من أحسن ما امتازت به مجلة الزهور ما اهتمت به من المطارحات الشعرية بين كبار الملهمين، إذ كان في تجارب القرائح الصافية مبعث لخواطر دافقة تجيش بالأحاسيس الصادقة، وكأن دوحة ناضرة يشدو على غصن منها طائر مغرد، فيجيبه صنوه على فرع آخر بما يدل على صادق المواساة، فتكون لهذا التجاوب المتبادل رنات مشجية في نفوس القراء. لقد كتب الشاعر عبد الحليم المصري الضابط بالجيش قصيدة شاكية بمجلة الزهور، تصف حال الأديب في مصر، وما يلقى من ضنى على مهاد الجوع والحرمان، جاء فيها:
لا كنت لي يا أدبي حرفة إن كان من يعليك قدرًا يضام
مصر بنا ضاقت فما حالكم في أرضكم يا شعراء الشآم؟
هل أنتمو في أرضكم مثلنا ترون سُحْب الجود تبدو جهام
وما كاد هذا السؤال الحائر (ما حالكم في أرضكم ياشعراء الشّآم؟) يدوّي في آفاق القطر الشقيق حتى تواكب الشعراء من كل صوب يجيبونه هاتفين، فقال الأمير نسيب أرسلان من قصيدة:
يابازني الجيش غداة الصدام من علّم البيزان سجع الحمام
هيّجت يا مصريّ شجوى وما أحلى جوًي أذكيته في العظام
يا عاتبا حينا على خطه قبلك كم من عاتب في الأنام
وقال الأستاذ عيسى اسكندر المعلوف:
قد ضاق للشعر بمصر المقام وانتابه العقم بأرض الشآم
أبناء سوريّا ترد الصدى وتندب الشعر بدمع سجام
قد ضاقت الدنيا على شاعر حتى تمنى أن يحين الحمام
ومما قال الأستاذ (ف. نصار) من لبنان:
ياشعراء النيل لا تجزعوا قد صافحتكم شعراء الشآم
لا كنت لي يا وطني مسكنا إن كان فيك الحر خُلْقا يضام
أو كان هذا الخط لا ينجلي ما أضيق العيش وأشقى المقام
وجاء من البرازيل فايز سمعان وهو لبناني الأصل يقول:
يا بلبل الشعر عليك السلام شآمنا مصر ومصر الشآم
مالك بالقطرين من منهل ولي وراء البحر طاب المقام
فلتحترف غير القريض وقل يا دولة الشعر عليك السلام
[ ١ / ١٠ ]
ومن المطارحات الشعرية النادرة ما عارض به أحمد شوقي قصيدة الحصري الذائعة:
يا ليل الصب متى غده أقيام الساعة موعده؟
حيث ما كادت الزهور تنشر معارضة شوقي:
مضناك جفاه مرقده وبكاه ورحّم عوده
حتى انبرت قصائد أخرى على صفحات الزهور قالها إسماعيل صبري وولي الدين يكن ونسيب أرسلان، ودواوينهم مشتهرة فلا مدعاة للاستشهاد. وقد ألِف شعراء الزهور أن يقوموا بمثل هذه المطارحات في صفحات كثيرة بالمجلة، بل إن الجميل أخذ يبحث عن طرائف هذه المطارحات لينشر منها ما لم يسبق نشره، فقد نظم محمود سامي البارودي قبل خمسة عشر عاما من إنشاء الزهور أبياتا خاطب فيها شكيب أرسلان لمناسبة استشهاد الأمير ببعض شعر البارودي، وقال فيها:
أشدت بذكرى بادئًا ومعقبا وأمسكت لم أنبس ولم أتقدم
وما ذلك ضنا بالوداد على امرئ حباني به، لكن تهيبت مقدمي
فطار شكيب إعجابًا بشعر البارودي ورد عليه بقصيدة طويلة قال فيها:
ألا كل يوم فيك وجد كأنها طوي جانحا مني على نار ميسم
حلفت بما بين الحطيم وزمزم وبالروضة الزهرا، أليّة مقسم
لألفيت عندي دوس مشتجر القنا وخوضي في حوض من الطعن مفعم
أقلّ بقلبي في المواقف هيبة وأهون من ذلك المقام المعظم
وامتدت المطارحات مثنى وثلاث ورباع، ونشرها الجميل جميعها في مجلة الزهور، ثم أعاد نشرها في المختارات بالقسم الأخير.
أما الذي طرب له القراء طربا شديدا فمطارحات صبري وشوقي وحافظ، حيث نظم صبري قصيدة مطلعها:
لو أن أطلال المنازل تنطق ما ارتد حرانُ الجوائح شيق
فجاوبه شوقي بقصيدة مطلعها:
أما العتاب فبالأحبة أخلق والحب يصلح بالعتاب ويصدق
وقفى حافظ بثالثة قال في مطلعها:
سكن الظلام وبات قلبك يخفق وسطا عليك حنين هم مقلق
وقد نشرت جميعها بمختارات الزهور، كما أنها مسجلة بدواوين هؤلاء.
هذا الاهتمام العريق في نفس الجميل بلطائف المطارحات يدل على روح شاعرة، تجلت في نثره.
إذ كان شاعرًا دون قافية أو زن، ومقالاته بالزهور أكبر شاهد على ما أقرر، وما بي أن أستشهد فأطيل.