الفصل الثالث: سد الذرائع في توحيد المعرفة والإثبات
توحيد المعرفة والإثبات أحد نوعي التوحيد، وهو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الجلال والكمال لله ﷿، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، فلا رب سوى خالق الأرض والسماء، كما أنه لا يشبهه أحد من خلقه، لا في ذاته، ولا في صفاته وأفعاله، تعالى سبحانه وتقدس عن الشبيه والنظير٠
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا لما كان وجوب الوجود من خصائص رب العالمين، والغني عن الغير من خصائص رب العالمين، كان الاستقلال بالفعل من خصائص رب العالمين، وكان التنزه عن شريك في الفعل والمفعول من خصائص رب العالمين، ولهذا لا يستحق غيره أن يسمى خالقا، ولا ربا مطلقا ونحو ذلك، لأن ذلك يقتضي الاستقلال والانفراد بالمفعول المصنوع، وليس ذلك إلا لله وحده" ٠
وقد سدَّ الشارع الذرائع التي يمكن أن تؤدي إلى وقوع محظور في هذا النوع من التوحيد، وبيان ذلك في مبحثين كما يلي:
المبحث الأول: سد الذرائع في مضاهاة أفعال الله تعالى:
أفعال الله كثيرة، وهي مبينة أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه ورازقه، وهو الذي يحييه ويميته ويدبر أمره، وهو أمر تشهد له الفطرة، ويذعن له العقل، وقد ذكر ربنا ذلك في آيات كثيرة من كتابه، كما نفى أن يكون لأحد معه شريك في الخلق والتكوين فقال سبحانه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (١)
ويظهر احتياط الشرع لهذا النوع من التوحيد بذكر الأمثلة الآتية:
١- النهي عن تصوير ذوات الأرواح:
_________________
(١) المؤمنون / آية: ٩١.
[ ٤٤ / ٤٠ ]
نهي الإسلام عن تصوير ذوات الأرواح سدَّا لذريعة المضاهاة في أفعال الله تعالى، وهي هنا الخلق، فعن أبي هريرة – ﵁ – قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله ﷿:"ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة" (١)
قال النووي بعد ذكره لبعض الأحاديث الناهية عن التصوير:"وهذه الأحاديث صريحة في تحريم تصوير الحيوان وأنه غليظ التحريم، وأما الشجر ونحوه مما لا روح فيه، فلا تحرم صنعته ولا التكسب به وسواء الشجر المثمر وغيره، وهذا مذهب العلماء كافة إلا مجاهدا فإنه جعل الشجر المثمر من المكروه، وقال القاضي: لم يقله أحد غير مجاهد، واحتج مجاهد بقوله تعالى:"ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي، واحتج الجمهور بقوله ﷺ:"ويقال لهم أحيوا ما خلقتم"، أي اجعلوه حيوانا ذا روح كما ضاهيتم.. " ٠
وقال الشيخ/ عبد الرحمن بن حسن بعد ذكره للحديث السابق:"وقد ذكر النبي ﷺ العلة وهي المضاهاة بخلق الله، لأن الله تعالى له الخلق والأمر، فهو رب كل شيء ومليكه، وهو خالق كل شيء، وهو الذي صور جميع المخلوقات، وجعل فيها الأرواح التي تحصل بها الحياة" ٠
وقال الشيخ/ صديق حسن خان:"قال بعض أهل العلم في معنى هذا الحديث: يعني أن المصورين يدعون الإلهية في هذه السترة، لكونهم يريدون أن يصنعوا أشياء مثل ما صنعه الخالق القدير، فهم مسيئوا الأدب بالله ﷿، ودعواهم هذه كذب صريح وحجة داحضة" ٠
٢- النهي عن قول: "مطرنا بنوء كذا"
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب اللباس باب ٩٠ جـ١٠ / ٣٨٥، وكتاب التوحيد باب ٥٦ جـ ١٣ / ٥٢٨، ومسلم في كتاب اللباس باب ٢٦ جـ٣ / ١٦٧١.
[ ٤٤ / ٤١ ]
عن زيد بن خالد الجهني أنه قال:"صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف أقبل على الناس فقال:"هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب" ٠
قال الشافعي:"من قال مطرنا بنوء كذا وكذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه أمطره نوء كذا، فذلك كفر، كما قال رسول الله ﷺ، لأن النوء وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا، ولا يمطر ولا يصنع شيئا، وأما من قال مطرنا بنوء كذا، على معنى: مطرنا بوقت كذا، فإنما ذلك كقوله: مطرنا في شهر كذا، ولا يكون هذا كفرا، وغيره من الكلام أحب إلى منه" ٠
قال ابن حجر عقب نقله لكلام الشافعي السابق:"يعني حسما للمادة وعلى ذلك يحمل إطلاق الحديث" ٠
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله معلقا على كلام الشافعي:"إن كلام الشافعي لا يدل على جواز ذلك، وإنما يدل على أنه لا يكون كفر شرك، وغيره من الكلام أحسن منه، أما كونه يجوز إطلاق ذلك أولا يجوز، فالصحيح أنه لا يجوز، وإن كان القائل لذلك يعتقد أن الله هو المنزل للمطر، فهذا من باب الشرك الخفي في الألفاظ، كقوله: لولا فلان لم يكن كذا " ٠
[ ٤٤ / ٤٢ ]
.. وقال النووي:"وأما معنى الحديث، فاختلف العلماء في كفر من قال: مطرنا بنوء كذا على قولين: أحدهما: هو كفر بالله ﷾ سالب لأصل الإيمان مخرج عن ملة الإسلام، قالوا: وهذا فيمن قال ذلك معتقدا أن الكواكب فاعل مدبر منشيء للمطر، كما كان بعض أهل الجاهلية يزعم، ومن اعتقد هذا فلاشك في كفره، وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير العلماء والشافعي منهم، وهو ظاهر الحديث، قال: وعلى هذا لو قال: مطرنا بنوء كذا معتقدا أنه من الله تعالى وبرحمته، وأن النوء ميقات له وعلامة اعتبارا بالعبادة، فكأنه قال: مطرنا في وقت كذا، فهذا لا يكفر، والأظهر كراهيته، لكنها كراهة تنزيه لا إثم فيها، وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره فيساء الظن بصاحبها" ٠
قلت: الأولى النهي مطلقا عن قول هذه الكلمة سدا للذريعة، وقد بين ذلك ووضحه الشيخ سليمان فقال: "الاستسقاء بالنجوم نوعان: أحدهما أن يعتقد أن المنزل للمطر هو النجم، فهذا كفر ظاهر، إذ لا خالق إلا الله، وما كان المشركون هكذا، بل كانوا يعلمون أن الله هو المنزل للمطر، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وليس هذا معنى الحديث، فالنبي ﷺ أخبر أن هذا لا يزال في أمته، ومن اعتقد أن النجم ينزل المطر فهو كافر٠
[ ٤٤ / ٤٣ ]
الثاني: أن ينسب إنزال المطر إلى النجم، مع اعتقاده أن الله تعالى هو الفاعل لذلك المنزل له، لكن معني أن الله تعالى أجرى العادة بوجود المطر عند ظهور ذلك النجم، فحكى ابن مفلح خلافا في مذهب أحمد في تحريمه وكراهته، وصرح أصحاب الشافعي بجوازه والصحيح أنه محرم، لأنه من الشرك الخفي، وهو الذي أراده النبي ﷺ وأخبر أنه من أمر الجاهلية، ونفاه وأبطله، وهو الذي كان يزعم المشركون، ولم يزل موجودا في هذه الأمة إلى اليوم، وأيضًا فإن هذا من النبي ﷺ حماية لجناب التوحيد، وسدًّا لذريعة الشرك ولو بالعبارات الموهمة التي لا يقصدها صاحبها" ٠
المبحث الثاني: سد الذرائع في توحيد الأسماء والصفات٠
من المعلوم المقرر عند أهل السنة والجماعة أن الله ﷾ له وحده الأسماء الحسنى والصفات العلي التي لا يشاركه فيها غيره، وهم يثبتون كل ما جاء في كتاب الله، وما صح به الخبر من سنة رسول الله ﷺ من غير تشبيه وتمثيل، أو تعطيل وتأويل٠
ولأهمية السلامة في جانب الاعتقاد – ومنه الأسماء الحسنى- وبما أن أسماء الله وصفاته تحمل معنى العظمة والجلال التي لا يشارك فيها الخالق المخلوق، فقد احتاط الشارع لهذا الجانب، وسد كل طريق يؤدى إلى الخلط فيه، وهذه بعض الأمثلة:
١- إثبات علم الغيب لله وحده ونفيه عن الأنبياء والمرسلين فضلا عن غيرهم٠
من الصفات الثابتة الدالة على كمال العلم وسعة القدرة والعظمة انفراد الله ﷿ بعلم الغيب، فلا يشاركه فيه نبي مرسل ولا ملك مقرب٠ قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١)
_________________
(١) النحل / آية: ٦٥.
[ ٤٤ / ٤٤ ]
ولما كان الأنبياء والمرسلون يخبرون عن الله أمره، ويعلمون الناس شرعه بإعلام الله لهم، ومن ذلك أمور تتصل بعالم الغيب كما قال تعالى:"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احدا٠ إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا٠ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا"، فقد نفى الله عنهم علم الغيب ونص على بشريتهم وبين منزلتهم، وقرر ذلك في كتابه أكثر من موطن سدا لذريعة نسبة علم الغيب إليهم، ويظهر ذلك واضحا في سياق الآية السابقة، ويظهر أيضا في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١)
_________________
(١) الأعراف / آية: ١٨٨.
[ ٤٤ / ٤٥ ]
قال ابن كثير:"أمره الله تعالى أن يفوض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل، ولا اطلاع به على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾، قال عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن مجاهد: لو كنت أعلم متي أموت لعملت صالحا، وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقال مثله ابن جريج وفيه نظر، لأن عمل رسول الله ﷺ كان ديمة، وفي رواية كان إذا عمل عملا أثبته، فجميع عمله كان على منوال واحد، كأنه ينظر إلى الله ﷿ في جميع أحواله، اللهم إلا أن يكون المراد أن يرشد غيره إلى الاستعداد لذلك والله أعلم، والأحسن في هذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ أي من المال، وقال عبد الرحمن بن زين بن أسلم: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ْ﴾ قال: لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون واتقيه، ثم أخبر أنه إنما هو نذير وبشير أي نذير من العذاب وبشير للمؤمنين بالجنات، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (١)
_________________
(١) تفسير ابن كثير جـ٢ / ٥٢٦، ٥٢٧.
[ ٤٤ / ٤٦ ]
.. وللشيخ محمد رشيد رضا كلام جميل في هذه الآية بين فيه أن الناس قد افتتنوا بمن اصطفاهم الله من الأنبياء والمرسلين وغلوا فيهم، فكان هذا السياق الكريم بهذه الصورة ردا عليهم، كما بينت حقيقة أمر النبي ﷺ، وأنه بشر لا يرفع إلى مرتبة الألوهية كما تجب طاعته، لأنه رسول رب العالمين، وفى ذلك يقول:"أي قل أيها الرسول للناس فيما تبلغه من أمر دينهم إنني لا أملك لنفسي -أي ولا لغيري بالأولى – جلب نفع مّا في وقت مَّا، ولا دفع ضرر مَّا في وقت مَّا كما أنه لا يملك شيئا من علم الغيب الذي هو شأن الخالق دون المخلوق كما يأتي بيانه في تفسير الجملة التالية، والاستثناء على هذا منفصل عما قبله مؤكد لعمومه، أي لكن ما شاء الله تعالى من ذلك كان، فهو كقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، وهذا الوجه المختار عندنا، لأن الناس قد فتنوا منذ قوم نوح بمن اصطفاهم الله ووفقهم لطاعته وولايته من الأنبياء ومن دون الأنبياء من الصالحين، ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾، والجملة استدلال على نفى علم النبي ﷺ الغيب كأنه يقول: لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ولا أعلم الغيب، ولو كنت أعلم الغيب- وأقربه ما يقع في مستقبل أيامي في الدنيا – لاستكثرت من الخير كالمال وأعمال البر ، وفيه وجه آخر: أنه مستأنف غير معطوف على ما قبله، ومعناه: وما مسني الجنون كما زعم الجاهلون، فيكون حاصل معنى الآية: نفى رفعه إلى رتبة الألوهية الذي افتتن بمثله الغلاة، أو نفى وضعه في أدنى مرتبة البشرية الذي زعمته الغواة العتاة وبيان حقيقة أمره " ٠
[ ٤٤ / ٤٧ ]
.. وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في الآية:"هذا ارتقاء في التبرؤ من معرفة الغيب ومن التصرف في العالم، وزيادة من التعليم للأمة بشيء من حقيقة الرسالة والنبوة، وتمييز ما هو من خصائصها عما ليس منها، والجملة مستأنفة ابتدائية قصد من استيفائها الاهتمام بمضمونها، كي تتوجه الأسماع إليها، ولذلك أعيد الأمر بالقول مع تقدمه مرتين في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾، ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، للاهتمام باستقلال المقول، وأن لا يندرج في جملة المقول المحكي قبله، وخص هذا المقول بالإخبار عن حال الرسول ﷺ نحو معرفة الغيب ليقلع من عقول المشركين توهم ملازمة معرفة الغيب لصفة النبوة، إعلانا للمشركين بالتزام أنه لا يعلم الغيب، وأن ذلك ليس بطاعن في نبوته حتى يستيئسوا من تحديه بذلك " ٠
٢- إثبات صفة العلم ومعية الله لخلقه مع استوائه على عرشه٠
ذكر ربنا ﷾ في كتابه استواءه على عرشه في أكثر من موضع، وهو استواء يليق بجلال الله وكماله، ومعناه عند السلف علو الله خلقه، وذكر البخاري عن أبى العاليه: استوى إلى السماء: ارتفع، وقال مجاهد: استوى: علا على العرش ٠
ودفعا لما يمكن فهمه من علو الله على خلقه أن الله بعيد من عباده، فلا يعلم ما هم عليه نصَّ سبحانه في كثير من آيات الاستواء على علمه بخلقه، وبتدبير أمر مملكته، وإحاطته بما هم عليه، كما ذكر معيته لهم مع استوائه على عرشه، حتى لا يفهم أحد أن الله حال في مخلوقاته٠
وأكتفى هنا بذكر آخر آية في القرآن الكريم أثبتت علو الله على خلقه واستوائه على عرشه، مع إثبات صفتي العلم والمعية معا، ثم أتبعها بأقوال بعض أهل العلم في معناها٠
[ ٤٤ / ٤٨ ]
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١)
قال الطبري في معنى الآية:"يقول تعالى ذكره مخبرا عن صفته، وأنه لا يخفى عليه خافية من خلقه٠ يعلم ما يلج في الأرض من خلقه، يعنى بقوله يلج: يدخل، وما يخرج منها منهم، وما ينزل من السماء إلى الأرض من شيء قط، وما يعرج فيها فيصعد إليها من الأرض، وهو معكم أينما كنتم، يقول: وهو شاهد لكم أيها الناس٠ أينما كنتم يعلمكم ويعلم أعمالكم، ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سماواته السبع، والله بما تعملون بصير " ٠
وقال ابن تيمية عن فهم السلف وتفسيرهم لمعنى المعية والقرب:" وأما القسم الرابع، فهم سلف الأمة وأئمتها، أئمة العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة، فإنهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة كله من غير تحريف للكلم، أثبتوا أن الله تعالى فوق سماواته، وأنه على عرشه بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وهو أيضا مع العباد عموما بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضا قريب مجيب ففي آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم، وكان النبي ﷺ يقول:"اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل" (٢) ٠ فهو سبحانه مع المسافر في سفره ومع أهله في وطنه، ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم.." (٣)
_________________
(١) الحديد / آية: ٤.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحج باب ٧٥ جـ٢ / ٩٧٨، وأبو داود في سننه كتاب الجهاد باب ٧٩ جـ٣ / ٧٤ وغيرهما٠
(٣) مجموع الفتاوى جـ٥/ ٢٣١، ولمزيد من التفصيل يراجع ص ٤٩٤ – ٥١٣ من الجزء المذكور٠
[ ٤٤ / ٤٩ ]
ومعية الله لخلقه تنقسم إلى قسمين: معية خاصة، وهى الواردة في مثل قول الله تعالى: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، وفى قوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١)، وهذه المعية تقتضى النصر والتأييد والحفظ والإعانة، وهى للمؤمنين، ومعية عامة تتعلق بالناس جميعا، وهى الواردة في مثل قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٢)، وهذه المعية تقتضى علمه واطلاعه ومراقبته لأعمالهم ٠
وقد ذكر القاسمي عن ابن قدامة المقدسي أنه قال:"إن ابن عباس والضحاك ومالك وسفيان وكثيرا من العلماء قالوا في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أي علمه، ثم قد ثبت بكتاب الله والمتواتر عن رسول الله ﷺ وإجماع السلف أن الله تعالى في السماء على عرشه، وجاءت هذه اللفظة محفوفة بها دلالة على إرادة العلم منها، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾، ثم قال في آخرها: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فبدأها بالعلم وختمها به، ثم سياقها لتخويفهم بعلم الله تعالى بحالهم، وأنه ينبئهم بما علموا يوم القيامة ويجازيهم عليه، وهذه قرائن كلها دلالة على إرادة العلم." ٠
_________________
(١) التوبة / آية: ٤٠.
(٢) المجادلة / آية: ٧.
[ ٤٤ / ٥٠ ]
وقال عبد الرحمن السعدي: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، وهذه المعية، معية العلم والاطلاع، ولهذا توعد ووعد بالمجازاة بالأعمال بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أي: هو تعالى بصير بما يصدر منكم من الأعمال، وما صدرت عنه تلك الأعمال" ٠
وقال الشيخ محمد بن عثيمين بعد كلام له عن آية سورة الحديد:"فيكون ظاهر الآية أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده وبصره بأعمالهم مع علوه عليهم، واستوائه على عرشه، لا أنه سبحانه مختلط بهم، ولا أنه معهم في الأرض، وإلا لكان آخر الآية مناقضا لأولها الدال على علوه واستوائه على عرشه" ٠
الفصل الرابع: سد الذرائع المتعلق بالنبوة والرسالة٠
المبحث الأول: تأييد الأنبياء بمعجزات لا تحصل لغيرهم٠
اختص الله ﷾ أنبياءه ورسله بآيات، بينات وبراهين ساطعات تدل على صدقهم وتوجب اتباعهم ويطلق عليها المعجزات، وإن كان الدليل على صدق الأنبياء لا ينحصر في المعجزات، إلا أنها من الأدلة الصحيحة على ثبوت النبوة، وما أجرى على يد الأنبياء من المعجزات لا يقع لغيرهم بحال وذلك سدَّا لذريعة تكذيبهم، والاختلاف عليهم والكفر بما أرسلوه به، وحتى يتميزوا عن الكاذبين٠
يقول ابن تيمية:"ولهذا يجب في آيات الأنبياء أن لا يعارضها من ليس بنبي، فكل ما عارضها صادرا ممن ليس من جنس الأنبياء فليس من آياتهم، ولهذا طلب فرعون أن يعارض ما جاء به موسى لما ادَّعى أنه ساحر، فجمع السحرة ليفعلوا مثل ما يفعل موسى، فلا تبقى حجته مختصة بالنبوة، وأمرهم موسى أن يأتوا أولا بخوارقهم، فلما أتت وابتلعتها العصا التي صارت حية، علم السحرة أن هذا ليس من جنس مقدورهم فآمنوا إيمانا جازما" ٠
[ ٤٤ / ٥١ ]
.. ويقول أيضا:"وخوارق الأنبياء لا يمكن غيرهم أن يعارضها ولا يمكن أحدا إبطالها، لا من جنسهم ولا من غير جنسهم، فإن الأنبياء يصدق بعضهم بعضا، فلا يتصور أن نبيا يبطل معجزة آخر وإن أتى بنظيرها فإنه يصدقه، ومعجزة كل منهما آية له وللآخر أيضا، كما أن معجزات أتباعهم آيات لهم بخلاف خوارق السحرة، فإنها تدل على أن صاحبها ساحر، يؤثر آثارا غريبة مما هو فساد في العالم، ويسر بما يفعله من الشرك والكذب والظلم، ويستعين على ذلك بالشياطين، فمقصوده الظلم والفساد، والنبي مقصوده العدل والصلح، وهذا يستعين بالشياطين، وهذا بالملائكة وهذا يأمر بالتوحيد لله وعبادته وحده لا شريك له، وهذا إنما يستعين بالشرك وعبادة غير الله، وهذا يعظم إبليس وجنوده وهذا يذم إبليس وجنوده" ٠
والقرآن الكريم هو أعظم معجزات النبي ﷺ إلى يوم الدين، وأهم دليل على ثبوت نبوته ﷺ، وقد تحدى الله به الإنس والجن مجتمعين على أن يأتوا بمثله، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلا٠
يقول البيهقي:"فأما "العلم"الذي اقترن بدعوته ولم يزل يتزايد أيام حياته، ودام في أمته بعد وفاته، فهو القرآن العظيم، المعجز المبين، وحبل الله المتين، الذي هو كما وصفه به من أنزله فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١)
_________________
(١) دلائل النبوة للبيهقى جـ١ / ١٠، والآيات من سورة فصلت ٤١، ٤٢.
[ ٤٤ / ٥٢ ]
.. ومع تأييد الله لنبيه بالآيات المختلفة إلا أنه لم يجب المشركين إلى ما طلبوه من آيات لم يرد الله أن تكون لهم، وذلك سدا لذريعة التكذيب بها، فيهلكم الله، كما هي سنته في ذلك قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ (١)
قال ابن جرير في تفسيره:"يقول تعالى ذكره: وما منعنا يا محمد أن نرسل بالآيات التي سألها قومك إلا أن من كان قبلهم من الأمم المكذبة سألوا ذلك مثل سؤالهم، فلما أتاهم ما سألوا كذبوا رسلهم فلم يصدقوا مع مجيء الآيات فعوجلوا، فلم نرسل إلى قومك بالآيات، لأنا لو أرسلنا بها إليهم فكذبوا بها سلكنا في تعجيل العذاب لهم مسلك الأمم قبلها"، ثم ساق روايات كثيرة في سبب نزول هذه الآية منها ما ذكره ابن عباس – ﵁- قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحى عنهم الجبال فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم، قال: بل نستأني بهم، فأنزل الله الآية.." (٢)
المبحث الثاني: النهى عن المفاضلة بين الأنبياء سدا لذريعة الانتقاص من أحدهم٠
_________________
(١) الإسراء / آية: ٥٩.
(٢) جامع البيان في تفسير القرآن جـ١٥/ ٧٤.
[ ٤٤ / ٥٣ ]
.. دل القرآن الكريم على أن الله فضل بعض النبيين على بعض كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ومع هذا وردت أحاديث صحيحة تنهى عن تفضيل بعض النبيين على بعض كما جاء في حديث أبى هريرة – ﵁ – قال:"بينما يهودي يعرض سلعته أعطى بها شيئا كرهه، فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فقام فلطم وجهه، وقال: تقول والذي اصطفى موسى على البشر والنبي ﷺ بين أظهرنا؟ فذهب إليه فقال: أبا القاسم، إن لي ذمة وعهدا، فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: لم لطمت وجهه؟ فذكره، فغضب النبي ﷺ حتى رؤى في وجهه، ثم قال: لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدرى أحوسب بصعقته يوم الطور، أم بعث قبلي"
وعن ابن عباس – ﵄ – عن النبي ﷺ قال:"ما ينبغي لعبد أن يقول: "إني خير من يونس بن متى٠ ونسبه إلى أبيه" ٠
وهذه الأحاديث لا تعارض آية التفضيل المذكورة آنفا، وينبغي أن يحمل النهى الوارد فيها عن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية، سدا لذريعة الانتقاص من المفضول٠
قال النووي: قال العلماء: هذه الأحاديث تحتمل وجهين
أحدهما: أنه ﷺ قال هذا قبل أن يعلم أنه أفضل من يونس، فلما علم ذلك قال:"أنا سيد ولد آدم.." (١)
والثاني: أنه ﷺ قال هذا زجرا عن أن يتخيل أحد من الجاهلين شيئا من حط مرتبة يونس ﷺ (٢)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب السنة باب ١٤جـ٥ /٢٥٤ وابن ماجة في كتاب الزهد باب ٣٧ جـ٢ /١٤٤٠.
(٢) شرح النووي على مسلم جـ١٥ / ١٣٢.
[ ٤٤ / ٥٤ ]
.. وقد ذكر القرطبي أقوالًا كثيرة لأهل العلم في هذه المسألة منها:"إنما نهى عن الخوض في ذلك، لأن الخوض في ذلك ذريعة إلى الجدال، وذلك يؤدى إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر ويقل احترامهم عند المماراة" ٠
وقال ابن حجر: قال العلماء:"إنما قال ﷺ ذلك تواضعا٠ إن كان قاله بعد أن أعلم أنه أفضل الخلق، وإن كان قاله قبل علمه بذلك فلا إشكال، وقيل: خص يونس بالذكر لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له، فبالغ في ذكر فضله لسد هذه الذريعة" ٠
وقال شارح الطحاوية بعد أن ذكر حديث أبى هريرة السابق:"فكيف يجمع بين هذا وبين قوله ﷺ:"أنا سيد ولد آدم ولا فخر"، فالجواب: أن هذا كان له سبب ،لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كان مذموما، بل نفس الجهاد إذا قاتل الرجل حمية وعصبية كان مذموما، فإن الله حرم الفخر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (٢)، فعلم أن المذموم إنما هو التفضيل على وجه الفخر، أو على الانتقاص بالمفضول" ٠
_________________
(١) الإسراء / آية: ٥٥.
(٢) البقرة / آية: ٢٥٣.
[ ٤٤ / ٥٥ ]
.. وقد جاء في أبحاث اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ما يلي:" ومن هذا القبيل تفضيل بعض الأنبياء على بعض، هو نفسه جائز، فقد فضل الله بعضهم على بعض ورفع بعضهم درجات، ولكنه يمنع حينما يجر إلى الفتنة والعصبية ، وقد تخاصم مسلم ويهودي في العهد النبوي، ولطم المسلم وجه اليهودي، لأنه أقسم بالذي اصطفى موسى على العالمين وأقسم المسلم بالذي اصطفى محمدا على العالمين ، فلما بلغت الخصومة خاتم النبيين ﷺ غضب حتى عرف الغضب في وجهه، وقال:"لا تخيروني على موسى"، ثم أثنى عليه بما هو أهله، ونهاهم أن يفضلوا بين أنبياء الله سدا لذريعة الفتن، وحرصا على وقارهم – صلوات الله وسلامه عليهم- ، وإذا كانت الدول تشدد في سد الذرائع، وترى ذلك ركنا من أركان السياسة والأمن والنظام والمعاملات الدنيوية، فإنه في العقائد أخلق وفى مقام النبوة أوجب وأحق" ٠
المبحث الثالث: إرسال المرسلين بلسان أقوامهم ليعقلوا خطابهم٠
أرسل الله أنبياءه ورسله باللسان الذي يتكلم به المرسل إليهم، حتى يعرفوا خطابه ومراده منه، ولئلا يتعللوا بعدم الفهم له، فكان الإرسال بهذه الطريقة سدا لذريعة تكذيبهم بحجة عدم الفهم عنهم٠ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١)
واختص الله نبينا محمدا ﷺ بإرساله إلى الناس كافة من العرب والعجم، كما هو مرسل إلى الجن أيضا، ولا حجة لغير العرب في ذلك، لأن الله قيض لدينه من ينشره إلى غير العرب بلسانهم وأقيمت الحجة عليهم بذلك٠
_________________
(١) إبراهيم / آية: ٤.
[ ٤٤ / ٥٦ ]
.. قال القرطبي: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾ أي قبلك يا محمد ﴿إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾، أي بلغتهم، ليبينوا لهم أمر دينهم ، ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه الآية، لأن كل من ترجم له ما جاء به النبي ﷺ ترجمة يفهمها لزمته الحجة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (١)
وقال ابن تميمة:"وأما كون القرآن أنزل باللسان العربي وحده فعنه أجوبة: أحدهما: أن يقال: والتوراه إنما أنزلت باللسان العبري وحده..، وكذلك سائر الكتب لا ينزلها الله إلا بلسان واحد، بلسان الذي أنزلت عليه، ولسان قومه الذين يخاطبهم أولا، وسائر الأنبياء إنما يخاطبون الناس بلسان قومهم الذي يعرفونه أولا، ثم بعد ذلك تبلغ الكتب وكلام الأنبياء لسائر الأمم، إما أن يترجم لمن لا يعرف لسان ذلك الكتاب، وإما بأن يتعلم الناس لسان ذلك الكتاب فيعرفون معانيه" ٠
وقال ابن كثير:"هذا من لطفه تعالى بخلقه: أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن عمر بن ذر قال: قال مجاهد: عن أبى ذر قال: قال رسول الله ﷺ "لم يبعث الله نبيا إلا بلغة قومه"..، وقد كانت هذه سنة الله في خلقه: أنه ما بعث نبيا في أمة إلا أن يكون بلغتهم، فاختص كل نبى بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم، واختص محمد بن عبد الله رسول الله بعموم الرسالة إلى سائر الناس " ٠
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن جـ٥ / ٣٥٦٩.
[ ٤٤ / ٥٧ ]
.. وقال القاسمي في تفسيره:"فإن قلت: لم يبعث رسول الله ﷺ إلى العرب وحدهم، وإنما بعث إلى الناس جميعا، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة قلت: لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة، لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل، فبقى أن ينزل بلسان واحد، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم أقرب إليه، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر، قامت التراجم ببيانه وتفهمه، كما ترى الحال وتشاهد من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم" ٠
وفى صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ:"أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي " وذكر منها:"وبعثت إلى كل أحمر وأسود.."٠
قال النووي في شرحه:"قيل المراد بالأحمر البيض من العجم وغيرهم، وقيل المراد بالأسود السودان، وبالأحمر من عداهم من العرب وغيرهم، قيل الأحمر الإنس، والأسود الجن، والجميع صحيح فقد بعث إلى جميعهم" ٠
المبحث الرابع: نهى المؤمنين عن مخاطبة النبي ﷺ بلفظ "راعنا"٠
[ ٤٤ / ٥٨ ]
.. كان المؤمنون يقولون كلمة "راعنا"للنبي ﷺ ويقصدون بها معنى صحيحا وهو: راعنا سمعك، أي اسمع لنا ما نريد أن نسأل عنه، ونراجعك فيه القول لنفهمه عنك، ولكن اليهود كانوا يقولونها ويقصدون بها الحط من مقام النبي ﷺ فكانوا يقولون:"راعنا"، من المراعاة، وهى تقتضى المشاركة في الرعاية، أيس: ارعنا نرعك، وفى خطاب النبي ﷺ بذلك من سوء الأدب ما هو ظاهر، أو أنهم كانوا يميلون ألسنتهم في نطق هذه الكلمة لتؤدى معنى آخر مشتقا من الرعونة فنهاهم الله ﷿ أن يقولوا لنبيه ﷺ هذه الكلمة سدَّا لذريعة الانتقاص من قدره ﷺ وأمرهم أن يتخيروا من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أفضلها٠
قال ابن تيمية:"إنه سبحانه منع المسلمين من أن يقولوا للنبي ﷺ "راعنا"مع قصدهم الصالح لئلا يتخذه اليهود ذريعة إلى سبه ﷺ، ولئلا يتشبه بهم، ولئلا يخاطب بلفظ يحتمل معنى فاسدا" ٠
وقال ابن كثير:"نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالتهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يُعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقص – عليهم لعائن الله -، فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا ٠ يقولون: راعنا، يورون بالرعونة، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾، وكذلك جاءت الأحاديث بالأخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون:"السام عليكم"والسام هو: الموت، ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بـ "وعليكم" وأنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا" ٠
[ ٤٤ / ٥٩ ]
.. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي:"كان المسلمون يقولون حين خطابهم للنبي ﷺ عند تعلمهم أمر الدين: "راعنا"، أي: ارع أحوالنا، فيقصدون بها معنى صحيحا، وكان اليهود يريدون بها معنى فاسد، فانتهزوا الفرصة فصاروا يخاطبون الرسول بذلك، ويقصدون المعنى الفاسد، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة، سدا لهذا الباب، ففيه النهى عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم" ٠
الفصل الخامس: سد الذرائع المتعلق بالإمامة والخروج على الحاكم٠
المبحث الأول: وجوب تنصيب إمام واحد والاجتماع عليه٠
من المعلوم أن الإمامة شرعت لحفظ الدين وسياسة الدنيا به ومن هنا دعا الإسلام إلى وجود إمام واحد تجتمع عليه القلوب، وتكون به الجماعة، وتعدد الأئمة مدعاة للتفرق والاختلاف، لما يمكن أن يقع بينهم من تناحر وشقاق، لذا كان من شريعة الإسلام الدعوة إلى إمام واحد سدَّا لذريعة التفرق والاختلاف، وها هي بعض الأدلة على ذلك من القرآن والسنة:
أولًا: أدلة القرآن الكريم٠
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٠
في هاتين الآيتين الكريمتين يأمر الله جماعة المؤمنين بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ والاجتماع على كلمته وعدم مخالفته، حتى لا يحدث نزاع بينهم فيقع ما حذرت منه الآيتان٠
[ ٤٤ / ٦٠ ]
.. يقول الشيخ رشيد رضا في شرحه للآية الثانية:"أطيعوا الله في هذه الأوامر المرشدة إلى أسباب الفلاح في القتال وفى غيرها، وأطيعوا رسوله فيما يأمر به وينهى عنه من شؤون القتال وغيرها من حيث أنه المبين لكلام الله الذي أنزل إليه على ما يريده تعالى منه، والمنفذ له بالقول والعمل والحكم، ومنه ولاية القيادة العامة في القتال، فطاعة القائد العام هي جماع النظام الذي هو ركن من أركان الظفر " ٠
وقال القاسمي في تفسيره بعد شرحه للآية:"تنبيه: قال بعض المفسرين في قوله تعالى: وَلا تَنَازَعُوا فَتَ أي: لا تختلفوا فيما أمركم به من الجهاد، بل ليتفق رأيكم، قال: ولقائل أن يقول: استثمر من هذا وجوب نصب أمير على الجيش ليدبر أمرهم ويقطع اختلافهم، فإنه بلزوم طاعته ينقطع الاختلاف وقد فعله ﷺ في السرايا، وقال: "اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي" ٠
ثانيًا: أدلة السنة النبوية:
١- عن أبى هريرة – ﵁- عن النبي ﷺ قال:"كانت بنوا إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدى، وستكون خلفاء فيكثرون، قالوا فما تأمرنا٠ قال: فوا ببيعة الأول فالأول٠ أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم" (١)
٢- عن أبى سعيد الخدري – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" (٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب ٥٠ جـ٦ / ٤٩٥، ومسلم في كتاب الإمارة باب ١٠ جت٣/ ١٤٧١.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة باب ١٥ جـ٣ / ١٤٨٠.
[ ٤٤ / ٦١ ]
قال النووي في شرح الحديث الأول:"ومعنى هذا الحديث: إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها، وبيعة الثانية باطلة يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها ، واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا، وقال إمام الحرمين في كتابه الإرشاد: قال أصحابنا لا يجوز عقدها لشخصين، قال: وعندي أنه لا يجوز عقدها لاثنين في صقع واحد، وهذا مجمع عليه، قال: فإن بعد ما بين الإمامين وتخللت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال ٠ قال: وهو خارج من القواطع وحكى المازري هذا القول عن بعض المتأخرين من أهل الأصول وأراد به إمام الحرمين وهو قول فاسد مخالف لما عليه السلف والخلف ولظواهر إطلاق الأحاديث٠ والله أعلم" ٠
وقال ابن حجر:"فوا" فعل أمر من الوفاء، والمعنى: أنه إذا بويع لخليفة بعد خليفة، فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة" ٠
وقال ابن تيمية:"إنه ﷺ سنَّ الاجتماع على إمام واحد في الإمامة الكبرى وفى الجمعة والعيدين والاستسقاء وفى صلاة الخوف وغير ذلك مع كون إمامين في صلاة الخوف أقرب إلى حصول الصلاة الأصلية، لما في التفريق من خوف تفريق القلوب وتشتت الهمم، ثم إن محافظة الشارع على قاعدة الاعتصام بالجماعة وصلاح ذات البين وزجره عما قد يفضى إلى ضد ذلك في جميع التصرفات لا يكاد ينضبط، وكل ذلك يشرع لوسائل الألفة وهى من الأفعال، وزجر عن ذرائع الفرقة وهى من الأفعال أيضًا" ٠
[ ٤٤ / ٦٢ ]
وقال ابن القيم:"إن الشارع أمر بالاجتماع على إمام واحد في الإمامة الكبرى، وفى الجمعة والعيدين والاستسقاء وصلاة الخوف، مع كون صلاة الخوف بإمامين أقرب إلى حصول صلاة الأمن، وذلك سدا لذريعة التفريق والاختلاف والتنازع، وطلبا لاجتماع القلوب وتألف الكلمة، وهذا من أعظم مقاصد الشرع، وقد سد الذريعة إلى ما يناقضه بكل طريق، حتى في تسوية الصف في الصلاة، لئلا تختلف القلوب، وشواهد ذلك أكثر من أن تذكر ٠
المبحث الثاني: ترك الخروج على الحاكم وطاعته في غير معصية الله٠
يرى أهل السنة والجماعة عدم الخروج على الحاكم المسلم الظالم الجائر، ما لم يصل ظلمه وجوره إلى الكفر البواح، وذلك سدا لمفسدة الخروج عليه، وما يترتب عليه من إراقة للدماء، وانتشار الفوضى في البلاد وبين العباد والأدلة على ذلك من السنة ما يلي:
١- حديث عبادة بن الصامت – ﵁ – قال:"بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان" ٠
٢- عن عوف بن مالك الأشجعي – ﵁- قال:"سمعت رسول الله ﷺ يقول:"خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنوهم ويلعنونكم، قالوا: قلنا: يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك، قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولى عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة" ٠
وقد وردت أحاديث كثيرة حول هذا المعنى وهى تفيد: ترك الخروج على الأئمة، ووجوب الطاعة في المعروف، وعدم طاعته في المعصية مع كراهة ما يأتي منها٠وقد ذهب إلى القول والعمل بهذه الأحاديث أهل السنة والجماعة ٠
[ ٤٤ / ٦٣ ]
قال النووي في شرحه لحديث عبادة السابق ذكره:"ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته.. قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه" ٠
وقال ابن تيمية:"وقد استفاض وتقرر في غير هذا الموضع – ما قد أمر به ﷺ - من طاعة الأمراء في غير معصية الله ومناصحتهم والصبر عليهم في حكمهم وقسمهم، والغزو معهم والصلاة خلفهم ونحو ذلك من متابعتهم في الحسنات التي لا يقوم بها إلا هم، فإنه من باب التعاون على البر والتقوى، وما نهى عنه من تصديقهم بكذبهم وإعانتهم على ظلمهم وطاعتهم في معصية الله ونحو ذلك مما هو من باب التعاون على الإثم والعدوان..، ولا يزال المنكر بما هو أنكر منه، بحيث يخرج عليهم بالسلاح، وتقام الفتن كما هو معروف من أصول أهل السنة والجماعة، وكما دلت عليه النصوص النبوية في ذلك من الفساد الذي يربى على فساد ما يكون من ظلمهم، بل يطاع الله فيهم وفى غيرهم، ويفعل ما أمر به ويترك ما نهى عنه" ٠
وقال الحافظ ابن حجر:"وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء" ٠
وقال ابن القيم:"نهى النبي ﷺ عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة- وإن ظلموا أو جاروا- ما أقاموا الصلاة، سدا لذريعة الفساد العظيم والشر الكثير بقتالهم كما هو الواقع، فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم أضعاف ما هم عليه، والأمة في بقايا تلك الشرور إلى الآن" ٠
[ ٤٤ / ٦٤ ]
وقال عبد الرحمن بن يحيى المعلمي:"وقد جرب المسلمون الخروج فلم يروا منه إلا الشر، خرج الناس على عثمان يرون أنهم يريدون الحق، ثم خرج أهل الجمل يرى رؤساهم ومعظمهم أنهم إنما يطلبون الحق فكانت ثمرة ذلك بعد اللتيا واللتي أن انقطعت خلافة النبوة، وتأسست دولة بنى أمية، ثم اضطر الحسين بن على إلى ما اضطر إليه فكانت تلك المأساة، ثم خرج أهل المدينة فكانت وقعة الحرة.." (١)
وهكذا سرد المعلمي مفاسد الخروج الكبيرة في فترة من فترات الإسلام العظيمة، مبينا ثمرات هذا الخروج وآثاره على الأمة الإسلامية لهذا جاء الشرع الحكيم بسد الباب، ووضع أئمة أهل السنة ضوابط جليلة لمنع إراقة الدماء وحفاظا على المسلمين من التمزق والضياع ٠
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.
وبعد ،
فلقد انتهت بذلك صفحات هذا البحث بفصوله الخمسة التي بينت فيها ومن خلالها بعد المقدمة والتمهيد احتياط الشرع الحكيم للدين الحق القويم الذي جاء من عند الله عز وجل٠
وقد ظهر من خلال هذه الدراسة أهمية علم التوحيد، وأهمية الحفاظ عليه، وسد كل منفذ يؤدى إلى خدشه، أو التهاون في أمره، لكونه أساس الدين وقاعدته التي يقوم عليها٠
وعلى هذا أقول: يجب على دعاة التوحيد والسنة الاهتمام الكبير بالتوحيد، ودراسته دراسة علمية قوية لتقديمه صافيا نقيا إلى البشرية، وذلك لترتفع راية التوحيد عالية خفاقة فوق كل مظاهر الشرك والوثنية، وتطهر البلاد ويخضع العباد لله الحي القيوم ﷾، وحتى ينتشر الأمن والسلام والرخاء، فبالتوحيد يتحقق للعبد ما يريد بمشيئة من له الخلق والأمر وحده٠
وعلى المسلمين جميعا الاعتصام بحبل الله، والسير على منهاج النبوة، ولا نخشى قلة السالكين، لأن العاقبة للمتقين٠
والحمد لله رب العالمين
دكتور
عبد الله شاكر
_________________
(١) التنكيل لما ورد في تأنيب الكوثري من الأباطيل جـ١ / ٩٩.
[ ٤٤ / ٦٥ ]
ثبت المصادر والمراجع
١) أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة لللالكائي تحقيق الدكتور أحمد سعد حمدان ط / ١ الناشر دار طيبة بالرياض.
٢) أضواء البيان في إيضاح القران للشيخ محمد الأمين الشنقيطي عالم الكتب / دار طيبة بالرياض بيروت.
٣) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان للإمام ابن قيم الجوزيه. بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي. الناشر مكتبة عاطف بجوار إدارة الأزهر.
٤) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزيه بتحقيق د / محمد محيي الدين عبد الحميد. ط / ١ / ١٣٧٤هـ مطبعة السعادة بمصر.
٥) الأم للامام محمد بن إدريس الشافعي مع مختصر المزني ط / ٢ ١٤٠٣ هـ دار الفكر بيروت لبنان.
٦) تفسير القران الكريم الشهير بتفسير المنار لمحمد رشيد رضا ط ٣ / ١٣٦٧ هـ دار المنار بمصر.
٧) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي بتحقيق محمد زهدي النجار مطابع الدجوي بالقاهرة.
٨) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير بتحقيق عبد العزيز غنيم وجماعة طبعة الشعب القاهرة بدون تاريخ.
٩) تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل للإمام محمد جمال الدين القاسمي بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي مطبعة عيسى الحلبي.
١٠) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد للشيخ سليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب ط/٣ـ المكتب الإسلامي.
١١) تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
١٢) التنكيل لما في تأنيب الكوثري من الأباطيل للشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي بتحقيق محمد ناصر الدين الألباني ومحمد عبد الرزاق حمزة - الناشر / دار الكتب السلفية بالقاهرة.
١٣) تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي طبعة دار الشعب بالقاهرة.
١٤) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية مطابع المجد التجارية بدون تاريخ.
[ ٤٤ / ٦٦ ]
١٥) جامع البيان في تفسير القرآن للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري - مصور عن الطبعة الأولى بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق عام ١٣٢٩هـ - القاهرة.
١٦) جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاَ من جوامع الكلم لابن رجب بتحقيق محمد عبد الرزاق الرعود ط/١/ ١٤١١هـ دار الفرقان للطبع والنشر بالأردن.
١٧) حكم تمثيل الصحابة لهيئة كبار العلماء باللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء طبعة دار أم القرى بالقاهرة بإشراف إدارة الدعوة والإعلام بالمركز العام لجماعة أنصار السنة المحمدية بالقاهرة.
١٨) دعوة التوحيد للدكتور محمد خليل هراس.ط/٢/ ١٤٠٧هـ مكتبة ابن تيمية بالقاهرة.
١٩) الدين الخالص للسيد محمد صديق حسن بتحقيق محمد زهدي النجار مكتبة دار التراث بالقاهرة.
٢٠) دلائل النبوة للبيهقي تحقيق د. عبد المعطي قلعجي ط/١/١٤٠٨هـ الناشر دار الريان للتراث.
٢١) سنن أبي داود للحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ومعه معالم السنن للخطابي بتعليق عزت الدعاس وعادل السيد.ط/١/١٣٩٤هـ دار الحديث بسوريا.
٢٢) سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي بتصحيح عبد الرحمن عثمان. ط/٣/١٤٠٧هـ مكتبة ابن تيمية بالقاهرة.
٢٣) سنن الدارمي للإمام أبي محمد بن عبد الرحمن الدارمي - طبع بعناية محمد أحمد دهمان ونشرته دار إحياء السنة النبوية بدون تاريخ.
٢٤) سنن النسائي المجتبى للحافظ أبي عبد الرحمن بن شعيب النسائي ومعه زهر الربى على المجتبى - ط/١ - ١٣٨٣هـ مطبعة مصطفى الحلبي بالقاهرة.
٢٥) سلسلة الأحاديث الصحيحة لمحمد ناصر الدين الألباني المجلد الخامس طـ /١ /١٤١٢هـ مكتبة المعارف - الرياض.
٢٦) سنن ابن ماجة للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي - الناشر المكتبة العلمية بدون تاريخ.
٢٧) سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني المجلد الأول - ط/ ٤/ ١٤٠٥هـ المكتب الإسلامي.
[ ٤٤ / ٦٧ ]
٢٨) سبل السلام شرح بلوغ المرام لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني بتحقيق إبراهيم عصر - الناشر دار الحديث بالقاهرة بدون تاريخ.
٢٩) الشريعة للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري بتحقيق محمد حامد الفقي - الناشر أنصار السنة بلاهور - باكستان.
٣٠) شرح النووي على صحيح مسلم - المطبعة المصرية ومكتبتها - بدون تاريخ.
٣١) شرح السنة للبغوي بتحقيق شعيب الأرناؤوط - ط/ ١/١٤٠٠هـ المكتب الإسلامي.
٣٢) شرح العقيدة الطحاوية بتحقيق محمد ناصر الدين الألباني - ط/٤/ ١٣٩١هـ المكتب الإسلامي.
٣٣) صحيح البخاري لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري مع شرحه فتح الباري - الناشر مكتبة الرياض الحديثة - بدون تاريخ.
٣٤) صحيح مسلم للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي - الناشر رئاسة البحوث العلمية والإفتاء بالرياض.
٣٥) صحيح سنن الترمذي للألباني - ط/١/١٤٠٨هـ المكتب الإسلامي ببيروت - الناشر مكتب التربية العربي لدول الخليج.
٣٦) صحيح سنن أبي داود للألباني - ط/١/١٤٠٩هـ الناشر مكتب التربية العربي لدول الخليج.
٣٧) طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن قيم الجوزية المطبعة السلفية بالقاهرة عام ١٣٧٦هـ.
٣٨) عون المعبود شرح سنن أبي داود لمحمد شمس الحق العظيم آبادي - ط/٣/١٤٠٧هـ مكتبة ابن تيمية بالقاهرة.
٣٩) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير لمحمد بن على الشوكاني ط/٢/١٣٨٣هـ مطبعة الحلبي بالقاهرة.
٤٠) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي ومراجعة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز.
٤١) فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد لأبي عبد الله البخاري - تأليف فضل الله الجيلاني - مطبعة المدني بالقاهرة عام ١٤٠٢هـ
[ ٤٤ / ٦٨ ]
٤٢) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى للشيخ محمد الصالح العثيمين - ط/٣/١٤٠٩هـ مركز شؤون الدعوة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
٤٣) كتاب السنة للحافظ أبي بكر عمر بن أبي عاصم الضحاك ومعه ظلال الجنة للألباني - ط/١/١٤٠٠هـ - المكتب الإسلامي.
٤٤) لسان العرب للإمام أبي الفضل جمال الدين ابن منظور - الناشر دار صادر ببيروت.
٤٥) مسند الإمام أحمد بن حنبل - الناشر المكتب الإسلامي.
٤٦) المستدرك على الصحيحين للإمام أبي عبد الله الحاكم النيسابوري بإشراف د. يوسف المرعشلي - الناشر دار المعرفة ببيروت.
٤٧) المغني لابن قدامة بتحقيق الشيخ محمد رشيد رضا - الناشر مطبعة الرياض الحديثة - بدون تاريخ.
٤٨) معجم مقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس بتحقيق عبد السلام هارون. طبعة دار الجيل ببيروت - بدون تاريخ.
٤٩) معجم البلدان لأبي عبد الله ياقوت الحموي طبعة دار صادر ببيروت عام ١٤٠٤هـ.
٥٠) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي - من مطبوعات الرئاسة العامة للإفتاء بالرياض.
٥١) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي - الناشر مكتبة القدسي بالقاهرة - بدون تاريخ.
٥٢) مجموع فتاوى ابن تيمية - جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد وابنه - مطابع دار العربية ببيروت.
٥٣) مجموع فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - إعداد وتقديم أ. د.عبد الله بن محمد الطيار والشيخ أحمد بن عبد العزيز - ط/١/١٤١٦هـ - دار الوطن بالرياض.
٥٤) مجموعة فتاوى ابن تيمية الكبرى - طبعة المطبعة الفنية - بدون تاريخ - الناشر دار المنار بالقاهرة.
٥٥) الموافقات في أصول الشريعة لأبي إسحاق الشاطبي بتحقيق الشيخ عبد الله دراز - طبع المطبعة الرحمانية بمصر - بدون تاريخ.
[ ٤٤ / ٦٩ ]
٥٦) الموسوعة الفقهية اصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت/ ط/٤/١٤١٤هـ ٥٧) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير بتحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي - المكتبة العلمية ببيروت - بدون تاريخ.
٥٨) النبوات لابن تيمية - الناشر دار الفتح بالقاهرة - بدون تاريخ.
[ ٤٤ / ٧٠ ]