الزهاوي يرى في المرأة غير رأي القرأن
(٣)
أما نقص المرأة في الميراث عن الرجل فتتضح حكمته مما يأتي:
كان العرب قبل الإسلام يتوارثون بسببين: النسب والعهد أما للنسب فكان خاصًا بالرجال الذين يركبون الخيل ويقاتلون الأعداء ويأخذون الغنائم ليس للنساء ولا للأطفال شيء من ذلك.
وأما العهد فهو يشمل صورتين: الأولى الحلف كان الرجل يقول للرجل دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، فإذا تعاهدا على ذلك فمات أحدهما قبل الأخر كان للحي ما اشترط من مال الميت والثانية التبني كان الرجل يتبنى ابن غيره فينسب إليه دون أبيه من النسب ويرثه ولما جاء الإسلام تركهم في أول الأمر على ما كانوا عليه ثم أبطل التبني لما أباح لرسوله ﷺ أن يتزوج زينب جحش مطلقة متبناه زيد بن حارثة ﵁ بآية (فلما قضي زيد منها وطرًا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرًا) وأبطله أيضًا بآيه (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) وبآية (أدعوهم لآبائهم) روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال أن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ماكنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن (داعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) فقال النبي ﷺ أنت زيد بن حارثة بن شراحيل.
وأبطل العهد بآيات الميراث وبآية (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وأبطل بآية (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الاثنيين) منع توريث النساء على وجه بليغ حيث قال للذكر مثل حظ الانثيين ولم يقل للأنثى نصف حظ الذكر كأنه جعل إرث المرأة مقررًا معروفًا، وإرث الرجل محمولًا عليه، ويعرف بالإضافة إليه، وأبطل بها أيضًا منه توريث الأطفال لأنه أثر اسمي الذكر والأنثى على الرجال والنساء تنصيصًا على استواء الصغار والكبار من الفريقين في الاستحقاق ومن جميع ذلك تعلم أن الإسلام جاء لرحمة المرأة لا لهضم حقوقها كما زعم الكاتب والحكمة في جعل حظ الذكر كحظ الانثيين
[ ٥ / ٩ ]
هي أن الذكر يحتاج إلى الإنفاق على نفسه وعلى زوجه أما النساء فلا يحتجن إلى المال لأن نفقتهن على ازواجهن ولأن النساء مظنة الإسراف وخصوصًا فيما يتعلق بأمور الزينة والرجال أعلم بقدر المال لعلمهم بمقدار التعب والكد في تحصيله فلا ينفقونه إلا في محل الحاجة إليه غالبًا بخلاف النساء وله حكم كثيرة لا تخفى على الفطن.
(وقد بلغ بنا الحديث إلى مسئلة الحجاب)
الحجاب أس فضائل النساء، وعليه يرتكز جميع مالهن من حياء وصيانة وعفة وأمانة ولولاه لبقيت هذه الأسماء قليلة المسميات في أخلاق النساء ومن ذا ينكر أن اجتماع النساء والرجال في مكان واحد خصوصًا بلباس الزينة الذي يستحيل أن تخرج أو تختلط المرأة بدونه يحدث تيار غرام لا يقطعه في الغالب إلا الوصال فإن الإنسان ليس في وسعه مغالبة شهواته بالوازع العقلي ولا بالوازع الديني إذا أبيح ترك الحجاب على هذا المبدأ الشريف [الحجاب] بني حياء المرأة وغيرة الرجل ومتى أبيح تركه تعودت المرأة على عدم التأثر بعاطفة الحياء الذي هو من أشرف خصالها واعتاد الرجل على أن لا يبالي بنظرات الأجانب ومغازلة الأباعد والأقارب، مما يضعف وصف الغيرة فيه.
ولا يظنن ظان أن تعليم النساء يكفل لنا صونهن فإن التعليم مهما بلغ ليس بقادر أن ينزع من الرجل والمرأة ما جبلا عليه من انعطاف كل للآخر ذلك الانعطاف الفطري فكان من رحمة الله بالبشر أن شرع الحجاب ولولاه لوقعت الفوضى في النساب تلك مقدمات تكاد تكون بديهية في نظر العقل ولا ينكر أحد ما لترك الحجاب من المضار العظيمة إلا رجل محجوب عن النظر لهذا المجتمع البشري وحوادثه.
فإن في أحوال الأمم التي اعتادت الابتذال عظة لقوم يعقلون مع كل ما للحجاب من الفوائد الدينية والأدبية نرى بعض جهلاء الكتاب ينسبون له من المضار كثيرًا مما يوحي به إليهم شيطان الغرور حتى كادوا لا يتركون في معاجم اللغة لفظًا يدل على مفسدة إلا الصقوه بهذه الفضيلة وقد ذكر الكاتب طرفًا من ذلك ومن رأينا أن لا نتكلف الرد عليه في ذلك فإن الوقت أجل من أن يصرف في رد مثل هذه السفاسف البديهية البطلان إنما نبين الحق في مسئلة الحجاب مستمدين من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ (وماذا بعد الحق إلا الضلال).
[ ٥ / ١٠ ]