الفصل الثاني
مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم (وفيه اثنا عشر مبحثا)
سنصحب - بإذن الله تعالى - الإمام أبا إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم، وسيتبيّن لنا من خلال هذه المباحث أنّ الإمام أبا إسحاق الشاطبي مفسر مؤصل لعلم التفسير، يضع القواعد والأسس التي يُعتمد عليها في فهم كتاب الله تعالى.
وكنت أود أن يكون عنوان هذا الفصل "مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أصول التفسير"، لكنّ هذا العنوان يُخرج بعض المباحث النفيسة المتعلقة بعلوم القرآن الكريم، ففضلت أن يكون العنوان شاملًا لأصول التفسير وغيره؛ إذْ لا ريبَ أنّ أصول التفسير يدخل ضمن علوم القرآن الكريم.
فإلى هذه المباحث نتركك، ونسأل الله أن ينفعنا وإيّاك بما نقرأ وندرس.
المبحث الأول: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أسباب النزول
قال رحمه الله تعالى: "معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن، والدليل على ذلك أمران:
أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن - فضلًا عن معرفة مقاصد كلام العرب - إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال، حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطِب، أو المخاطَب، أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك كالاستفهام لفظه واحد، ويدخله معان أُخر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك. وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها، ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتها مقتضيات الأحوال ومعرفة الأسباب رافعةٌ لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب
الوجه الثاني: وهو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع".
[ ٤٤ / ٣٣٣ ]
ثم ضرب أبو إسحاق الشاطبي أمثلة توضّح ما ذكره ثانيا، نذكر بعضها فيما يلي:
أ - "روى ابن وهب عن بكير، أنه سأل نافعا كيف كان رأي ابن عمر في الحروريّة؟ (١)، قال: "يراهم شرار خلق الله إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين".
ب - "ورُوي أن مروان أرسل بوابه إلى ابن عباس، وقال: قل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا، لنُعذبن أجمعون. فقال ابن عباس: مالكم ولهذه الآية؟ إنما دعا النبي ﷺ يهود فسألهم عن شيء فكتموه إيَّاه، وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه، بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم، ثم قرأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ (٢) فهذا السبب بيَّن أن المقصود من الآية غير ما ظهر لمروان".
ج - "ورُوي أن عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين، فقدم الجارود على عمر فقال: إن قدامة شرب فسكر. فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟. قال الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول. وذكر الحديث، فقال عمر: يا قدامة إني جالدُك. قال: والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني. قال عمر: ولم؟. قال: لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ (٣) الخ. فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله ".
_________________
(١) الحرورية هم الخوارج. انظر الفرق بين الفرق ص (٧٥) . وسموا بالحروريّة لأنهم نزلوا مكان-ايسمّى بذلك. انظر فتح الباري (١٢/٢٨٤) .
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨٧ - ١٨٨. والحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (٨/٢٣٣) كتاب التفسير، باب ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ ح (٤٥٦٨) .
(٣) سورة المائدة، الآية: ٩٣.
[ ٤٤ / ٣٣٤ ]
ثم قال أبو إسحاق الشاطبي: "ففي الحديثين بيان أن الغفلة عن أسباب التن-زيل تؤدِّي إلى الخروج عن المقصود بالآيات".
ثم ساق أبو إسحاق الشاطبي الأثر الذي فيه إنكار ابن مسعود على من قال: إن المقصود بالدخان في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (١) يوم القيامة، ثم ذكر قول ابن مسعود في الآية، وأن الدخان إنما كان في الدنيا استجابة لدعوة الرسول ﷺ.
ثم قال أبو إسحاق: "وهكذا شأنُ أسباب النزول في التعريف بمعاني المنزَّل، بحيث لو فقد ذكر السبب، لم يعرف من المنزل معناه على الخصوص، دون تطرق من الاحتمالات، وتوجه الإشكالات ".
ثم ساق أبو إسحاق الشاطبي عن بعض الصحابة والتابعين آثارًا تحرض طالب العلم على تعلم علم الأسباب، وتشير إلى أن علم الأسباب من العلوم التي يكون العالم بها عالما بالقرآن.
التعليق على مبحث: أسباب النزول:
هذا المبحث من المباحث المهمة في علوم القرآن الكريم، ولأهميّته فقد أفرده طائفة من العلماء بالتأليف، منهم الإمام علي بن المديني، والإمام الواحدي، وكتابه مشهور معروف، والإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه "العجاب في بيان الأسباب"قال عنه تلميذه السيوطي: "مات عنه مسوَّدة فلم نقف عليه كاملًا".
ثم ألف فيه الإمام السيوطي كتابا حافلًا موجزًا محررًا، سمّاه "لباب النقول في أسباب النزول".
ثم أفرد الشيخ مقبل بن هادي الوادعي الصحيح من أسباب النزول بمؤلف سماه "الصحيح المسند من أسباب النزول".
وأما من تكلّم على هذا المبحث ضمن مؤلّف فهم كثيرون جدًّا، فإنه لا يكاد يخلو مؤلف في التفسير من هذا المبحث، وكذلك لا يخلو كتاب بحث في علوم القرآن الكريم من هذا المبحث.
_________________
(١) سورة الدخان، الآية: ١٠.
[ ٤٤ / ٣٣٥ ]
هذا، ولا يخفى على من قرأ كلام أبي إسحاق الشاطبي أنه قد اختصر في حديثه على هذا المبحث على بعض أهمية أسباب النزول، وهو معذور في ذلك؛ إذ إن كتابه الموافقات إنما هو في أصول الفقه، وليس في علوم القرآن.
وإليك بعض ما قاله العلماء في فوائد معرفة أسباب النزول.
١ - معرفة حكمة الله تعالى، التي دعت إلى تشريع حكم من الأحكام، فيزداد المؤمن إيمانا، وتسوق الكافر إلى الإيمان والتصديق.
٢ - معرفة السبب يُعين على فهم الآية، ويدفع الإشكال عنها، ويكشف الغموض الذي يكتنف تفسيرها، وهذا أشار إليه أبو إسحاق الشاطبي، ونص عليه الواحدي، وابن دقيق العيد، وابن تيمية.
٣ - دفع توهم الحصر عما يفيد بظاهره الحصر.
٤ - تخصيص حكم ما نزل - إن كان بصيغة العموم - بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، وهي مسألة خلافية.
٥ - معرفة أن سبب النزول غير خارج عن حكم الآية إذا ورد مخصص لها.
٦ - معرفة من نزلت فيه الآية على التعيين حتى لا يشتبه بغيره، فيتهم البريء، ويبرأ المريب.
٧ - تيسير الحفظ، وتسهيل الفهم، وتثبيت الوحي في ذهن كل من يسمع الآية إذا عرف سببها؛ وذلك أن ربط الأسباب بالمسببات، والأحكام بالحوادث، والحوادث بالأشخاص والأزمنة والأمكنة، كل ذلك من دواعي تقرر الأشياء وانتقاشها في الذهن.
المبحث الثاني: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في الأقوال المحكية في القرآن الكريم
قال الإمام أبو إسحاق رحمه الله تعالى: "كل حكاية وقعت في القرآن فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها - وهو الأكثر - رد لها، أو لا، فإن وقع رد فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي وكذبه، وإن لم يقع معها رد فذلك دليل على صحة المحكى وصدقه.
[ ٤٤ / ٣٣٦ ]
أما الأول فظاهر، ولا يحتاج إلى برهان، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) فأعقب بقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُون﴾ (٣) فرد عليهم بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ (٤) .
وقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ (٥) ثم رد عليهم بأوجه كثيرة ثبتت في أثناء القرآن كقوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٦)، وقوله: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَاأَرْض﴾ (٧)، وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ (٨) الآية، وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ﴾ (٩) إلى آخره، وأشباه ذلك".
وقد ذكر أبو إسحاق أمثلة كثيرة أكتفي منها بما أوردت، ومن أراد الوقوف عليها فلينظر كتابه الموافقات.
ثم قال رحمه الله تعالى: "وأما الثاني فظاهر أيضا، ولكن الدليل على صحته من نفس الحكاية وإقرارها، فإن القرآن سُمي فرقانا، وهدىً، وبرهانا، وبيانا، وتبيانا لكل شيء، وهو حجة على الخلق على الجملة والتفصيل والإطلاق والعموم، وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق ثم لا ينبه عليه.
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٩١.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٩١.
(٣) سورة الفرقان، الآية: ٤.
(٤) سورة الفرقان، الآية: ٤.
(٥) سورة البقرة، الآية: ١١٦.
(٦) سورة الأنبياء، الآية: ٢٦.
(٧) سورة البقرة، الآية: ١١٦.
(٨) سورة يونس، الآية: ٦٨.
(٩) سورة مريم، الآية: ٩٠.
[ ٤٤ / ٣٣٧ ]
وأيضا فإن جميع ما يحكى فيه من شرائع الأوّلين وأحكامهم، ولم ينبه على إفسادهم وافترائهم فيه فهو حق، يجعل عمدة عند طائفة في شريعتنا ويمنعه قوم، لا من جهة قدح فيه، ولكن من جهة أمر خارج عن ذلك، فقد اتفقوا على أنه حق وصدق كشريعتنا، ولا يفترق ما بينهما إلاّ بحكم النسخ فقط".
"ومن أمثلة هذا القسم: جميع ما حُكي عن المتقدمين من الأمم السالفة مما كان حقا، كحكايته عن الأنبياء والأولياء، ومنه قصة ذي القرنين، وقصة الخضر مع موسى ﵇، وقصة أصحاب الكهف، وأشباه ذلك".
المبحث الثالث: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في منهج القرآن الكريم في الترغيب والترهيب
قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي:"إذا ورد في القرآن الترغيب قارنه الترهيب، في لواحقه أو سوابقه أو قرائنه وبالعكس، وكذلك الترجية مع التخويف، وما يرجع إلى هذا المعنى مثله، ومنه ذكر أهل الجنة يقارنه ذكر أهل النار، وبالعكس؛ لأن في ذكر أهل الجنة بأعمالهم ترجية، وفي ذكر أهل النار بأعمالهم تخويفا، فهو راجع إلى الترجية والتخويف.
ويدل على هذه الجملة عرض الآيات على النظر فأنت ترى أن الله جعل الحمد فاتحة كتابه، وقد وقع فيه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) إلى آخرها. فجيء بذكر الفريقين.
ثم بدئت سورة البقرة بذكرهما أيضا، فقيل: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (٣)، ثم ذُكِرَ بإثرهم المنافقون وهم صنف من الكفار، فلما تم ذلك أعقب الأمر بالتقوى، ثم بالتخويف بالنار، وبعده بالترجية فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾
إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤) الآية".
_________________
(١) سورة الفاتحة، الآية: ٦، ٧.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٦.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٤، ٢٥.
[ ٤٤ / ٣٣٨ ]
وقد أطال أبو إسحاق الشاطبي في تتبع آيات سورة البقرة، وتنزيلها على القاعدة المذكورة، ثم أورد بعض آيات سورة الأنعام، وبيّن كيف تنطبق على القاعدة.
ثم قال: "وقد يغلب أحد الطرفين بحسب المواطن ومقتضيات الأحوال، فيرد التخويف ويتسع مجاله، لكنه لا يخلو من الترجية كما في سورة الأنعام، فإنها جاءت مقررة للحق، ومنكرة على من كفر بالله، واخترع من تلقاء نفسه ما لا سلطان له عليه، وصد عن سبيله، وأنكر ما لا ينكر، ولدَّ فيه وخاصم، وهذا المعنى يقتضي تأكيد التخويف، وإطالة التأنيب والتعنيف، فكثرت مقدماته ولواحقه، ولم يخل مع ذلك من طرف الترجية؛ لأنهم بذلك مدعوون إلى الحق، وقد تقدم الدعاء وإنما هو مزيد تكرار، إعذارًا وإنذارًا، ومواطن الاغترار يطلب فيها التخويف أكثر من طلب الترجية؛ لأن درء المفاسد آكد.
وترد الترجية أيضا ويتسع مجالها، وذلك في مواطن القنوط ومظنته، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (١) الآية فإن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا فأتوا محمدًا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا ألنا لما عملنا كفارة، فنزلت.
فهذا موطن خوف يخاف منه القنوط، فجيء فيه بالترجية غالبة، ومثل ذلك الآية الأخرى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٢) وانظر في سببها في الترمذي، والنسائي، وغيرهما.
ولما كان جانب الإخلال من العباد أغلب كان جانب التخويف أغلب، وذلك في مظانه الخاصة، لا على الإطلاق؛ فإنه إذا لم يكن هنالك مظنَّة هذا، ولا هذا أتى الأمر معتدلًا".
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٥٣.
(٢) سورة هود، الآية: ١١٤.
[ ٤٤ / ٣٣٩ ]
ثم أورد أبو إسحاق اعتراضا على ما قرره سابقا فقال: "فإن قيل: هذا لا يطرد فقد ينفرد أحد الأمرين فلا يؤتى معه بالآخر، فيأتي التخويف من غير ترجية، وبالعكس، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ (١) إلى آخرها فإنها كلها تخويف، وقوله: ﴿كَلا إِنَّ الأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٢) إلى آخر السورة، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (٣) إلى آخر السورة وفي الطرف الآخر قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ (٤) إلى آخرها،
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (٥) إلى آخرها".
وأورد الإمام الشاطبي من الآيات أيضا ما يؤيّد هذا الاعتراض.
ثم قال: "فالجواب إن ما اعترض به غير صاد عن سبيل ما تقدم، وعنه جوابان: إجمالي وتفصيلي:
فالإجمالي أن يقال: إن الأمر العام والقانون الشائع هو ما تقدّم، فلا تنقضه الأفراد الجزئية الأقلية؛ لأن الكلية إذا كانت أكثرية في الوضعيات انعقدت كلية، واعتمدت في الحكم بها وعليها، شأن الأمور العادية الجارية في الوجود، ولا شك أن ما اعترض به من ذلك قليل، يدل عليه الاستقراء، فليس بقادح فيما تأصل.
_________________
(١) سورة الهمزة، الآية: ١.
(٢) سورة العلق، الآية: ٦، ٧.
(٣) سورة الفيل، الآية: ١.
(٤) سورة الضحى، الآية: ١، ٢.
(٥) سورة الشرح، الآية: ١.
[ ٤٤ / ٣٤٠ ]
وأما التفصيلي: فإن قوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ (١) قضية عين في رجل معين من الكفار، بسبب أمر معين، من همزه النبي ﵊ وعيبه إيَّاه، فهو إخبار عن جزائه على ذلك العمل القبيح، لا أنه أُجري مجرى التخويف، فليس مما نحن فيه. وهذا الوجه جار في قوله: ﴿كَلا إِنَّ الأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٢) وكذلك سورة والضحى، وقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (٣) غير ما نحن فيه، بل هو أمر من الله للنبي ﵊ بالشكر لأجل ما أعطاه من المنح".
المبحث الرابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أقسام العلوم المضافة إلى القرآن الكريم
قسم أبو إسحاق العلوم المضافة إلى القرآن إلى أربعة أقسام، فقال:
"قسم: هو كالأداة لفهمه واستخراج ما فيه من الفوائد، والمعين على معرفة مراد الله تعالى منه، كعلوم اللغة العربية - التي لا بد منها - وعلم القراءات، والناسخ والمنسوخ، وقواعد أصول الفقه، وما أشبه ذلك".
ثم ذكر أبو إسحاق أن هذا الجانب قد يُدخل فيه ما ليس منه، كقول من قال: إن علم الهيئة وسيلة إلى فهم قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ (٤)، وقول من قال: إن علوم الفلسفة مطلوبة إذ لا يُفهم المقصود من الشريعة إلا بها.
ثم رد أبو إسحاق على قائل ذلك بقوله: "ولو قال قائل إن الأمر بالضد مما قال لما بَعُد في المعارضة. وشاهد ما بين الخصمين شأن السلف الصالح في تلك العلوم، هل كانوا آخذين فيها، أم كانوا تاركين لها، أو غافلين عنها؟ مع
القطع بتحققهم بفهم القرآن، يشهد لهم بذلك النبي ﷺ والجم
الغفير، فلينظر امرؤ أين يضع قدمه".
_________________
(١) سورة الهمزة، الآية: ١.
(٢) سورة العلق، الآية: ٦، ٧.
(٣) سورة الشرح، الآية: ١.
(٤) سورة ق، الآية: ٦.
[ ٤٤ / ٣٤١ ]
ثم ذكر أبو إسحاق القسم الثاني بقوله: "وقسم هو مأخوذٌ من جملته من حيث هو كلام لا من حيث هو خطاب بأمر أو نهي أو غيرهما، بل من جهة ما هو هو، وذلك ما فيه من دلالة النبوة، وهو كونه معجزة لرسول الله ﷺ فإن هذا المعنى ليس مأخوذًا من تفاصيل القرآن كما تؤخذ منه الأحكام الشرعية، إذ لم تنص آياته وسوره على ذلك مثل نصها على الأحكام بالأمر والنهي وغيرهما، وإنما فيه التنبيه على التعجيز أن يأتوا بسورة مثله، وذلك لا يختص به شيء من القرآن دون شيء، ولا سورة دون سورة، ولا نمط منه دون آخر ".
ثم ذكر القسم الثالث بقوله: "وقسم هو مأخوذ من عادة الله تعالى في إنزاله، وخطاب الخلق به ويشتمل على أنواع من القواعد الأصلية والفوائد الفرعية، والمحاسن الأدبية".
ثم ذكر على هذا القسم تسعة أمثلة، جدير بأهل القرآن أن يراجعوها ففيها من الفوائد الشيء الكثير.
ثم ذكر القسم الرابع بقوله: "وقسم هو المقصود الأول وذلك أنه محتوٍ من العلوم على ثلاثة أجناس أحدها: معرفة المتوجَّه إليه، وهو الله المعبود سبحانه. والثاني: معرفة كيفية التوجه إليه. والثالث: معرفة مآل العبد ليخاف الله به ويرجوه".
ثم شرح هذه الأجناس الثلاثة بكلام نفيس، نحيل القارئ على مراجعته.
المبحث الخامس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في التفسير الإشاري للقرآن الكريم
قال - رحمه الله تعالى -: "من الناس من زعم أن للقرآن ظاهرًا وباطنا ". ثم ذكر أبو إسحاق الأدلة على ذلك، وأطنب، وسيأتي بعضها - إن شاء الله تعالى - في التعليق على هذا المبحث.
ثم ذكر أبو إسحاق أمثلةً على التفسير الإشاري الباطل.
ثم خلص أبو إسحاق إلى ذكر شروط التفسير الإشاري المقبول فقال: "فصل: وكون الباطن هو المراد من الخطاب قد ظهر أيضا مما تقدم في المسألة قبلها، ولكن يشترط فيه شرطان:
[ ٤٤ / ٣٤٢ ]
أحدهما: أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب، ويجري على المقاصد العربية. والثاني: أن يكون له شاهد نصا أو ظاهرًا في محل آخر يشهد لصحته من غير معارض.
فأما الأوّل: فظاهر من قاعدة كون القرآن عربيا، فإنه لو كان له فهم لا يقتضيه كلام العرب، لم يوصف بكونه عربيا بإطلاق؛ ولأنه مفهوم يُلصق بالقرآن ليس في ألفاظه، ولا في معانيه ما يدل عليه، وما كان كذلك فلا يصح أن ينسب إليه أصلًا وأما الثاني: فلأنه إن لم يكن له شاهد في محل آخر، أو كان له معارض صار من جملة الدعاوى التي تدّعى على القرآن، والدعوى المجردة غير مقبولة باتفاق العلماء.
وبهذين الشرطين يتبيّن صحة ما تقدّم أنه الباطن؛ لأنّهما مُوَفّران فيه، بخلاف ما فسّر به الباطنية، فإنه ليس من علم الباطن كما أنه ليس من علم الظاهر".
ثم ذكر أمثلةً من تفاسير الباطنية تخالف هذين الشرطين.
ثم قال: "وقد وقعت في القرآن تفاسير مشكلة يمكن أن تكون من هذا القبيل، أو من قبيل الباطن الصحيح، وهي منسوبة لأناس من أهل العلم، وربما نسب منها إلى السلف الصالح" ثم ذكر أمثلة على هذه التفاسير المشكلة.
التعليق على مبحث: التفسير الإشاري للقرآن الكريم
التعليق على هذا المبحث من ثلاثة أوجه:
[ ٤٤ / ٣٤٣ ]
الأوّل: أن المعتمد لمن ذهب إلى هذا التفسير - التفسير الإشاري - هو ما أخرجه الإمام البخاري عن ابن عباس - ﵄ - قال: "كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأنَّ بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟. فقال عمر: إنه من حيث علمتم. فدعا ذات يوم فأدخله معهم فما رُئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١) فقال بعضهم: أُمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا. فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٢) وذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٣) فقال عمر: ما أعلم منها إلاَّ ما تقول". وقد ذكر أبو إسحاق هذا الدليل.
والثاني أن أبا إسحاق لم يرد التفسير الإشاري جملة، ولم يقبله جملة، بل فصّل في ذلك وهذا هو الحق.
والثالث: قد أتى أبو إسحاق الشاطبي على أهم الشروط التي تشترط لصحة هذا التفسير، وقد أضاف بعض العلماء ما يلي:
١ - ألاَّ يُدَّعى أنه المراد وحده دون الظاهر.
٢ - أن يُبيَّن المعنى الموضوع له اللفظ الكريم أولًا.
٣ - ألاَّ يكون من وراء هذا التفسير الإشاري تشويش على المفسَّر له.
المبحث السادس:
مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في قوله: إن المدني من السور ينبغي أن يكون منزلًا على المكي في الفهم، وكذلك المكي بعضه مع بعض، والمدني بعضه مع بعض
_________________
(١) سورة النصر، الآية: ١.
(٢) سورة النصر، الآية: ١.
(٣) سورة النصر، الآية: ٣.
[ ٤٤ / ٣٤٤ ]
قال أبو إسحاق الشاطبي: "المدني من السور ينبغي أن يكون منزلًا في الفهم على المكي، وكذلك المكي بعضه مع بعض، والمدني بعضه مع بعض على حسب ترتيبه في التنزيل، وإلاَّ لم يصح، والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني - في الغالب - مبني على المكي، كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمه، دل على ذلك الاستقراء، وذلك إنما يكون ببيان مجمل، أو تخصيص عموم، أو تقييد مطلق، أو تفصيل ما لم يفصل، أو تكميل ما لم يظهر تكميله.
وأوّل شاهد على هذا أصل الشريعة؛ فإنها جاءت متممة لمكارم الأخلاق، ومصلحة لما أُفسد قبل من ملة إبراهيم ﵇.
ويليه تنزيل سورة الأنعام فإنها نزلت مبينة لقواعد العقائد، وأُصول الدين، وقد خرَّج العلماء منها قواعد التوحيد التي صنف فيها المتكلّمون، من أول إثبات واجب الوجود إلى إثبات الإمامة ثم لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة كان من أول ما نزل عليه سورة البقرة، وهي التي قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الأنعام؛ فإنها بيّنت من أقسام أفعال المكلفين جملتها، وإن تبيّن في غيرها تفاصيل لها كالعبادات التي هي قواعد الإسلام، والعادات من أصل المأكول والمشروب وغيرهما، والمعاملات من البيوع والأنكحة وما دار بها، والجنايات من أحكام الدماء وما يليها.
وأيضا فإن حفظ الدين فيها، وحفظ النفس والعقل والنسل والمال مضمن فيها، وما خرج عن المقرر فيها فبحكم التكميل، فغيرها من السور المدنية المتأخرة عنها مبني عليها، كما كان غير الأنعام من المكي المتأخر عنها مبنيا عليها، وإذا تنزلت إلى سائر السور بعضها مع بعض في الترتيب وجدتها كذلك، حذو القذة بالقذة، فلا يغيبن عن الناظر في الكتاب هذا المعنى؛ فإنه من أسرار علوم التفسير، وعلى حسب المعرفة به تحصل له المعرفة بكلام ربه سبحانه".
التعليق على مبحث: المدني من السور ينبغي أن يكون منزلًا على المكي في الفهم
[ ٤٤ / ٣٤٥ ]
التعليق على هذا المبحث من وجهين:
الأوّل: أن الإمام أبا إسحاق الشاطبي قد سبق من كتب في علوم القرآن - وتعرض للمكي والمدني - إلى دراسة هذه المسألة.
ومن كتب في هذا المبحث فهو تبع للإمام أبي إسحاق الشاطبي، على أن أهمّ كتابين متداولين في علوم القرآن لم يتعرض مؤلّفاهما لهذا المبحث بهذه الطريقة التي سلكها أبو إسحاق.
الثاني: أن هذا المبحث بهذا النحو الذي طرقه الإمام أبو إسحاق الشاطبي فيه أحسن رد على أولئك الملاحدة الذين زعموا أن لا صلة بين المكي والمدني في القرآن الكريم.
وفي ظني أن الذي رد على هذه الشبهة وفندها لو تنبه لكلام الإمام أبي إسحاق الشاطبي لنقله؛ لأن فيه البرهان الدامغ المزهق لشبهة أولئك الملاحدة.
المبحث السابع:
مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أن تفسير القرآن الكريم يتبع فيه المفسر التوسط والاعتدال، ويجتنب فيه الإفراط والتفريط
قال أبو إسحاق عند هذه المسألة: "ربما أخذ تفسير القرآن على التوسط والاعتدال، وعليه أكثر السلف المتقدمين، بل ذلك شأنهم، وبه كانوا أفقه الناس فيه، وأعلم العلماء بمقاصده وبواطنه.
وربما أخذ على أحد الطرفين الخارجين عن الاعتدال: إما على الإفراط وإما على التفريط، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم".
ثم بيّن رحمه الله تعالى أن الذين فسروه على التفريط هم الذين قصروا في فهم اللسان الذي جاء به، وهو العربية، ومن هؤلاء الباطنية وغيرهم.
ثم قال: "ولا إشكال في اطِّراح التعويل على هؤلاء".
ثم وضَّح رحمه الله تعالى أن الذين اتبعوا الإفراط في تفسير القرآن هم الذين دققوا في الألفاظ المفردة والمعاني البلاغية، ولم ينظروا إلى المعنى الذي سيق الكلام من أجله؛ لأنّ هذه الأشياء إنما تبحث بقدر ما تؤدي به المعاني الأصلية، المقصودة من سياق الكلام.
[ ٤٤ / ٣٤٦ ]
ثم شرح أبو إسحاق الوسطية التي ينبغي أن يسير عليها المفسر فقال: "والقول في ذلك - والله المستعان - أن المساقات تختلف باختلاف الأحوال والأوقات والنوازل، وهذا معلوم في علم المعاني والبيان، فالذي يكون على بال من المستمع والمتفهم الالتفات إلى أول الكلام وآخره بحسب القضيّة، وما اقتضاه الحال فيها، لا ينظر في أولها دون آخرها، ولا في آخرها دون أولها؛ فإن القضية وإن اشتملت على جمل فبعضها متعلق بالبعض؛ لأنّها قضية واحدة نازلة في شيء واحد، فلا محيص للمتفهم عن ردّ آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلَّف، فإن فرق النظر في أجزائه، فلا يتوصل به إلى مراده؛ فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض، إلاَّ في موطن واحد وهو النظر في فهم الظاهر بحسب اللسان العربي وما يقتضيه، لا بحسب مقصود المتكلم، فإذا صح له الظاهر على العربية، رجع إلى نفس الكلام، فعمّا قريب يبدو له منه المعنى المراد، فعليه بالتعبد به وقد يعينه على هذا المقصد النظر في أسباب التنزيل؛ فإنها تبين كثيرًا من المواضع التي يختلف مغزاها على الناظر ".
ثم ساقه الكلام على القاعدة المتقدمة إلى التعرض إلى مقاصد بعض سور القرآن الكريم، فجاء فيه بالفوائد الممتعة.
[ ٤٤ / ٣٤٧ ]
فمما قال في ذلك قوله رحمه الله تعالى:"وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (١) نازلة في قضية واحدة. وسورة " اقرأ" نازلة في قضيتين الأولى إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٢)، والأخرى ما بقي إلى آخر السورة. وسورة المؤمنين نازلة في قضية واحدة، وإن اشتملت على معان كثيرة فإنها من المكيات، وغالب المكي أنه مقرر لثلاثة معان - أصلها معنى واحد وهو الدعاء إلى عبادة الله تعالى - أحدها: تقرير الوحدانية لله الواحد الحق والثاني: تقرير النبوة للنبي محمد، وأنه رسول الله إليهم جميعا، صادق فيما جاء به من عند الله والثالث: إثبات أمر البعث والدار الآخرة، وأنه حق لا ريب فيه بالأدلة الواضحة، والرد على من أنكر ذلك، بكل وجه يمكن الكافر إنكاره به
فهذه المعاني الثلاثة هي التي اشتمل عليها المنزل من القرآن بمكة في عامّة الأمر، وما ظهر ببادئ الرأي خروجه عنها فراجع إليها في محصول الأمر، ويتبع ذلك الترغيب والترهيب، والأمثال والقصص، وذكر الجنة والنار، ووصف يوم القيامة، وأشباه ذلك".
ثم رجع أبو إسحاق إلى تطبيق المعاني الثلاثة على سورة المؤمنين، يقف على ذلك من أحب في موطنه من كتاب الموافقات.
التعليق على مبحث: تفسير القرآن الكريم يتبع فيه المفسر التوسط والاعتدال
قضية التوسط والاعتدال التي ألمح إليها أبو إسحاق الشاطبي قضيّة مهمّة جدًّا سواء في فهم القرآن الكريم وتفسيره، أو في غير ذلك من حياة المسلم.
ولو اتُّبع كل من فسر القرآن الكريم التوسط والاعتدال في تفسيره لما وجدنا الأبحاث المطولة التي لا علاقة لها بتفسير الآية.
ولو اتُّبع التوسط والاعتدال لما جُعل تفسير القرآن كتاب نحو تذكر فيه القواعد النحوية ودقائق علوم النحو، والاعتراضات والردود، ورد الردود.
_________________
(١) سورة الكوثر، الآية: ١.
(٢) سورة العلق، الآية: ٥.
[ ٤٤ / ٣٤٨ ]
ولو اتُّبع التوسط والاعتدال لما وجدنا بين كتب التفسير ما يشبه كتاب علوم مدرسي فيه صور الحيوانات والنباتات، ثم يدعي صاحبه أن هذا هو مقصود الله من إنزال كتابه، وأن جميع علماء التفسير المتقدمين أخطأوا عندما لم يظهروا هذه العلوم النباتية الحيوانية؟.
ولو اتُّبع التوسط والاعتدال لما وجدنا بين المفسرين لهذا الكتاب الكريم من يقع في بدعة الاعتزال، والإرجاء، والتشبيه، والتكفير، وغيرها من البدع، ثم يفسر القرآن على ما يوافق بدعته، ويزعم أن هذا هو مقصود الله من كلامه.
ولو اتُّبع التوسط والاعتدال في تفسير القرآن الكريم لسلم تراثنا التفسيري من خزعبلات بني إسرائيل التي قُصد بها إفساد فهمنا لكتاب الله تعالى.
ولو اتُّبع التوسط والاعتدال في تفسير القرآن الكريم وتطبيقه لما وصلنا إلى هذه الحال - التي نحن عليها اليوم - من الانحطاط والتبعية لأمم الكفر من يهود ونصارى وغيرهم.
المبحث الثامن:
مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في بيان المقصود بالرأي المذموم والرأي الممدوح في تفسير القرآن الكريم
قال أبو إسحاق رحمه الله تعالى: "إعمال الرأي في القرآن جاء ذمه، وجاء أيض-اما يقتضي إعماله، وحسبك من ذلك ما نقل عن الصدِّيق، فإنه نقل عنه أنه قال - وقد سُئل في شيء من القرآن -: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم ". ثم سُئل عن الكلالة المذكورة في القرآن فقال: "أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة كذا وكذا".
فهذان قولان اقتضيا إعمال الرأي وتركه في القرآن، وهما لايجتمعان".
ثم أجاب أبو إسحاق عما رُوي عن أبي بكر - ﵁ - مما يقتضي إعمال الرأي وتركه فقال: "والقول فيه أن الرأي ضربان: أحدهما: جار على موافقة كلام العرب، وموافقة الكتاب والسنة، فهذا لا يمكن إهمال مثله لعالم بهما لأمور:
[ ٤٤ / ٣٤٩ ]
أحدها: إن الكتاب لا بد من القول فيه ببيان معنى، واستنباط حكم وتفسير لفظ، وفهم مراد، ولم يأت جميع ذلك عمن تقدم، فإما أن يتوقف دون ذلك فتتعطل الأحكام كلها أو أكثرها، وذلك غير ممكن، فلا بد من القول فيه بما يليق.
والثاني: أنه لو كان كذلك؛ للزم أن يكون الرسول ﷺ مبينا ذلك كله بالتوقيف؛ فلا يكون لأحد فيه نظر ولا قول، والمعلوم أنه ﵊ لم يفعل ذلك، فدل على أنه لم يكلف به على ذلك الوجه، بل بيَّن منه ما لا يوصل إلى علمه إلاَّ به، وترك كثيرًا مما يدركه أرباب الاجتهاد باجتهادهم، فلم يلزم في جميع تفسير القرآن التوقيف.
والثالث: أن الصحابة كانوا أولى بهذا الاحتياط من غيرهم، وقد علم أنهم فسروا القرآن على ما فهموا، ومن جهتهم بلغنا تفسير معناه، والتوقيف ينافي هذا؛ فإطلاق القول بالتوقيف والمنع من الرأي لا يصحّ.
والرابع: أن هذا الفرض لا يمكن؛ لأنّ النظر في القرآن من جهتين:
من جهة الأمور الشرعية، فقد يسلم القول بالتوقيف فيه وترك الرأي والنظر جدلًا.
ومن جهة المآخذ العربية؛ وهذا لا يمكن فيه التوقيف، وإلا لزم ذلك في السلف الأوّلين، وهو باطل، فاللازم عنه مثله، وبالجملة فهو أوضح من إطناب فيه".
ثم وضَّح أبو إسحاق المقصود بالرأي المذموم فقال: "وأما الرأي غير الجاري على موافقة العربية، أو الجاري على الأدلة الشرعية فهذا هو الرأي المذموم من غير إشكال كما كان مذموما في القياس أيضا حسبما هو مذكورٌ في كتاب القياس؛ لأنه تقول على الله بغير برهان، فيرجع إلى الكذب على الله تعالى، وفي هذا القسم جاء من التشديد في القول بالرأي في القرآن ما جاء".
ثم أورد أبو إسحاق الشاطبي عن جملة من الصحابة والتابعين ذمّ هذا النوع من الرأي.
ثم ختم هذه المسألة بقوله: "فالذي يستفاد من هذا الموضع أشياء:
[ ٤٤ / ٣٥٠ ]
منها: التحفظ من القول في كتاب الله تعالى إلاَّ على بينة، فإن الناس في العلم بالأدوات المحتاج إليها في التفسير على ثلاث طبقات: إحداها: من بلغ في ذلك مبلغ الراسخين كالصحابة والتابعين، ومن يليهم، وهؤلاء قالوا مع التوقي والتحفظ والهيبة والخوف من الهجوم، فنحن أولى بذلك منهم، إن ظننا بأنفسنا أنا في العلم والفهم مثلهم، وهيهات.
والثانية: من علم من نفسه أنه لم يبلغ مبالغهم ولا داناهم، فهذا طرف لا إشكال في تحريم ذلك عليه.
والثالثة: من شك في بلوغه مبلغ أهل الاجتهاد، أو ظن ذلك في بعض علومه دون بعض فهذا أيضا داخل تحت حكم المنع من القول فيه؛ لأن الأصل عدم العلم، فعندما يبقى له شك أو تردد في الدخول مدخل العلماء الراسخين فانسحاب الحكم الأول عليه باق بلا إشكال، وكل أحد فقيه نفسه في هذا المجال، وربما تعدى بعض أصحاب هذه الطبقة طوره، فحسن ظنه بنفسه، ودخل في الكلام فيه مع الراسخين، ومن هنا افترقت الفرق، وتباينت النحل، وظهر في تفسير القرآن الخلل.
ومنها: أن من ترك النظر في القرآن، واعتمد في ذلك على من تقدّمه، ووكل إليه النظر فيه غير ملوم، وله في ذلك سعة، إلاَّ فيما لا بد له منه، وعلى حكم الضرورة، فإن النظر فيه يشبه النظر في القياس، كما هو مذكور في بابه، وما زال السلف الصالح يتحرجون من القياس فيما لا نص فيه، وكذلك وجدناهم في القول في القرآن، فإن المحظور فيهما واحد، وهو خوف التقول على الله، بل القول في القرآن أشد، فإن القياس يرجع إلى نظر الناظر، والقول في القرآن يرجع إلى أن الله أراد كذا أو عنى كذا بكلامه المنزل، وهذا عظيم الخطر.
[ ٤٤ / ٣٥١ ]
ومنها: أن يكون على بالٍ من الناظر والمفسر، والمتكلِّم عليه أن ما يقوله تقصيد منه للمتكلم، والقرآن كلام الله، فهو يقول بلسان بيانه: هذا مراد الله من هذا الكلام، فليتثبت أن يسأله الله تعالى: من أين قلت عني هذا؟ فلا يصح له ذلك إلا ببيان الشواهد، وإلا فمجرّد الاحتمال يكفي بأن يقول: يحتمل أن يكون المعنى كذا وكذا، بناء أيضا على صحة تلك الاحتمالات في صلب العلم، وإلاَّ فالاحتمالات التي لا ترجع إلى أصل غير معتبرة، فعلى كل تقدير لا بد في كل قول يجزم به أو يحمّل من شاهد يشهد لأصله، وإلاَّ كان باطلًا ودخل صاحبه تحت أهل الرأي المذموم، والله أعلم".
قلت: ليت شعري أين يضع نفسه من يستقل بتفسير القرآن في زماننا هذا؟!. إنه لا يمكن أن يضع نفسه مع الطبقة الأولى في العلم بأدوات التفسير، فلم يبق إلا الطبقة الثانية، والثالثة، وكلاهما ممنوعة من القول في القرآن وتفسيره، كما وضَّح ذلك أبو إسحاق، رحمه الله تعالى.
المبحث التاسع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في حكم ترجمة القرآن الكريم
قدم أبو إسحاق الشاطبي لهذه المسألة بمقدمة بنى عليها حكم ترجمة القرآن، فقال في هذه المقدمة: "للغة العربية من حيث هي ألفاظ دالة على معان نظران: أحدهما: من جهة كونها ألفاظا وعبارات مطلقة وهي الدلالة الأصليّة. والثاني: من جهة كونها ألفاظا وعبارات مقيّدة دالة على معان خادمة، وهي الدلالة التابعة.
فالجهة الأولى: هي التي يشترك فيها جميع الألسنة، وإليها تنتهي مقاصد المتكلمين، ولا تختص بأمة دون أخرى؛ فإنه إذا حصل في الوجود فعل لزيد مثلًا كالقيام، ثم أراد كل صاحب لسان الإخبار عن زيد بالقيام، تأتىله ما أراد من غير كلفة، ومن هذه الجهة يمكن في لسان العرب الإخبار عن أقوال الأوّلين - ممن ليسوا من أهل اللغة العربية - وحكاية كلامهم، ويتأتى في لسان العجم حكاية أقوال العرب والإخبار عنها، وهذا لا إشكال فيه.
[ ٤٤ / ٣٥٢ ]
وأما الجهة الثانية: فهي التي يختص بها لسان العرب في تلك الحكاية وذلك الإخبار، فإن كل خبر يقتضي في هذه الجهة أمورًا خادمة لذلك الإخبار بحسب الخَبر والمُخبِر والمخبَر عنه والمُخبَر به، ونفس الإخبار في الحال والمساق، ونوع الأسلوب، من الإيضاح، والإخفاء، والإيجاز، والإطناب، وغير ذلك".
ثم ضرب أبو إسحاق أمثلة لبيان الجهة الثانية وتوضيحها.
ثم قال: "وإذا ثبت هذا، فلا يمكن من اعتبر هذا الوجه الأخير أن يترجم كلاما من الكلام العربي بكلام العجم على حال، فضلًا عن أن يترجم القرآن، ويُنقل إلى لسان غير عربي إلاَّ مع فرض استواء اللسانين في اعتباره عينا، كما إذا استوى اللسانان في استعمال ما تقدّم تمثيله ونحوه، فإذا ثبت ذلك في اللسان المنقول إليه مع لسان العرب، أمكن أن يترجم أحدهما إلى الآخر وإثبات مثل هذا بوجه بين عسير جدًّا وقد نفى ابن قتيبة إمكان الترجمة في القرآن - يعني على هذا الوجه الثاني - فأما على الوجه الأوَّل فهو ممكن، ومن جهته صح تفسير القرآن وبيان معناه للعامّة، ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه، وكان ذلك جائزًا باتفاق أهل الإسلام، فصار هذا الاتفاق حجّة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي".
التعليق على مبحث: حكم ترجمة القرآن الكريم
الكلام على مسألة ترجمة القرآن يطول جدًّا، وقد بحثها العلماء بحثا مستفيضا؛ ولذلك سوف أقتصر في هذا المبحث على التعليق على كلام أبي إسحاق الشاطبي بذكر كلام بعض العلماء، ثم أذكر أنواع الترجمة، وبيان الجائز منها والممنوع.
[ ٤٤ / ٣٥٣ ]
١ - قال الشيخ مناع القطان رحمه الله تعالى - بعد أن نقل بعض كلام الإمام أبي إسحاق الشاطبي -: "ومع هذا فإن ترجمة المعاني الأصلية لا تخلو من فساد، فإن اللفظ الواحد في القرآن قد يكون له معنيان، أو معانٍ تحتملها الآية، فيضع المترجم لفظا يدل على معنى واحد، حيث لا يجد لفظا يشاكل اللفظ العربي في احتمال تلك المعاني المتعددة. وقد يستعمل القرآن اللفظ في معنى مجازي فيأتي المترجم بلفظ يرادف اللفظ العربي في معناه الحقيقي؛ ولهذا ونحوه وقعت أخطاء كثيرة فيما ترجم لمعاني القرآن. وما ذهب إليه الشاطبي واعتبره حجّة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي ليس على إطلاقِه؛ فإن بعض العلماء يخص هذا بمقدار الضرورة في إبلاغ الدعوة بالتوحيد وأركان العبادات، ولا يتعرض لما سوى ذلك، ويؤمر من أراد الزيادة بتعلم اللسان العربي".
قلت: فتبين لك بهذا أن ترجمة المعاني الأصلية غير ممكن إلا مع وجود الفساد والأخطاء الكثيرة، ولو كان هذا الفساد والأخطاء الكثيرة في غير القرآن لمُنع من يفعل ذلك، فكيف بالقرآن الكريم؟!.
٢ - أنواع الترجمة، وبيان الجائر منها والممنوع. هي ثلاثة أنواع، بيانُها فيما يلي:
أ - الترجمة اللفظية المثلية: وهي إبدال لفظ بلفظ آخر يرادفه في المعنى، مع الاحتفاظ بما للمبدل منه من التراكيب والنسق والأسلوب، والدلائل الأصلية والتبعية، وبما له من خفة على الأسماع وتأثير على القلوب، وبما له من إحكام وتشابه وإعجاز.
وحكم هذا النوع أنه محال عقلًا وشرعا. أما عقلًا؛ فلأن التجارب العلمية برهنت على أن نقل كلام من لغة إلى أخرى بكل ما في الأصل مما ذكر في التعريف مستحيل في كلام البشر، فكيف به في كلام الله المعجز.
[ ٤٤ / ٣٥٤ ]
وأما شرعا فإنه مستحيل أيضا؛ لأن معناه الإتيان بقرآن مثل هذا القرآن بلغة أُخرى، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١) .
ب - الترجمة المعنوية: وهي إبدال لفظ بلفظ آخر يرادفه في المعنى الإجمالي، أو في المعنى القريب بصرف النظر عن المعاني التبعية والبعيدة، وبصرف النظر عن الخصائص والمزايا، وهذه ممكنة على وجه الإجمال بالقدر المستطاع في بعض الألفاظ دون بعض، وفي بعض اللغات دون بعض، ولا تسلم من الخطأ والبعد عن المراد.
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية (٨٨) وانظر مناهل العرفان (٢/٤٠) ترى مسألة الاستحالة الشرعية.
[ ٤٤ / ٣٥٥ ]
وهذا النوع من الترجمة، وإن جاز في كلام الناس، فإنه يَحرُم في كلام الله القرآن الكريم؛ لأمورٍ كثيرة يطول شرحُها، منها: أنها لن تسلم من الخطأ والبعد عن المراد. ومنها: أن هذه الترجمة تؤدي إلى ضياع الأصل، كما ضاعت أصول الكتب المتقدمة. ومنها: أن ذلك يؤدي إلى انصراف الناس عن كتاب ربهم مكتفين بما يزعمونه ترجمة للقرآن. ومنها: ضعف لغة القرآن والقضاء عليها في النهاية. ومنها: وجود الاختلاف بين المسلمين، فكلُّ دولة تضع ترجمة للقرآن وتزعمها أفضل الموجود، وهكذا الدولة الأخرى، فيحصل الاختلاف بين أمة محمد ﷺ، ونكونُ بهذا قد خالفنا ما أمرنا الله به ونهانا، حيث قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (١)، وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) . ومنها: أن نصوص علماء المذاهب تدلُّ على تحريم هذا النوع من الترجمة. قال الإمام الألوسي: "وفي معراج الدراية: مَن تعمّد قراءة القرآن
أو كتابته بالفارسية فهو مجنون، أو زنديق. والمجنونُ يُداوى، والزنديق يُقتل".
وقال الإمام النووي: "مذهبنا أنه لا يجوز قراءة القرآن بغير لسان العرب، سواء أمكنه العربية أو عجز عنها، وسواء كان في الصلاة أوغيرها".
وقال الإمام ابن قدامة: "ولا تجزئه القراءة بغير العربية، ولا إبدال لفظها بلفظ عربي، سواء أحسنَ قراءتها بالعربية أو لم يحسن". ونحو هذا قال المالكية، وأهل الظاهر.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٣.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٥. وانظر القول السديد، ص (١٤-٣٧)، ومناهل العرفان (٢/٤٣-٤٨) ترى ما ذُكر من هذه الأمور وأكثر.
[ ٤٤ / ٣٥٦ ]
وقال العلامة محمد رشيد رضا: "المعوّل عليه عند الأئمة وسائر العلماء أنه لا يجوز كتابة القرآن وقراءته ولا ترجمته بغير العربية مطلقا، إلا فيما نقل عن أبي حنيفة وصاحبيه من جواز قراءة القرآن بالفارسية في خصوص الصلاة".
ومن الأمور التي تمنع جواز ترجمة القرآن: أن الملحدين الذين يريدون هدم الإسلام يضللون الناس بهذه الترجمة، ويزعمون أنها قرآن، وقد وقع ذلك في بعض البلاد الإسلامية التي كانت يوما تقودُ العالم الإسلامي أجمع.
ومَن أجاز هذا النوع من الترجمة فإنما اعتمد على شُبه سرعان ما انهارت أمام نقد العلماء، فلا نطيلُ بذكرها والردِّ عليها.
ج - الترجمة التفسيرية: وهي ترجمة تفسير من التفاسير التي ألّفها العلماء باللغة العربية إلى لغة أُخرى.
وهذه الترجمة عارضها بعض العلماء، وأجازها آخرون، وكأنّ الذين عارضوها لم يروا فرقا واضحا بين هذا النوع والذي قبلَه - أي: بين الترجمة المعنوية والترجمة التفسيرية -، أو رأوا أنها غطاء يريد بعض من يقول بها الوصول إلى الترجمة المعنوية.
وعلى رأس المجيزين لهذا النوع من الترجمة مشيخة الأزهر، ثم فتوى صدرت عن دار الإفتاء بالرياض مضمونُها جواز هذا النوع من الترجمة بشرط أن يُفهم المعنى فهما صحيحا، وأن يعبّر عنه من عالمٍ بما يُحيل المعاني باللغات الأخرى تعبيرًا دقيقا، يفيد المعنى المقصود من نصوص القرآن، ونقلوا عن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ما يُفيد جواز هذا النوع.
وقد وضعت اللجنة المنبثقة عن فتوى علماء الأزهر قواعد خاصة بالطريقة التي تتبعها في تفسيرها معاني القرآن الكريم - الذي سيترجم - نوردُها فيما يلي:
١ - تبحث أسباب النزول والتفسير بالمأثور، فتفحص مروياتها وتنقد ويدوّن الصحيحُ منها بالتفسير، مع بيان وجه قوة القوي، وضعف الضعيف من ذلك.
٢ - تبحث مفردات القرآن الكريم بحثا لغويا، وخصائص التراكيب القرآنية بحثا بلاغيا وتدوّن.
[ ٤٤ / ٣٥٧ ]
٣ - تبحث آراء المفسرين بالرأي والتفسير بالمأثور، ويختار ما تفسر الآية به، مع بيان وجه ردّ المردود وقبول المقبول.
٤ - وبعد ذلك كله يصاغ التفسير - مستوفيا ما نُص على استيفائه في الفقرة الثانية من القواعد السابقة - وتكون هذه الصياغة بأسلوب مناسب لإفهام جمهرة المتعلمين خال من الإغراب والصنعة.
قلت: ولعلّ هذا القول أقرب من قول المانعين - إن شاء الله تعالى - لأن ذلك وسيلة من وسائل أداء واجب البلاغ، لمن لا يعرف اللغة العربية، بشرط الالتزام التام بما جاء في القواعد السابقة، وبغيرها من القواعد التي لا يتسعُ المقام لذكرها.
المبحث العاشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في التفسير العلمي للقرآن الكريم
ذكر الإمام الشاطبي ﵀ أن الشريعة الإسلاميّة أُمية وأنها جارية على مذاهب أهلها، ثم بنى على هذه المسألة أشياء:
"منها: أن كثيرًا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحدَّ فأضافوا إليه كل علم يُذكر للمتقدمين أو المتأخرين من علوم الطبيعيات، والتعاليم، والمنطق، وعلم الحروف، وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها؛ وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح.
وإلى هذا فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المدعى ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر لبلغنا منه ما يدلنا على أصل المسألة، إلاَّ أن ذلك لم يكن؛ فدل على أنه غير موجود عندهم، وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا، نعم تضمن علوما هي من جنس علوم العرب، أو ما ينبني على معهودها مما يتعجب منه أولو الألباب، ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة دون الاهتداء بأعلامه والاستنارة بنوره، أما أن فيه ما ليس من ذلك فلا.
[ ٤٤ / ٣٥٨ ]
وربما استدلوا على دعواهم بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١)، وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢)، ونحو ذلك، وبفواتح السور وهي مما لم يعهد عند العرب، وبما نقل عن الناس فيها، وربما حُكي من ذلك علي بن أبي طالب ﵁ وغيره أشياء.
فأما الآيات فالمراد بها عند المفسرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبد، أو المراد بالكتاب في قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣) اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها ما يقتضي تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية.
وأما فواتح السور، فقد تكلم الناس فيها بما يقتضي أن للعرب بها عهدًا كعدد الجمل الذي تعرَّفوه من أهل الكتاب، حسبما ذكره أصحاب السير، أو هي من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلاَّ الله تعالى، وغير ذلك، وأما تفسيرها بما لا عهد به فلا يكون، ولم يدعه أحد ممن تقدّم، فلا دليل فيها على ما ادعوا، وما ينقل عن عليّ أو غيره في هذا لا يثبت.
فليس بجائز أن يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصح أن يُنكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار في الاستعانة على فهمه على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصّة فبه يوصل إلى علم ما أودع من الأحكام الشرعية، فمن طلبه بغير ما هو أداة له ضل عن فهمه، وتقول على الله ورسوله فيه ".
التعليق على مبحث: التفسير العلمي للقرآن الكريم
اختلف العلماء في التفسير العلمي للقرآن الكريم، فنقل السيوطي عن ابن أبي الفضل المرسي أنه قال: "جمع القرآن علوم الأولين والآخرين"، ثم عدد أنواعا من العلوم حتى ذكر الخياطة، والحدادة، والنجارة، والغزل، والنسج، والفلاحة، والملاحة، والخبز، والطبخ، والغسل.
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٨٩.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٣٨.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ٣٨.
[ ٤٤ / ٣٥٩ ]
وتابعه على هذا الاتجاه بعض المعاصرين، وعلى رأسهم الشيخ طنطاوي جوهري في كتابه "الجواهر الحسان"الذي هو أشبه بكتاب علوم مدرسي، فيه صور الحيوانات والنباتات وغير ذلك مما زعم أن القرآن دل عليه وطالبنا بالبحث فيه.
وذهب أبو إسحاق الشاطبي إلى خلاف هذه الفكرة، كما رأيت في كلامه، وذهب إلى فكرته طائفة من العلماء المعاصرين.
ولكل من الفريقين أدلّة، أشار أبو إسحاق الشاطبي إلى بعضها، وأتى على أكثرها الأستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي.
وهناك رأي يقول: بقبول التفسير العلمي للقرآن الكريم بالشروط التالية:
١ - ألاَّ تطغى تلك المباحث عن المقصود الأول من القرآن الكريم، وهو الهداية والإعجاز.
٢ - أن تذكر تلك الأبحاث على وجه يدفع المسلمين إلى النهضة، ويلفتهم إلى جلال القرآن الكريم، ويحركهم إلى الانتفاع بقوى هذا الكون العظيم - الذي سخره الله لنا - انتفاعا يعيد لأمة الإسلام مجدَها.
٣ - أن تذكر تلك العلوم لأجل تعميق الشعور الديني لدى المسلم، والدفاع عن العقيدة ضد أعدائها.
٤ - أن لا تذكر هذه الأبحاث على أنها هي التفسير الذي لا يدل النص القرآني على سواه، بل تذكر لتوسيع المدلول، وللاستشهاد بها على وجه لا يؤثر بطلانها فيما بعد على قداسة النص القرآني، ذلك أن تفسير النص القرآني بنظرية قابلة للتغيير والإبطال يثير الشكوك حول الحقائق القرآنية في أذهان الناس، كلما تعرضت نظرية للرد أو البطلان.
وهذا الرأي الأخير هو وسط بين القولين، ويؤيده أن في القرآن الكريم إشارات علمية سيقت مساق الهداية، فالتلقيح في النبات ذاتي وخلطي، والذاتي ما اشتملت زهرته على عضوي التذكير والتأنيث. والخلطي: هو ما كان عضو التذكير فيه منفصلًا عن عضو التأنيث كالنخيل، فيكون التلقيح بالنقل، ومن وسائل ذلك الرياح، وجاء في هذا قول الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (١) ".
_________________
(١) سورة الحجر، الآية: ٢٢.
[ ٤٤ / ٣٦٠ ]
و"الأوكسجين"ضروري لتنفس الإنسان، ويقل في طبقات الجو العليا، فكلما ارتفع الإنسان في أجواء السماء أحس بضيق الصدر وصعوبة التنفس، والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ".
المبحث الحادي عشر:
مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أسباب الاختلاف غير المؤثرة في تفسير القرآن الكريم
ذكر الإمام أبو إسحاق الشاطبي أن من الخلاف خلافا لا يعتد به، وهو الخلاف الذي وقع مخالفا لمقطوع به في الشريعة.
ثم قال: "والثاني ما كان ظاهره الخلاف وليس في الحقيقة كذلك، وأكثر ما يقع ذلك في تفسير الكتاب والسنة، فتجد المفسرين ينقلون عن السلف في معاني ألفاظ الكتاب أقوالًا مختلفة في الظاهر، فإذا اعتبرتها وجدتها تتلاقى على العبارة كالمعنى الواحد، والأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بمقصد القائل فلا يصح نقل الخلاف فيها عنه وهذا الموضع مما يجب تحقيقه فإن نقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها في الحقيقة خطأ، كما أن نقل الوفاق في موضع الخلاف لا يصح".
بعد هذه المقدمة الممتعة عدد لنا أبو إسحاق أسباب الاختلاف غير المؤثرة - نورد منها في هذا المبحث ما نرى أنه يخصّ التفسير - فقال:
[ ٤٤ / ٣٦١ ]
"أحدها: أن يُذكر في التفسير عن النبي ﷺ في ذلك شيء، أو عن أحد من أصحابه أو غيرهم، ويكون ذلك المنقول بعض ما يشمله اللفظ، ثم يذكر غير ذلك القائل أشياء أخر مما يشمله اللفظ أيضا، فينصهما المفسرون على نصهما، فيظن أنه خلاف، كما نقلوا في " المن" أنه خبز رقاق، وقيل: زنجبيل، وقيل: الترنجبين، وقيل: شراب مزجوه بالماء، فهذا كله يشمله اللفظ؛ لأن الله مَنَّ به عليهم؛ ولذلك جاء في الحديث: "الكمأة من المنِّ الذي أنزل الله على بني إسرائيل". فيكون المن جملة نعم، ذكر الناس منها آحادًا.
والثاني: أن يذكر في النقل أشياء تتفق في المعنى بحيث ترجع إلى معنى واحد، فيكون التفسير فيها على قول واحد، ويوهم نقلها على اختلاف اللفظ أنه خلاف محقق، كما قالوا في " السلوى" إنه طير يشبه السماني، وقيل: طير أحمر صفته كذا، وقيل: طير بالهند أكبر من العصفور، وكذلك قالوا في " المن": شيء يسقط على الشجر فيؤكل، وقيل: صمغة حلوة، وقيل: الترنجبين، وقيل: مثل رب غليظ، وقيل: عسل جامد، فمثل هذا يصحّ حمله على الموافقة وهو الظاهر فيها.
والثالث: أن يذكر أحد الأقوال على تفسير اللغة، ويذكر الآخر على التفسير المعنوي، وفرق بين تقرير الإعراب، وتفسير المعنى، وهما معا يرجعان إلى حكم واحد؛ لأن النظر اللغوي راجع إلى تقرير أصل الوضع، والآخر راجع إلى تقرير المعنى في الاستعمال، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ (١) أي للمسافرين، وقيل: النازلين بالأرض القَوَاءَ وهي القفر.
وكذلك قوله: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة﴾ (٢) أي داهية تفجؤهم، وقيل: سرية من سرايا رسول الله ﷺ، وأشباه ذلك.
_________________
(١) سورة الواقعة، الآية: ٧٣.
(٢) سورة الرعد، الآية: ٣١.
[ ٤٤ / ٣٦٢ ]
والرابع: يختص بالآحاد في خاصة أنفسهم، كاختلاف الأقوال بالنسبة إلى الإمام الواحد، بناء على تغيير الاجتهاد والرجوع عما أفتى به إلى خلافه، فمثل هذا لا يصح أن يعتد به خلافا في المسألة؛ لأن رجوع الإمام عن القول الأوّل إلى القول الثاني اطّراح منه للأول ونسخ له بالثاني، وفي هذا من بعض المتأخرين تنازع، والحق فيه ما ذكر أولًا
والخامس: أن يقع تفسير الآية أو الحديث من المفسر الواحد على أوجه من الاحتمالات، ويبني على كل احتمال ما يليق به من غير أن يذكر خلافا في الترجيح، بل على توسيع المعاني خاصة، فهذا ليس بمستقر خلافا؛ إذ الخلاف مبني على التزام كل قائل احتمالًا يعضده بدليل يرجحه على غيره من الاحتمالات حتى يبنى عليه دون غيره، وليس الكلام في مثل هذا.
والسادس: أن يقع الخلاف في تنزيل المعنى الواحد فيحمله قوم على المجاز مثلًا، وقوم على الحقيقة، والمطلوب أمر واحد، كما يقع لأرباب التفسير كثيرًا في نحو قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ﴾ (١)، فمنهم من يحمل الحياة والموت على حقائقهما، ومنهم من يحملهما على المجاز، ولا فرق في تحصيل المعنى بينهما ومثل ذلك قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ (٢) فقيل: كالنهار بيضاء لا شيء فيها، وقيل: كالليل سوداء لا شيء فيها، فالمقصود شيء واحد، وإن شبه بالمتضادين اللذين لا يتلاقيان.
التعليق على مبحث: أسباب الاختلاف غير
المؤثرة في التفسير
هذا المبحث مهم جدًّا؛ لأن كتب التفسير قد ملئت بتعديد الأقوال التي تُذكر على سبيل الاختلاف، أو تذكر على أنها مما جاء عن العلماء، وعند النظر فيها والتحقيق على ضوء ما ذكره الإمام أبو إسحاق الشاطبي وغيره نجد كثيرًا منها مؤتلف، غير مختلف.
وممن نبه على هذه المسألة شيخ الإسلام أحمد بن عبد السلام بن تيمية رحمه الله تعالى.
_________________
(١) سورة الروم، الآية: ١٩.
(٢) سورة القلم، الآية: ٢٠.
[ ٤٤ / ٣٦٣ ]
وكم هو جدير بالمتأخرين المعاصرين من علماء التفسير أن يولوا هذه المسألة اهتماما بالكتابة في ذلك وتوجيه الباحثين إليها، فهم بذلك يقربون تراث المتقدمين إلى المتأخرين، ويحببونهم فيه، وينقونه مما شابه من الشوائب الكثيرة.
وأما أسباب الاختلاف الحقيقية فلم يذكرها أبو إسحاق الشاطبي هنا؛ لأنها معروفة، طرقها الباحثون ضمن مؤلفاتهم، وأفردها بعضهم بالتأليف.
المبحث الثاني عشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي
في وجود المعرَّب في القرآن الكريم
أشار أبو إسحاق إلى هذه المسألة إشارة تبعية تحت عنوان وضعه بقوله: "النوع الثاني في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام ويتضمن مسائل".
فقال: "وأما كونه جاءت فيه ألفاظ من ألفاظ العجم، أو لم يجيء فيه شيء من ذلك فلا يحتاج إليه إذا كانت العرب قد تكلمت به، وجرى في خطابها، وفهمت معناه، فإن العرب إذا تكلمت به صار من كلامها، ألا ترى أنها لا تدعه على لفظه الذي كان عليه عند العجم، إلا إذا كانت حروفه في المخارج والصفات كحروف العرب، وهذا يقل وجوده، وعند ذلك يكون منسوبا إلى العرب، فأما إذا لم تكن حروفه كحروف العرب، أو كان بعضها كذلك دون بعض، فلا بد لها من أن تردها إلى حروفها، ولا تقبلها على مطابقة حروف العجم أصلًا، ومن أوزان الكلم ما تتركه على حاله في كلام العجم، ومنها ما تتصرف فيه بالتغيير كما تتصرف في كلامها، وإذا فعلت ذلك صارت تلك الكلم مضمومة إلى كلامها كالألفاظ المرتجلة والأوزان المبتدأة لها، هذا معلوم عند أهل العربية لا نزاع فيه ولا إشكال.
ومع ذلك فالخلاف الذي يذكره المتأخرون في خصوص المسألة لا ينبني عليه حكم شرعي، ولا يستفاد منه مسألة فقهية، وإنما يمكن فيها أن توضع مسألة كلامية يبنى عليها اعتقاد، وقد كفى الله مؤنة البحث فيها بما استقر عليه كلام أهل العربية في الأسماء الأعجميّة".
التعليق على مبحث: وجود المعرَّب في القرآن الكريم
[ ٤٤ / ٣٦٤ ]
يُفهم من كلام أبي إسحاق في هذه المسألة أنه لا يستبعد وجود بعض الكلمات في القرآن أصلها ليس عربيا، إلاَّ أنه يرى أن العرب بعد أن تكلمت بها، وغيَّرت فيها حتى تتناسب مع العربية أصبحت في هذه الحالة عربية وبها نزل القرآن الكريم.
وهذا الذي ذهب إليه أبو إسحاق هو مذهب من أراد الجمع بين قولين، أحدهما: ينفي وجود المعرَّب في القرآن الكريم، والآخر: يثبت وجود المعرَّب.
وإن أردت الإحاطة بهذه المسألة من جميع جوانبها فانظر فيها آراء الأئمة: الشافعي، وابن جرير الطبري، وأبي عبيدة، وابن فارس، وابن عطية، والجواليقي، والسيوطي، وغيرهم.
[ ٤٤ / ٣٦٥ ]