حول الزهور
رغبت إلي إدارة هذه المجلة في تحرير هذا الباب، وغاية هذه المجلة شريفة، فاضطررت إلى إجابة هذا الطلب. على أني أحجمت كثيرًا قبلما أقدمت. لأني إذا كنت سأجني أزهارًا طيبة يروقني ويروق قرائي شذاها ومرآها، فلقد أجني أيضًا كثيرًا من الأشواك، فيؤلمني وخزها ويؤلمهم، ولربما يدميني ويدميهم. ولكن القراء الكرام سيرضون عني كما أنا راضٍ الآن بهذه المهمة الشاقة.
سأجني من أنوار الرياض شهدًا وبلسمًا وعنبرًا فيه لذة للذوق، ومداواة للجرح، وطيب للناس. وما هذا وذاك وذلك إلا من جني الزهور، فقد جاء في تاج العروس في مادة عنبر أنه شمع عسل ببلاد الهند مرعى نحله من الزهور الطيبة يكتسب طيبه منها.
[ ١ / ٣٥ ]
فسأسكب عنبرًا وبلسمًا، إذا رأيت في الحوادث والأعمال زهورًا طيبة وإلا كان جنيي صابًا وعلقمًا.
وجاء في لسان العرب إن الزهور تلألؤ السراج الزاهر. فعسى أن يقطر ما أجنيه زيتًا صافيًا يزيد تلألؤ هذه المجلة الزاهرة، لا سائلًا عكرًا يبعث دخانًا تدمع له العيون، وتشمئز منه الأنوف. وعلى كل فجل رغائبي أن تتوثق عرى الصداقة شيئًا فشيئًا بيني وبين قرائي الأحياء. فنتبادل ما نشاء من الأفكار بين الأزهار والأشواك. فنبتسم معًا ونتألم معًا. متذكرين أن لا ورد بلا شوك. وأن أشواكًا كثيرة بلا ورد.
إدمون روستان وحافظ إبراهيم
إدمون روستان هو أحد كبار شعراء فرنسا في هذه الأيام. ذكره طبق الآفاق، ورواياته مثلت على أكثر مراسح العالم، فصفقوا لها في كل عواصم أوروبا، وهتفوا لمؤلفها في أمريكا وآسيا وأفريقيا. ألف فاشتهر، وصنف فاغتنى، فما أحسن حظه وما أسعد نجمه. .! جمع من رواية الايجلون أو فرخ النسر ومن رواية سيرانوده برجراك ما يقدر بالملايين من الفرنكات. وها قد أنجز الآن رواية شانتكلير وهي رواية غريبة الشكل والوضع، لأن كل أشخاصها من الحيوانات. . . غير الناطقة. لكن بلاغة مؤلفها أنطقتها بما تكاد تعجز عنه الحيوانات الناطقة. بيد أني لا انظر الآن إلى هذا الأمر. بل أريد أن يعرف القراء أن مدير مجلة الالوستراسيون قد اشترى حق نشر هذه الرواية في مجلته بمبلغ. . . .
[ ١ / ٣٦ ]
زهيد لا
يتجاوز المليون فرنك: أربعة فصول: لا يتجاوز الفصل ٥٠٠ شعر - بمليون فرنك. فيكون ثمن الشعر الواحد من أشعار روستان يباع بخمسمئة فرنك أي بعشرين جنيهًا وثمن الكلمة إذا قدرنا عشر كلمات في كل بيت جنيهان فضلًا عما ينال المؤلف من تمثيل روايته. وإذا عرفت أنها ستمثل كأسلافها ألوفًا من المرات تعرف أن روستان يقبض ثمن الحرف الواحد من أشعاره مالًا جزيلًا قد لا يناله كتابنا من الصفحات الطويلة فحرفه إذن يساوي مجلدًا من كتبنا. . . الرائجة.
يعد روستان عندهم بمثابة حافظ إبراهيم عندنا. فهل يا ترى تعود قصيدة من حافظ بل ديوانه برمته بما يعود بيت من روستان على صاحبه.؟ مسكين حافظ تنقده مجلاتنا وجرائدنا كلمات النابغة، وشاعر مصر ثمن قصائده وتنقد روستان مجلة واحدة مليون فرنك ثمن رواية واحدة. . . هناك يدفعون لروستان دررًا وجواهر، وهنا نكتفي بان نجد الدرر والجواهر في نفثات شعرائنا. فشعراؤنا إذن أغنياء، فنأخذ منهم، وشعراؤهم فقراء، فيعطونهم. فيا ليتني كنت شاعرًا إفرنجيًا تجود علي الجرائد والمجلات بالدرر لا شاعرًا عربيًا تجد الجرائد والمجلات تلك الدرر في أشعاري. .!
* * *
النادي العائلي
اسمه لطيف ذلك النادي الذي أسسه في بيروت فريق من الأفاضل والأدباء. وأول عمل عرفناه عنه ألطف. . . جعل جائزة قدرها خمسمئة فرنك للكاتب الذي يؤلف خير رواية تمثيلية في موضوع وطني.
[ ١ / ٣٧ ]
النادي يشترط أن تكون الرواية مؤلفة لا معربة. ورواياتنا المؤلفة تعد على أصابع اليد الواحدة لا اليدين والجائزة التي وضعها النادي زهيدة لا تعادل المليون الذي يقبضه روستان عن روايته. ولكنه خطا خطوة حسنة يستحق عليها كلمة برافو وها نحن نقولها لرئيسه الفاضل وسكرتيره الأديب وأعضائه الكرام. ونهنئ سلفًا الكاتب الذي سينال نصب السبق كما كان يقول العرب. ويا ليتني أعرف كيف تنسق المشاهد والفصول لأنزل إلى هذا الميدان. ومثل هذا الثناء جدير ببلدية الإسكندرية، فقد منحت جوق سليم أفندي عطا الله مئة جنيه مساعدة له: عطاء. . . البلدية قليل بجانب عطاء. . . الله. ولكنها باكورة تنشيط
البلديات والحكومات الشرقية للأجواق العربية وكل باكورة لذيذة. . .
جنون الطبيعة
الطبيعة تجن كالأفراد، وترتكب مثلهم في حالة الجنون جرائم وفظائع. وجنونها هائل في هذه المدة، ثارت العناصر الواحد تلو الثاني على بني البشر: زلزلت الأرض فانجابت بمن فيها، وتفجرت نيرانها فأودت بمن عليها، وزمجرت العواصف فأهلكت وأغرقت، وأرغت المياه وأزبدت فجرفت واقتلعت، فكأن داء الهيستيريا قد هز المادة فتمردت على العقل المتسلط عليها، المستبد بها. فيا لله من جنون الطبيعة. . .! ويا لله مت تمردها. . .
حاصد
[ ١ / ٣٨ ]