المبحث الرابع: آداب السؤال لدى المعلمين
(١) - إدراك قيمة السؤال في التعليم والتعلم.
(٢) - تشجيع المتعلمين على السؤال.
(٣) - التوجيه إلى طرح الأسئلة الهامة.
(٤) - عدم إرهاق المتعلمين بالأسئلة.
(٥) - توجيه المتعلمين بعدم التعجل في طرح الأسئلة.
(٦) - عدم الإجابة على كل سؤال.
(٧) - رد العلم فيما لا يعلم إلى اللَّه.
(٨) - الحرص على التزود الدائم بالعلم.
تمهيد:
تبين لنا في المبحث السابق آداب السؤال وضوابطه في القرآن الكريم وأهمية هذه الآداب للمتعلم. وإذا كان يطلب من المتعلم أن يهتم بالسؤال ويحافظ على آدابه، فإن المعلم مطالب بالأمر ذاته، وذلك لأهمية السؤال وضرورة العناية به لكل من المعلم والمتعلم، بيد أن آداب السؤال التي يتوجب على المعلم التمسك بها والانطلاق منها تختلف عن تلك الآداب المتعلقة بالمتعلم، وذلك نظرًا لاختلاف موقف المعلم والمتعلم من السؤال ولاختلاف الدور الذي يقوم به كل من المعلم والمتعلم في الموقف التعليمي. وبغض النظر عن اختلاف آداب السؤال لدى المعلم عنها لدى المتعلم، إلا أنها تعد في غاية الأهمية والضرورة لنجاح المعلم في مهامه التعليمية والتربوية. ولأهمية هذه الآداب وضرورة تمسك المعلم بها فقد أرشد القرآن الكريم المعلمين إلى طائفة من الآداب والأخلاق ودعاهم إلى التحلي بها والتعامل مع المتعلمين في ضوئها، ومن بين هذه الآداب ما يلي:
(١) - إدراك قيمة السؤال في التعليم والتعلم
[ ٤٢ / ٥٨ ]
فالمعلم الذي لا يدرك أهمية السؤال في التعلم والتعليم قد لا يعمد إلى استخدامه كوسيلة من وسائل تحقيق الأهداف التعليمية والتربوية المنشودة، أو لا يعطيه الاهتمام الذي يتناسب مع أهميته ودوره، وإن أهمية السؤال في التعلم والتعليم ومكانته في المنهج التربوي القرآني واضحتان تمام الوضوح، فالسؤال في القرآن هو وسيلة اكتساب العلم ورفع الجهل عن النفس، ولكن وفق منهج سليم وتوجيه سديد، وذلك بأخذ العلم من مصادره الموثوقة، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (١) بل إن التربية الإسلامية في لفتها الأنظار إلى مكانة السؤال تجعل ضرورته للمتعلم كالدواء للمريض، قال ﷺ: "إنما شفاء العي السؤال".
(٢) - تشجيع المتعلمين على السؤال
إن توجيه الأسئلة له فوائده الإيجابية للمتعلم والمعلم على حد سواء وإن وجود الأسئلة الكثيرة في القرآن الكريم والإجابة عليها في ضوء المنهج القرآني الحكيم يدل دلالة واضحة على ضرورة أن يتيح المعلم الفرصة للمتعلمين أن يسألوا وأن يحسن استثمار أسلوب السؤال في تعليمهم وتربيتهم.
وقد سبق أن بينّا موقف القرآن من السؤال وترغيبه فيه وحثه وتشجيعه عليه بما يوضح تمام الإيضاح أن من أوجب واجبات المعلم أن يشجع المتعلمين على طرح أسئلتهم واستفساراتهم، وأن يسمح لهم بمناقشته ومحاورته، وأن يتقبل أسئلتهم بوجه بشوش وروح طيبة.
(٣) - التوجيه إلى طرح الأسئلة الهامة
_________________
(١) سورة النحل: آية: ٤٣.
[ ٤٢ / ٥٩ ]
إن من أهم واجبات المعلم تجاه تلاميذه أن يلفت انتباههم إلى توجيه الأسئلة الهامة وذات العلاقة بموضوع الدرس وترك ما عدا ذلك. وقد وجه القرآن النبي ﷺ أن يرشد أمته إلى سلوك المنهج السديد في طرح الأسئلة، وذلك بالسؤال عما ينفع وترك السؤال عما لا ينفع أو ما قد يجلب الإساءة للسائل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ (٣) .
وقد استنبط بعض المفسرين توجيه القرآن إلى طرح الأسئلة المهمة وترك ما عداها من قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (٤) .
فقال: "هناك تفسير يتجه بهذه الفقرة من الآية ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ وهو أنهم في سؤالهم عن تغير الهلال عكسوا في سؤالهم، فسألوا عما لا يعنيهم ولا يفيدهم، فهم بمثابة من يأتي البيوت من ظهورها، وكان الأولى أن يأتوها من أبوابها فيسألوا عما يعنيهم وينفعهم في أمر دينهم ودنياهم".
(٤) - عدم إرهاق المتعلمين بالأسئلة
_________________
(١) سورة المائدة: آية: ١٠١.
(٢) سورة الإسراء: آية: ٨٥.
(٣) سورة الأعراف: آية: ١٨٧.
(٤) سورة البقرة: آية: ١٨٩.
[ ٤٢ / ٦٠ ]
وذلك بتوجيه صعاب المسائل إليهم، فينبغي للمعلم أن يختار المسائل الميسرة ويتجنب الصعبة منها، وذلك تيسيرًا للمتعلمين وتشجيعًا لهم للإقبال على التعلم، وفي قصة موسى مع العبد الصالح توجيه إلى هذا المعنى، قال تعالى: ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (١) قال الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: "ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم، العفو منها، وما سمحت به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون، أو يشق عليهم ويرهقهم، فإن هذه مدعاة إلى النفور منه والسآمة بل يأخذ المتيسر له ليتيسر له الأمر". وقال القاضي أبو السعود في معنى عسرا: "أي لا تعسر عليّ متابعتك ويسرها عليّ بالإغضاء وترك المناقشة". وفي المسند أن النبي ﷺ: "نهى عن الأغلوطات" (٢) قال الأوزاعي: "الأغلوطات: شداد المسائل وصعابها".
(٥) - توجيه المتعلمين بعدم التعجل في طرح الأسئلة
فمن حق المعلم - كما بيّن القرآن الكريم - أن يوجه تلاميذه إلى عدم التعجل في طرح أسئلتهم وأن يتريثوا ويصبروا حتى يفرغ مما هو بصدده ثم يسألوا بعد ذلك، قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (٣) قال الشيخ السعدي: "من فوائد هذه الآية أن المعلم إذا رأى المصلحة في إيزاعه للمتعلم أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء حتى يكون المعلم هو الذي يوقفه عليها، فإن المصلحة تتبع، كما إذا كان فهمه قاصرًا، أو نهاه عن الدقيق في سؤال الأشياء التي غيرها أهم منها أو لا يدركها ذهنه، ويسأل سؤالًا لا يتعلق بموضوع البحث".
(٦) - عدم الإجابة على كل سؤال
_________________
(١) سورة الكهف: آية: ٧٣.
(٢) المسند: ٥/٤٣٥.
(٣) سورة الكهف: آية: ٧٠.
[ ٤٢ / ٦١ ]
فلا يلزم المعلم أن يلم بجميع المعلومات والحقائق الخاصة بالمادة أو الدرس، بحيث يجيب على كل سؤال من أسئلة المتعلمين، وإذا كان الله لم يعطِ هذه السعة في العلم لأنبيائه ﵈، فمن باب أولى ألا تعطى لغيرهم. وقد ذكر الإمام الشوكاني في سبب ذكر قصة موسى والخضر في سورة الكهف: "أن اليهود لما سألوا النبي ﵌ عن قصة أصحاب الكهف وقالوا: إن أخبركم فهو نبي وإلا فلا، ذكر الله قصة موسى والخضر تنبيهًا على أن النبي لا يلزمه أن يكون عالمًا بجميع القصص والأخبار".
ومن ثم فإنه لا يقدح في مكانة المعلم ولا يقلل من قدره ألا يجيب على بعض أسئلة المتعلمين، ومما يجدر ذكره هنا أن بعض التلاميذ قد يوجه أسئلة بهدف إضاعة الوقت أو إشغال المعلم عن سؤال التلاميذ.
كما أن بعض التلاميذ قد يسأل أسئلة بعيدة كل البعد عن موضوع الدرس.
(٧) - رد العلم فيما لا يعلم إلى الله
ومن آداب المعلم تجاه أسئلة المتعلمين أن يقول لما لا يعلم الله أعلم. وقد ذكر المفسرون أن سبب رحيل موسى إلى الخضر أنه لما سئل أي الناس أعلم؟ لم يرد العلم إلى الله، بل قال أنا أعلم، فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إليه، وبين له أن هناك من هو أعلم منه وأمره بالسير إليه. ولذلك ينبغي للمعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يرد العلم إلى الله تمسكًا بهذا الأدب الرفيع الذي وجه إليه الإسلام، عن ابن مسعود قال: "إن من علم المرء أن يقول لما لا يعلم الله أعلم" وعن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ إمام المسلمين وسيد العالمين يسأل عن الشيء، فلا يجيب حتى يأتيه الوحي" وعن ابن وهب قال: "لو كتبنا عن مالك لا أدري لملأنا الألواح" وقال مالك: "كان ابن عباس يقول: "إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله".
(٨) - الحرص على التزود الدائم بالعلم
[ ٤٢ / ٦٢ ]
إن تزود المعلم الدائم والمستمر بالمعلومات والحقائق العلمية يعينه في دروسه وتعليمه، كما يعينه على الإجابة على أسئلة المتعلمين واستفساراتهم، ولذلك أرشد القرآن إلى ضرورة التزود الدائم بالعلم، وأن الإنسان مهما أوتي من العلم يبقى في حاجة ماسة إلى المزيد منه، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٢) .
وفي رحيل موسى إلى الخضر للتعلم منه مع ما هو عليه من علم ومكانة بين الأنبياء خير دليل على ضرورة الطلب الدائم للعلم والاستزادة المستمرة منه، قال الزجاج في معرض تعليقه على رحيل موسى إلى الخضر: "فيما فعل موسى - وهو من جملة الأنبياء - من طلب العلم والرحلة في ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم وإن كان قد بلغ نهايته. وقال الشيخ السعدي: "ينبغي للفقيه المحدث إذا كان قاصرًا في علم النحو أو الصرف أو نحوه من العلوم أن يتعلمه ممن مهر فيه وإن لم يكن محدثًا ولا فقيهًا".
المبحث الخامس: خصائص السؤال في القرآن الكريم
(١) - الشمول والتنوع.
(٢) - الأهمية.
(٣) - تثبيت العقيدة وإثبات الوحدانية لله.
(٤) - بيان أفضال الله على خلقه بهدف هدايتهم إلى الحق.
(٥) - التوجيه إلى سؤال أهل العلم والخبرة.
(٦) - تنوع مصادر الأسئلة.
تمهيد:
_________________
(١) سورة طه: آية: ١١٤.
(٢) سورة الإسراء: آية: ٨٥.
[ ٤٢ / ٦٣ ]
تميز السؤال في ضوء المنهج التربوي القرآني بالعديد من المزايا والخصائص التربوية حيث تميز بالشمول، والتنوع، والتوجيه إلى القضايا والموضوعات الهامة، كما تميز باهتمامه بالجانب الإيماني الذي هو أهم جوانب الشخصية الإنسانية، كما تميز بتوجيه المتعلم إلى أحسن الطرق وأصدقها في تحصيل العلوم واكتساب المعارف، كما تميز السؤال في القرآن الكريم بتنوع مصادره وأسلوبه الفذ في التعامل مع السائلين على اختلاف معتقداتهم ودوافعهم وأغراضهم. وفيما يلي تفصيل لتلك الخصائص والمميزات.
(١) الشمول والتنوع
حيث عالجت الأسئلة القرآنية جوانب متعددة من حياة مجتمع الصدر الأول، فقد شملت:
أ - أمورًا خاصة بجانب الغيب، كالسؤال عن الساعة: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ (١) .
ب - وأمورًا خاصة بالجانب المالي، كالسؤال عن أوجه الإنفاق، والإنفاق على وجه الصدقة: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (٢) .
ج - وأمورًا خاصة بالحرب والقتال، كالسؤال عن الظروف الزمنية للقتال: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ .
د- وأمورًا خاصة ببعض ما يراد توجيهًا حاسمًا وشافيًا بصدده، مثل تعاطي الخمر والميسر: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ .
هـ - وأمورًا خاصة ببعض الفئات، كفئة اليتامى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ (٣) .
ووأمورًا خاصة بالجانب الصحي، كالجماع عند المحيض: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (٤) .
ز - وأمورًا خاصة ببعض السابقين، كالسؤال عن ذي القرنين: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ (٥) .
ح - وأمورًا خاصة بموضوعات غامضة وغير مفهومة، كالسؤال عن الروح: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ (٦) .
_________________
(١) سورة الأعراف: آية ١٨٧.
(٢) سورة البقرة: آية ٢١٥
(٣) سورة البقرة: آية ٢٢٠
(٤) سورة البقرة: آية ٢٢٢
(٥) سورة الكهف: آية ٨٣
(٦) سورة الإسراء: آية ٨٥
[ ٤٢ / ٦٤ ]
ط - وأمورًا خاصة ببعض الظواهر الكونية، كالسؤال عن الجبال: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ (١) . والسؤال عن الأهلة: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ (٢) .
وهكذا ينبغي للمعلم أن يتأسى بالمنهج التربوي القرآني في طريقته في التربية بالسؤال، فيتيح الفرصة للتلاميذ أن يسألوا فيما يعن لهم من أمور تتعلق بما يدرسونه وبما يواجهونه ويعرض لهم من مشكلات في حياتهم. كما ينبغي للمعلم أن يحرص على استخدام طريقة السؤال في مختلف خطوات درسه من تمهيد وعرض وربط وتقويم، كما يجب على المعلم أي يشمل جميع التلاميذ بأسئلته فلا يخص بها بعضهم دون البعض الآخر.
(٢) الأهمية.
وقد امتازت الأسئلة التي جاءت في القرآن الكريم بالأهمية، يدل على هذه الأهمية ما شملته تلك الأسئلة من مجالات الحياة الأساسية وما طرحته من قضايا ملحة وهامة تتعلق بحياة مجتمع الصدر الأول، وقد بينا في الخاصية الأولى المجالات التي شملتها الأسئلة القرآنية، وذكرنا بعض الموضوعات والجوانب التي تناولتها، وإن تأمل خاصية الأهمية في المنهج التربوي القرآني يوضح أن القرآن الكريم قد أرسى قاعدة تربوية عظيمة، وهي أن الأهمية لا تحصر في الدرس أو فيما يتعلق بالجانب التعليمي، بل هي أوسع من ذلك بكثير، فهي تمتد لتشمل جميع ما يهم المتعلم ويتصل بحياته، سواء كان ذلك يتعلق بما يتعلمه داخل حجرة الدراسة أم كان يتعلق بمختلف جوانب حياته ويحتاج إلى فهمه ومعرفته والإجابة عما يثيره من أسئلة واستفسارات.
(٣) تثبيت العقيدة وإثبات الوحدانية لله
_________________
(١) سورة طه: آية ١٠٥
(٢) سورة البقرة: آية ١٨٩
[ ٤٢ / ٦٥ ]
وقد استخدم القرآن السؤال كطريقة للإقناع والوصول إلى الحق الذي هو التوحيد ونبذ الباطل الذي هو الشرك، فقال تعالى منكرًا على الكفار شركهم بالله في عبادته في الوقت الذي يقرون فيه بربوبيته: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٣) وإن بإمكان المعلم أن يستثمر استخدام القرآن السؤال على هذا النحو في غرس التوحيد الخالص لله في نفوس المتعلمين فيسألهم عن خالق السموات والأرض، ومسخر الشمس والقمر، ويسألهم عمن أحي الأرض بعد موتها، ويسألهم عمن خلقهم وخلق كل شيء ويسألهم عن الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك من العبادات التي أمر الله بها، ليصل بعد هذه الأسئلة إلى نفس النتيجة التي أراد القرآن الوصول إليها من توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده وبذلك يعمل المعلم على تثبيت الإيمان الصحيح في نفوس التلاميذ معتمدًا في ذلك على أسلوب السؤال وطريقته الناجحة في رعاية الجانب الإيماني لدى المتعلمين.
(٤) بيان أفضال الله على خلقه بهدف هدايتهم إلى الحق.
_________________
(١) سورة العنكبوت: آية ٦١.
(٢) سورة العنكبوت: آية ٦٣.
(٣) سورة الزخرف: آية ٨٧.
[ ٤٢ / ٦٦ ]
وهو أسلوب يقوم على استمالة العاطفة فضلًا عن مخاطبة العقل، وذلك أن النفوس مجبولة على محبة من يحسن إليها والميل إليه، وقد استخدم القرآن هذا الأسلوب في مواضع عديدة، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلأُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٣) وإن المعلم مطالب بأن ينتفع بهذا الأسلوب القرآني وذلك بذكر تلك النعم التي بينها القرآن والتأكيد عليها في كل فرصة وفي كل مناسبة سانحة، وذلك على نحو يؤدي إلى محبة المتعلمين خالقهم وتقوية صلتهم به.
(٥) التوجيه إلى سؤال أهل العلم والخبرة
وهو أسلوب تربوي علمي يوفر الجهد والوقت، ويبني الجانب العلمي لدى المتعلم وفق أقوى الأسس وأمتنها، وذلك بأخذ العلوم والمعارف من مصادرها الصحيحة والموثوقة قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٦) كما أن التوجيه إلى سؤال أهل العلم والخبرة يرشد إلى أهمية السؤال وأنه طريقة من أهم طرق التعلم والكشف عن الحقائق والمعلومات.
(٦) تنوع مصادر الأسئلة
_________________
(١) سورة الأنعام: آية ٦٣.
(٢) سورة يونس: آية ٣١.
(٣) سورة الأنبياء: اية ٤٢.
(٤) سورة النحل: آية ٤٣.
(٥) سورة يونس: آية ٩٤.
(٦) سورة الفرقان: آية ٥٩.
[ ٤٢ / ٦٧ ]
فقد تنوعت الأسئلة في مصادرها واختلف السائلون وتنوعوا بين مسلمين ومشركين، وأعراب، وأهل كتاب، ومنافقين، وكان لكل فئة من هذه الفئات أهدافها ودوافعها من السؤال، وقد عالج القرآن الكريم كل سؤال بما يتناسب مع أغراضه ودوافعه وأجاب عن كل سؤال في ضوء منهجه الحكيم الخالد. وإن مما يجدر التنبيه إليه هنا أن المعلم المسلم في أمس الحاجة إلى المعرفة بتلك الأسئلة ومعرفة أصحابها ودوافعهم وأغراضهم ومعرفة كيفية تعامل القرآن معها، وذلك من أجل الانتفاع بهذه المعرفة في حياته التعليمية والعامة.
المبحث السادس: خصائص الإجابات القرآنية
(١) الاتصال بالواقع.
(٢) الإقناع العقلي.
(٣) التوجيه إلى التعامل مع الأمور في ضوء ما يغلب عليها من الخير أو الشر.
(٤) اغتنام الفرصة للتوجيه والإصلاح.
(٥) التوجيه إلى عدم استعظام خطأ في وقت يرتكب فيه خطأ أكبر.
(٦) مراعاة مصلحة الفرد والمجتمع.
(٧) التوجيه إلى أعمال البر والإصلاح.
(٨) التوجيه إلى عدم تبديد الطاقة العقلية.
(٩) التوسع في الإجابة أو الإنقاص منها وفق مقتضى الحال.
تمهيد:
يوصي المتخصصون في مجال التربية والتعليم بضرورة العناية بالسؤال والاستفادة منه في كافة أنشطة الدرس وخطواته وعناصره، كما يوصون بالعناية بالإجابات وأن تتوفر فيها بعض الشروط والضوابط لتؤدي الغرض المطلوب منها وتحقق الأهداف المعلقة عليها. ومن الشروط والضوابط التي ينبغي أن تتوفر في الإجابات: حسن الصياغة والوضوح، وأن تكون على قدر السؤال، وأن تبتعد عن الإساءة إلى المتعلمين والاستهزاء بهم، وأن يتوخى منها النفع والفائدة. وقد شملت إجابات الأسئلة في القرآن الكريم هذه الخصائص وغيرها كما تميزت بخصائص أخرى تدل على تفوق المنهج التربوي القرآني واحتفاظه بهذا التفوق مهما تقدم الإنسان في علومه ونشاطاته التعليمية والتربوية. ومن الخصائص التي تميزت بها الإجابات القرآنية ما يلي:
(١) - الاتصال بالواقع.
[ ٤٢ / ٦٨ ]
فقد استمدت الإجابات القرآنية من واقع السائلين ومما يدور ويجري في حياتهم فإذا سأل الناس عن الخمر والميسر تكون الإجابة بالتوجيه إلى الرجوع إلى الواقع، والنظر إلى ما تحدثه الخمر وما يؤدي إليه الميسر في واقع حياتهم، قال تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (١) .
وإذا سأل الناس عن المحيض فإن في واقع حياتهم ما يبين لهم خطورة هذا الفعل وإضراره بهم، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٢) وقد أثبتت الدراسات الطبية الحديثة أن إتيان الحائض يصيب كلًا من الرجل والمرأة بالضرر.
وكذلك الأمر بالنسبة لجميع الخبائث تثبت الدراسات والوقائع والأرقام ضررها وخطرها وبالتالي ضرورة الإقلاع عنها واجتنابها.
والمربي الناجح هو الذي يربط إجاباته على أسئلة تلاميذه بواقع حياتهم فيكون هذا الربط خير معين لهم - بعد الله عزوجل - على تقبل إجاباته والانتفاع بها.
(٢) - الإقناع العقلي
_________________
(١) سورة المائدة: آية: ٩٠،٩١.
(٢) سورة البقرة: آية: ٢٢٢.
[ ٤٢ / ٦٩ ]
وقد تميزت الإجابات العقلية بالإقناع، فهي مقنعة للعقل في مخاطبتها إياه، ولا تجد العقول السليمة غضاضة في قبولها والتسليم بها. فالعاقل يسلم بضرورة الإقلاع عن تعاطي الخمر لكثرة مضارها وقلة منافعها، وهو كذلك يأبى القيام بما يضر بصحته، كإتيان الحائض، كما أن العقلاء يبتعدون دائمًا عن الخبائث التي ترفضها فطرهم السليمة وتأباها عقولهم الرشيدة.
وهكذا ينبغي للمعلم أن يستفيد من هذه الميزة وذلك بأن يبني إجاباته على أسئلة المتعلمين على أساس من الإقناع العقلي، فيجتهد في تقديم إجابات تكون مقنعة للمتعلمين، تحظى بقبولهم إياها وانتفاعهم بها.
(٣) - التوجيه إلى التعامل مع الأمور في ضوء ما يغلب عليها من الخير والشر
فإن كان جانب الخير هو الغالب عليها أخذ بها وإلا طرحت وتركت، لأن الأخذ بها عند غلبة الشر عليها يكون فيه الوبال والخراب والدمار الذي يعم الفرد والمجتمع ويهلك الحرث والنسل. وهكذا كان التوجيه القرآني بصدد ما كان يتعاطاه العرب قبل الإسلام معتقدين النفع فيه، كتعاطي الخمر والميسر، والاحتكام إلى الأزلام (١)، وعبادة الأصنام، قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٣) .
_________________
(١) الأزلام: هي السهام التي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها.
(٢) سورة البقرة: آية: ٢١٩.
(٣) سورة المائدة: آية: ٩٠،٩١.
[ ٤٢ / ٧٠ ]
قال الحافظ ابن كثير في تفسير آية السؤال عن الخمر والميسر: "أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية، من حيث أن فيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وإخراج الفضلات، وتشحيد بعض الأذهان، ولذة الشدة المطربة التي فيها وكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وكان يقمشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين".
وهكذا ينبغي أن يحرص المربي المسلم على غرس هذا المبدأ وغيره من المبادئ الإسلامية في نفوس المتعلمين وذلك من أجل تكوين منهج صالح يسير النشء والشباب المسلم في ضوئه ويستظلون بظلاله الوارفة.
(٤) - اغتنام الفرصة للتوجيه والإصلاح
فالقرآن الكريم لم يدع فرصة السؤال عن الأهلّة تذهب دون الاستفادة منها بل رأى فيها فرصة مناسبة للتوجيه نحو السلوك الصحيح ومجانبة السلوك غير السوي. فسلامة الفطرة واستقامة الخلق وصحة العقيدة تقضي بأن تؤتى الأمور من مآتيها الصحيحة فذلك أجدر أن يؤدي إلى الخير والنفع، قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) . قال الحسن البصري - رحمه الله تعالى -: "كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرًا وخرج من بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بعد خروجه أن يقيم ويدع سفره لم يدخل البيت من بابه ولكن يتسوره من قبل ظهره". فالقرآن الكريم قد اغتنم الفرصة ووجه أولئك الأقوام إلى السلوك السوي الذي ينبغي أن يسلك، وهكذا ينبغي للمربي أن يغتنم الفرص المناسبة لتوجيه المتعلمين نحو الفضائل وتنفيرهم من الرذائل، لعل ذلك أن يطبع نفوسهم بالخصال الحميدة ويقيهم الخلال المذمومة.
_________________
(١) سورة البقرة: آية: ١٨٩.
[ ٤٢ / ٧١ ]
(٥) - التوجيه إلى عدم استعظام خطأ في وقت يرتكب فيه خطأ أكبر
فعندما سأل المشركون عن الشهر الحرام وحرمة القتال فيه بين لهم القرآن الكريم صحة ما ذهبوا إليه، ولكنه أوضح لهم - في الوقت ذاته - أن هناك أمرًا هو أعظم بكثير من الأمر الذي سألوا عنه وهو التعدي على حرمة المسجد الحرام وإخراج أهله منه، وفتنتهم بالإخراج والرد إلى الكفر هو أعظم عند الله من القتال في الشهر الحرام، قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْل﴾ (١) .
وهكذا فإنه ينبغي للمتعلم ألا يناقش في مسألة ما في وقت يقع فيه في خطأ هو أعظم من الخطأ الذي يناقش بخصوصه.
(٦) - مراعاة مصلحة الفرد والمجتمع
وقد تميزت الإجابات القرآنية بمراعاة المصلحة الفردية والاجتماعية وهذا واضح في كافة الإجابات القرآنية، وعلى سبيل المثال فإن الانتهاء عن الخمر والميسر فيه مصالح كثيرة للناس بما يقيهم من ويلات وآلام وخراب فردي واجتماعي ينتج عن تعاطي الخمر والميسر، وعدم التعدي على حقوق اليتامى يعود بالخير على اليتامى الذي هم فئة من فئات المجتمع، وعلى المجتمع أيضًا، لأن رفع الظلم وإقامة العدل من أسباب الرخاء والنهوض الاجتماعي، بينما يؤدي الظلم وهضم الحقوق إلى التقهقر والتخلف الاجتماعي.
(٧) - التوجيه إلى أعمال البر والإصلاح
والتوجيه نحو هذه الأمور ملحوظ في الإجابات القرآنية:
_________________
(١) سورة البقرة: آية: ٢١٧.
[ ٤٢ / ٧٢ ]
(أ) - فعندما كان السؤال عن الكيفية التي تنفق بها الأموال، كان التوجيه القرآني الحكيم بأن تنفق فيما يحفظ الصلات ويدعم الروابط والعلاقات ويقي مئونة الحاجة، فتنفق على الوالدين والأقربين والمساكين ونحوهم من أهل الحاجات، قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (١) .
(ب) - وتتكرر الإجابة بالأمر بالإصلاح عند السؤال عن اليتامى، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (٢) .
(٨) - التوجيه إلى عدم تبديد الطاقة العقلية
ومن خصائص الإجابات القرآنية المحافظة على الطاقات العقلية وعدم تبديدها فيما لا طائل وراءه، فالله ﷿ قد وهب الإنسان هذه الطاقة ليستخدمها فيما ينفعه في دينه ودنياه ويبتعد بها عما لا يجديه نفعًا أو يجلب التخريب والدمار.
(أ) - ومما فيه تبديد للطاقة العقلية أن يسأل عن أمور لا يستطيع العقل إدراكها وفهمها، لأنها أكبر من قدراته مهما بلغت، وأعظم من أن يصل إليها بعلومه ومعارفه، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٣) .
_________________
(١) سورة البقرة: آية: ٢١٥.
(٢) سورة البقرة: آية: ٢٢٠.
(٣) سورة الإسراء: آية: ٨٥.
[ ٤٢ / ٧٣ ]
(ب) - كما أن السؤال عن الساعة لا يجدي الإنسان شيئًا وخير من السؤال عنها الاستعداد لها بالعمل الصالح، قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ (١) وفي ضوء هذا المنهج الحكيم يتعامل المعلم مع أسئلة التلاميذ فيجيب على ما فيه نفعهم ومصلحتهم ويدع ما عدا ذلك.
(٩) - التوسع في الإجابة أو الإنقاص منها وفق مقتضى الحال
والأصل في الإجابة على الأسئلة - في القرآن الكريم والدراسات التربوية الحديثة - أن يكون الجواب على قدر السؤال. إلا أن المنهج التربوي القرآني قد فاق تلك الدراسات، وذلك بالتوجيه إلى أنه ليس من الضروري التطابق بين السؤال والجواب، وإنما يترك ذلك لمقتضى الحال، وبذلك جاءت بعض الإجابات على قدر السؤال، كما هو حال كثير من الإجابات التي تناولناها في هذا البحث، بينما جاءت بعض الإجابات أعم من أسئلتها، كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ (٢) في جواب: ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٣) كما جاءت بعض الإجابات أنقص من أسئلتها، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ (٤) في جواب: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ وذلك لأن التبديل أسهل من الاختراع، وقد نفى إمكانه فالاختراع أولى.
_________________
(١) سورة النازعات: آية: ٤٢٤٥.
(٢) سورة الأنعام: آية: ٦٤.
(٣) سورة الأنعام: آية: ٦٣.
(٤) سورة يونس: آية: ١٥.
[ ٤٢ / ٧٤ ]
ومما تميزت به الإجابات القرآنية أنه قد يعدل في الجواب عما يقتضيه السؤال تنبيهًا على أنه كان من حق السؤال أن يكون كذلك، وهو المسمى بأسلوب الحكيم، ويمثل له بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (١) فأجيبوا ببيان حكمة ذلك تنبيهًا على أن الأهم السؤال عن ذلك لا عما سألوا عنه.
ولعل هذا التنوع في الإجابة على الأسئلة يكسب المعلم حنكة ومقدرة في التعامل مع أسئلة التلاميذ والإجابة على كل سؤال منها بالطريقة المناسبة.
الخاتمة
اتضح فيما سبق من هذا البحث أهمية السؤال ومكانته التعليمية والتربوية، كما اتضحت عناية الإسلام بالسؤال والمنهج التربوي المتكامل الذي أرشد إليه لاستخدام السؤال والانتفاع به، ولعل أهم النتائج التي توصل إليها الباحث في هذا البحث ما يلي:
١- إعلاء الإسلام من شأن السؤال، وعناية نبي الإسلام ﷺ به وتشجيع أصحابه عليه.
٢- إن السؤال قد احتل مكانة بارزة في القرآن الكريم واتضاح هذه المكانة من تشجيع القرآن على السؤال وترغيب المتعلمين فيه، كما أبرز القرآن الكريم أهمية السؤال ومكانته التعليمية والتربوية من خلال الأحداث التي حفلت بها قصة موسى والخضر ﵉.
٣- إن الأسئلة القرآنية قد تميزت بخصائص ومميزات شملت مختلف جوانب شخصية المتعلم ولا سيما الجانب الإيماني منها، كما عنيت بربط المتعلم بواقعه ومشكلاته.
٤- تميزت الإجابات القرآنية بالشمول واهتمامها بحاجات المتعلم، كما تميزت باتصالها بواقعه، وعملها على تنمية شخصيته وإصلاحها.
٥- عناية العلماء والمربين المسلمين بالسؤال على امتداد التاريخ الإسلامي وتأكيدهم على أهميته ودوره الأساسي في التعليم.
_________________
(١) سورة البقرة: آية: ١٨٩.
[ ٤٢ / ٧٥ ]
٦- أهمية السؤال ودوره الهام والأساسي في كثير من الأنشطة التعليمية والتربوية وحاجة المتعلم والمعلم الضرورية إليه، وأنه جزء لا يتجزأ من الدرس والطريقة والتقويم.
٧- إن نجاح السؤال في تحقيق الأهداف المنوط به مرتهن بالآداب التي أرشد إليها القرآن الكريم ووجه المتعلمين والمعلمين إلى التحلي بها والمحافظة عليها.
٨- إن نجاح التربية بالسؤال لا يتوقف على المتعلم فحسب إذ المعلم هو كذلك طرف أساسي في تحقيق ذلك النجاح، وذلك باتباع الإرشادات والتوجيهات التي أسداها القرآن للمعلم فيما يتعلق بالأسئلة والإجابات المتعلقة به وبالمتعلمين.
وفي ضوء هذه النتائج، فإن الباحث يوصي بما يلي:
١- الاهتمام بالسؤال وإعطائه الاهتمام الذي يستحقه، ولا سيما في ضوء ما ثبت في هذا البحث من أهمية السؤال ودوره الكبير والفاعل في التربية والتعليم.
٢- التأكيد على الدور والمكانة البارزة التي أولاها الإسلام السؤال، والتي تتضح من الرجوع إلى الكتاب والسنة وآراء العلماء والمربين المسلمين.
٣- اتخاذ الطرق والأساليب الكفيلة بتمسك المتعلمين والمعلمين بآداب السؤال والجواب والتي يتم في ضوئها تحقيق الأهداف والنتائج التي تنشدها التربية الإسلامية.
٤- إجراء المزيد من الدراسات التربوية الإسلامية فيما يتعلق بالسؤال وبغيره من الجوانب والموضوعات التعليمية والتربوية، والعمل على الانتفاع بنتائج هذه الدراسات في إرساء دعائم المنهج التربوي الإسلامي داخل المؤسسات التعليمية والتربوية الإسلامية.
٥- الرجوع الدائم والمستمر إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وتدبر ما فيهما، واستنباط منهجنا التربوي والتعليمي منهما، والبحث من خلالهما عن علاج جميع مشكلاتنا.
وبعد؛ فهذا ما يسر الله لي الوصول إليه في هذا البحث، أسأله سبحانه أن يتقبله مني وأن يجعله خالصًا لوجهه، وأن يجعل فيه النفع والفائدة، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٤٢ / ٧٦ ]
فهرس المصادر والمراجع
١- القرآن الكريم.
٢- د. إبراهيم عباس نتو:
أفكار تربوية: جدة: تهامة: الطبعة الأولى: ١٤٠١هـ-١٩٨١م.
٣- أحمد بن علي بن حجر العسقلاني:
فتح الباري بشرح صحيح البخاري: تحقيق: عبد العزيز بن عبد الله بن باز: بيروت: دار المعرفة.
٤- أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني:
المسند: بيروت: المكتب الإسلامي: الطبعة الرابعة: ١٤٠٣هـ- ١٩٨٣م.
٥- إسماعيل بن عمر بن كثير:
تفسير القرآن العظيم: دار المعرفة: بيروت: الطبعة الأولى: ١٤٠٦هـ-١٩٨٦م.
٦- د. جودت الركابي:
طرق تدريس اللغة العربية: دمشق: دار الفكر: الطبعة الثانية: ١٤٠٦هـ-١٩٨٦م.
٧- د. حامد بن عبد السلام زهران:
علم نفس النمو: القاهرة: عالم الكتب: الطبعة الرابعة: ١٩٧٧م.
٨- حسين عبد الله بانبيلة:
ابن خلدون وتراثه التربوي: بيروت: دار الكتاب العربي: الطبعة الأولى: ١٤٠٤هـ- ١٩٨٤م.
٩- سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي:
سنن أبي داود: إعداد وتعليق: عزت عبيد الدعاس، عادل السيد: بيروت: دار الحديث الطبعة الأولى: ١٣٨هـ- ١٩٦٩م.
١٠- د. عبد الحميد الصيد الزنتاني:
أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية: ليبيا - تونس: الدار العربية للكتاب: ١٩٨٤م.
١١- د. عبد الحميد الهاشمي:
الرسول العربي المربي: دمشق: دار الثقافة للجميع: الطبعة الأولى: ١٤٠١هـ- ١٩٨١م.
١٢- د. عبد الرحمن صالح عبد الله:
التربية العملية أهدافها ومبادئها: عمان: دار العدوي: الطبعة الأولى: ١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م.
١٣- عبد الرحمن بن محمد بن خلدون:
مقدمة ابن خلدون: بيروت: دار القلم: الطبعة السادسة: ١٤٠٦هـ-١٩٨٦م.
١٤- عبد الرحمن بن ناصر السعدي:
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: مكة المكرمة: مؤسسة مكة للطباعة والإعلام: ١٣٩٨هـ.
١٥- عبد الرحمن النحلاوي:
أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع: دمشق: دار الفكر: الطبعة الأولى: ١٣٩٩هـ- ١٩٧٩م.
١٦- عبد العليم إبراهيم:
[ ٤٢ / ٧٧ ]
الموجه الفني لمدرسي اللغة العربية: القاهرة: دار المعارف: الطبعة الثالثة عشرة.
١٧- عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل الدارمي:
سنن الدارمي: استانبول: دار الدعوة: ١٤٠١هـ- ١٩٨١م.
١٨- عبد الله عبد المجيد بغدادي:
الانطلاقة التعليمية في المملكة العربية السعودية: جدة: دار الشروق: الطبعة الأولى: ١٤٠٢هـ- ١٩٨٢م.
١٩- د. ماجد عرسان الكيلاني:
تطور مفهوم النظرية التربوية الإسلامية: دمشق - بيروت: دار ابن كثير: الطبعة الثالثة.
٢٠- د. محب الدين أحمد أبو صالح:
أساسيات في طرق التدريس العامة: الرياض: دار الهدى للنشر والتوزيع: الطبعة الثانية: ١٤١٢هـ- ١٩٩١م.
٢١- محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني:
تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم: بيروت: دار الكتب العلمية.
٢٢- محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية:
العلم فضله وشرفه: تحقيق: علي بن حسن الحلبي الأثري: الرياض: مجموعة التحف والنفائس الدولية: الطبعة الأولى: ١٤١٦هـ-١٩٩٦م.
٢٣- محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي:
الجامع لأحكام القرآن: بيروت: دار الشآم للتراث: الطبعة الثانية.
٢٤- محمد أحمد عبد الهادي:
المربي والتربية الإسلامية: جدة: دار البيان العربي: الطبعة الأولى: ١٤٠٤هـ- ١٩٨٤م.
٢٥- محمد بن جرير الطبري:
جامع البيان عن تأويل آي القرآن: بيروت: دار الفكر: ١٤٠٥هـ- ١٩٨٤م.
٢٦- محمد صالح سمك:
فن التدريس للتربية اللغوية: القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية: ١٩٧٩م.
٢٧- د. محمد عبد العليم مرسي:
المعلم المناهج وطرق التدريس: الرياض: دار الإبداع الثقافي: الطبعة الثانية: ١٤١٥هـ- ١٩٩٥م.
٢٨- د. محمد علي البار:
هل هناك طب نبوي: جدة: الدار السعودية: الطبعة: الأولى: ١٤٠٩هـ- ١٩٨٨م
٢٩- محمد بن علي الشوكاني:
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: عالم الكتب.
٣٠- محمد بن عمر الرازي:
تفسير الفخر الرازي: بيروت: دار الفكر: الطبعة الثالثة: ١٤٠٥هـ- ١٩٨٥م.
[ ٤٢ / ٧٨ ]
٣١- محمد بن محمد العمادي:
تفسير أبي السعود: بيروت: دار إحياء التراث العربي.
٣٢- مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري:
صحيح مسلم: تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي: بيروت: دار إحياء التراث العربي.
٣٣- مناع خليل القطان:
مباحث في علوم القرآن: الرياض: مكتبة المعارف: الطبعة الثامنة: ١٤٠١هـ- ١٩٨١م.
٣٤- يحيى بن شرف النووي:
صحيح مسلم بشرح النووي: بيروت: دار الكتب العلمية.
٣٥- د. يوسف القرضاوي:
العقل والعلم في القرآن الكريم: القاهرة: مكتبة وهبة: الطبعة الأولى: ١٤١٦هـ-١٩٩٦م.
[ ٤٢ / ٧٩ ]