ﷺ
أرى كل مدح في النبي مقصرًا وإن بالغ المثني عليه وأكثرا
إذا الله أثنى بالذي هو أهله عليه فما مقدار ما تصنع الورى
نبينا ﷺ
أكمل مظهر إنساني ظهر في الوجود، وأعظم صورة من صور الإبداع الإلهي، ولا يستطيع إنسان أن يصفه بما يستحقه من مراتب الإجلال لأن الإحاطة بمقامه ليست مما يطمع به تصور البشر فهو فوق الوصف ولا يعلم مقامه إلا من أرسله رحمة للعالمين.
أشرق نوره ﷺ
على الأكوان بمكة لاثنتي عشرة ليلة مضت من مثل هذا الشهر المبارك (ربيع الأول) على أشهر الأقوال ضاءت به غرة الاثنين وابتسمت * عن حسنه في ربيع روضة الحرم كما كان ﷺ فردًا في كمالاته فذًا في أخلاقه التي لم يطمع أحد من الخلق في مبارتها كانت ليلة مولده ﷺ فذة بين الليالي ظهر فيها من الآيات البينات والأرهاصات الباهرات ما لم يحلم به الزمن لأحد قبله أو بعده.
رتج ليلة ولادته ﷺ إيوان كسرى أنوشروان وكان من عجائب الدنيا سعة وأحكام بناء وسقط من شرفاته أربع عشرة وفسر ذلك بما حصل لملك فارس في زمن عمر بن الخطاب ﵁ من الذلة والهوان والطرد إلى أقصى مملكته ثم ما كان في زمن عثمان ﵁ من قتله وزوال ملكه وخمدت نار فارس وكانوا يعيدونها وكان لها ألف عام تخمد إشارة إلى خمود نار الكفر وظهور نور الإيمان وتنكست الأصنام التي كانت فوق الكعبة إشارة لانقضاء زمن الوثنية وحلول زمن التوحيد وغارت ساوه أي يبس ماؤها وهي لفارس أيضًا قال البوصيري ﵁ في الهمزية.
وعيون للفرس غارت فهل كا ن لنيرانهم بها إطفاء
وضعته أمه ﷺ جاثيًا على ركبتيه رافعًا رأسه على السماء.
رافعا رأسه إلى السماء وفي ذلك الرف ع إلى كل سؤدد إيماء
رامقًا طرفه السماء وترمي عين من شأنه العلو العلاء
[ ٧ / ١ ]
هذه شذرة مما ظهر في ليلة ولادته من الآيات فضلًا عما رأت أمه في حمله وقبيل ولاده وحليمة في زمن إرضاعه وقريش في عام ولادته وغير ذلك ويحسن بنا أن نأتي على خلاصة الأحوال التي كانت سائدة على العالم قبيل بعثته ليقابل القارئ بينها وبين ما جاء به ﷺ من الدين الحق والأخلاق الكاملة والمدنية الصحيحة وما عرجت إليه أمته من صروح العز والمدنية ويعلم أنه هو وحده كان سببًا في بلوغها ذروة المجد والتقدم والفلاح.
كان أكثر الأمم قبل الإسلام خاضعًا لدولتين دول العرب في الشرق ودولة الرومان في الغرب، وكان بينهما من الضغائن والأحقاد ما جعل همهما سفك الدماء وإنهاك القوى وبذلك شقيت أمتهما واستولى عليها ضروب من الفقر والذل والخوف على الأرواح والأموال.
وكانت العرب قبائل بعيدين عن مناحي المدينة وليسوا على شيء من الدين ليهذب أخلاقهم ويشذب من طباعهم فكانوا يسجدون للأصنام ويستقسمون بالأزلام وكان بأسهم بينهم فتراهم في جلاد مستمر وكفاح دائم حتى أنهم كانوا يقتتلون عشرات من السنين لأجل سبق فرس أوهجو شاعر إلى غير ذلك من مفاسد الأخلاق ومساوئ الصفات.
جاء هذا الرسول الكريم ودعا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وجاهد في سبيله غير هياب ولا وكل وقام بنصرته نفر ممن كتب لهم السبق في الإسلام فاحرزوا في عشرة سنين ما تعجز عنه الملوك والأقيال في آلاف من السنين رحمة من الله للبشر حيث أراد أن ينقلهم من غاية الشقاء إلى السعادة ومن يدقق في البحث يرى أن تلك الأمم التي كانت قبل البعثة المحمدية رازحة تحت كلاكل الجهل فاقدة لجميع الروابط الاجتماعية.
لا يمكنها في سنين قليلة أن تظهر بذلك المظهر المهيب الذي أدهش العالم بأسره، وزعزع أركان القياصرة والأكاسرة لولا أن العناية الإلهية أمدت هذا المجدد العظيم بالنصر والتسديد واللفز والتوفيق قال علي كرم الله وجهه من خطبة.
أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الأمم، واعتزام من الفتن، وانتشار من الأمور، وتلظ من الحروب، والدنيا كاسفة النور ظاهرة الغرور، على حين اصفرار من ورقها، وإياس من ثمرها، واغورار من مائها، قد درست منار الهدى، وظهرت أعلام الردى، فهي متجهمة لأهلها، عابسة في وجه طالبها، ثمرها الفتنة، وطعامها لجيفة،
[ ٧ / ٢ ]
وشعارها الخوف، ودثارها السيف. إلخ ما قال وقال بعثه والناس ضلال في حيرة. وخابطون في فتنة، قد استهوتهم الأهواء، واستزلتهم الكبرياء واستخفتهم الجاهلية الجهلاء حيارى في زلزال من الأمر وبلأ من الجهل فبالغ ﷺ في النصيحة ومضى على الطريق ودعا إلى الحكمة.
هذا وقد اتفق جميع العقلاء على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم على أن شكر المنعم واجب وقد علمت أنه ﷺ هو الواسطة العظمى في إنقاذنا من ظلمات الكفر والجاهلية وعبادة الأوثان، إلى نور الحق والإيمان، وجعلنا خير أمة وشهداء على الناس وغير ذلك من ضروب الإكرام أفلا يجب علينا تعظيم هذا النبي الكريم لنكون قائمين بواجب شكره ومن تعظيمة أن نحتفل بيوم مولده ﷺ على صفة مشروعة فنظهر فيه معالم السرور والابتهاج والاحتفاء. وهو أحق بذلك من جميع الأيام لأنه يوم ظهور نبي الرحمة. وبعقد المحافل لقراءة ما صح من سيرة مولده ﷺ. ونجعله يومًا مصروفًا لعمل البر بأنواعه من العبادة والصدقة على المعوزين، وصلة الأرحام، وإصلاح ذات البين.
وشكر الله سبحانه على أن جعلنامن أتباع هذا النبي الكريم ذي القدر العظيم.
وأول من قام بهذا الواجب الملك المظهر صاحب أربل نقل عنه أنه كان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار. وذكر ابن حجر في مولده الكبير أنه في سنة ٧٨٥ احتفل الظهر برقوق سلطان مصر بالمولد بقلعة مصر وأنفق على إطعام الطعام والإحسان لفقراء والقراء والمداح ما يبلغ عشرة آلاف مثقال من الذهب. وأن ابن دحية صنف له كتابا في المولد سماه التنوير بمولد البشير النذير فأجازه بألف دينار.
وقد نقل عن الحافظ بن حجر أنه قال وقد سئل عن مشروعية المولد وظهر لي تخريجة على اصل ثابت وهو ما في الصحيحين أن النبي ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى فنحن نصومه شكرًا قال فيستفاد منه فعل الشكر على ما من به تعالى في فعل معين وأي نعمة أعظم من بروز نبي الرحمة وقد اعتاد الناس عند قراءة قصة المولد الشريف أن يقوموا عند ذكر وضعه ﷺ احترامًا لمقامه. وتعظيمًا لقدره، ولو أمكن
[ ٧ / ٣ ]
القيام له كلما ذكر في جميع الأحوال لكان حسنًا ونريد أن تنقل هنا نبذة ذكرها الحلبي في السيرة في مشروعية القيام عند ذكر وضعه ﷺ قال جرت إعادة إذا سمعوا ذكر وضعه ﷺ أن يقوموا تعظيمًا له ﷺ. وهذا القيام بدعة حسنة لأن ليس كل بدعة مذمومة. وقد قال عمر ﵁ في اجتماع الناس لصلاة التراويح نعمت البدعة. وقال العز ابن عبد السلام ن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة. وقال أمامنا الشافعي ﵁ ما أحدث وخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا فهو البدعة الضلالة. وما أحدث خيرًا ولم يخالف شيئًا من ذلك فهو البدعة المحمودة. وقد وجد القيام عند ذكر اسمه ﷺ من عالم الأمة. ومقتدى الائمة تقي الدين السبكي وتابعه على ذلك مشايخ الإسلام في عصره فقد حكى بعضهم ن السبكي اجتمع عنده خلق كثير من علماء عصره فأنشد منشد قول الصرصري في مدحه ﷺ:
قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب على ورق من خط أحسن من كتب
وأن تنهض الإشراف عند سماعه قيامًا صفوفًا أو جثيًا على الركب
فند ذلك قام الإمام السبكي وجميع من في المجلس وحصل أنس كبير باختصار ومن أحسن ما يحتفل في يوم مولده ﷺ تذكر أخلاقه ﷺ من التواضع والصبر والحلم والشجاعة والأمانة والزهد وجميع مكارم الأخلاق والتخلق بها يقدر الاستطاعة وهذا أحسن شكر له ﷺ.
[ ٧ / ٤ ]