السعي والتوكل
لامرية أن الإنسان مهما بلغ من الكمال، وعلا كعبه في الرقي، وتفلسف في الاختراع والاكتشاف وتمكن في الحضارة والتمدن ووصل في المعارف إلى رتبة لا تنال، وغاية ولا تدرك مفتقر إلى ما يقوت جسمه، ويمسك روحه وبدنه، من لدن نشؤه إلى يوم وفاته، (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد).
لم يفرق سبحانه في هذا الافتقار بين صغير وكبير، وغني وفقير، وعامل وجاهل، بل جعل الكل مفتقرين إليه محتاجين إلى منه وكرمه، ولم يدعهم وشأنهم بل هيأ لهم سبحانه أسبابًا يتعاطونها، وأدر لهم الضرع، وأنبت لهم الزرع، وخلق ليلًا يسكنون فيه، ونهارًا يتعيشون في أوقاته، وجعل ما في هذا الكون لهم، (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه أن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) ترى أيها القارئ إذا أنعمت النظر في هذه الآية الكريمة أن يد الإنسان مبسوطة على هذا الكون بما فيه، وأن الكل مسخرون لأمره، منقادون لعمله وفكره، ولكن لم يشأ تعالى أمره أن يكون له ذلك هنيئًا مريئًا، سيغ الشرب لذيذ الطعم بل يسر له ذلك وذلله يسر وجعله بعيدًا منه بحيث يراه ثم أمره بالسعي إليه، والمشي والإقبال عليه، (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) فلابد من الجد والاجتهاد والتجول، ولا غنية عن السعي والكد والعمل، ولولا ذلك لهلك الناس، وفسد نظام وجودهم، وبطلت حكمة تميزا الخبيث والطيب منه، هذا (رسول الله) ﷺ مع انه خيرة الخلق لم يكن ليدع التكسب والعمل فقد سافر مع عمه المرة الأولى في تجارة إلى الشام وسافر إليها المرة الثانية أيضًا لتجارة لخديجة بنت خويلد مع غلام لها يدعى ميسرة فباعا بيعًا عظيمًا وربحا ربحًا جسيمًا، وقال (أحل ما أكل الرجل من كسبه وكل بيع مبرور).
وقال ﵊ وكان جالسًا مع أصحابه فنظروا إلى شاب ذي جلد وقوة يسعى فقالوا ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل الله فقال ﷺ لا تقولوا هذا فإنه إن كان يسعى على نفسه ليكفها عن المسئلة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين أو ذرية ضعاف ليغنيهم ويكفهم فهو في سبيل الله، وإن كان
[ ٢ / ١١ ]
يسعى تفاخرًا وتكاثرًا فهو في سبيل الشيطان وهؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبله قد اشتهر عن أكثرهم لاحتراف بحرف مخصوصة كالزراعة والتجارة والخياطة وغير ذلك وهؤلاء السلف الصالح ﵃ كانوا يكرهون البطالة أشد الكراهية، ويعدون صاحبها العضو الأشل في هذا المجتمع ومن عباراتهم تقعد عن الرزق وتقول اللهم أرزقني وقد علمت أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة فدع الحمول والكسل واسع لتستغني عن الناس، وقال عمر ﵁ ما من موضع يأتيني فيه الموت أحب إلي من موطن أتسوق فيه لأهلي أبيع واشتري، وقيل لأحمد ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده وقال لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي فقال هذا رجل جهل العمل أما سمع قول النبي ﷺ حين ذكر الطير فقال تغدوا خماصًا وتروح بطانًا، فذكر أنها تغدوا في طلب الرزق فاستبان بهذا أن لا مندوحة لا حد عن السعي والعمل ولا غنى له عن التكسب والكدح، وأن على المسلمين أن يحترفوا ولا يتجروا، ويضربوا في الأرض، عملًا بمقتضى دينهم، وإرشاد نبيهم، وأن من يزعم أن دينهم يأمرهم بالجمود والحمل والكسل، هو الجاهل الدنيء المتعصب، أو العدو الأحمق المتفرنج، هل يعقل أن دينًا بين الناس سبل الحضارة والتقدم، والعمل والتمدن، وجاءهم بالبينات والهدى، والتربية والآداب يأمر بالجمود، هل يتصور أن دينًا جاء بتنمية العقول، وتهذيب النفوس، يأمر بالحمول هل يتوهم أن دينًا جاء بعلو الهمة وكرائم الأخلاق، ومحاسن الصفات والآباء عن الدنايا يأمر الكسل كلا؟ فإن قلت ما قررته ودعوت إليه ينافي التوكل ويباين الانقطاع إلى الله تعالى وأين هو من قوله عز أسمه (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) وقوله ﵊ من انقطع إلى الله ﷿ كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب قلنا الجواب عن هذا يحتاج إلي شرح معنى التوكل وبيان حقيقته إذ يتوهم كثير أن التوكل ترك الرجل هذه الأسباب بتاتًا وإهمال نفسه بحيث يجعلهم كالثوب الخلق الملقى عن الأرض ثم يكون في حاجاته كلا على الناس وهذا كما لا يخفى لا يرتاب عاقل بمنعه وتحريمه لأنه مع مخالفته ما تقدم من صريح الأدلة آية الذل، وعلامة الهون والمسكنة والمؤمنون مبرؤن عن ذلك قال الله تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين إذا تمهد هذا فاعلم أن التوكل هو الركون إلى الله وحده واعتقاد أنه هو الفاعل المختار والكافر لأرزاق عباده والمسلم من حيث هو مسلم يعتقدان لا إله إلا
[ ٢ / ١٢ ]
الله وإن ما في هذا الكون من منع وإعطاء وموت وحياة وغنى وفقر بإيجاده تعالى وحده لا شريك له فيه وإن الكسر والسعي والعمل من سنن الله تعالى في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا وإن المسلم مأمور أن يتعاطاها ظاهرًا مع الإيقان أن المأثر هو الله تعالى فلا يكفيه الاعتقاد بدون العمل، ولا العمل بدون الاعتقاد بل لابد منهما كليهما لا يكون هذا مفسدًا للتوكل ولا منافيًا له أرأيت لو أن أرضًا مسبعة علمها إنسان وتحقق هلكه فيها هل يجوز له الشرع بحيلة التوكل حلولها. أو النوم فيها كلا وكذلك لا يجوز الشرع للمرء أن يعرض عن العمل، ويدع السعي حتى يهلك وصبيته، أو يموت وأهله، وصف رسول الله ﷺ المتوكلين ولم يصفهم بأنهم لا يكتسبون ولا يتعيشون بل وصفهم بأنهم يتعاطون هذه الأسباب معتقدين أن الفاعل هو الله سبحانه أخذك بالأسباب واعتمادك على رب الأرباب هو عين التوكل وثمرة التفويض، ولب الانقطاع، فالتوكل إذًا هو التوحيد الصرف الباعث على الشجاعة والإقدام وثبات القلب وعلو الهمة والاطمئنان لا كما يفتريه كثير من المتفرنجين فيزعمون أنه مخرب للبلاد مضر بالعباد وأن لا حياة للإنسان إلا بالاعتماد على نفسه. والركون إلى عمله. والثقة بحوله وقوته سبحانك ربنا وبحمدك. علمنا ما ينفعنا. ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا آله دبر هذا الكون بما فيه. وأمد أهله بالعون والقوة ندعه ونعتمد على أنفسنا آله له الملك والملوك. والعظمة والجبروت. أوجدنا من العدم ووهبنا هذه الحياة وكل شيء فيها نغفله ونتوكل على أنفسنا سبحانك ما عرفك الناس حق معرفتك فلا تهلكنا بما فعل السفهاء منا.
أيها المتفرنج بعدًا لك وسحقًا إن لم تتكل على مولاك. وتترك الثقة بنفسك وهواك. أين قوتك لو أمرضك. أين هولك لو أهملك. أين تدبيرك وحزمك لو سلب منك جوهرة عقلك. أين أنت من قوله تعالى لنبيه ﷺ (قل لا أملك بنفسي ضر ولا نفعًا إلا ما شاء الله) اللهم اجعلنا ممن يرجع فيه أموره إليك. ويعمل هو متكل عليك. ولا تكلنا إلى أنفسنا ترفة عين.
الاستعداد الإنساني
كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يحسانه.
من نظر في القرآن المجيد والأحاديث النبوية الشريفة ثم رجع إلى هذا العالم رأى أن النوع
[ ٢ / ١٣ ]
الإنساني هو الملحوظ بالعناية المقصود بالكرامة. خلق لأمر عظيم ألا وهو عبادة الله وحده والإقرار بربوبيتهوالإذعان لأوامره ونواهيه ثم أنه تعالى من كمال العناية به قد خلق فيه القابلية لذلك وأشهده على نفسه فشهد بالربوبية لله قبل هذا الظهور. يعرف هذا ويؤمن به من يقر بأن القرآن كلام الله (ولا كلام لنا مع من يجحد القرآن أو بعض آياته) قال تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلا شهدنا) ولم تذل هذه الشهادة أي هذه الفطرة والقابلية مركوزة فيه حتى يبرز من عالم الخفاء وتلده أمه بهذا العالم عالم الظهور. فكل مولود يولد على الفطرة وهي الجبلة السليمة المتهيئة لقبول كل فضيلة فأل للعهد والمعهود تلك الفطرة (فطرة الله التي الفطر الناس عليها) إن الله تعالى خلق في قلوب بني آدم هذه القابلية كما خلق في أسماعهم وأبصارهم قابلية للمسموعات والمرئيات فلو تركوا على تلك القابلية وهذه الفطرة ولم يعرض لهم ما يصدمهم عن النظر الصحيح ونصب الأدلة الجلية على التوحيد وصدق الرسول لأدر كوادين الفطرة، دين الإسلام، دين الحق، ولم يختاروا إلا الملا الحنفية السمحاء، يدلك على هذا ما وقع في رواية البخاري في تتميم الحديث (كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها من جدعاء) يعني أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلقة سليمًا من الآفات فلو ترك على الأصل لبقي كامل الخلقة بريئًا من العيوب لكن تعرض له بعض الآفات والنقائص فتجدع أذنه، ويوسم وجهه، فيخرج عن الأصل وكذلك الإنسان يولد ظاهرًا نظيفًا كاملًا شريفًا. مفطورًا على التوحيد والإذعان. مجبولًا على قبول الإسلام والإيمان. تناديه الفضائل من كل ناد. وتدعوه المعارف والعلوم بكل لسان. ولا يزال هدى شانه (حتى يعرب عنه لسانه) أي إلى زمان تمييزه وإدراكه (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمحسانه).
الإنسان من أول نشأته معرض للآفات البشرية، وقد تأتيه البلايا وتصيبه الرزايا فمن يزعم أنه متفان في إيصال النفع إليه مجتهد في دفع الضير عنه لا بوان لهما أعظم المنة حتى يسعيا في نقض هذا البناء وتخريب هذا العمران.
يولد الطفل فتذوق أمه من ألم الولادة ما الله أعلم به، ويتحمل أبوه من ثقل الكدح في استحصال القوت والكسوة له سيما أن كان فقيرًا ما يعدل ألم أمه زد على هذا ما ينالهما بعد ذلك بسبب معاناة التربية من أنواع العذاب. سهر ليالٍ. وقلق بال. أمراض مبرحة عوارض
[ ٢ / ١٤ ]
مترحة ولن يبرحا على ذلك حتى ينمو ذلك الطفل فيصير صبيًا فغلامًا فشابًا وعند ذلك يبتدأن في تعليمه ما تلقفاه من آبائهما من أنواع الكفر روى عن النبي ﵊ حكاية عن رب العزة (كل عبادي خلقت حنفاء فاغتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيري) ذكر الأبوين في الحديث الشريف باعتبار الغالب وقد يكون الموصل لهذا الشقاء غيرهما من شياطين الأنس. الأستاذ. والمعلم. والمربي. وإن لم يكونوا آباء يكون لهم التأثير على عقل الصبي أو الشاب وكذلك الصاحب المخالط سيما أن كان هناك ميل قلبي وشغف زائد.
يغدوا هذا الصبي الفطري لمدرسة علمية ليتعلم العلوم النافعة أو لمكان صناعي أو تجاري ليستفيد صنعة أو تجارة أو إلى مرب ليأخذ عنه الأدب والتربية الصحيحة فلا يلبث حتى يخرج تمثال أستاذه أو معلمه أو مربيه وهناك الطامة الكبرى مذلة الأقدام إن كان هذا الأستاذ أو المربي أو المعلم أجنبي أو خريج المدارس الأجانب ولا يأخذ منك الاستغراب أن تقول من أين سرى لنا هذا التفرنج وكيف أتتنا هذه اللوثة الغربية لأن حبك الشيء يعمي ويصم.
هذا الوباء الساري قد عظم في هذه الأزمنة حتى كان لا يخلو منه العالم والصالح فضلًا عن العوام السذج وأنا نرى أن دام هذا الداء وتغضينا عن السعي وراء الدواء كان الأمر أخطر، والخرق أكبر، أولى الناس سعيًا بتطهير هذه الجراثيم الفاسدة علماء الدين والأغنياء فالعلماء تبين المفاسد وتجاهر بها في المحافل والمساجد والأغنياء تقبل تلك الأقوال بالامتثال وتمتنع من ادخار أولادها يمثل هذه المد \ ارس خشية أن تتخلق بمثل هذه الأخلاق وتسعى بإنشاء مدارس إسلامية تعلم العلوم النافعة الخلية من شوائب الريب وتخلق بأخلاق أسلافنا العظام وحين إذ نرى التقدم الباهر الذي كان لأبنائنا الأول أعاد الله إلينا هذا المجد وباعد عنا الأغيار آمين.
[ ٢ / ١٥ ]