سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير. قال جل اسمه: والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق من الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى، ذو مرة فاستوى، وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدنى، فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى، ولقد رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى. إذ يغشى السدرة ما يغشى، ما زاغ البصر وما طغى، لقد رأى من آيات ربه الكبرى.
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام صادقون مصدقون منزهون عن الدعاوي الكاذبة ثبت ذلك بالبراهين القاطعة والحجج الدامغة. فأخبارهم بصدور أمر خارق للعادة واجب تصديقه والإذعان إليه.
إن الله جلت قدرته قد أيدهم بالتأييدات الإلهية وأظهر على أيديهم المعجزات الباهرة الدالة على صدق نبوتهم وحقيقة مدعاهم وخص نبينا ﷺ بأعظم المعجزات وأجلاها وأسماها وأسناها فمن ذلك الإسراء والمعراج وهما من المعجزات التي خص بها نبينا محمد صلى الله عليه وسل وقد جرى فيهما من خوارق العادات وغرائب الحوادث ما يقضي بالعجب العجاب ويؤكد سمو مقام الرسول العظيم صلى الله عليه وسل عند ربه ﷾.
من عرف مقام النبوة وتحقق أنها لا بد لها من التاييدات الإلهية وتيقن عظيم قدرة الله سبحانه ونه تعالى مطلق الإرادة واسع الأمر بيده ملكوت السموات والأرض يفعل بعباده ما يشاء ويختار لهم ما يريد ونظر إلى الخصوصية التي حازها سيد الخلق على الإطلاق الحبيب المصطفى والرسول المجتبى لا بد وأن يذعن بلا مراء لخبر المعراج والإسراء الدالين على عظيم قدرة الله ورفعه مقام هذا النبي العربي القرشي ﷺ الإسراء والمعراج وقوعهما ثابت لا شك فيه باتفاق جميع المسلمين وقد اتفق العلماء على أنهما في ليلة واحدة وأن فريضة الصلوات كانت في تلك الليلة وقد اختار الحافظ المقدسي أن ذلك في السابع والعشرين من رجب.
ثبت الإسراء والمعراج باليات السابقة والأحاديث الصحيحة المشهورة التي قاربت حد
[ ١١ / ١ ]
التواتر منها ما رواه مسلم بسنده إلى أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء قال ثم دخلت المسجد فصليت فيه كرعتين ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل ﵇ اخترت الفطرة قال ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل ﵇ فقيل من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد ﷺ قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير إلى أن قال ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال قال فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها قال فأوحى الله إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى فال ما فرض ربك على امتك قلت خمسين صلاة قال فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم قال فرجعت إلى ربي فقلت يا رب خفف على أمتي فحط عني خمسًاُ فرجعت إلى موسى فقلت قد حط عني خمسًا قال إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف قال فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى ﵇ حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت سيئة واحدة قال فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ﵇ فأخبرته فقال ارجع ربك فاسأله الخفيف فقال رسول الله ﷺ فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه أه وقد روى البخاري في صحيحه حديث المعراج بأطول من هذا وذكره عند عدة مواضع تركنا إيراده خيفة التطويل وروى البيهقي في الدلائل من طريق صالح بن كيسان عن الزهري عن أبي سلمة قال افتتن ناس يعني عقب الإسراء فجاء ناس إلى أبي بكر ﵁ فذكروا له فقال أشهد أنه صادق فقالوا أوتصدقه أنه أتى الشام في ليلة واحدة ثم رجع إلى مكة قال نعم أصدقه بأبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء قال فسمي بذلك الصديق قال القاضي عياض ما ملخصه اختلف هل كان الإسراء بروجه أو بجسده فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح ورؤيا في المنام وذهب معظم السلف (وذكر عددًا كبيرًا من
[ ١١ / ٢ ]
الصحابة والتابعين) إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة قال وهذا هو الحق وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين وقالت طائفة كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح قال العلامة القاري وهذا يشبه قول المعتزلة قال القاضي والحق من هذا والصحي أنه إسراء بالجسد والروح في القضية كلها وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار والاعتبار ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة وليس في افسراء بجسده وحال يقظته استحالة أه. وبيانه أن لفظة اسرى في الآية تدل على اليقظة لا النوم لأن معنى الإسراء لغة السير في الليل ولم يعهد على العرب أنهم أطلقوا على من حلم بشيء أنه أسرى به وادعاء المجازية هنا ضعيف جدًا لأنه فضلًا عن كون اعتبار الحقيقة هو الأصل مخالف للظاهر وقوله تعالى (بعبده) الذي هو اسم للروح والجسد يلائم اليقظة أيضًا ولو كان المراد الإسراء بالنوم مجازًا لقال أسرى بروح عبده مما يلاءم النوم ويدل على المجازية.
وأيضًا يفهم من التعبير بلفظ (سبحان) أن الإسراء باليقظة والجسد لأن معناه التنزيه وهو متضمن لمعنى التعجب فلو كان الإسراء منامًا لضاعت لكنة التعجب إذ الرؤيا المنامية لا تقضي العجب ولو كان بالروح لخفيت لكنة التنزيه إذ ليس للروح تمييز وليس في الإسراء بها ما يوهم أمرًا يوجب التنزيه.
وأيضًا بين سبحانه بقوله (لنريه من آياتنا) الغاية والحكمة من الإسراء وهو إراءة الله تعالى هذا النبي الكريم من الآيات المخصوصة به ﷺ التي ما شرف بإراءتها أحدًا من الأنبياء غيره ولو كانت منامية لما كان فيها مزية عظيمة ولا حكمة بالغة وقد قال سبحانه لقد (رأى من آيات ربه الكبرى) ومما يؤكد أنه بالجسد واليقظة قوله جل اسمه في الآيات السابقة (ما زاغ البصر وما طغى) إذ ليس للروح بصر حتى ينفي عنه الزيغ والطغيان ولو قيل بالمجازية ففضلًا عن كونه خلاف الأصل بنافيه ظاهر سياق الآية لأنها مسوقة للمدح وتعداد المزايا وأي مزية بل أي مدح في نفي الزيغ والطغيان عن بصر النائم.
وأيضًا قوله تعالى (وما جعلنا الرؤيا الني أريناك إلا فتنة) يدل على ذلك ومثل ذلك الأحاديث الصحيحة على أنه حصل للكفار إنكار واستبعاد وتكذيب لهذا الخبر وارتد به
[ ١١ / ٣ ]
بعض من أسلم من الضعفاء وافتتنوا به وما ذلك غلا لأنهم فهوا أن الإسراء والمعراج كانا بالجسم واليقضة إذ لو كانا بالنوم والروح لما كان في ذلك ما يوجب الاستبعاد والتكذيب والافتتتان لأن مثل هذا في حال النوم لا ينكر على آحاد الناس فضلًا عن سيد الأنبياء ﵊ وذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير في قوله تعالى (ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى) يعود لجبريل ﵇ أي أن النبي ﷺ رأى سيدنا جبريل ﵇ مرة أخرى على صورته الصلية عند سدرة المنتهى ومعلوم أن المرة الأولى كانت عند بدء البعثة وكانت على يقظة بإجماع المسلمين فلو حملت هذه على الروحية لما كان في الأخبار بلاغة واستغراب لأن النبي ﷺ كان يرى سيدنا جبريل ﵇ رؤيا روحية في أكثر الأوقات.
وأما دلالة الأخبار فإن ما ذكر في الحديث المتقدم من إتيان جبريل ﵇ بالبراق للنبي ﷺ وركوبه ﵊ على البراق وربطه بالحلقة ودخوله المسجد وصلاته فيه بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومجيء جبريل ﵇ له بالإنائين وإخباره النبي ﷺ بأنه اختار الفطرة واستفتاح جبريل السماء وسؤال الملك بقوله أو قد بعث إليه يعني النبي ﷺ وسلام النبي ﷺ على الأنبياء وترحيب الأنبياء به وذهاب جبريل ﵇ على سدرة المنتهى ووصفه ﷺ لها وفرض الله تعالى عليه وعلى أمته الصلاة ومراجعة ﷺ لربه جل شأنه بالتخفيف بإشارة سيدنا موسى ﵇ وغير ذلك مما ذكر في حديث مسلم المار وغيره كله ظاهر الدلالة على اليقظة والجسد والحمل على ذلك حمل على الحقيقة وهو الأصل والحمل على حالة النوم خلاف الظاهر والأصل من غير داع إليه وما ذكر في حديث البيهقي من إنكار الذين جاؤوا إلى ابي بكر ﵁ وقالوا له أو تصدقه أنه أتى الشام في ليلة واحدة يدل صراحة على اليقظة والجسد ويمنع احتمال النوم قطعًا وأما دلالة الاعتبار فالمراد به المقايسة يعني إذا ثبت إسراؤه من الحرم إلى الحرم معجزة بدلالة الآية فلم لا يجوز إسراؤه إلى السماء بالمقايسة المقرونة بالأحاديث الثابتة إذ لا فرق بينهما في تعلق الإرادة والقدرة.
وأما عدم استحالته أي عقلًا وشرعًا فبيانه أن كفار قريش وبعض ضعفاء المسلمين توهموا
[ ١١ / ٤ ]
أن قطع مثل هذه المسافة ذهابًا وغيابًا في بعض ليلة محال عقلًا لأن مثل هذه المسافة لا تقطع عادة إلا في أيام كثيرة وأن بعض علماء الهيئة قالوا أن الفلاك لا فرجة فيها ولا تقبلالخرق والالتئام والجواب أن الأجسام كلها متماثلة في قبول الإعراض من قطع مسافة وخرق والتئام وغير ذلك وأما سرعة قطع المسافة فقد ثبت في الهندسة أن ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرفي الكرة الأرضية مائة ونيفًا وستين مرة ثم أن طرفها الأسفل يصل لموضع طرفها الأعلى في أقل من ثانية والطير والريح مشاهد سرعة قطعهما المسافة والله تعالى قادر على كل الممكنات فيقدر على أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي ﷺ ا، فيما حمل عليه وقد دل القرآن على نقل عرش بلقيس من مسافة بعيدة بأقل من طرفة عين.
وأما الخرق والالتئام فهو مشاهد في الماء والسماء مماثلة له في الجسمية فما جاز على جسم بقدر الله تعالى يجوز على جسم آخر على أن النصوص الصحيحة قد نطقت بأن السماء لها ابواب تفتح وتغلق فلا عبرة بغيرها فإن قال قائل يلزم من إثبات وقوع المعراج محال لأن فيه ألفاظًا توهم المكان والقرب وغير ذلك مما هو محال نسبته إلى الله تعالى.
قلنا الألفاظ التي توهم ذلك هي من المتشابه التي ورد القرآن والأحاديث الصحيحة كثير منها فأما إن تؤل كما هي قاعدة الخلف وإما أن يفوض العلم بها إلى الله كما هي قاعدة السلف وقد حققا ذلك في الجزء الحادي عشر فارجع إليه إن شئت وهنا نلفت أنظار الوعاظ والمدرسين الذين يقرؤون قصة المعراج الشريف على أسماع العامة في المساجد إلى تبيين هذا الجواب بأوسع مما ذكرنا مخافة أن يعلق في أذهان العامة ما يخالف عقيدة المسلمين.
[ ١١ / ٥ ]