جاءتنا هذه الرسالة من الفاضل صاحب الإمضاء
التلفيق في التقليد باطل ولا يحل لأحد أن يعمل به كما نص على ذلك المحققون في الأصول والفروع قال العلامة القرافي (وهو من كبار محققي الأصوليين) في شرح تنقيح الفصول في الأصول ما نصه قال يحيى الزناتي تقليد المذاهب في النوازل والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط أن لا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد وأن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره إليه ولا يقلده رميًا في عماية وان يتتبع رخص المذاهب.
وقال في الدر المختار ما نصه الحكم الملفق باطل بالإجماع وقال العلامة المحقق ابن عابدين في حاشيته عليه المراد بالحكم الحكم الوضعي كالصحة مثاله متوضئي سال من بدنه دم ولمس امرأة ثم صلى فإن صحة هذه الصلاة ملفقة من مذهب الشافعي والحنفي والتلفيق باطل فصحته منتقية ثم نقل العلامة المذكور ابن عابدين عن الآمدي وابن الحاجب وغيرهم (وهم أجلاء علماء الأصول) أنهم نصوا على عدم التقليد بعد العمل (وهذا ليس نصًا في حرمة التلفيق لكنه يشير لذلك كما ستضح إن شاء الله الآن) وقال العلامة ابن حجر ﵀ في الفتاوى الحديثية ما مفاده لمقلد غير أمامه أحوال ذكرها السبكي أخذا من كلامهم إلى أن قال الحالة الرابعة أن يقصد مجرد الترخص فيمتنع لأنه حينئذ متبع لهواه لا للذين. الحالة الخامسة أن يكثر منه ذلك بحيث يصير متتبعًا للرخص بأن يأخذ من كل مذهب بالأسهل منه فيمتنع أيضًا لأنه يشعر بانحلال ربقة التكليف الحالة السادسة أن يجتمع من ذلك حقيقة مركبة ممتنعة بالإجماع فيمتنع كأن يقلد شافعي مالكًا في طهارة الكلب ويمسح بعض رأسه ويصلي لأن صلاته حينئذ لا يقول بها مالك ولا الشافعي (وكفى بنص العلامة السبكي ﵀ على حرمة التلفيق بيانًا) وقال أيضًا أي العلامة ابن حجر في تحفته ما نصه ومحل ذلك وغيره من سائر صور التقليد ما لم يتتبع الرخص بحيث تنحل ربقة التكليف من عنقه وإلا أثم به بل قيل فسق ثم قال ما مؤداه ومن عمل في مسئلة على رأي إمام فلا يجوز له أن يقلد غيره في المسئلة نفسها اتفاقًا إذا بقي من آثار العمل الأول ما يلزم عليه مع الثاني تركب حقيقة لا يقول بها كل من الإمامين كتقليد الشافعي في مسح بعض الرأس ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة وقال الجلال المحلي في شرح جمع
[ ٦ / ٦ ]
الجوامع الأصح أنه يمتنع الرخص في المذاهب أي بأن يأخذ من كل منها ما هو إلا هون فيما يقع من المسائل ونقل العلامة الشطي عن حاشية الخلوتي على المنتهى وعن الشيخ عثمان النجدي الحنبلي وعن العلامة السفاريني الحنبلي أنهم نصوا على المنع من التلفيق وذكراي العلامة الشطي ﵀ أن كتب الحنابلة تفيد جواز التقليد ما لم يتبع الرخص ونقل العلامة صاحب الوسم عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال إذا تجدوا لي نصًا في مسئلة فأقول بمذهب ابن أدريس فما تقدم من نصوص المحققين في الأصول والفروع يفيد عدم جواز التلفيق حتى عند الإمام أحمد فإن الحنابلة لم يجوزوا التقليد إذا أدى إلى تتبع الرخص فالتلفيق إن لم يكن أولى بالمنع من تتبع الرخص فليكن نظيره إذ متتبع الرخص يأخذ من كل مذهب بالسهل لكنه يراعي ما لابد عنه من يقلد والملفق يفعل ذلك ولا يراعي ما لابد منه فنصهم على عدم جواز التقليد إذا أدى إلى تتبع الرخص برهان قاطع على عدم جواز التلفيق.
ولاشك أن ما حكاه ابن حجر والسبكي من حرمة التلفيق جار على قواعد الإمام الشافعي ومذهبه فإذا فرض أن الإمام أحمد لم ينص على حرمة التلفيق فليكن هذا قولًا له أخذا مما نقله عنه العلامة صاحب الوسم ومن لم يقبل بذلك فلا أقل من توقفه حتى يطلع على نص معتمد سالم من الطعن وافي به وفيما نقله المحقق ابن عابدين عن ابن الحاجب والآمدي وغيرهم من عدم جواز التقليد بعد العمل دليل واضح على عدم جواز التلفيق بعد العمل سواء بقى على عمومه أو خص بما إذا ترتب عليه التلفيق، وبقي ما إذا كان التلفيق قبل العمل فهذا وإن لم ينص هؤلاء على منعه يؤخذ من تعليل الكثيرين امتناع تتبع الرخص بأنه يؤدي إلى انحلال ربقة التكليف إذا التلفيق يؤدي إلى ذلك بل العلة المذكورة فيه أظهر على ما بيناه لك آنفًا.
وكيف يليق التلفيق بهذه الشريعة الحنيفية السمحة وهو أمر لا تضبط معه الحكام ولا يتميز به الحلال من الحرام بل هو الضربة القاضية على قواعد الشرع الشريف ونظام الاجتماع وأحقاق الحق الذي جاء به الدين الإسلامي وخطره على الدين والملة لا ينكر ولو فتح هذا الباب لأفسد شأن الأمة والقول بأنه يلزم من عدم جواز التلفيق إلزام العامي بمذهب معين وتكليفه بما فيه حرج عليه لا يظهر له وجه إذا لزام العامي بمذهب هو أن يلتزمه في جميع
[ ٦ / ٧ ]
المسائل ولسنا نكلفه به واشتراطنا عليه أن لا يأتي بمناف عند من يقلده لا حرج فيه ولا يلزم منه اشتراط معرفة الشروط والأركان والمفسدات ونحوها إذا الشرط أن لا يترك ما لا بد منه عند من يقلده كما تقدم وهذا سهل موجود في كثير من الأمة وإذا فرضنا وجود أفراد بخلون بذلك فإنجاب التعلم عليهم أولى من القول بجواز أمر يؤدي إلى التلاعب بالدين ويشوش على الأمة قواعدها وأي حرج على العامي وهو بين أظهر العلماء وفي بلاد المسلمين إذا كلف بأن لا يترك شيئًا لابد منه عند من يقلده وقد قال تعالى (فاسئلوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون) وقال ﷺ (طلب العلم فريضة على كل مسلم) وقد نص الفقهاء في كثير من المسائل على أن الجاهل لا يعذر فيها ما لم يكن قريب عهد بالإسلام أو نشأ بعيدًا عن العلماء فإذا توضأ شخص ومسح بعض رأسه ثم مس فرجه فوضوءه لا يجوز له أن يصلي به لا على مذهب الشافعي ولا على مذهب الحنفي لأن وضوءه باطل عندهما فادعاء أن هذا الوضوء صحيح بالاتفاق ليس بصحيح إذ هذا الوضوء لا يقول به واحد منهما على انفراده فضلًا عن الاتفاق وكذا القول بان هذا إنما قلدا بالحنيفة وجوده فكيف يعقل استمرار ما لا وجود له والاستدلال لجواز التلفيق بأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه قال لمن استفتاه يجب عليك أن تراعي أحكام مذهب من قلدته لا يفيد ذلك أما أو لا فلأنه لا يلزم من عدم نقل ذلك عنهم انهم لم يبينوه لمن يسئلهم وثانيًا لو سلمنا عدم بيانهم لذلك لا يلزم منه وقوع التلفيق من السائل بالفعل ومن زعمه فعليه إثبات صدور ذلك منهم وإذا جزم المحققون بحرمة التلفيق بعد إطلاعهم على ذلك فالوقوف عنده أولى إلى أن يثبت نقل صحيح يخالفه وأنى بذلك فيؤخذ مما ذكرناه حرمة التلفيق وهو الحق الأحق بأن يتبع فنسئله تعالى أن يلهم الجميع صوابًا، ونعوذ من جهل بدا بسببه سوء الفهم والله أعلم.
الحقائق. وإليك بعض
(أقوال علماء الأصول في إبطال التلفيق وتتبع الرخص زيادة على ما تقدم) الأسنوي في منهاجه
(فرعان) حكاهما ابن الحاجب (الثاني) إذا قلد مجتهداص في مسئلة فليس له تقليد غيره فيها إتفاقًا.
[ ٦ / ٨ ]
وقال أيضًا ص (٣٥٠) (فائدتان) إحداهما ذكر القرافي في شرح المحصول أن تقليد مذهب الغير حيث جوزناه شرطه أن لا يكون واقعًا في أمر يجتمع على إبطاله الإمام الذي كان على مذهبه والإمام الذي انتقل إليه فمن قلد مالكًا مثلًا في عدم النقض باللمس الخالي عن الشهوة وصلى فلابد أن يدلك بدنه ويمسح جميع رأسه وإلا فتكون صلاته باطلة عند الإمامين.
ابن الهمام في التحرير ص (٣٥١) جزء (٣) وقيده [أي جواز تقليد غير أمامه) متأخر بأن لا يترتب عليه ما يمنعانه فمن قلد الشافعي في عدم الدلك ومالكًا في عدم نقض اللمس بلا شهوة وصل أن كان الوضوء بذلك صحت وإلا بطلت عندهما ابن أمير حاج في شرح التحرير ص (٣٥٢).
قال الروياني يجوز تقليد المذاهب والانتقال إليها بثلاثة شروط أن لا يجمع بينهما على صورة تخالف الإجماع كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد.
الغزالي في المستصفى ص (٣٩١) وليس للعامي أن ينتقي من المذاهب في كل مسئلة أطيبها عنده فيتوسع بل هذا الترجيح عنده كترجيح الدليلين المتعارضين عند المفتى فإنه يتبع ظنه في الترجيح فكذلك ههنا وأن صوبنا كل مجتهد ولكن الخطأ ممكن بالغفلة عند دليل قاطع وبالحكم قبل تمام الاجتهاد واستفراغ الوسع، والغلط على الأعلم بعيد لا محالة وهذا التحقيق وهو أنا نعتقد أن الله تعالى سرًا في رد أباد إلى ظنونهم حتى لا يكونوا مهملين متبعين للهوى مسترسلين استرسال البهائم من غير أن يزمهم لجام التكليف فيردهم من جانب إلى جانب فيتذكرون العبودية ونفاذ حكم الله تعالى فيهم في كل حركة وسكون يمنعهم من جانب إلى جانب فما دمنا نقدر على ضبطهم بضابط فذلك أولى من تخيرهم وإهمالهم كالبهائم أو الصبيان.
[ ٦ / ٩ ]