دراسة وتحقيق
إعداد
د. عبد الخالق بن مساعد الزهراني
الأستاذ المشارك في كلية اللغة العربية
المقدمة
الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على صفوة خلق الله سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه: أما بعد:
فإن الله قد هيّأ للغة العربية رجالًا، سبروا أغوارها العميقة، وفهموا أسرارها، واستخرجوا دررها، وتنافسوا في خدمتها، فملأت مؤلفاتهم الصحائف، وانتشرت في مشارق الأرض ومغاربها، وبين الحين والآخر نجد مؤلّفًا قشيبًا، نفض عنه غبار النسيان، فبدأ بهيّ الطلعة، وليد اللحظة، تتطلع إليه الأنظار، وتهفو إليه الأفئدة، ومع هذا الدأب في إخراج كنوز التراث، والجهد المتواصل في تحقيقها، فما زالت المكتبات تخبّئ في زواياها نفائس، تضنّ بها على محبيها، والمتعطشين إلى ورود حياضها، على الرغم من سعيهم الحثيث إليها، وتنقيبهم الدؤوب عنها في كلّ مكان.
و"تلوين الخطاب"من نفائس المخطوطات، رسالة صغيرة الحجم، جليلة القدر، عثرت على مصورتين منها في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهي للعالم المشهور ابن كمال باشا رحمه الله تعالى.
وقد أغراني عنوانها، فهو عنوان جذاب، ينبئ عن اختيار أديب بارع، وعالم متمكن، وحين قلّبت صفحاتها، وجدتها رسالة قيّمة، حقيقة بأن يبذل فيها الجهد والوقت، وقد عثرت على مصوّرتين لها، فشرعت في نسخها، ومقابلة نُسختيها، وحين استعصى عليّ اختيار إحدى النسختين أصلًا عمدت إلى اختيار ما أراه صوابًا منهما، وما ترجّح لديّ من خلال قرائن السياق، وأثبت في الهامش ما يخالفه.
[ ٤٣ / ١٢٣ ]
وإذا تبيّن لي أنّ في النسختين خطأ ظاهرًا، فإنَّني أجعل ما أراه صوابًا في المتن وأضعه بين معكوفتين، وأذكر في الهامش ما هو موجود فيهما، وإن كان ما أظنَّه خطأ منقولًا عن أحد المصادر، فإني أستعين بهذا المصدر في التصويب، فأجعل الصواب في المتن، وأذكر في الهامش ما يخالفه.
وقد خدمت النصّ؛ فخرّجت الآيات القرآنية الكريمة التي وردت فيه، فبينت سورها وأرقامها، وخرّجت الأبيات الشعريّة وعزوتها إلى أصحابها، وذكرت مصادرها في الهامش.
وتتتبعت الأقوال التي أوردها المؤلف، فعزوتها إلى أصحابها، ووثّقتها من مؤلفاتهم، سوى نقلين لم أجدهما في المصادر التي أشار المؤلف إلى أنه نقلهما عنها، ونبّهت على ذلك في موضعه من الرسالة.
كما أنه نقل عن الكشف مرتين، والكشف لا يزال مخطوطًا، وقد بحثت عنه في المدينة فلم أجده، وسألت بعض المهتمين بكتب التفسير فلم أجد له خبرًا لديهم، ولذا فقد اكتفيت بالتوثيق من حاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي لأن الشهاب ينقل عن الكشف كثيرًا في حاشيته هذه.
وجعلت مدخلًا قبل الرِّسالة، تحدثت فيه عن المؤلف؛ مولده، ونشأته، وطلبه للعلم، ومؤلفاته، وأعماله، ووفاته.
واتضح لي جهده وكفاحه في سبيل تحصيله العلم، حتى أصبح عالمًا لا يجارى، يتبوأ أعلى المناصب العلمية في عصره، ويخلّف ثروة كبيرة من المؤلفات في كثير من الفنون.
وتحدثت - أيضًا - عن الرِّسالة؛ فبيّنت عنوانها ووثّقت نسبتها إلى مؤلفها، وعرضت محتواها، وبيّنت قيمتها العلميّة، فذكرت ما فيها من مزايا وحسنات، والمآخذ التي ظهرت لي.
[ ٤٣ / ١٢٤ ]
ثم قدّمت وصفًا للنسخ المخطوطة التي اعتمدت عليها في التحقيق وأوردت نماذج منها. ولا يخفى ما في تحقيق المخطوطات من مشقة وعناء، ولا يقدّر ذلك حقّ قدره إلا من مارسه، ورأي الجهد الذي يتكبّده الباحث في سبيل إقامة عبارة أو تصحيح كلمة، أو تخريج بيت، أو توثيق نقل وغير ذلك مما يعترض الباحث من عقبات يقف أمامها الساعات الطّوال حتى ييسّر الله له تجاوزها.
وكل جهد مهما عظم في عين صاحبه، يكون يسيرًا وينقلب متعةً حين تتحقّق الفائدة المرجوّة من ورائه، وأسأل الله ﷿ أن ينفع بهذا الجهد، وأن يجعله لبنة بنّاءة في خدمة اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، وأن يجعلنا جندًا مخلصين في سبيل إعلائها والمحافظة عليها، إنه سميع مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه.
التعريف بالمؤلف (١)
اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن سليمان بن كما باشا، الملقب شمس الدين.
اشتهر بابن كمال باشا. تركي الأصل، مستعرب.
حياته:
_________________
(١) انظر في ترجمته: - الشقائق النعمانية طاشكبري زادة ٢٢٦-٢٢٧ دار الكتاب العربي - بيروت ١٩٧٥م. - الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة للشيخ نجم الدين الغزّي ٢/١٠٧-١٠٨ تحقيق د. جبرائيل سليمان جبّور. منشورات دار الآفاق الحديثة - بيروت ط (٢) ١٩٧٩م. - شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي ٨/٢٣٨-٢٣٩ دار الفكر د. ت. - تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ٣/٢٥٢-٢٥٣. دار الهلال د. ت. - الأعلام - خير الدين الزركلي ١/١٣٣، دار العلم للملايين (ط ٦) ١٩٨٤م. - معجم المؤلفين عمر رضا كحالة ١/٢٣٨ دار إحياء التراث العربي - بيروت.
[ ٤٣ / ١٢٥ ]
كانت لأسرته مكانة عالية إضافة إلى ما عرفت به من علم وفضل فقد كان جدّه من أمراء الدولة العثمانية، ولذا فقد نشأ ابن كمال في بيت جاهٍ وسلطان، وهذا يجعل حياته مرفّهة ومنعمّة، ولكنه التحق بالجيش وهو شاب، فكان لهذا أثر في تكوين شخصيته، من حرصٍ على الوقت، وجدٍّ، وتحمّلٍ للشدائد، والصبر على الصعوبات.
وأراد الله له الخير والذّكر الحسن، فرأى منظرًا صرفه عمّا هو فيه من عملٍ إلى طلب العلم، وقد وصف ذلك المنظر، فذكر أنه كان مسافرًا مع السلطان بايزيد خان ووزيره إبراهيم باشا، ثم صادف أن كان في حضرة الوزير أمير ليس في الأمراء أعظم مكانةً منه؛ لا يتصدّر عليه أحد من الأمراء، وبينما ابن كمال في هذا الموقف العسكري، الذي يقف فيه كل إنسان عند حدود رتبته، ولا يتطلّع إلى أعلى منها؛ إذا هو يشاهد رجلًا رثّ اللباس؛ لا تدلّ هيئته على علوّ منزلة، يخطو خطوات واثقة، فيتصدّر المجلس، ويتبوأ مكانًا أعلى من الأمير، فتدخل الدهشة والحيرة نفس ابن كمال، ويتساءل: لماذا لم يمنعه أحد؟! ولماذا رضي الأمير بهذا الأمر؟! وهمس إلى بعض رفقائه: من هذا الذي تصدّر على مثل هذا الأمير؟!.
فأخبره: إن هذا عالم، يقال له: المولى لطفي.
ولكن ابن كمال لم يقتنع بهذا الجواب، فهو لا يزال يزن الأمور بميزان مادّيّ بحتٍ، ولذا فقد سأل رفيقه أيضًا: كم وظيفته؟ أي ما مقدار ما يتقاضاه من الأجر؟ فأجابه رفيقه: ثلاثون درهمًا. ويدهش دهشة كبيرةً، لهذه المكانة التي أتيحت لهذا الرجل؛ إذ كيف يقدّم على الأمير ووظيفته بهذا المقدار الضّئيل؟
ولكن رفيقه بيّن له حقيقة الأمر، فقال:
العلماء معظّمون لعلمهم، فإنه لو تأخّر لم يرض بذلك الأمير ولا الوزير.
[ ٤٣ / ١٢٦ ]
وكان له في هذا القول تفكير وتأمّل، دفع به إلى طلب العلم، فهو يريد علوّ المنزلة، ولا يمكن أن يصل إلى منزلة الأمير، ولكنه لو طلب العلم، فأصبح عالمًا، فإنّه سيصل إلى منزلة أعلى، ولهذا فقد قرّر أن يكون تلميذًا؛ وكانت هذه بداية انطلاقه نحو تحصيل العلوم المتنوّعة، وبذل في سبيلها أقصى جهده، ووجّه كلّ طاقاته، فحصل له خير كثير، وجمع فنونًا عديدةً، برع فيها كلها وقد وصفه صاحب الشقائق النعمانية وصفًا رائعًا حين قال: "كان رحمه الله تعالى من العلماء الذين صرفوا جميع أوقاتهم إلى العلم، وكان يشتغل به ليلًا ونهارًا، ويكتب جميع ما لاح بباله.. وقد فتر الليل والنهار ولم يفتَّر قلمه".
وأثمر هذا الجهد عن مكانة عالية، وعلم متدفّق، جعلت ابن كمال باشا يتولّى التدريس في عدد من المدارس، حتى وصل إلى أرقاها؛ فدرّس في مدرسة علي بك بمدينة أدرنة، ثم بمدرسة أسكوب، ثم درّس بإحدى المدارس الثمان، ثم بمدرسة السلطان بايزيد بأدرنة.
وتولّى بعد ذلك القضاء بأدرنة. ثم قضاء العسكر الأناضولي. وانتهى به المطاف ليستقرّ في الإفتاء بالقسطنطينية إلى أن توفي سنة ٩٤٠هـ رحمه الله تعالى.
مؤلفاته:
[ ٤٣ / ١٢٧ ]
كان ابن كمال باشا باحثًا موسوعيًاّ، خاض غمار التأليف في فنون شتّى، ولو تصفّحنا عناوين مؤلفاته التي ذكرت في المصادر لوجدناه عالمًا فذًاّ محيطًا بكثير من العلوم، فقد صنّف في: التفسير، والفقه، والفرائض، والأصول، وعلم الكلام، والبلاغة، واللغة، ولم يقف عند التأليف بالعربيّة، ولكنه ألّف بالفارسيّة والتركيّة، كما كان بارعًا في النظم والإنشاء أيضًا، فهو رجل موهوب، وقد وهب نفسه للعلم، فأثمر جهده عن حصيلة متميّزة، وليس من اليسير حصر مؤلفاته، خاصة أنه كان يعمد إلى اختيار الموضوعات الدقيقة، فيصنف فيها، ولذا كثرت رسائله، فقال عنه صاحب الشقائق "وصنّف رسائل كثيرة في المباحث المهمّة الغامضة، وكان عدد رسائله قريبًا من مائة". وشبّهه د/ناصر الرشيد في كثرة تأليفه "بالسيوطي وابن الجوزي وابن حزم وابن تيمية ممن اشتهر في تاريخ الإسلام بكثرة التأليف".
وسأشير هنا إلى ما وقفت عليه من مؤلفاته:
١- أسرار النحو. وقد حققه د. أحمد حسن حامد.
٢- إصلاح الإيضاح، أو إيضاح الإصلاح في الفقه وهو شرح لمتن للمؤلف.
٣- تاريخ آل عثمان.
٤- تجريد التجريد في علم الكلام.
٥- تغيير التنقيح في الأصول وهو شرح لمتن للمؤلف.
٦- تفسير القرآن العزيز.
وقد حقق الباحث يونس عبد الحي ما سورتي الفاتحة والبقرة منه في رسالة علمية لنيل درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وذكر أن هذا التفسير من أول سورة الفاتحة إلى نهاية سورة الصافات.
٧- حواشٍ على التلويح.
٨- حواشٍ على التهافت للمولى خواجة زاده.
٩- حواشٍ على شرح المفتاح للسيد الشريف.
١٠- حواشٍ على الكشاف.
١١- رجوع الشيخ إلى صباه.
١٢- شرح بعض الهداية.
١٣- شرح مشكاة المصابيح.
١٤- شرح مفتاح العلوم للسكاكي.
١٥- طبقات الفقهاء.
١٦- طبقات المجتهدين.
١٧- كتاب في الفرائض وهو شرح لمتن للمؤلف.
١٨- محيط اللغة.
١٩- المهمات في فروع الفقه الحنفي.
[ ٤٣ / ١٢٨ ]
وله عدد من الرسائل طبع منها مجموعة تضم ستًا وثلاثين رسالة، ومنها مجموعة مخطوطة تضم ثمانًا وعشرين رسالة في الخزانة التيمورية، ومجموعة خطيّة أخرى في أربع وعشرين رسالة فيها أيضًا.
ومن الرسائل التي نشرت - فيما وقفت عليه:
١- رسالة في تحقيق معنى كاد.
٢- رسالة في تحقيق التغليب.
٣- رسالة أن التوسع شائع.
٤- رسالة في تحقيق المشاكلة.
٥- رسالة في رفع ما يتعلق بالضمائر من الأوهام.
٦- رسالة في الفرق بين "من"التبعيضية و"من"التبيينية.
٧- رسالة في بيان ما إذا كان صاحب علم المعاني يشارك اللغوي في البحث عن مفردات الألفاظ.
٨- رسالة في تحقيق تعريب الكلمة الأعجمية.
٩- التنبيه على غلط الجاهل والنّبية.
١٠- رسالة في الكلمات المعرّبة.
١١- رسالة في بيان الأسلوب الحكيم.
١٢- المزايا والخواص في الأسلوب البلاغي.
١٣- تحقيق معنى النظم والصياغة.
وهذا ما استطعت أن أصل إليه، وهناك من الباحثين من ذكر أن عدد رسائله تفوق ما ذكره صاحبا الشقائق والكواكب السائرة فقد ذكرا أن رسائله قريبة من مائة رسالة، بينما أشار د. محمد حسين: أبو الفتوح إلى أن لابن كمال باشا "عدة رسائل في اللغة، قيل إنها تزيد على ثلاثمائة رسالة في اللغة".
وهذا تراث ضخم أسأل الله أن يدلّ الباحثين على مواطنه كي يخرجوه إلى اللغة العربية ليفيدوا منه، وينهلوا من معينه.
التعريف بالرِّسالة:
عنوانها - توثيق نسبتها إلى المؤلف - بيان محتواها - قيمتها العلميّة - المآخذ عليها
عنوانها:
لم أجد صعوبة في تحديد عنوان الرِّسالة، لأنّ المؤلّف نصّ عليه في مقدمّته، فقال: "وبعد فهذه رسالة مرتّبة في بيان تلوين الخطاب، وتفصيل شعبه".
ووجدت في إحدى النسخ التي اعتمدتها عنوانًا بارزًا هو: "رسالة تلوين الخطاب".
[ ٤٣ / ١٢٩ ]
وذكر هذا العنوان - أيضًا - الباحث يونس عبد الحي ما، فقال: "رسالة في الالتفات، وتسمّى برسالة في تلوين الخطاب" (١) .
وإن كان قد وهم في جعلها في الالتفات، لأن المؤلّف نصّ على أنها في تلوين الخطاب، والالتفات إحدى شعبه.
توثيق نسبتها إلى المؤلف:
رسائل ابن كمال باشا كثيرة ومتنوّعة، ولذا كان المترجمون له يذكرون أنّ له رسائل كثيرةٌ وقد تربو على الثلاثمائة عند بعضهم.
وأمام هذا العدد الهائل من الرسائل أحجم الباحثون عن تتبُّعها وبيان عناوينها وفنونها، واكتفوا بذكر ما اطلعوا عليه منها فقط، حتّى هيّأ الله باحثًا جادًّا، تتبّع مصنّفات ابن كمال جميعها، وفصّل فيها، فذكر عناوينها وموضوعاتها، وهو الباحث: يونس عبد الحي ما، وقد أورد مصنفات المؤلف
باللغة العربية في (٤٤) صفحة وهذا جهد يُشكر عليه، وتتبّع دقيق يحمد له.
وكان ممّا أورده من هذه المصنّفات، الرِّسالة التي نحن بصددها، وقد أسماها:
- رسالة في الالتفات، وتسمّى برسالة في تلوين الخطاب.
ومن عرف أسلوب ابن كمال باشا، أو قرأ بعض رسائله، فإنه لن يجد مشكلة في معرفة ما هو له، أو ليس له من الرسائل، فمما يميّز رسائله، أنه درج على نمط معين في التعريف بموضوعها، إذ يقول بعد التحميد: "فهذه رسالة رتبناها"، أو "فهذه رسالة مرتبة في.."
وانظر ما قاله في الرسائل الآتية:
- وبعد فهذه رسالة مرتّبة في وضع كاد وتوضيح طريق استعماله.
- وبعد فهذه رسالة رتّبناها في تحقيق المشاكلة وتفصيل ما يتعلق بها.. .
- وبعد فهذه رسالة رتبناها في رفع ما يتعلق بالضمائر من الأوهام.. .
- وبعد فهذه رسالة رتّبناها في تحقيق معنى النظم والصياغة.. .
وهنا نجد أنّ هذه الرسالة تسير وفق ما ألفناه من قبل في الرسائل السابقة فقد جاء فيها:
- وبعد فهذه رسالة مرتّبة في تلوين الخطاب وتفصيل شعبه
_________________
(١) تحقيق ودراسة سورتي الفاتحة والبقرة من تفسير ابن كمال باشا: ٩٣.
[ ٤٣ / ١٣٠ ]
وممّا يوثّق نسبة الرِّسالة إلى صاحبها، أننا نجد علماء يكثر دورانهم في
رسائله، ينقل عنهم، أو يناقشهم ويعترض عليهم، وهؤلاء هم:
١- الزمخشري، ويشير إليه كثيرًا بقوله: صاحب الكشاف.
٢- صاحب الكشف.
٣- البيضاوي.
٤- الشريف الفاضل.
٥- الفاضل التفتازاني.
٦- صدر الأفاضل في ضرام السقط.
وهؤلاء هم الذين تردّد ذكرهم كثيرًا في هذه الرسالة، ويبدو أنَّ المؤلّف قد ألفهم واعتاد مناقشتهم أو النقل عنهم في كثير من رسائله.
محتوى الرسالة:
في هذه الرسالة يبحث ابن كمال باشا تلوين الخطاب، فيبيّن أهميته وعناية العرب به أكثر من عنايتهم بقرى الأضياف، وما ذاك إلا لأنَّه قرىً للأرواح، ولذا فقد أولوه عنايتهم.
ثم ذكر أن تلوين الخطاب يكون بأحد هذه الأمور:
١- العدول عن الخطاب الخاص إلى الخطاب العام، وقد مثّل له بقوله
تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ (١) والشاهد من هذه الآيات في قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بعد قوله ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ .
٢- صرف الخطاب عن مخاطب إلى مخاطب. ومثّل له بقول جرير:
ثِقِيْ بِاللهِ لَيْسَ لَهُ شَرِيْكٌ
وَمِنْ عِنْدِ الْخَلَيْفَةِ بِالنَّجَاحِ
أَغِثْنِيْ يَا فِدَاكَ أَبِيْ وَأُمِّي
بِسَيْبٍ مِنْكَ إِنَّك ذُو ارْتِياحِ
_________________
(١) سورة الأنعام: ١٠٦- ١٠٨.
[ ٤٣ / ١٣١ ]
فهو يرى أن الشاعر انتقل من خطاب زوجته إلى خطاب الخليفة، وبناءً على ذلك فليس فيه التفات عنده، وإنما هو من قبيل تلوين الخطاب، لأن من شرط الالتفات أن يكون المخاطب في الحالين واحدًا، وقد بيّنت أنّ في هذين البيتين التفاتًا خلاف ما ذهب إليه المؤلف. وسواء كان فيهما التفات أو لم يكن كما قرّر ذلك المؤلف، فهما داخلان تحت تلوين الخطاب.
٣- العدول عن صيغة من الصيغ الثلاث وهي: صيغة التكلم، وصيغة الخطاب، وصيغة الغيبة، إلى الأخرى منها.
وهذا النوع لم يمثّل له.
٤- الالتفات: وذكر أنه: تغيير أسلوب الكلام بنقله من إحدى الصيغ الثلاث المذكورة سابقًا إلى الأخرى؛ بشرط أن يكون الكلام بعد النقل مع من كان قبله.
والفرق بين هذا وما قبله، أنّ هذا خاصّ فيما إذا كان المخاطب قبل النقل وبعده واحدًا، بينما الذي قبله عامّ لا يشترط فيه استمرار الكلام بعد النقل مع من كان قبله.
وقد أسهب في هذا النوع، واستغرق منه معظم صفحات الرسالة، ولا غرابة في ذلك فالالتفات مما اعتنى ببحثه البلاغيون.
٥- تغيير الأسلوب دون النقل.
وهذا أيضًا لم يمثّل له، وأرى أنه باب واسع، يشمل كثيرًا من الأمور التي يكون فيها تغيير للأسلوب عن مقتضى ظاهر المقام، ويمكن حينئذٍ أن يدخل فيه ما أورده ابن الأثير في الالتفات مثل: الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر، والإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل، وعن المستقبل بالماضي.
[ ٤٣ / ١٣٢ ]
وحين نمعن النظر في تلوين الخطاب لدى ابن كمال باشا، نجده يحاول استقصاء الأساليب التي تلفت الانتباه، حين تتغيّر من حال إلى حال، وتخرج عن مقتضى الظاهر، فيجعلها داخلة في فروعه، وذلك لأنه رأى أن علماء البلاغة لا يعدّونها من الالتفات بعد أن تحدّد مفهومه، ووضعت له الشروط التي تخرج كثيرًا من الأساليب الخارجة عن مقتضى الظاهر، وخاصة عند متأخري علماء البلاغة حيث ذكروا أن الالتفات هو: "التعبير عن معنى بطريق من الثلاثة بعد التعبير عنه بآخر منها" وإن كان السّكاكي أكثر تسامحًا منهم: فلا يشترط
تحقّق التعبير أوّلًا، بل يكتفي بأن يكون التعبير قد عدل عمّا يتطلبه مقتضى الظاهر إلى خلافه.
وكان الالتفات عند السابقين من علماء البيان مصطلحًا عائمًا يدخل فيه ما ليس منه، وهذا ما وجد لدى ابن قتيبة، وابن المعتز، وقدامة بن جعفر، وأبي هلال العسكري، وابن رشيق، وغيرهم فالالتفات لديهم غير محدّد، بل أدخل فيه بعضهم التذييل والاعتراض والاستدراك، وكذلك نجد التوسّع فيه عند ابن الأثير من بعد، حيث جعل منه التعبير بالأمر عن المضارع أو الماضي، والتعبير بالمضارع عن الماضي، وبالماضي عن المضارع.
وحين وجد ابن كمال الانفتاح لدى بعض البلاغيين في مفهوم الالتفات، والانغلاق والتضييق لدى بعضهم الآخر، اختار تلوين الخطاب فجمع فيه بين رؤية السابقين واللاحقين، وحافظ على مصطلح الالتفات محدّدًا دقيقًا وجعله نوعًا من أنواع تلوين الخطاب.
قيمة الرسالة العلمية
تأتي أهميّة الرسالة من كونها تتناول موضوعًا، لم أجد من أفرد له بحثًا مستقلًا، وهو تلوين الخطاب، ولم أقف على مؤلفٍ - فيما اطلعت عليه - يتحدث عنه، أو يشير إليه سوى عند الشهاب الخفاجي، فقد وردت إشارة خاطفة إليه، ولذا فقد خلت منه المعاجم الأدبية والنقدية الحديثة التي تهتمّ برصد المصطلحات الواردة في القديم والحديث.
[ ٤٣ / ١٣٣ ]
ومع هذه الأهميّة، فإنّ للمؤلف وقفاتٍ رائعة، ومناقشات لمن سبقه من العلماء تدلّ على سعة علمه، ودِقَّته، وتفصح عن مكانة الرسالة العلمية، ومن ذلك:
١- اعتراضه على الزمخشري في استنباط النكتة البلاغية من الالتفات في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ (١) . حيث قال: "ولذلك صرّح الإمام البيضاوي على وفق إشارة صاحب الكشاف بوجود الالتفات في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ فإن العدول فيه عن مقتضى ظاهر الكلام، حيث كان سباقه، وهو قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ على صيغة الغيبة، لا عن مقتضى ظاهر المقام، لأن مقتضاه الخطاب في الموضعين، ونكتة العدول عن مقتضى الظاهر بحسب المقام، التعظيم للنبي ﵊، والتلطيف في تأديبه بالعدول عن الخطاب في مقام العتاب، والإباء عن المواجهة بما فيه الكراهة".
وعقَّب على هذا بقوله: "وأمَّا ما قيل: في الإخبار عمّا فرط منه ثم الإقبال عليه، دليل على زيادة الإنكار، كمن يشكو إلى الناس جانيًا جنى عليه، ثم يقبل على الجاني إذا حمي في الشكاية مواجهًا له بالتوبيخ، وإلزام الحجة -فوهم لا ينبغي أن يذهب إليه فهم". وهذا القول الذي أشار إليه بقوله: "وأما ما قيل"ورد عند الزمخشري في الكشاف.
٢- اعتراضه على اشتراط "أن يكون التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهر" في الالتفات ويرى أنه "لا حاجة إلى ذكره، واعتباره شرطًا زائدًا على ما ذكرنا، لأن أسلوب الكلام لا يتغيّر إلا إذا كان كذلك، بناءً على أن المراد من مقتضى الظاهر هنا، ظاهر الكلام لا مقتضى ظاهر المقام".
وهذا الذي ذكره وجيه، إذ إن الالتفات في الأصل لا يكون إلا إذا كان التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهر، فكأنّ اشتراطه لا داعي له، فهو متحقّق، ومن الأولى تركه.
_________________
(١) سورة عبس: ١-٣.
[ ٤٣ / ١٣٤ ]
٣- وقد انتقد الزمخشري في عدم تفصيله لأنواع الالتفات، وأعجب بما أورده السكاكي في هذا الأمر، فقال: "وقد أفصح عن هذا صاحب المفتاح بقوله: بل الحكاية والخطاب والغيبة ثلاثتها ينقل كل واحدٍ منها إلى الآخر، ويسمّى هذا النقل التفاتًا عند علماء المعاني، وإن قصر عنه بيان صاحب الكشاف بقوله: هذا يسمّى الالتفات في علم البيان، وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، حيث اقتصر على ذكر أنواعه الثلاثة".
وهذا التقصير واضح من الزمخشري، فإن كلامه يوهم أن أنواع الالتفات ثلاثة فقط، بينما هي ستة، وهي ظاهرة في قول السكّاكي.
وفي موضع آخر وجدناه يقدّم الزمخشري على السكاكي في توضيح الالتفات في أبيات امرئ القيس: تطاول ليلك بالإثمد
فقال: "وقال صاحب المفتاح: فالتفت - يعني امرأ القيس - في الأبيات الثلاثة، أراد أنه التفت في كل بيت، وكلام صاحب الكشاف في هذا المعنى أظهر، حيث قال: التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات، فإنه نصّ في الثلاث وظاهر في التوزيع".
وهذا مما يدلّ على إنصافه، وميله مع الحق، وتتبّعه للأمانة العلميّة في نقده واستحسانه.
٤- وانتقد السكّاكي، لأنه لم يأت بمثالٍ على الالتفات من التكلم إلى الغيبة، واستدرك عليه بمثالٍ من القرآن الكريم، ورأى أن المثال وإن لم يكن موجودًا في الشعر الجاهلي، فإنه موجود فيما هو أفضل منه وأتمّ، وعلى هذا فلا عذر للسكّاكي في عدم التمثيل له، يقول: «ومثال النوع المذكور من الشعر لم يوجد في أشعار الجاهلية، ولذلك لم يورد صاحب المفتاح مثالًا له، إلا أنه لم يصب في ذلك؛ لأن وجود مثاله في التنزيل كان كافيًا، فلا وجه لاقتصاره على إيراد المثال للأقسام الخمسة".
ومثال هذا النوع الذي ذكره، هو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١) .
_________________
(١) سورة الكوثر آية (١-٢) .
[ ٤٣ / ١٣٥ ]
ومما يدلّ على اهتمامه بالاستشهاد بالقرآن وعنايته به، استدراكه أيضًا على التفتازاني حين نفى وجود التعبير عن الغائب أو المخاطب بلفظ الجمع المتكلم، وذلك في قوله: "وقد كثر في الواحد من المتكلم لفظ الجمع تعظيمًا له، لعدّهم المعظّم كالجماعة، ولم يجيء ذلك للغائب والمخاطب في الكلام القديم، وإنما هو استعمال المولّدين ".
حيث قال المؤلف بعد إيراده هذا القول -: "وفيه نظر؛ لأنه قد جاء ذلك للغائب والمخاطب أيضًا في الكلام القديم" ومثّل للغائب بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١) فقد نقل عن البيضاوي في تفسير هذه الآية: "أي قضى رسول الله ﷺ، وذكر الله لتعظيم أمره، والإشعار بأن قضاءه قضاء الله تعالى، وجمع الضمير الثاني للتعظيم".
ومثّل للمخاطب بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا..﴾ (٢) في قراءة من جمع لفظ (راعونا) ونقل ذلك عن الزمخشري فقال: "وأما الثاني فقد قال صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿لا تقُولُوا راعِنَا﴾ وقرأ ابن مسعود (راعونا) على أنهم كانوا يخاطبونه بلفظ الجمع للتوقير".
٥- وانتقد التفتازاني في شرحه للتلخيص حين قال: "لأنا نعلم من إطلاقاتهم واعتباراتهم، أن الالتفات هو انتقال الكلام من أسلوب من التكلم والخطاب والغيبة، إلى أسلوب آخر غير ما يترقبه المخاطب؛ ليفيد تطرئةً لنشاطه، وإيقاظًا في إصغائه".
فقال: "ولما عرفت أن فائدة التطرئة والإيقاظ مدارها على نقل الكلام من أسلوب إلى آخر مطلقًا، فقد وقفت على ما في كلام الفاضل التفتازاني من الخلل، حيث اعتبر في ترتّب الفائدة المذكورة قيدًا في الأسلوب المنقول إليه، لا دخل له فيه".
_________________
(١) سورة الأحزاب آية: ٣٦.
(٢) سورة البقرة آية: ١٠٤.
[ ٤٣ / ١٣٦ ]
فالمؤلف يرى أن التفتازاني أخطأ هنا، لأنه جعل هذه الفوائد محصورة في الالتفات، بينما هي في الواقع أعم، فهي صالحة لكل انتقال دون تقييد؛ ولذا فقد ذكر التفتازاني التكلم والخطاب والغيبة، والانتقال إلى أسلوب آخر غير ما يترقبه السامع، يعني لديه: الانتقال من صيغة إلى أخرى من هذه الصيغ، وابن كمال لا يريد هذا التقييد في الأسلوب المنقول إليه، لأنّ الفائدة تشمل ما قيّد بهذا القيد الذي ذكره التفتازاني وما لم يقيّد.
ويلحق بهذا انتقاده السكّاكي ومن تابعه لذكرهم "السامع"حين ذكروا فوائد الالتفات، وكان الأولى أن يذكروا "المخاطب"حتى ينصرف الذهن إلى الالتفات خاصة، فأمّا ذكرهم «السامع» فإنّه لا يفهم منه اقتصار الفوائد على الالتفات فقط، بل يكون الأمر عامًاّ فيه وفي غيره من الأساليب التي يكون فيها انتقال من حالٍ إلى حال.
ورأيه هذا صائب؛ خاصة إذا استحضرنا شرط الالتفات: وهو أن يكون المخاطب بالكلام في الحالين واحدًا وقد اختار المؤلف هذا الشرط، ونقله عن صدر الأفاضل.
يقول في ذلك: "واعلم أنّ مدار تلك الفوائد على تلوين الخطاب مطلقًا، سواء كان المخاطب بالكلام في الحالين واحدًا، فيوجد شرط الالتفات، أو لا يكون واحدًا، فلا يكون من باب الالتفات فحق من يريد ترتّبها على الالتفات خاصة؛ أن يذكر المخاطب بدل السامع، فصاحب المفتاح ومن حذا حذوه من الذين ذكروا السامع، عند تقريرهم الفوائد المذكورة، مرتبة على الالتفات المشروط بالشرط المزبور، لم يكونوا على بصيرة".
٦- وتعقّب السيد الشريف في مسألة نحوية، حين شرح السيد الشريف قول السكّاكي - بعد إيراد أمثلة الالتفات – "وأمثال ما ذكر أكثر من أن يضبطها القلم".
[ ٤٣ / ١٣٧ ]
فقد قال المؤلف: "قوله: أكثر من أن يضبطها القلم، مما أخطأ فيه الشارح الفاضل، حيث زعم أن المذكور (من) التفضيلية" وردّ عليه مبيّنًا خطأه فقال: «ومبنى ما ذكره أوّلًا وآخرًا، الغفول عن أصل في هذا الباب، ذكره الإمام المرزوقي في شرح الحماسة، وصاحب المغرّب، وغيرهما، وهو: أنّ أفعل التفضيل إذا وقع خبرًا تحذف عنه أداة التفضيل قياسًا، ومنه: الله أكبر وقول الشاعر:
دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ
فكلمة (من) في أمثال ما ذكر متعلقة بما يتضمنه اسم التفضيل".
٧- وانتقد السيد الشريف في فهم قول السكّاكي: "قد يختص مواقعه بلطائف" أي مواقع الالتفات، حيث فهم السيد الشريف أن (قد) هنا معناها التقليل، ولذا ردّ عليه المؤلف هذا الفهم، داعمًا ردّه بالشواهد، فقال: "لفظة (قد) تستعار للتكثير، كما في قوله تعالى: ﴿قدْ نرَى تقلُّبَ وجْهِكِ في السِّماءِ﴾ (١) وقول الشاعر:
قَدْ أَتْرُكُ مُصْفَرًاّ أَنَامِلُهُ
كَأَنَّ أَثْوَابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصَادِ
والشارح الفاضل لغفوله عن استعارة (قد) للتكثير في أمثال هذا المقام، قال في شرحه: ولفظة (قد) إشارة إلى أن الفائدة العامة كافية لحسن الالتفات في مواقعها كلها، لكن ربّما اشتمل بعضها على فائدة أخرى، فيزداد حسنه فيه".
ولعلّ هذه الأمثلة توضّح أهميّة هذه الرسالة، وتفصح عن قيمتها العلميّة، وتلقي الضوء على منزلة المؤلف العلميّة، وأمانته ودقّته.
المآخذ على الرسالة:
_________________
(١) سورة البقرة آية ١٤٤.
[ ٤٣ / ١٣٨ ]
الرّسالة في مجملها عمل جادّ، وجهد مثمر من عالمٍ متمكن، وقد مرّ معنا مزايا كثيرة لها، من خلال تلك الأمثلة التي عرضت جهد المؤلف، ومناقشاته، ولكن البشر مهما بلغوا في درجات الترقي والتجويد، فإنه لابد لهم من كبوة تنبئ عن بشريّتهم، وعدم عصمتهم من الخطأ والزّلل، ومن رحمة الله أن جعل أجرًا على ذلك الخطأ من العالم إذا اجتهد قدر طاعته وتحرّى الحق والعدل، وأرجو أن يكون ابن كمال باشا ممّن ينال الأجر والمثوبة من الله فيما اجتهد فيه، وحسبت أن فيه تقصيرًا أو خطأ، ومن ذلك:
١- عدم تعريفه تلوين الخطاب، فالرسالة تحمل هذا العنوان، ومع ذلك فهو لا يحدّده تحديدًا دقيقًا، كما صنع في الالتفات، ولعلّ السبب في ذلك، أن تلوين الخطاب باب واسع، يشمل أنواعًا كثيرة من الأساليب، ومع ذلك لم يتناوله العلماء من قبل، أمّا الالتفات فقد وجد السبيل فيه ممهّدًا، ولذا فقد أطال في تناوله، وناقش ما وجد من آراء قيلت فيه.
٢- ومما يؤخذ عليه: أنه لم يمثِّل لبعض أنواع تلوين الخطاب فقد ذكر أنه يقع في خمسة أضرب، ومثّل لثلاثةٍ منها فقط وأهمل ضربين.
٣- أنه كان يأتي ببعض الأمثلة غير تامّة، فلا يتبيّن القارئ موضع الشاهد، ومن الأمثلة على ذلك، إيراده لقوله تعالى ﴿ثمَّ توليتُم إلا قليلًا مِنْكُم﴾ شاهدًا على عدم وجود الالتفات، فقال: "فلا التفات في قوله تعالى: ﴿ثمَّ توليتُم إلا قليلًا مِنْكُم﴾ لأن الكلام قبله مع أسلاف المخاطبين به، نعم هو على طرزه وطريقته..".
[ ٤٣ / ١٣٩ ]
وإيراده لهذا المثال لا يبيّن موطن الالتفات أو عدمه، بل لابدّ من إيراد الآية تامّة، وعند ذلك يتضح ما قاله فيوافقه القارئ أو يخالفه فيما ذهب إليه، والآية تامّة هي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (١) .
٤- وقد وهم المؤلف حين تابع التفتازاني، فألحق بالالتفات أمرين فقال: "وقد يطلق الالتفات على معنيين آخرين؛ أحدهما: أن تذكر معنى فتتوهم أن السامع اختلجه شيءٌ فتلتفت إلى ما يزيل اختلاجه، ثم ترجع إلى مقصودك كقول ابن ميّادة:
فلا صَرْمُهُ يبدو وفي اليأس راحةٌ
ولا وصلُهُ يصفو لنا فنكارمُه
فإنه لمّا قال: (فلا صرمه يبدو) واستشعر أن يقول السامع: وما نصنع به؟ فأجاب بقوله: (وفي اليأس راحة) ثم عاد إلى المقصود.
والثاني: تعقيب الكلام بجملة مستأنفة متلاقية له في المعنى، على طريق المثل أو الدعاء، أو نحوهما، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٣) وفي قول جرير:
مَتَى كَانَ الخِيَامُ بِذِي طُلُوحٍ
سُقِيْتِ الْغَيْثَ أَيَّتُهَا الخِيَامُ
أَتَنْسَى يَوْمَ تَصْقُلُ عَارِضَيْها
بِفَرْعِ بشامةٍ سُقِيَ البَشَامُ
وهذا الذي ذكره يكاد يكون مطابقًا لما ذكره التفتازاني في المطوّل.
_________________
(١) سورة البقرة آية (٨٣) .
(٢) سورة المائدة آية: ٦٤.
(٣) سورة التوبة آية: ١٢٧.
[ ٤٣ / ١٤٠ ]
وأمّا وهمه هنا، فإن هذه الأمثلة التي أوردها ليست من الالتفات، ولا ينطبق عليها شرطه الذي حدّده في الرسالة، وإن كان قد ورد بيت ابن ميّادة وبيت جرير الثاني عند العلماء القدامى، وجعلوهما من الالتفات، فإن المؤلف جاء متأخرًا فكان الأجدر به ألا يخلط بين المصطلحات، خاصة أنه سار على نهج السكّاكي ومن تابعه في الالتفات بعد أن تحدّد مفهومه، وأولئك الأقدمون لهم عذرهم، إذ لم تكن المصطلحات قد حدّدت، ولكن المؤلف لا يعذر في هذا، وقد قال د/نزيه عبد الحميد بعد أن أورد بيت جرير الثاني:
"ومن المعروف أن المتأخرين من البلاغيين جعلوا هذا النوع من التذييل، وهو نوع من الإطناب، وهو تعقيب الجملة بجملة تشتمل على معناها للتوكيد، وهو الصواب" كما قال بعد أن أورد بيت ابن ميّادة «وهذا من الاعتراض، يذكره قدامة في الالتفات والاعتراض نوع من أنواع الإطناب أيضًا، مثله في ذلك مثل التذييل، وعرفه البلاغيون ب: أن يؤتى في أثناء الكلام، أو بين كلامين متصلين معنى؛ بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب، لنكتة".
ولا أدري كيف غاب عن المؤلف هذا الأمر، مع سعة اطّلاعه، وغزارة علمه، وتدقيقه في المسائل؟.
٥- تخطئته للسابقين مع إمكان قبول ما قالوه:
ومن ذلك أنه لم يقرّ بصحة نسبة تحديد الالتفات إلى الجمهور، كما قرّره الخطيب، وأوضحه التفتازاني، فقد قال الخطيب: "والمشهور أن الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من الثلاثة، بعد التعبير بآخر منها" وقال التفتازاني في شرحه: "هذا هو المشهور عند الجمهور".
فردّ المؤلف هذا وقال: "لا يقال المشهور في تفسير الالتفات ما هو المذكور في التلخيص وعليه الجمهور على ما نصّ عليه الفاضل التفتازاني في شرحه، وما ذكرته تفسير محدث له، قلت: بل ما ذكرته على وفق إشارة صاحب المفتاح ويوافقه ما في الكشاف، وكفى بنا ذانك الشيخان قدوة".
[ ٤٣ / ١٤١ ]
فظهر أنه يتابع الزمخشري والسكّاكي في رأيهما في الالتفات، وأنه لا يشترط فيه تحقّق التعبير بصيغةٍ ما أوّلًا، ثم الانتقال إلى التعبير عنها بصيغة أخرى، بل يكتفي بالعدول عن صيغة يقتضيها أسلوب الكلام إلى أخرى على خلافها.
وهذا اختياره الذي لا ينكره أحد عليه، فله ذلك، ولكن لا ينبغي أن ينفي صحة ما نسبه التفتازاني إلى جمهور البلاغيين في قوله "وبما قررناه تبيّن أن الجمهور لا يرتضي تحديد الالتفات بما ذكر في التلخيص، وأنّ ما ذكر في شرحه من نستبه إليهم فرية ما فيها مرية".
فإن التفتازاني لم ينفرد بذلك، وإنما هو أحد من نسبه إلى الجمهور، فمخالفة المؤلف لهم لا يستدعي إنكار نسبة القول إليهم.
إلا إذا كان يرى أنَّ رأي الجمهور قد انتقض بمخالفة الزمخشري والسكاكي لهم، فيكون لاعتراضه وجه.
ومن ذلك - أيضًا - اعتراضه على السيد الشريف في جعله مثل:
أنا الذي سمّتني أمي حيدرة، وأنت الذي أخلفتني، ونحن قوم فعلنا، وأنتم قدم تجهلون - من باب الالتفات، حيث يرى أنه لم يتحقق النّقل فيها، ولو تحقّق لكانت منه.
مع أنّنا نجد أن كلام السيد الشريف مقبول، خاصة وأنه لم يجزم بكونها من الالتفات؛ وإنما قال: "لا يبعد أن يجعل مثل: أنا الذي سمّتني أمّي حيدرة الخ من باب الالتفات من الغيبة إلى التكلم أو الخطاب".
فيمكن توجيه كلامه، بأن هذا احتمال جائز، وهو وارد لأن فيه عدولًا عن صيغة إلى أخرى. فالصيغة التي هي على الظاهر: أن يقول: أنا الذي سمته أمه حيدرة الخ لأن الاسم الموصول اسم ظاهر، والاسم الظاهر بمنزلة الغائب، فكان مجرى الظاهر أن يأتي بغائب بعده، ولكنه عدل عنه إلى التكلم.
ومذهب السكّاكي يقبل مثل هذه الأمثلة التي أوردها السيد الشريف.
وهنا نجد تذبذبًا في تطبيق المؤلف، لأنه ذكر أنه يرتضي رأي السكّاكي في تفسير الالتفات سابقًا، ثم يشترط تحقق النقل هنا من صيغة إلى أخرى كما هو رأي الجمهور.
[ ٤٣ / ١٤٢ ]
وهذا التناقض ظاهر إذا نظرنا في قوله: "ومن هنا وما تقدم بيانه تبيّن أن كلًاّ من تغيير الأسلوب والنّقل عن صيغة إلى أخرى، أعم من الآخر من وجه، ولذلك جمعنا بينهما في تفسير الالتفات".
فهو إذن يجمع رأيي السكاّكي والجمهور، ويأخذ بهما جميعًا في الالتفات، فكان من الواجب عليه ألاّ يعترض على السيد الشريف في تلك الأمثلة التي أوردها، وأن يقبل ما قاله فيها، وذلك بناءً على أخذه برأي السكّاكي في الالتفات.
هذه بعض المآخذ التي تبّدت لي من خلال هذه الرِّسالة، وأسأل الله أن يعفو عني وعن المؤلف، وأن يتجاوز عن تقصيرنا، وأن يكتب لنا أجر المجتهد. إنه غفورٌ رحيم.
[ ٤٣ / ١٤٣ ]