[ ٦ / ٣١ ]
الزهاوي يرى في المرأة غير رأي القرآن
الحجاب المبحوث عنه مجموع أمرين ملازمة البيت وستر الوجه ويظهر من كلام الكاتب أنه منكر لكلا الأمرين لأن المضار التي زعم ترتبها على الحجاب بنى بعضها على الحبس في البيوت وبعضها على عدم كشف الوجه ونريد هنا أن نبين أن كلا الأمرين شرعي يأمر به الدين أما الأول فدليله قوله تعالى (وقرن في بيوتكن) قال العلامة الآلوسي في تفسيره الخطاب للنساء الرسول ﷺ والمراد أمرهن رضي الله عليهن بملازمة البيوت وهو أمر مطلوب من جميع النساء أخرج الترمذي وليزار عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال إن المرأة عورة فإن خرجت من بيتها انتشر فيها الشيطان وأقرب ماتكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها وأخرج البزار عن أنس قال جئن النساء إلى رسول الله ﷺ فقلن يارسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله فهل لنا عمل ندرك به فضل المجاهدين فقال ﵊ من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى. وقد يحرم عليهن الخروج بل قد يكون كبيرة كخروجهن لزيارة القبور إذا عظمت مفسدته وخروجهن ولو إلى المسجد وقد استعطرن وتزين إذا تحققت الفتنة أما إذا ظنت فهو حرام غير كبيرة وما يجوز من الخروج كالخروج للحج وزيارة الوالدين وعيادة المرضى وتعزية الأموات من الأقارب ونحو ذلك فإنه يجوز بشروط مذكورة في محلها أهم.
وأما الثاني فدليله قوله تعالى (قل للمؤمنين بغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم أن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولايبدين زينتهن إلا ماظهر منها إلى آخر الآية) - (قال الألوسي قي سبب نزول هذه الآية) أخرج إبن مردوية عن علي كرم الله وجهه_قال مر رجل على عهد رسول الله ﷺ في طريق من طرقات المدينة فنظر إلى امرأة ونظرت إليه فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجابًا به فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط وهو ينظر إليها إذا استقبله الحائط فشق أنفه فقال والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله ﷺ فأخبره أمري فأتاه فقص عليه قصته فقال النبي صلى الله عليه
[ ٦ / ٣٢ ]
وسلم هذا عقوبة ذنبك وأنزل الله تعالى الآية)
بدأ الله سبحانه الآية بالإرشاد إلى غض البصر لما في ذلك من سد باب الشر فإن النظر سهم مسموم من سهام ابليس وهو بريد الزنا ورائد الفجور ولله در من قال:
والمرء مادام ذا عين يقلبها في أعين العين موقوف على الخطر
يسر ناظره ما ساء مهجته لا مرحبًا بسرور عاد بالضرر
فأوجب غض البصر عما يحرم النظر إليه_وجاءت السنة السنية بالعفو عن نظرة الفجأة التي لاتعمد بها قال ﵊
(لاتتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس لك الآخرة).
ومحل الاستدلال على المدعى قوله تعالى (ولا يبدبن زينتهن إلا ما ظهر منها) قا القاضي البيضاوي في تفسيره (ولا يبدين زينتهن) كالحلي والثياب والأصباغ فضلًا عن مواضعها لمن لا يحل أن تبدى له (إلا ما ظهر منها) عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم فإن في سترها حرجًا وقيل المراد بالزينة مواضعها على حذف المضاف أو ما يعم المحاسن الخلقية والزينة_والمستثنى هو الوجه والكفان لأنها ليست بعورة_وإلا ظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر_فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج ومحرم النظر إلى شيء منها إلا للضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة.
وقال الزمخشري في الكشف لزينة ماتزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب فما كان ظاهرا منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا بأس بإبقائه للأجانب_وماخفي منها كالسوار والخلخال والدماج (٣) أو القلادة (٤) والإكليل (٥) والوشاح (٦) والقرط (٧) فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورين.
وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لايحل النظر إليها لغير هؤلاء وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن فنهي عن إبداء الزينة نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله كان النظر إلى المواقع أنفسها ممكنًا في الحظر ثابت القدم في الحرمة وشاهدًا على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتيقن الله في الكشف عنها.
[ ٦ / ٣٣ ]
وكلام البيضاوي مبني على مذهب الإمام الشافعي ﵁ من أن الوجه والكفين عورة في غير الصلاة_وكلام الزمخشري مبني على مبنى الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه_من أنهما ليسا بعورة مطلقًا وفي ظاهر القولين خلاف لكن متى علمت أن مذهب الإمام أبي حنيفة معلل بالضرورة ومقيد بعدم خوف الفتنة وأن مذهب الإمام الشافعي جواز النظر للضرورة كما رأيت في عبارة البيضاوي سهل عليك أن تحكم بأن القولين يؤديان إلى نتيجة واحدة_ألا وهي عدم جواز النظر - لأن شرط أمن الفتنة مفقود التحقق في هذا الزمان.
وقد نص السادة الحنفية على أن الشك في حصول الفتنة موجب للتحريم_قال في الدر المختار_فإن خاف الشهوة أوشك امتنع نظره إلى وجهها (أي الأجنبية) فحل النظر مقيد بعدم الشهوة وإلا فيحرم وهذا في زمانهم أما في زماننا فممتنع من الشابة قهستاني وغيره.
وقال الله تعالى في حق نساء النبي ﷺ (وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب) - قال الألوسي في تفسير هذه الآية أخرج البخاري وابن جرير وابن مردوية عن أنس ﵁ قال قال عمر ابن الخطاب ﵁ يارسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله تعالى آية الحجاب وأخرج ابن جرير عن عائشة أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن في الليل إذا برزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح وكان عمر ابن الخطاب ﵁ يقول للنبي ﷺ أحجب نسائك فلم يكن رسول الله رسول الله ﷺ يفعل فخرجت سودة بنت زمعة ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فناداها عمر ﵁ بصوته الأعلى قد عرفناك ياسودة_حرصًا على أن ينزل الحجاب فأنزل الله تعالى الحجاب وذلك إحدى موافقات عمر رضي الله عته وهي مشهورة.
وقال الله تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) _ذكر العلامة الواحدي في أسباب النزول قال كانت نساء المؤمنين يخرجن بالليل إلى حاجتهن وكان المنافقون يتعرضون لهن ويؤذوهن فنزلت هذه الآية وقال السدي كانت المدينة ضيقة المنازل وكان النساء إذا كان الليل خرجن فقضين الحاجة وكان فساق المدينة يخرجون فإذا رأوا المرأة عليها قناع قالوا هذه حرة
[ ٦ / ٣٤ ]
فتركوها وإذا رأوها بغير قناع قالوا هذه أمة فكانوا يراودونها فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وجلابيب جمع جلباب وهو على ما روي عن ابن عباس الذي يستر من فوق لأسفل ولإدناء التقريب وضمن معنى الإرخاء والسدل ولذلك عدي بعلى وفي الكشاف معنى بديني عليهن يرخين عليهن يقال إذا دلَ الثوب عن وجه المرأة أدنى ثوبك على وجهك.
والمراد بعليهن على جميع أجسادهن وقيل على رؤوسهن أو على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهم أما كيفية هذا الستر في الجاهلية هو الوجه فقد اخرج ابن جرير عن محمد ابن سيرين قال سألت عبيدة السلماني عن هذه الآية فرفع ملحفة كانت عليه فتقنع بها وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطي وجهه وأخرج عينه اليسرى من شق وجهه الأيسر ويوجد روايات أخر في الكيفية قريبة في المعنى مما ذكر
هذا غيض من فيض مما يمكن أن يستدل به من كلام الله وسنة رسوله على مشروعية الحجاب وقد وعدنا أن لانرد على الكاتب فيما رآه من مضار الحجاب ويكفينا أن نبين للقراء أن الله أمر به ولاشك أن القارئ المسلم يكتفي بذلك ويعلم أن الله لم يشرع لعباده إلا مافيه خيرهم وسعادتهم ويحسن بنا أن نختم مقالنا بقصيدة منقولة من المجلد (١٢) ص (٣٥١) من مجلة (المنار) في الحجاب من نظم أحد أدباء العراق في معارضة بعض شعراء العصر قال:
لنعم مؤدب الخفرات يقمن به إلى يوم الممات
يقرن به كواكب في بروج ولايعدونه متبرجات
فمالك ياغيور نظمت شعرًا نثرت به عقود البينات
تعرض في نساء القوم قدمًا وتعرض عن أوامر صادعات
فقد قال الإله وقرن أمرا يؤدب فيه خير الأمهات
فإن تفهم سوى المعنى فبين وإن تزعم له نسخًا فهلت
نشدتك هل قصدت بذا بيانًا على حسن اقتدار والتفات
أواستنبطت ذا من فعل خير ال نساء العالمات العاملات
فإن تك أُمَنا في العلم بحرًا تحل لسائليها المشكلات
فقد كان المعلم خير زوج بحجرة بيته لا المدرسات
[ ٦ / ٣٥ ]
وقد كان الأولى سئلوا علومًا بنيها لاالبعيد من العدات
فمن تغدوا على ال. . . كيما تعلم ضرب عودا وكرات
وتأتيها الرجال تنال منها فتؤتى في منازلها وتأتي
كمن أخذت عن المختار علمًا وعلمت البنين أو البنات
قياس لاينسم في هواه ولاينساغ في ماء فرات
فهل هذا لعمر أبيك إلا كتسوية الذين مع اللواتي
وما ذكر كأنثى نص فيها ال كتاب مقال إحدى العالمات
ونقصان النساء حجًا ودينًا صحيح في مسانيد الروات
أَأُم المؤمنين إليك نشكوا مصيبتنا بهتك المؤمنات
يريد الله أن يغضضن طرفًا ويدنين الجلابب ساترات
ولا يبدين زينتهن إلا لطفل ليس يعلم بالهنات
ويسئلن الالمتاع ورا حجاب ويلقين الرجال محجبات
فكيف يليق أن تلقي حجابًا وتبرز بين الأعضاء الأُبات
فتلك مصيبة ياأم منها تكاد نغص بالماء الفرات
هذا وقد كان لمقالة الكاتب الزهاوي وقع سيء في جميع البلاد الإسلامية وقد ردت عليه كثير من الصحف في سوريا ومصر وغيرها وكما ذكرنا في العدد الخامس أن الحكومة فصلته من وظيفة التدريس وشكرنا عنايتها بالدين المبين.
وكانت الصحف متباينة الفكر فيما فعلته الحكومة فريق يثني عليها ويشكرها وفريق ينتقد عملها ويقول أنه ضغط على حرية الأفكار.
وفصل الخطاب في ذلك ما ذكرته مجلة (المنار) بقلم صاحبها محل الشاهد منه باختصار_قال:
هذه الأحكام التي اعترض عليها الكاتب اعتراض تهكم وازدراء هي من القوانين الشرعية التي يحكم بها في محاكم الدولة الدستورية وهي من دين الإسلام الذي هو الدين الرسمي للدولة العثمانية بمقتضى قانونها الأساسي.
_ وقانون المطبوعات الذي وضعه وأقره مجلس الأمة لا يبيح الاعتراض والتهكم بدين
[ ٦ / ٣٦ ]
الحكومة التي يجب عليها حمايته بل ولا بغيره من الأديان التي أقرتها الحكومة الدستورية في بلادها فالدستور العثماني لا يبيح إذًا نشر تلك المقالة التي نشرت باسم الزهاوي فالذي ينتصر له بعد العلم بحقيقة ذنبه في نشرها يكون جانبًا على الدستور خارجًا عن محيط الحرية التي يشترط عند جميع الأمم أن لا يتعدى بها حدود القوانين التي عليها العمل.
لو أن الزهاوي اتبع سبيل الحكمة والعقل في اعتدائه حدود القانون والشرع لقال كثير من العقلاء أنه يستحق الرأفة في الحكم. وأين الحكمة والعقل ممن يزعم أنه يريد إصلاح قوم فينكر عليهم ما هو ثابت في أصل دينهم وكتاب ربهم لأنه لا يفقهه ولا يدري ما حكمه إلى أن قال بعد هذا كله_أقول فيما ذكر من عزله واضطهاد الناس له أنه كان ينبغي له أن يسأل أولًا عن هذه المقالة فإن اعترف بأنه هو الكاتب لها فللحكومة أن تعزله قائلة أنه لاينبغي أن يدرس الشريعة من ينكر أصلها إلا حكم وسراجها إلا نور للناس أن ينكروا عليه ذلك إذ لا يأمن آباء التلاميذ على أولادهم من يشككهم في عدل شريعتهم وحقبتها ويجب عليهم شرعًا أن يطالبوا الحكومة بمنعه من التدريس ويجب على الحكومة أن تجيبهم إلى ذلك وإذا رفع أمره إلى القاضي الشرعي وثبت عنده أنه هو الذي تهكم بالشريعة ونسبها إلى الجور والظلم في أحكام الإرث والطلاق وتعدد الزوجات_فعليه أن يحكم بردته ويفرق بينه وبين زوجته إن كانت مسلمة.
[ ٦ / ٣٧ ]