ٤٣ / ٣٦٦ ]
الأول: هو الحلول الخاص: وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم ممن يقول: إن اللاهوت حل في الناسوت وتدرع به، كحلول الماء في الإناء، وهؤلاء حققوا كفر النصارى؛ بسبب مخالطتهم للمسلمين، وكان في زمن المأمون؛ وهذا قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة، كغالية الرافضة الذين يقولون: إنه حلَّ بعلي بن أبي طالب، وأئمة أهل بيته، وغالية النُسَّاك الذين يقولون بالحلول في الأولياء، ومن يعتقدون فيه الولاية أو في بعضهم، كالحلاج ويونس والحاكم ونحو هؤلاء.
والثاني: هو الاتحاد الخاص: وهو قول يعقوبية النصارى، وهم أخبث قولًا، وهم السودان والقبط، يقولون: إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا
كاختلاط اللبن بالماء، وهو قول من وافق هؤلاء من غالية المنتسبين إلى الإسلام.
والثالث: هو الحلول العام: وهو قول الذي ذكره أئمة أهل السنة والحديث عن طائفة من الجهمية المتقدمين، وهو قول غالب متعبدة الجهمية الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان، ويتمسكون بمتشابه من القرآن كقوله ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام ٣] وقوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] والرد على هؤلاء كثير مشهور في كلام أئمة السنة، وأهل المعرفة وعلماء الحديث.
الرابع: الاتحاد العام: وهو قول هؤلاء الملاحدة الذين يزعمون أنه عين وجود الكائنات، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من وجهين:
من جهة أن أولئك قالوا: إن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه بعد أن لم يكونا متحدين، وهؤلاء يقولون: مازال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره.
[ ٤٣ / ٣٦٧ ]
والثاني من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظَّموه كالمسيح، وهؤلاء جعلوا ذلك ساريا في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ، وإذا كان الله - تعالى - قد قال ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآية، فكيف بمن قال: إن الله هو الكفار، والمنافقون، والصبيان، والمجانين، والأنجاس، والأنتان، وكل شيء؟! ".
وأما عن الحلولية، فقد قال الأشعري: "وفي الأمة قوم ينتحلون النسك، يزعمون أنه جائز على الله - تعالى - الحلول في الأجسام، وإذا رأوا شيئا يستحسنونه قالوا: لا ندري، لعله، ربنا.
ومنهم من يقول: إنه يرى الله في الدنيا على قدر الأعمال، فمن كان عمله أحسن رأى معبوده أحسن.
ومنهم من يجوِّز على الله - تعالى - المعانقة والملامسة والمجالسة في الدنيا، وجوّزوا مع ذلك على الله - تعالى الله عن قولهم - أن نلمسه.
ومنهم من يزعم أن الله - سبحانه - ذو أعضاء وجوارح وأبعاض: لحم ودم على صورة الإنسان له ما للإنسان من الجوارح - تعالى ربنا عن قولهم علوا كبيرا.
وكان في الصوفية رجل يُعرف بأبي شعيب يزعم أن الله يسر ويفرح بطاعة أوليائه، ويغتم ويحزن إذا عَصَوْهُ.
وفي النسَّاك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى منزلة تزول عنهم العبادات، وتكون الأشياء المحظورات على غيرهم - من الزنا وغيره - مباحات لهم. وفيهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم أن يروا الله، ويأكلوا من ثمار الجنة، ويعانقوا الحور العين في الدنيا، ويحاربوا الشياطين، ومنهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم إلى أن يكونوا أفضل من النبيين والملائكة المقربين".
[ ٤٣ / ٣٦٨ ]
وعلق شيخ الإسلام على كلام الأشعري بعد أن أورده في منهاج السنة بقوله: "قلت: هذه المقالات التي حكاها الأشعري - وذكروا أعظم منها - موجودة في الناس قبل هذا الزمان. وفي هذا الزمان منهم من يقول بحلوله في الصور الجميلة، ويقول: إنه بمشاهدة الأمرد يشاهد معبوده، أو صفات معبوده، أو مظاهر جماله، ومن هؤلاء من يسجد للأمرد. ثم من هؤلاء من يقول بالحلول والاتحاد العام، لكنه يتعبد بمظاهر الجمال، لما في ذلك من اللذة له، فيتخذ إلهه هواه، وهذا موجود في كثير من المنتسبين إلى الفقر والتصوف. ومنهم من يقول: إنه يرى الله مطلقًا ولا يعيِّن الصورة الجميلة، بل يقولون إنهم يرونه في صور مختلفة. ومنهم من يقول: إن المواضع المخضرَّة خطا عليها، وإنما اخضرت من وطئه عليها، وفي ذلك حكايات متعددة يطول وصفها. وأما القول بالإباحة وحل المحرمات - أو بعضها - للكاملين في العلم والعبادة فهذا أكثر من الأول، فإن هذا قول أئمة الباطنية القرامطة الإسماعيلية، وغير الإسماعيلية، وكثير من الفلاسفة، ولهذا يُضرب بهم المثل فيقال: فلان يستحل دمي، كاستحلال الفلاسفة محظورات الشرائع، وقول كثير ممن ينتسب إلى التصوف والكلام، وكذلك من يفضل نفسه أو متبوعه على الأنبياء، موجود كثير في الباطنية والفلاسفة وغلاة المتصوفة وغيرهم، وبسط الكلام على هذا له موضع آخر.
ففي الجملة هذه مقالات منكرة باتفاق علماء السنة والجماعة، وهي - وأشنع منها - موجودة في الشيعة.
وكثير من النسَّاك يظنون أنهم يرون الله في الدنيا بأعينهم، وسبب ذلك أنه يحصل لأحدهم في قلبه بسبب ذكر الله - تعالى - وعبادته من الأنوار ما يغيب به عن حسه الظاهر، حتى يظن أن ذلك شيء يراه بعينه الظاهرة، وإنما هو موجود في قلبه.
[ ٤٣ / ٣٦٩ ]
ومن هؤلاء من تخاطبه تلك الصورة التي يراها خطاب الربوبية ويخاطبها أيضًا بذلك، ويظن أن ذلك كله موجود في الخارج عنه، وإنما هو موجود في نفسه، كما يحصل للنائم إذا رأى ربه في صورة بحسب حاله. فهذه الأمور تقع كثيرًا في زماننا وقبله، ويقع الغلط منهم حيث يظنون أن ذلك موجود في الخارج.
وكثير من هؤلاء يتمثل له الشيطان، ويرى نورًا أو عرشا أو نورًا على
العرش، ويقول: أنا ربك. ومنهم من يقول: أنا نبيك، وهذا قد وقع لغير واحد. ومن هؤلاء من تخاطبه الهواتف بخطاب على لسان الإلهية أو غير ذلك، ويكون المخاطب له جنيًّا، كما قد وقع لغير واحد. لكن بسط الكلام على ما يُرى ويُسمع وما هو في النفس والخارج، وتمييز حقه من باطله ليس هذا موضعه، وقد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع.
وكثير من الجهَّال أهل الحال وغيرهم يقولون: إنهم يرون الله عيانًا في الدنيا، وأنه يخطو خطوات".
وقال ابن القيم: "ومن ظنَّ من القوم أن كشف العين ظهور الذات المقدسة لعيانه حقيقة فقد غلط أقبح الغلط. وأحسن أحواله: أن يكون صادقًا ملبوسًا عليه. فإن هذا لم يقع في الدنيا لبشر قط، وقد منع منه كليم الرحمن ﷺ.
وقد اختلف السلف والخلف: هل حصل هذا لسيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه؟ فالأكثرون على أنه لم ير الله سبحانه، وحكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعًا من الصحابة. فمن ادعى كشف العيان البصري عن الحقيقة الإلهية فقد وهم وأخطأ، وإن قال: إنما هو كشف العيان القلبي، بحيث يصير الرب سبحانه كأنه مرئي للعبد، كما قال النبي ﷺ "أن تعبد الله كأنك تراه" فهذا حق، وهو قوة يقين، ومزيد علم فقط.
[ ٤٣ / ٣٧٠ ]
نعم، قد يظهر له نور عظيم، فيتوهم أن ذلك نور الحقيقة الإلهية، وأنها قد تجلت له، وذلك غلط أيضًا، فإن نور الرب – تعالى – لا يقوم له شيء، ولما ظهر للجبل منه أدنى شيء ساخ وتدكدك، وقال ابن عباس في قوله تعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ قال: "ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى به لم يقم له شيء".
وهذا النور الذي يظهر للصادق: هو نور الإيمان الذي أخبر الله عنه في قوله ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ﴾ قال أبي بن كعب: "مثل نوره في قلب المؤمن" فهذا نور يضاف إلى الرب، ويقال هو نور الله كما أضافه الله - سبحانه - إلى نفسه، والمراد: نور الإيمان الذي جعله الله له خلقًا وتكوينًا كما قال تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ فهذا النور إذا تمكن من القلب، وأشرق فيه: فاض على الجوارح. فيرى أثره في الوجه والعين، ويظهر في القول والعمل. وقد يقوى حتى يشاهده صاحبه عيانًا؛ وذلك لاستيلاء أحكام القلب عليه، وغيبة أحكام النفس.
والعين شديدة الارتباط بالقلب تظهر ما فيه، فتقوى مادة النور في القلب ويغيب صاحبه بما في قلبه عن أحكام حسه. بل وعن أحكام العلم فينتقل من أحكام العلم إلى أحكام العيان.
وسر المسألة: أن أحكام الطبيعة والنفس شيء، وأحكام القلب شيء، وأحكام الروح شيء، وأنوار العبادات شيء، وأنوار استيلاء معاني الصفات والأسماء على القلب شيء، وأنوار الذات المقدسة شيء وراء ذلك كله.
فهذا الباب يغلط فيه رجلان، أحدهما: غليظ الحجاب، كثيف الطبع والآخر: قليل العلم، يلتبس ما في ذهنه بما في الخارج، ونور المعاملات بنور رب الأرض والسموات ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ".
[ ٤٣ / ٣٧١ ]
وقال أيضًا: "والرب - ﵎ - وراء ذلك كله، منزه مقدس عن اطلاع البشر على ذاته، أو أنوار ذاته، أو صفاته، أو أنوار صفاته. وإنما هي الشواهد التي تقوم بقلب العبد، كما يقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة والجنة والنار، وما أعد الله لأهلهما".
وقال أيضًا: "فإن نور الجلال في القلب ليس هو نور ذي الجلال في الخارج. فإن ذلك لا تقوم له السموات والأرض؛ ولو ظهر للوجود لتدكدك، لكنه شاهد دال على ذلك، كما أن المثل الأعلى شاهد دال على الذات. والحق وراء ذلك كله، منزه عن حلول واتحاد، وممازجة لخلقه؛ وإنما تلك رقائق وشواهد تقوم بقلب العارف، تدل على قرب الألطاف منه في عالم الغيب حيث يراها، وإذا فني فإنما يفنى بحال نفسه لا بالله ولا فيه، وإذا بقي فإنما يبقى بحاله هو ووصفه، لا ببقاء ربه وصفاته، ولا يبقى بالله إلا الله، ومع ذلك فالوصول حق يجد الواصل آثار تجلي الصفات في قلبه، وآثار تجلي الحق في قلبه. ويوقف القلب فوق الأكوان كلها بين يدي الرب - تعالى - وهو على عرشه، ومن يكاشف بآثار الجلال والإكرام فيجد العرش والكرسي تحت مشهد قلبه حكما، وليس الذي يجده تحت قلبه حقيقة العرش والكرسي بل شاهد ومثال علمي يدل على قرب قلبه من ربه، وقرب ربه من قلبه، وبين الذوقين تفاوت فإذا قرب الرب - تعالى - من قلب عبده بقيت الأكوان كلها تحت مشهد قلبه، وحينئذ يطلع في أفقه شمس التوحيد فينقشع بها ضباب وجوده ويضمحل ويتلاشى، وذاته وحقيقته موجودة بائنة عن ربه، وربه بائن عنه، فحينئذ يغيب العبد عن نفسه ويفنى، وفي الحقيقة هو باق غير فان، ولكنه ليس في سره غير الله قد فني فيه عن كل ما سواه.
نعم، قد يتفق له في هذه الحالة أن لا يجد شيئا غير الله؛ فذلك لاستغراق قلبه في مشهوده وموجوده، ولو كان ذلك في نفس الأمر لكان العبد في هذه الحال خلقا بارئا مصورا أزليا أبديا.
[ ٤٣ / ٣٧٢ ]
فعليك بهذا الفرقان، واحذر فريقين هما أعدى عدو لهذا الشأن فريق الجهمية المعطلة التي ليس عندها فوق العرش إلا العدم المحض، فشَمُّ رائحة هذا المقام من أبعد الأمكنة حرام عليها، وفريق أهل الاتحاد القائلين بوحدة الوجود وأن العبد ينتهي في هذا السفر إلى أن يشهد وجوده هو عين وجود الحق ﷻ، وعيشك بجهلك خير من معرفة هاتين الطائفتين، وانقطاعك مع الشهوات خير من أن تكون معهما والله المستعان وعليه التكلان".
الطائفة الثالثة: من نفى الرؤية العيانية في الدنيا، وأثبتها في الآخرة وذلك في عرصات يوم القيامة، وفي الجنة.
وهذا قول أهل السنة والجماعة.
قال الإمام البربهاري: "ومن زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا؛ فهو كافر بالله ﷿".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك كل من ادعى أنه رأى ربه بعينه قبل الموت فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة، لأنهم اتفقوا جميعًا على أن أحدًا من المؤمنين لا يرى ربه بعيني رأسه حتى يموت. وثبت ذلك في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان عن النبي ﷺ، أنه لما ذكر الدجال قال: "واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت".
كذلك روي هذا عن النبي ﷺ من وجوه أخر، يحذر أمته فتنة الدجال، بين لهم أن أحدًا منهم لن يرى ربه حتى يموت، فلا يظن أحد أن هذا الدجال الذي رآه هو ربه.
ولكن الذي يقع لأهل حقائق الإيمان من المعرفة بالله ويقين القلوب ومشاهدتها وتجليتها هو على مراتب كثيرة، قال النبي ﷺ لما سأله جبريل - ﵇ - عن الإحسان قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
وقد يحصل لبعض الناس في اليقظة – أيضًا - من الرؤيا نظير ما يحصل للنائم في المنام، فيرى بقلبه مثل ما يرى النائم. وقد يتجلى له من الحقائق ما يشهده بقلبه، فهذا كله يقع في الدنيا.
[ ٤٣ / ٣٧٣ ]
وربما غلب أحدهم ما يشهده قلبه وتجمعه حواسه فيظن أنه رأى ذلك بعيني رأسه، حتى يستيقظ فيعلم أنه منام، وربما علم في المنام أنه منام.
فهكذا من العباد من يحصل له مشاهدة قلبية تغلب عليه حتى تفنيه عن الشعور بحواسه، فيظنها رؤية بعينه وهو غلط في ذلك، وكل من قال من العباد المتقدمين أو المتأخرين أنه رأى ربه بعيني رأسه فهو غالط في ذلك بإجماع أهل العلم والإيمان.
نعم، رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة، وهي أيضًا للناس في عرصات القيامة، كما تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ حيث قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب، وكما ترون القمر ليلة البدر صحوًا ليس دونه سحاب" (١) ".
" وهذه الأحاديث وغيرها في الصحاح، وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول، واتفق عليها أهل السنة والجماعة، وإنما يكذب بها أو يحرفها الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة ونحوهم من الذين يكذبون بصفات الله - تعالى - وبرؤيته وغير ذلك، وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة.
ودين الله وسط بين تكذيب هؤلاء بما أخبر به رسول الله ﷺ في الآخرة، وبين تصديق الغالية، بأنه يرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل.
وهؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه يراه بعيني رأسه في الدنيا هم ضلال كما تقدم، فإن ضموا إلى ذلك أنهم يرونه في بعض الأشخاص، إما بعض الصالحين، أو بعض المردان، أو بعض الملوك أو غيرهم، عظم ضلالهم وكفرهم، وكانوا حينئذ أضل من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوه في صورة عيسى بن مريم.
بل هم أضل من أتباع الدجال الذي يكون في آخر الزمان، ويقول للناس أنا ربكم.
_________________
(١) حديث متواتر.
[ ٤٣ / ٣٧٤ ]
فهذا - أي الدجال - ادعى الربوبية وأتى بشبهات فتن بها الخلق، حتى قال فيه النبي ﷺ: "إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت" (١)، فذكر لهم علامتان ظاهرتين يعرفهما جميع الناس، لعلمه ﷺ بأن من الناس من يضل فيُجَوِّز أن يرى ربه في الدنيا في صورة البشر، كهؤلاء الضلال الذين يعتقدون ذلك، وهؤلاء قد يسمون (الحلولية) و(الاتحادية) ".
فهؤلاء الضلال الكفار الذين يزعم أحدهم أنه يرى ربه بعينه، وربما زعم أنه جالسه وحادثه أو ضاجعه، وربما يعين أحدهم آدميًا إما شخصًا، أو صبيًا، أو غير ذلك، ويزعم أنه كلمهم. يستتابون، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم وكانوا كفارًا، إذ هم أكفر من اليهود والنصارى الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، فإن المسيح رسول كريم وجيه عند الله في الدنيا والآخرة ومن المقربين، فإذا كان الذين قالوا: إنه هو الله، وإنه اتحد به أو حل فيه قد كفرهم وعظم كفرهم، بل الذين قالوا أنه اتخذ ولدًا حتى قال ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أن أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٨٨-٩٣]، فكيف بمن يزعم في شخص من الأشخاص أنه هو؟ هذا أكفر من الغالية الذين يزعمون أن عليًا - ﵁ -، أو غيره من أهل البيت هو الله.
_________________
(١) سبق تخريجه في بداية البحث.
[ ٤٣ / ٣٧٥ ]
وهؤلاء هم الزنادقة الذين حرقهم علي - ﵁ - بالنار، وأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كنده، وقذفهم فيها بعد أن أجلهم ثلاثًا ليتوبوا، فلما لم يتوبوا أحرقهم بالنار، واتفقت الصحابة - ﵃ - على قتلهم، لكن ابن عباس - ﵄ - كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة عند العلماء".
الخاتمة
بعد هذا العرض لمسألة رؤية النبي ﷺ لربه، ولبعض المسائل المتعلقة بها أعرض أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث فأقول:
أولًا: بالنسبة لرؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج فإن الأدلة التي استعرضانها في المبحث الخاص بهذه المسألة ليست قاطعة، وغالبها مبني على الاجتهاد مما يصعب مهمة الترجيح بينها، لكن الذي تطمئن إليه النفس هو ترجيح مذهب من جمع بين أقوال الصحابة ومن بعدهم من نفي وقوع الرؤية البصرية، وأن الرؤية التي أثبتها بعضهم إنما المراد بها الرؤية القلبية، وهو مذهب جماعة من المحققين على رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وابن كثير وابن حجر - ﵏ جميعا - وغيرهم.
ثانيًا: أما بالنسبة لرؤية النبي ﷺ لربه في المنام فإن هذه المسألة متفق على وقوعها له ﷺ وجواز وقوعها لغيره من البشر، ولم يقع نزاع في ذلك بين أهل السنة والجماعة.
ثالثًا: أما الرؤية العيانية في الدنيا فقد اتفق أهل السنة والجماعة على عدم وقوعها لأحد لا للنبي ﷺ ولا لغيره، وأن كل الأحاديث التي تروى في هذه المسألة فهي موضوعة لا يصح منها شيء.
وكل ما يدعيه الصوفية خاصة، ومن نحا نحوهم من رؤيتهم الله -﵎- عيانًا في هذه الدنيا فإنه كذب محض ولا أساس له من الصحة. فإن هذا مما وقع الاتفاق على عدم وقوعه لأحد كما سبق.
[ ٤٣ / ٣٧٦ ]
وفي الختام فهذا جهدي أقدمه لإخواني القراء، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فمني وأستغفر الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٤٣ / ٣٧٧ ]