مرفوعة إلى
أيها الفن، العظيم بتأثيره، الغريب بأعماله، السامي بجماله وأسراره، أنت شبح من مقدرة المبدع الأزلي في نفوس النوابغ المبدعين، أنت روح الله المرفوفة بين قلوب البشر واللانهاية، أنت فكرة مستيقظة في هذا العالم النائم بحراكه، الجامدة بمسيره.
بأصابعك الخفية تتناول العناصر وتكون منها صورًا وأشباحًا وأجسامًا وأنغامًا تبقى ببقاء الزمن وتظل جميلة إلى النهاية. . .
إن العدم يصير وجودًا عندما يرم أمامك، واللاشيء يصبح شيئًا إذ يلامس أطراف أذيالك، والموت ينقلب بوقوفه لديك. جميع الأصوات
[ ١ / ١٩٣ ]
والألوان والخطوط، وجميع العناصر والأرواح والخيالات، وكل ما تحدثه الطبيعة بحراكها والإنسان بكيانه يستسلم إلى مشيئتك ويتكون بكيانك ويتمايل مع أميالك.
أنت تلامس الزمن، فيتحجر الزمن، وينقلب تماثيل منتصبة أمام وجه الأبدية. أنت تتنفس في الهواء، فينسكب الهواء خمرة علوية من بين شفاه المغنين وأصابع الموقعين. أنت ترتعش بين دقائق النور، فيسل النور مع الحبر على أوجه الأسفار والكتب. أنت تتناول أشعة الشفق، وألوان قوس قزح، وتبتدع منها صورًا ورسومًا. أنت تطأ بأقدامك الصخور فترتفع الصخور معابد ومساجد وهياكل خالدة بخلود الدين.
أما عرشك تظل الأجيال واقفة مستيقظة مترنمة، فما مضى منها يبقى حاضرًا بحضورك، وما سيأتي منها يطوف الآن مرفرفًا حول أذيالك.
إن مجد الأمم يبقى ما بقيت، ويذهب إن ذهبت، لأنك من حياة الأمم بمقام القلوب من الأجساد: فمصر وآشور وفارس لم يتعالين إلى السماء إلا بقربك وما انحدرن إلى الهاوية إلا لبعادك، وأغريقيا ورومة وبيزنطيا لم يتعانقن النور إلا في ظلالك، وما هجعن بين لحف الظلام إلا لهجرانك - واليوم قد درست الأجيال أمجاد تلك المم وجبروتها لكنها لم تستطع أن تمحو آثار أقدامك عن آثارها، ولم تقدر أن تمزق بقايا النقاب السحري الذي ألقيته على بقاياها، فالسائر على ضفة النيل يرى أشباحك حائمة بين القصور والهياكل، والواقف على الأكروبليس يشاهد شعلات أنفاسك
[ ١ / ١٩٤ ]
طائفة فوق الأعمدة والأصنام، والناظر إلى جدران الخرائب في سبارطا وتدمر وبعلبك، يقرأ مطالع الموشحات وأذيال القصائد التي خطتها
أناملك.
إذا كان التاريخ مرآة العصور فأنت اليد التي جلت وصقلت أديم تلك المرآة، وإن كان العلم سلمًا يرفع الإنسان إلى ما وراء الكواكب فأنت العزم الذي يبني ويبقي درجات ذلك السلم. وإن كان الدين شعر الحياة، فأنت الوزن الذي يجعل لذلك الشعر رنة في الصدور، ونغمة في القلوب.
أيها الفن الغريب بأسراره، العجيب بخفاياه، القوي برقته، الفاتن بهوله ومهابته، كيف نصفك وبماذا نشبهك، وأنت روح الوصف وعلة التشبيه. هل ندعوك عاطفة؟ وأنت مولد العواطف والإحساس. أم ندعوك قوة؟ وأنت مظهر القوات والعزائم. نحن نرى مجدك بعيون قلوبنا الشاخصة، ونسمع أناشيدك بآذان نفوسنا المصغية. ونثلم أطراف أذيالك بشفاه أرواحنا المرتعشة. ولكننا لا نستطيع أن نخط حرفًا من حروف اسمك حتى تلامس أصابعنا أصابعك، ولا نقدر أن نتكلم عن جمالك إلا إذا غمست ألسنتنا بخمرة جمالك، فأنت بنفسك مظهر لنفسك، ونحن بقوة الحب الذي وضعته في أعماقنا نقترب من محبة القوة التي وضعها الله في أعماقك.
اجعلني أيها الفن خادمًا من خدامك المتسلطين على الحياة. وصيرني جنديًا من جنودك المنتصرين على الدهور، ودع حريتي تستعبد لمشيئتك، والمس نفسي بشعاعك لعلها تقترب من مبدعها ومبدعك.
باريس
جبران خليل جبران
[ ١ / ١٩٥ ]