الفصل الثالث
مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من تفسير القرآن الكريم (وفيه عشرة مباحث)
في الفصل الثاني صحبنا الإمام أبا إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم، وفي هذا الفصل سنصحبه - بإذن الله تعالى - في أهم المباحث التفسيريّة، التي يعتمد عليها في تفسير القرآن الكريم، ضاربين على هذا أمثلة مما قاله في ثنايا مؤلّفاته، فإلى هذه المباحث نتركك، غير شاكين في إفادتك منها بإذن الله تعالى.
المبحث الأول: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بالقرآن
قرر أبو إسحاق الشاطبي أن القرآن يتوقف فهمُ بعضه على بعض، فقال: " يتوقف - يعني القرآن الكريم - فهم بعضه على بعض بوجه ما، وذلك أنه يبين بعضه بعضا، حتى إن كثيرًا منه لا يُفهم معناه حقّ الفهم إِلاَّ بتفسير موضع آخر، أو سورة أُخرى".
وإليك بعض الأمثلة مما قال أبو إسحاق في تفسير القرآن بالقرآن:
(١) يرى أبو إسحاق أنّ قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَه﴾ (١) بيان لقوله: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢) خلافا لمن قال: إنها نسختها.
(٢) يرى أبو إسحاق أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) بيّنه قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ (٤) خلافا لمن قال: بالنسخ بين الآيتين.
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ٤١.
(٢) سورة الأنفال، الآية: ١.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٤.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.
[ ٤٤ / ٣٦٦ ]
(٣) يرى أبو إسحاق أن قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) بيان لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ (٢)، ويوجه قول من قال بالنسخ بين الآيتين إلى أن مقصوده البيان، إذ أن آية الشورى خبر محض، والأخبار لا نسخ فيها.
(٤) يرى أبو إسحاق أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) تقييد - والتقييد نوع من البيان - لقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٤)، وهو مراد من قال بالنسخ بين الآيتين.
وفي معرض الرد على الفرق المخالفة لأهل السنة ذكر أبو إسحاق الشاطبي طائفةً من الآيات التي يُفسر بعضها بعضا فقال: " عُدّت المعتزلة من أهل الزيغ؛ حيث اتبعوا نحو قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٥)، وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٦) وتركوا مبينه وهو قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٧) .
واتبع الخوارج نحو قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ (٨)، وتركوا مبينه وهو قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٩)، وقوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١٠) .
واتبع الجبرية نحو قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١١) وتركوا بيانه وهو قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٢) وما أشبهه".
المبحث الثاني: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بالسنة
_________________
(١) سورة غافر، الآية: ٧.
(٢) سورة الشورى، الآية: ٥.
(٣) سورة التغابن، الآية: ١٦.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.
(٥) سورة فصلت، الآية: ٤٠.
(٦) سورة الكهف، الآية: ٢٩.
(٧) سورة التكوير، الآية: ٢٩.
(٨) سورة يوسف، الآية: ٤٠.
(٩) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(١٠) سورة النساء، الآية: ٣٥.
(١١) سورة الصافات، الآية: ٩٦.
(١٢) سورة التوبة، الآية: ٨٢، ٩٥.
[ ٤٤ / ٣٦٧ ]
يعرف أبو إسحاق ما لهذا النوع من تفسير القرآن الكريم من أهمية، ولهذا حرص أن يشرح به الآيات التي احتاج إلى تفسيرها في مؤلفاته، وقد احتوت مؤلفاته على الشيء الكثير من هذا، خصوصا في كتابه الموافقات، ولكن بما أن الفصل الثاني كان الاعتماد فيه على كتاب الموافقات، فسوف نحرص في هذا الفصل أن يكون أكثر الاعتماد فيه على غيره من كتب أبي إسحاق الشاطبي؛ ليتبين للقارئ أن كتب هذا الإمام مشحونة بالتفسير وعلوم القرآن.
(١) قال ﵀ عند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾ (١) الآية -: "وصح عنها (يعني عائشة ﵂) أنها قالت: سُئل رسول الله - ﷺ - عن هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ إلى آخر الآية فقال رسول الله - ﷺ -: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم (٢) ".
ثم أطال - ﵀ - بذكر الروايات التي جاءت عن الرسول - ﷺ - في بيان معنى الآية.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ٧.
(٢) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - مع الفتح - (٨/٢٠٩)، كتاب تفسير القرآن، باب (منه آيات محكمات) ح (٤٥٤٧) وفيه: " تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية"بدل " سُئل رسول الله - ﷺ - عن هذه الآية".
[ ٤٤ / ٣٦٨ ]
(٢) وقال - رحمه الله تعالى، عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١) -: "وفي الترمذي عن ابن عباس قال: "إن رجلا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي فحرمت عليَّ اللحم فأنزل الله الآية" (٢) .
وقد أطال رحمه الله تعالى بذكر الروايات الأُخر التي قيل: إنها سبب نزول الآية.
(٣) وقال رحمه الله تعالى - عند قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٣) -: "فخرَّج الترمذي عن عَدي بن حاتم قال: أتيت النبي - ﷺ - وفي عُنُقي صليب من ذهب فقال: "يا عَدي اطرح عنك هذا الوثن"، وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٤) قال: "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكن إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرَّموه" (٥) حديث غريب".
المبحث الثالث: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بأقوال الصحابة ﵃
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٨٧.
(٢) الاعتصام (١/٤١٨) .
(٣) سورة التوبة، الآية: ٣١.
(٤) سورة التوبة، الآية: ٣١.
(٥) أخرجه الترمدي في سننه (٥/٢٧٨)، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، ح (٣٠٩٥) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث. وأخرجه الطبري في تفسيره (١٤/٢٠٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/١١٦)، وقال سليم الهلالي: هو حسن لغيره. انظر الاعتصام (٢/٨٧١) حاشيته.
[ ٤٤ / ٣٦٩ ]
اهتم أبو إسحاق الشاطبي بنقل تفسير الصحابة في الآيات التي احتاج إلى تفسيرها في مؤلفاته، وما ذلك إلاَّ دراية منه بأهمية ذلك، فالصحابة هم الذين حضروا التن-زيل، وتلقوا علومهم من رسول الله ﷺ، وهم العرب الذين يحتج بكلامهم في فهم معاني القرآن الكريم.
وإليك بعض الأمثلة مما نقله أبو إسحاق رحمه الله تعالى:
(١) قال ﵀ - عند قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١) -: "وفي رواية يا أبا عبد الرحمن ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا رسول الله ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادٌّ، وعن يساره جوادٌّ، وعليها رجال يدعون من مر بهم: هلم لك، هلم لك، فمن أخذ منهم في تلك الطرق انتهت به إلى النار، ومن استقام إلى الطريق الأعظم انتهى به إلى الجنة، ثم تلا ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ﴾ (٢) الآية كلها".
(٢) وقال أبو إسحاق - رحمه الله تعالى -: "وخرَّج هو وغيره عن عبد الله بن عباس ﵁ في قول الله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (٣) قال: "ما قدمت من عمل خير أو شر، وما أخرت من سنة يَعمل بها من بعده"".
(٣) وقال أبو إسحاق - نقلًا عن ابن عباس ﵄ أنه قال -: "كنت لا أدري ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ (٤) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها".
(٤) "وفيما يروى عن عمر ﵁ أنه سأل وهو على المنبر عن معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ (٥) فأخبره رجل من هذيل أن التخوف عندهم هو التنقص".
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.
(٣) سورة الانفطار، الآية: ٥.
(٤) سورة يوسف، الآية: ١٠١.
(٥) سورة النحل، الآية: ٤٧.
[ ٤٤ / ٣٧٠ ]
المبحث الرابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بأقوال التابعين وأتباعهم
اعتنى أبو إسحاق الشاطبي - رحمه الله تعالى - بنقل أقوال التابعين وأتباعهم في الآيات التي فسرها في كتبه، وما ذلك إلاَّ معرفة منه بأهميّة أقوالهم؛ لأنهم - التابعين ﵏ - أخذوا غالب علمهم عن الصحابة، فحري بهم إصابة الحق في تفسير كلام الله تعالى.
وهاك بعض الأمثلة نسوقها تقريرًا لهذا المبحث:
(١) قال أبو إسحاق: "وعن مجاهد: ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ (١) أي: المقتصد منها بين الغلو والتقصير"، وذلك يفيد أن الجائر هو الغالي أو المقصر، وكلاهما من أوصاف البدع".
(٢) وقال أيضا: "وعن عكرمة: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (٢) يعني في الأهواء ﴿إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّك﴾ (٣) هم أهل السنة".
٣ - وقال أيضا: "وعنه أيضا في قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٤) قال: "كتب الله صيام رمضان على أهل الإسلام كما كتبه على من كان قبلهم، فأما اليهود فرفضوه، وأما النصارى فشق عليهم الصوم فزادوا فيه عشرًا، وأخروه إلى أخف ما يكون عليهم فيه الصوم من الأزمنة"".
(٤) وقال رحمه الله تعالى: "وخرج ابن وهب عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٥) فهذا يوم أخذ ميثاقهم، لم يكونوا أمة واحدة غير ذلك اليوم".
(٥) وقال أيضا: "وخرج ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز أنه قال
في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (٦) خلق أهل الرحمة ألاَّ يختلفوا".
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٩.
(٢) سورة هود، الآية: ١١٨.
(٣) سورة هود، الآية: ١١٩.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٨٣.
(٥) سورة البقرة، الآية: ٢١٣.
(٦) سورة هود، الآية: ١١٩.
[ ٤٤ / ٣٧١ ]
٦ - وذكر الإمام أبو إسحاق عن الإمام مالك أنه قال في قوله تعالى: " ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ (١) إلى آخر الآيات قال: فهم أصحاب رسول الله ﷺ الذين هاجروا معه، وأنصاره ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ (٢) فمن عدا هؤلاء فلا حق لهم فيه".
المبحث الخامس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في شيء من تعقيباته وآرائه في التفسير
(١) قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي - في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ (٣) -: "فالمغضوب عليهم هم اليهود؛ لأنهم كفروا بعد معرفتهم نبوّة محمد ﷺ، ألا ترى إلى قول الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (٤) يعني اليهود. والضالون هم النصارى؛ لأنهم ضلوا في الحجة في عيسى ﵇، وعلى هذا التفسير أكثر المفسرين، وهو مروي عن النبي ﷺ.
_________________
(١) سورة الحشر، الآية: ٨.
(٢) سورة الحشر، الآية: ١٠.
(٣) سورة الفاتحة، الآية: ٧.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٤٦.
[ ٤٤ / ٣٧٢ ]
ويلحق بهم في الضلال المشركون الذين أشركوا مع الله إلها غيره؛ لأنّه قد جاء في أثناء القرآن ما يدل على ذلك؛ ولأنّ لفظ القرآن في قوله: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ يعمهم وغيرهم، فكل من ضل عن سواء السبيل داخل فيه. ولا يبعد أن يقال: إن ﴿الضَّالِّينَ﴾ يدخل فيه كل من ضل عن الصراط المستقيم، كان من هذه الأمة أو لا، إذ قد تقدم في الآيات المذكورة قبل هذا مثله، فقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١) عام في كل ضال كان ضلاله كضلال الشرك أو النفاق، أو كضلال الفرق المعدودة في الملة الإسلامية، وهو أبلغ وأعلى في قصد حصر أهل الضلال، وهو اللائق بكليّة فاتحة الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم، الذي أُوتيه محمد ﷺ".
(٢) وقال - رحمه الله تعالى، في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) الآية -: "فوصفهم الله تعالى بأوصاف، منها: أنهم أحصروا في سبيل الله، أي: منعوا وحبسوا حين قصدوا الجهاد مع نبيه ﷺ، كأن العذر أحصرهم، فلا يستطيعون ضربا في الأرض؛ لاتخاذ المسكن، ولا للمعاش؛ لأن العدو قد كان أحاط بالمدينة، فلا هم يقدرون على الجهاد حتى يكسبوا من غنائمه، ولا هم يتفرغون للتجارة أو غيرها لخوفهم من الكفار؛ ولضعفهم في أوّل الأمر، فلم يجدوا سبيلًا للكسب أصلًا.
وقد قيل: إن قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ (٣) أنهم قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله ﷺ فصاروا زمنى.
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٣.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٧٣.
[ ٤٤ / ٣٧٣ ]
وفيهم أيضا نزل قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ [الْمُهَاجِرِينَ] (١) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ (٢) ألا ترى كيف قال: " أُخرجوا" ولم يقل: (خرجوا من ديارهم وأموالهم)؟! فإنه قد كان يُحتمل أن يخرجوا اختيارًا، فبان أنهم إنما خرجوا اضطرارًا، ولو وجدوا سبيلًا أن لا يخرجوا لفعلوا، ففيه ما يدل على أن الخروج من المال اختيارًا ليس بمقصود للشارع، وهو الذي تدل عليه أدلة الشريعة".
(٣) وقال أبو إسحاق أيضا - بعد أن أورد قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ (٣)، وبعض الآثار في معناها -: "ويحتمل أن يكون الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ (٤) متصلًا، ومنفصلًا. فإذا بنينا على الاتصال، فكأنه يقول: ما كتبناها عليهم إلاَّ على هذا الوجه الذي هو العمل بها ابتغاء رضوان الله، فالمعنى أنها مما كتبت عليهم - أي مما شرعت لهم - لكن بشرط قصد الرضوان.
﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (٥) يريد أنهم تركوا رعايتها حين لم يؤمنوا برسول الله ﷺ، وهو قول طائفة من المفسرين؛ لأن قصد الرضوان إذا كان شرطا في العمل بما شُرع لهم، فمن حقهم أن يتبعوا ذلك القصد، فإلى أين سار بهم ساروا، وإنما شرع لهم على شرط أنه إذا نسخ بغيره، رجعوا إلى ما أُحكم، وتركوا ما نُسخ، وهو معنى ابتغاء الرضوان على الحقيقة، فإذا لم يفعلوا وأصروا على الأول، كان ذلك اتباعا للهوى، لا اتباعا للمشروع، واتباع المشروع هو الذي يحصل به الرضوان، وقصد الرضوان بذلك.
_________________
(١) ما بين المعكوفين سقط من النسخة المطبوعة التي بين يدي. وسقوطه سهو.
(٢) سورة الحشر، الآية: ٨. ولم أقف على من يقول: إن هذه الآية نزلت فيهم، إلاَّ عند أبي إسحاق.
(٣) سورة الحديد، الآية: ٢٧.
(٤) سورة الحديد، الآية: ٢٧.
(٥) سورة الحديد، الآية: ٢٧.
[ ٤٤ / ٣٧٤ ]
قال تعالى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١) فالذين آمنوا هم الذين اتبعوا الرهبانية ابتغاء رضوان الله، والفاسقون هم الخارجون عن الدخول فيها بشرطها، إذ لم يؤمنوا برسول الله ﷺ.
إلا أن هذا التقرير يقتضي أن المشروع لهم يُسمى ابتداعا، وهو خلاف ما دل عليه حدّ البدعة.
والجواب أنه يُسمى بدعة من حيث أخلُّوا بشرط المشروع، إذ شرط عليهم فلم يقوموا به، وإذا كانت العبادة مشروطة بشرط، فيعمل بها دون شرطها، لم تكن عبادة على وجهها، وصارت بدعة، كالمخل قصدًا بشرط من شروط الصلاة، مثل استقبال القبلة، أو الطهارة، أو غيرها، فحيث عرف بذلك وعلمه، فلم يلتزمه، ودأب على الصلاة دون شرطها، فذلك العمل من قبيل البدع، فيكون ترهب النصارى صحيحا قبل بعث محمد رسول الله ﷺ، فلما بُعِث وجب الرجوع عن ذلك كله إلى ملته، فالبقاء عليه مع نسخه بقاءٌ على ما هو باطل بالشرع، وهو عين البدعة.
وإذا بنينا على أن الاستثناء منقطع، وهو قول فريق من المفسرين، فالمعنى: ما كتبناها عليهم أصلًا، ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، فلم يعملوا بها بشرطها، وهو الإيمان برسول الله ﷺ إذ بعث إلى الناس كافة.
وإنما سميت بدعة على هذا الوجه لأمرين:
أحدهما: يرجع إلى أنها بدعة حقيقية - كما تقدم - لأنها داخلة تحت حد البدعة.
والثاني: يرجع إلى أنها بدعة إضافية؛ لأنّ ظاهر القرآن دل على أنها لم تكن مذمومة في حقهم بإطلاق، بل لأنهم أخلوا بشرطها، فمن لم يخل منهم بشرطها، وعمل بها قبل بعث النبي ﷺ حصل له فيها أجر، حسبما دل عليه قوله: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ (٢) أي أن من عمل بها في وقتها، ثم آمن بالنبي ﷺ بعد بعثه وفيناه أجره.
_________________
(١) سورة الحديد، الآية: ٢٧.
(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٧.
[ ٤٤ / ٣٧٥ ]
وإنما قلنا: إنها في هذا الوجه إضافية؛ لأنّها لو كانت حقيقيّة لخالفوا بها شرعهم الذي كانوا عليه؛ لأن هذا حقيقة البدعة، فلم يكن لهم بها أجر، بل كانوا يستحقون العقاب؛ لمخالفتهم لأوامر الله ونواهيه، فدل على أنهم ربما فعلوا ما كان جائزًا لهم فعله، وعند ذلك تكون بدعتهم جائزًا لهم فعلها، فلا تكون بدعتهم حقيقية، لكنه ينظر على أي معنى أطلق عليها لفظ البدعة، وسيأتي بعد بحول الله.
وعلى كل تقدير: فهذا القول لا يتعلق بهذه الأمة منه حكم؛ لأنه نُسخ في شريعتنا، فلا رهبانية في الإسلام، وقال النبي ﷺ: "من رغب عن سنتي فليس مني" (١) .
على أن ابن العربي نقل في الآية أربعة أقوال:
الأول: ما تقدم. والثاني: أن الرهبانية رفض النساء، وهو المنسوخ في شرعنا. والثالث: أنها اتخاذ الصوامع للعزلة. والرابع: السياحة.
قال: وهو مندوب إليه في ديننا عند فساد الزمان.
وظاهره يقتضي أنها بدعة؛ لأن الذين ترهبوا قبل الإسلام إنما فعلوا ذلك فرارًا منهم بدينهم، ثم سميت بدعة، والندب إليها يقتضي أن لا ابتداع فيها، فكيف يجتمعان؟!.
ولكن للمسألة فقه يذكر بحول الله.
_________________
(١) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - مع الفتح - (٩/١٠٤)، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، ح (٥٠٦٣)، ومسلم في صحيحه (٢/١٠٢٠)، كتاب النكاح، ح (٥) .
[ ٤٤ / ٣٧٦ ]
وقيل: إن معنى قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (١) أنهم تركوا الحق، وأكلوا لحوم الخنازير، وشربوا الخمر، ولم يغتسلوا من جنابة، وتركوا الختان ﴿فَمَا رَعَوْهَا﴾ (٢) يعني: الطاعة والملة، ﴿حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (٣) فالهاء راجعة إلى غير مذكور وهو الملة، المفهوم معناها من قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ (٤)؛ لأنه يفهم منه أن ثَم ملة متبعة كما دل قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ (٥) على الشمس حتى عاد عليها الضمير في قوله تعالى: ﴿تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٦) وكان المعنى على هذا القول: ما كتبناها عليهم على هذا الوجه الذي فعلوه، وإنما أمرناهم بالحق، فالبدعة فيه إذًا حقيقية لا إضافية.
وعلى كل تقدير فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء، فلا نظر فيه بالنسبة إلى هذه الأمة".
تبين لنا من هذا المبحث أن الإمام أبا إسحاق له آراء في التفسير، ومناقشات، وأنه ليس مجرد ناقل، يأخذ كل ما قيل مسلما، بل يناقش، ويشرح، ويأتي بالجديد، وما ذكرته أمثلة من كتاب واحد له، هو "الاعتصام"وما ذكره من الآراء والمناقشات في كتابه "الموافقات"أضعاف أضعاف ما جاء به في "الاعتصام".
المبحث السادس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في نحو القرآن وبلاغته
الإمام أبو إسحاق الشاطبي من أئمة النحو، وقد ألَّف شرحا على ألفية ابن مالك قال عنه أحمد بابا التنبكتي: "شرحه الجليل على الخلاصة في النحو في أسفار أربعة كبار لم يؤلَّف عليها مثله بحثا وتحقيقا فيما أعلم".
_________________
(١) سورة الحديد، الآية: ٢٧.
(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٧.
(٣) سورة الحديد، الآية: ٢٧.
(٤) سورة الحديد، الآية: ٢٧.
(٥) سورة ص، الآية: ٣١.
(٦) سورة ص، الآية: ٣٢.
[ ٤٤ / ٣٧٧ ]
وإمامته في النحو ظاهرة في أثناء مؤلفاته، ولكنني سأقتصر على ذكر بعض الأمثلة - من بعض مؤلفاته - التي تتعلق بنحو القرآن وبلاغته مما نقله عن الأئمة والشيوخ، أو قاله هو:
(١) قال رحمه الله تعالى: "ذكر لي الفقيه الأستاذ الفاضل أبو عبد الله محمد بن البكا عن بعضهم، وحكاه ابن مالك في شرح التسهيل أنه أعرب " نفسه " من قوله تعالى: ﴿إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (١):" نفسه " توكيدًا لـ" من " و" مَنْ " منصوبة على الاستثناء واستحسنه؛ لأن الناس اختلفوا فيه اختلافا كثيرًا.
فقلت له: إن المعنى على الرفع والتفريغ. فقال لي: أتسلم أن في " يرغب " ضميرًا هو فاعله؟. فقلت: نعم، لولا أن المعنى: ما يرغب عن ملة الإسلام إلا من سفه نفسه. فوقف الكلام ها هنا، ثم دلني الأستاذ الكبير أبو سعيد بن لب على ما يؤيد ما ذكرته، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ﴾ (٢) وجهه الزمخشري على التفريغ من جهة المعنى، أي: ما يغفر الذنوب إلا الله ".
(٢) وقال رحمه الله تعالى: "حكى لنا الأستاذ الشهير أبو سعيد بن لب - أبقاه الله - أن الفارسي قال: وجدت في القرآن من وضع الجملة الاسمية موضع الفعلية قوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ (٣)، فقوله: ﴿فَهُوَ يَرَى﴾ جملة اسميّة في موضع فعلية.
وقال ابن جني: وجدت أنا موضعا آخر، قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٤) . وقال أبو الحسن الأبهري: وجدت أنا موضعا آخر: قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ (٥) .
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٣٠.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.
(٣) سورة النجم، الآية: ٣٥.
(٤) سورة الطور، الآية: ٤١، وسورة القلم، الآية ٤٧.
(٥) سورة الأعراف، الآية: ١٩٣.
[ ٤٤ / ٣٧٨ ]
وقال الأستاذ أبو سعيد: وجدت أنا موضعا آخر، قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ (١) .
قلت: ووجدت أنا موضعا آخر، قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ (٢) على أني وجدت بعد هذا لأبي علي الفارسي في "التذكرة"موضعا آخر، قوله تعالى: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ (٣) ".
(٣) وقال الإمام أبو إسحاق الشاطبي - في قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ (٤) -: "فحُذف المجرور الثاني لدلالة الأول عليه ".
(٤) وقال أيضا - في باب المفعول المطلق -: "وفي التنزيل: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (٥) وهو مصدر عند سيبويه جار على غير الفعل، فكانه نائب عن قوله: (إنباتا)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٦) فـ" تبتيلًا " ليس بمصدر لِتبتَّلَ، وإنما هو مصدر (بَتَّلَ)، وفي قراءة ابن مسعود: ﴿وأُنْزِلَ الملائكةُ تنزيلًا﴾ (٧) ومصدر (أُنزل، إنزالًا، وتنزيلًا مصدر نَزَّلَ كقراءة الجماعة ".
_________________
(١) سورة الروم، الآية: ٣٥.
(٢) سورة الطور، الآية: ٤٠.
(٣) سورة الروم، الآية: ٢٨.
(٤) سورة مريم، الآية: ٣٨.
(٥) سورة نوح، الآية: ١٧.
(٦) سورة المزمل، الآية: ٨.
(٧) سورة الفرقان، الآية: ٢٥. وهي قراءة شاذّة؛ لأن ابن الجزري لم يذكرها عن أحد من العشرة. انظر النشر (٢/٣٣٤)، ونسبها ابن عطية إلى ابن مسعود والأعمش. انظر: المحرر الوجيز (١٢/٢٠) .
[ ٤٤ / ٣٧٩ ]
(٥) وقال - في قوله تعالى: ﴿إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (١) -: "تقديره: فإما تمنون منا وإما تفادون فداءً، إلاَّ أنهم حذفوا الفعل وعوضوا المصدر منه؛ فلا يجتمعان معا ".
(٦) وقال الإمام أبو إسحاق الشاطبي - في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٢) -: "التقدير: ولأن هذه أمتكم، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٣) على قراءة الفتح، أي: بأني لكم نذير مبين، ومثله قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٤) حمله سيبويه على تقدير اللام. وقال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (٥) ".
والحقيقة أن الإمام أبا إسحاق الشاطبي قد أكثر من المباحث النحوية المتعلقة بالقرآن الكريم، ولا أُبالغ إن قلت: إن هذه المباحث لو جُرّدت لبلغت مجلدَين.
المبحث السابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في ذكر القراءات وتوجيهها
اشتهر أهل المغرب والأندلس بملازمة علمين عظيمين، والتبحر فيهما، هما علم العربية والقراءات.
والإمام أبو إسحاق الشاطبي قد أثَّر فيه هذا الاتجاه، فهو أحد علماء العربية الذين يشار إليهم بالبنان، وكتابه "المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية"شاهد بإمامته في فن العربية.
_________________
(١) سورة محمد ﷺ، الآية: ٤.
(٢) سورة المؤمنون، الآية: ٥٢. وفتح الهمزة من قوله: " وأن هذه " قراءة متواترة. انظر النشر (٢/٣٢٨) .
(٣) سورة هود، الآية: ٢٥.
(٤) سورة الجن، الآية: ١٨.
(٥) سورة القمر، الآية: ١٠. ويريد الشاطبي أن يقول: التقدير: لأني مغلوب.
[ ٤٤ / ٣٨٠ ]
أما القراءات فهو عالم بها متمكن فيها، خصوصا القراءات السبع، فقد ذكر تلميذه المجاري أن الإمام الشاطبي قرأ القراءات السبع على شيخه محمد بن الفخار البيري - الذي كان من أحسن قراء الأندلس تلاوة وأداء - في سبع ختمات.
وقد تعرض أبو إسحاق الشاطبي - في أثناء مؤلفاته - لذكر القراءات السبع وتوجيهها، وهاك بعض الأمثلة في ذلك:
(١) قال أبو إسحاق الشاطبي - في أثناء الكلام على أن النكرة قد يتخصص بالإضافة -: "وفي القرآن الكريم ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ (١) على قراءة غير نافع وابن عامر، هو جمع قبيل، أي: قبيلًا قبيلًا، وصِنْفا صِنْفا، وإنما ساغ هنا الحال من النكرة المُخصَّصة كما ساغ الابتداء بالنكرة إذا خُصِّصت؛ لأنها بذلك تقرب من المعرفة، فعوملت معاملة المعرفة في صحة نصب الحال عنها".
(٢) وقال - أيضا -: " إلا أنه قد حكى في التسهيل أن الواو قد تدخل على المضارع المنفي بـ (لا)،واستشهد عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (٢) في قراءة غير نافع، فقوله: " ولا تُسْأل ُ "جملة حالية دخلت عليها الواو.
وهذا الشاهد لا شاهد فيه؛ لعطفه على " بشيرًا " و" نذيرًا " فالواو عاطفة، وإنما الشاهد في قراءة ابن ذكوان: " ولا تتبعَانِ " (٣) بتخفيف النون، فالنون فيه نون الرفع، وهو خبر لا نهي، والجملة في موضع الحال، أي: فاستقيما غير متبعين ".
(٣) وقال - في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٤) -: "على قراءة من قرأ بذلك أي: اقتدِ اقتداء فتضمر المصدر ثم تبنيه لما لم يُسمَّ فاعله،
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١١١.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١١٩. ولم أر الآية - في النسخة التي اطلعت عليها من التسهيل - في الموضع المشار إليه.
(٣) سورة يونس، الآية: ٨٩.
(٤) سورة الأنعام، الآية: ٩٠.
[ ٤٤ / ٣٨١ ]
مضمرًا فيه اسم المفعول كما أضمرته في بناء الفاعل ".
(٤) وقال في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ (١) -: "فنصب " السماء " باعتبار " يسجدان " ولو اعتبر أوَّل الجملة لجاء: (والسماءُ رفعها) وفي القرآن أيضا: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ (٢) قرأ الحرميان وأبو عمرو بالرفع في " القمر " وباقي السبعة بالنصب، فالرفع على اعتبار " والشمسُ تجري " والنصب على اعبتار " تجري ".
المبحث الثامن: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير آيات العقيدة
العقيدة السليمة المستقيمة على منهاج الكتاب والسنة وسلف الأمة هي أهم شرط ينبغي أن يوجد فيمن أراد تفسير كتاب الله تعالى.
والمفسرون المحققون لهذا الشرط هم كثير في السلف، قليل في الخلف.
والمصنفات التفسيرية التي نهج أصحابها المنهج القويم تختلف في الاهتمام بالناحية العقدية، فمنها المكثر، ومنها المقل، مع عدم خلوها - جمعا وإفرادًا - من هذا المقصد الأعظم عند تفسير كتاب الله تعالى.
والإمام أبو إسحاق الشاطبي قد اهتم بالناحية العقدية من خلال الآيات التي رأيته فسرها، فهو يبين - رحمه الله تعالى - مقصود الآية على المنهج الصحيح، ويرد على من خالف ذلك من الفرق الضالة، ويستدل بالأحاديث والآثار وأقوال السلف كثيرًا في هذه الناحية.
وتلمح اهتمامه بهذا الموضوع من خلال أكثر مؤلفاته؛ إلا أن كتابه العظيم "الاعتصام"قد تميز في هذه الناحية.
وإليك بعض الأمثلة على هذا المبحث:
_________________
(١) سورة الرحمن، الآية: ٦، ٧.
(٢) سورة يس، الآية: ٣٨، ٣٩.
[ ٤٤ / ٣٨٢ ]
قال أبو إسحاق الشاطبي - رحمه الله تعالى -: "ومثله ما خرجه مسلم عن سفيان، قال: "سمعت رجلًا يسأل جابر بن يزيد الجعفي عن قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (١) فقال جابر: لم يجيء تأويل هذه الآية. قال سفيان: وكذب. قال الحميدي: فقلنا لسفيان: ما أراد بهذا؟. فقال: إن الرافضة تقول: إن عليا في السحاب، فلا يخرج - يعني مع من خرج من ولده - حتى ينادي منادٍ من السماء - يريد عليا أنه ينادي -: اخرجوا مع فلان. يقول جابر: فذا تأويل هذه الآية، وكذب كانت في إخوة يوسف".
فهذه الآية أمرها واضح، ومعناها ظاهر يدل عليه ما قبل الآية وما بعدها، كما دل الخاص على معنى العام، ودل المقيد على معنى المطلق، فلما قطع جابر الآية عما قبلها وما بعدها صار الموضع بالنسبة إليه من المتشابه، فكان من حقه التوقف، لكنه اتبع فيه هواه، فزاغ عن معنى الآية".
(٢) وقال - في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ (٢) -: "وتأملوا هذه الآية، فإنها صريحة في أن من لم يتبع هدى الله في هوى نفسه لا أحد أضل منه، وهذا شأن المبتدع؛ فإنه اتبع هواه بغير هدى من الله، وهدى الله هو القرآن ".
(٣) وقال - رحمه الله تعالى -: "وعن ابن عباس في قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ﴾ (٣) قال: تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة".
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ٨٠.
(٢) سورة القصص، الآية: ٥٠.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٠٦. ولو أكمل نص الآية لكان أوضح وأحسن.
[ ٤٤ / ٣٨٣ ]
(٤) وقال رحمه الله تعالى - في معرض الرد على المبتدعة -: "ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (١) فأثبت لهم الزيغ أولًا - وهو الميل عن الصواب - ثم اتباع المتشابه، وهو خلاف المحكم الواضح المعنى، الذي هو أمّ الكتاب ومعظمه، ومتشابهه على هذا قليل، فتركوا اتباع المعظم إلى اتباع الأقل المتشابه الذي لا يعطي مفهوما واضحا؛ ابتغاء تأويله، وطلبا لمعناه الذي لا يعلمه إلا الله، أو يعلمه الله والراسخون في العلم، وليس إلاَّ برده إلى المحكم، ولم يفعل المبتدعة ذلك ".
(٥) وقدم أبو إسحاق الشاطبي بعض الأوجه الإعرابية لكونها موافقة لقول أهل السنة في القدر، فقال - نقلًا عن ابن مالك مستدركا به عليه حيث لم يذكره في الألفية -: "ومن مرجحات النصب أن يكون مخلِّصا من إيهام غير الصواب، والرفع بخلاف ذلك، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢) فَنَصْبُ " كل شيء " رفعٌ لتوهم كون " خلقناه" صفة؛ إذ لو كان صفة لم يفسِّر ناصبا لما قبله.
وإذا لم يكن صفةً كان خبرًا فيلزم عموم خلق الأشياء بقدر خيرًا كانت أو شرًّا. وهذا قول أهل السنة. قال: ولو قُرئ (كلُّ شيء) بالرفع لاحتمل أن يكون " خلقناه " صفة محضة، وأن يكون خبرًا، فكان النصب لرفعه احتمال غير الصواب أولى. فهذه ثلاثة مواضع كان من حقه التنبيه عليها هنا".
والأمثلة على هذا الاتجاه في تفسيره كثيرة جدًّا، أكتفي بما ذكرت، ومن أراد الوقوف عليها فليراجع مؤلفات أبي إسحاق الشاطبي، رحمه الله تعالى، خصوصا الاعتصام، والموافقات.
المبحث التاسع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أحكام القرآن الكريم
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ٧.
(٢) سورة القمر، الآية: ٤٩.
[ ٤٤ / ٣٨٤ ]
لم يُغفل الإمام أبو إسحاق الشاطبي أحكام القرآن في آيات الأحكام التي تعرض إلى تفسيرها، وكيف يغفلها وهو الفقيه الأصولي الذي سارت بفتاواه الركبان؟.
والإمام أبو إسحاق الشاطبي - على عادته - قد جاء بالفوائد، والاستنباطات البديعة، التي قد لا توجد عند كبار المفسرين المعتنين بأحكام القرآن، ولا عند من خصه بمؤلف.
وإلى جانب ما تقدم فقد نقل عن أئمة من المالكية وغيرهم، كتبهم في عداد المفقود، وما وُجد منها لم يطبع حتى الآن، مثل أحكام القرآن للقاضي إسماعيل المالكي البغدادي.
إلاّ أن الإمام أبا إسحاق الشاطبي لم يكن مكثرًا في تفسير أحكام القرآن إذا قورن هذا المبحث بالمباحث الأُخر التي ذكرتها في هذا الفصل.
وقد استفاد في هذا الجانب من الإمام أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي، فإنه قد رجع إلى كتابه أحكام القرآن.
وإليك بعض الأمثلة على هذا المبحث:
(١) قال - رحمه الله تعالى -: " وكاستدلالهم على تقدير أقل مدة الحمل ستة أشهر أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ (١) مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (٢) فالمقصد في الآية الأولى بيان مدة الأمرين جميعا من غير تفصيل، ثم بيَّن في الثانية مدة الفصال قصدًا، وسكت عن بيان مدة الحمل وحدها قصدًا، فلم يذكر له مدّة؛ فلزم من ذلك أن أقلها ستة أشهر".
_________________
(١) سورة الأحقاف، الآية: ١٥.
(٢) سورة لقمان، الآية: ١٤.
[ ٤٤ / ٣٨٥ ]
(٢) وقال - رحمه الله تعالى -: " قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (١) فُسّرت بأن الله حرم على الرجل أن يرتجع المرأة يقصد بذلك مضارتها، بأن يطلقها، ثم يمهلها حتى تشارف انقضاء العدة ثم يرتجعها، ثم يطلقها حتى تشارف انقضاء العدة، وهكذا لا يرتجعها لغرض له فيها سوى الإضرار بها".
(٣) وقال - أيضا -: "فصل، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (٢) رُوي في سبب نزول هذه الآية أخبارٌ جملتها تدور على معنى واحد، وهو تحريم ما أحل الله من الطيبات تدينا أو شبه التدين، والله نهى عن ذلك، وجعله اعتداء، والله لا يحب المعتدين، ثم قرر الإباحة تقريرًا زائدًا على ما تقرر بقوله: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ (٣) ثم أمرهم بالتقوى؛ وذلك مشعر بأن تحريم ما أحل الله خارج عن درجة التقوى.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣١.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٨٧، ٨٨.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٨٨.
[ ٤٤ / ٣٨٦ ]
فخرَّج إسماعيل القاضي من حديث أبي قلابة، قال: أراد ناس من أصحاب رسول الله ﷺ أن يرفضوا الدنيا، وتركوا النساء، وترهبوا، فقام رسول الله ﷺ فغلظ عليهم المقالة، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم بكم" قال: ونزلت فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١) ".
المبحث العاشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في الإفادة من أصول الفقه في تفسير القرآن الكريم
علم أصول الفقه من العلوم المهمة، ولو لم يكن كذلك لما شُغل به علماء المسلمين تعلما وتعليما وتأليفا، ومجاله في علم الفقه واضح لا غبار عليه.
وأمَّا أهميته في تفسير القرآن الكريم فهي لا تقل عن أهميته في الفقه؛ إذ به يُعرف وجه الاستدلال على الأحكام والاستنباط.
ولأهمية هذا العلم للمفسر عدّه الإمام السيوطي مما يجب على المفسر أن يتقنه قبل أن يبدأ في تفسير كلام الله تعالى.
والإمام أبو إسحاق الشاطبي في هذا الفن - أصول الفقه - نسيج وحده، وإمام عصره، وكتابه "الموافقات"لا نظيرله في هذا الفن. فهو المرجع لتصوير ما يقتضيه الدين من استجلاب المصالح، وتفصيل طرق الملاءمة بين حقيقة الدين الخالدة، وصور الحياة المختلفة المتعاقبة.
وعندما تعرض الإمام أبو إسحاق الشاطبي لتفسير القرآن الكريم أفاد من علم أصول الفقه لإظهار معاني القرآن الكريم، فهو تارة يطبق قواعده فتظهر المعاني وتزول الإشكالات.
وتارة يجعل ما يفهمه من القرآن الكريم مستندًا له في بناء بعض القواعد الأصوليّة وتوضيحها. وإليك بعض الأمثلة في هذا المبحث:
_________________
(١) سورةن المائدة، الآية: ٨٧.
[ ٤٤ / ٣٨٧ ]
(١) قال رحمه الله تعالى - في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) -:"وقوله:" في شيء " نكرة في سياق الشرط، فهي صيغة من صيغ العموم، فتنتظم كل تنازع على العموم، فالرد فيها لا يكون إلا أمر واحد، فلا يسع أن يكون أهل الحق فرقا".
(٢) وقال - رحمه الله تعالى - في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٢): "ومفهوم الشرط أن من لا يتقي الله لا يجعل له مخرجا".
(٣) وقال رحمه الله تعالى: "وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣) ومفهومه من لم يطع الرسول لم يطع الله".
(٤) وقال رحمه الله تعالى: " فقول الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) لما نزلت أولًا كانت مقررة لحكم أصلي منزل على مناط أصلي من القدرة وإمكان الامتثال - وهو السابق - فلم يتنزل حكم أولي الضرر، ولما اشتبه ذو الضرر ظن أن عموم نفي الاستواء يستوي فيه ذو الضرر وغيره فخاف من ذلك وسأل الرخصة، فنزل ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٥) ".
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٥٩.
(٢) سورة الطلاق، الآية: ٢.
(٣) سورة النساء، الآية: ٨٠.
(٤) سورة النساء، الآية: ٩٥.
(٥) سورة النساء، الآية: ٩٥.
[ ٤٤ / ٣٨٨ ]