في ٨ مايو المنصرم أقام نادي المدارس العليا حفلة شائقة حضرها فريق كبير من وجهاء القطرين المصري والسوري ونجباء التلامذة إكرامًا لحضرة جورج أفندي أبيض وهو أول ممثل شرقي تلقى أصول التمثيل على أساتذة الفن في باريس وذلك على نفقة حضرة الجناب العالي الخديوي (راجع الجزء الثاني ص ٦٥ من هذه المجلة) فافتتح الحفلة عزتلو القانوني الشهير أحمد لطفي بك بكلمات طيبة.
وألقى المحتفل به مقاطيع عديدة نالت استحسانًا كبيرًا، وقد دعي إلى الكلام صاحب الزهور فقال ما يأتي:
هذي يدي عن بني قومي تصافحكم فصافحوها تصافح نفسها العرب
يا كرام السادة. هذا البيت لشاعر الشرق الكبير هو خير ما يستهل به الكلام في مثل هذا النادي الزاهر، ساعة أراه يضم في هذه المساء نخبة أدباء البلدين، وعلية قوم القطرين الشقيقين.
وكلمات الإخاء والسلام هي خير كلمات تردد في ساحة تجمع فيها رجال العلوم وأبطالا لآداب والفنون
فتحية وألف سلام يا أعضاء هذا النادي الأعلام، وتحية وألف سلام يا أبناء النيل الكرام. سلام تردده ربوع الشام من شواطئ البحر إلى أعالي لبنان، فيتراجع صدى هذه التحية، في كل صدر خفقت بين ضلوعه نفس حرة أبية عربية.
تحية طالما جاش بها الفؤاد، وتحركت بها الشفاه، حتى لم يقو الصدر على كتمانها في هذا المساء فانبعثت منه طاهرة خالصة من كل تكلف
[ ١ / ١٤٦ ]
وتصنع، لأن مصدرها القلب وإلى القلب مصيرها.
فخذوها منا غليكم أيها الإخوان ومهرها الصدق، وصداقها الإخلاص. وأحلوها منكم محل الإكرام، فانتم الأحرار في بلادكم، الكرماء لضيوفكم.
* * *
ما أجمل اجتماعنا في هذا المساء، وما أبهى هذا اللقاء للاحتفال بفن من أجمل الفنون، ولتكريم أول شاب شرقي كرس نفسه لخدمة التمثيل. . . كان الفرسان في القرون المتوسطة، قبل النزول إلى ميادين القتال، يختارون عرابًا لهم بطلًا من مشاهير الأبطال.
وأنا أرى رمزًا وإشارة إلى ذلك في زيارة ابن الأبيض لهذا النادي الزاهر، نادي الشبيبة الراقية المتهذبة. أتى يزوركم وهو على تمام الثقة بأنه سيجد في كل منكم عرابًا له في المهمة التي وقف لها نفسه. وهل كان بوسعه أن يجد من يقوم بهذه المهمة أحسن من نادي المدارس العليا وقد رفع فوق هذا النادي علم العلم خفاقًا يهدي كل شاب صراط العلم والاجتهاد، في خدمة البلاد؟
أجل يا سادة. جميل هو اجتماعنا في هذا المساء، وقد زانته الشبيبة، وصاغت عقد نظامه. فما أجمل الشباب وقد بعث في صدوركم الغيرة على كل مشروع مفيد جليل.
صدق والله حكيم اليونان إذ قال: أمة بلا شبيبة كسنة بلا ربيع فحياكم الله يا ربيع الأمة الزاهر، وبهاءها الناضر. فلأنتم خير إكليل تزدان به جبهة مصر الفتاة، وتفاخر به الغير إذا ما الغير فاخر بالشوكة والثروة وبعد الجاه.
* * *
[ ١ / ١٤٧ ]
فهيا يا أخوتي الشبان نتضافر ونتآزر في خدمة كل مشروع جليل نافع. علينا خدمة الآداب والمعارف، فتحيا البلاد وتنهض. علينا تنشيط العلوم والفنون، فنعيد إلى الشرق العزيز بهاءه المفقود. وننشر في ربوعنا لواء السلام والوئام، وما أبهى السلام والوئام. . . .
مني السلام على ناد سما وزها بما حوى من شباب العلم والعمل
لا زال تخدمه الأيام مقبلة فيخدم العلم والدنيا بلا ملل