أبرز عالم الطباعة إلى عالم القراءة في هذا الشهر كتابين نفيسين، بل
[ ١ / ٨٠ ]
سفرين جليلين. جادت علينا بالأولو ادي النيل ونفحتنا بالثاني جبال لبنان. بعد أن أقحطت هذه وتلك مدة من الزمن، وبخلت علينا سماؤهما بما يشفي الغليل من المزن. المنفلوطي صاحب النظرات الصائبات عرفته
[ ١ / ٨١ ]
مصر وتنافلت نفثاته صحف الأقطار فعرفته البلاد العربية، والريحاني صاحب الريحانيات الزهرات عرفته سورية وأمريكا ومصر كاتبًا عربيةً كما عرفه الأنكلوساكسون كاتبًا إنكليزيًا، ولكلا الكاتبين مقام رفيع في قومه، ومنزلة سامية عند قرائه. وهما يتشابهان بأشياء ويختلفان بأشياء.
عرفت الاثنين فعرفت فيهما نفسين منزهتين وإن اختلفا في المبدأ والنظر إلى الأمور. يدافع كل منهما عن رأيه وفكره دون أن يغضبك في رأيك وفكرك، رائدهما الوئام، وغايتهما السلام، يقول لك المنفلوطي:
ورضا البعض فيه للبعض سخط ورضا الكل غاية لا تنال
ويقول الريحاني لقارئه: في كل حالٍ لا أنسى انك أكلت من جفنتي وشربت من إبريقي ونمت في خيمتي فأنت إذن أخي وإن كنت خصمي، فإن افترقنا فكما ترافقنا متحابين لا متخاصمين. فقد تجد بعد هذا في آراء الكاتبين وأحكامهما في العالم الكتابي أو الاجتماعي ما لا يوافق رأيك أو حكمك ولكنك لا تغضب ولو رأيت منهما ما يؤلم.
قال أحد المؤرخين: يختلف الحكم على الثورة الفرنسوية باختلاف المكان الذي نظر الناس إليها منه. فمنهم من رآها وهو في الشارع، ومنهم من رآها من شرفات بيته، ومنهم من رآها من أعلى آلة الإعدام، وكل يحكم حسب ما رأى.
نظر المنفلوطي والريحاني إلى المجتمع الإنساني، فحكم عليه كل منهما حسب المكان الذي وقف فيه لينظر: لم يعرف الأول من بلاد الله إلا مصر ولكن مصر مجتمع قارات ثلاث فكأنه عرف بلادًا كثيرة إذ
[ ١ / ٨٢ ]
عرفها. . . وزار الثاني آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا فعلًا. وبعد هذه السياحة عاد الاثنان إلى عيشة الانفراد والخلاء وأخذا ينظران إلى الإنسان ومدنيته من خلال نظارات الطبيعة الصافية فهزأ الريحاني من سخافات
الإنسان وضحك ورأى في زخارف المدينة المعبودة، مئة مصيبة منقودة وأنَّ المنفلوطي
منها وشكا. فكأن قلمه ما وصفه به:
فتراه ورقاء تندب شجوًا وتراه رقطاء تنفث نارا
ولكن الاثنين، هذا في تألمه وذاك في تهكمه، قد أحبا الإنسانية
[ ١ / ٨٣ ]
حبًا جمًا ولعل هذا معنى الابتسامة التي لا تفارق ثغر الاثنين: ابتسامة عطف ورحمة
بعض أحلام المنفلوطي حقائق، وبعض حقائق الريحاني أحلام، ولقد تؤلمنا هذه وتلك أحيانًا. . . ويكاد يصح فيهما مع بعض الاستدراك ما قيل قدمًا عن راسين وكورنيل: يصفنا الأول كما نحن، ويصورنا الثاني كما يجب أن نكون. فلهذا نعجب بالأول لأنه عرفنا حق المعرفة، ونحب الثاني لأنه يحسن الظن بنا. . . وقلم هذا وذاك.
هو جسر تمشي القلوب عليه لتلاقي بين القلوب قرارا
* * *
ألبس المنفلوطي معانيه حلة قشيبة فاختالت فيها تيهًا وفخرًا، وباهت بها الحاليات من معاني الأقدمين والمحدثين نثرًا وشعرًا، وكسا الريحاني أفكاره ثوبًا بسيطًا ساذجًا نسجه من خيوط الشمس ولونه بألوان الحقول بكل دقة واعتناء، فرات العين في الحلة المنفلوطية ما يبهجها، وشامت في الثوب الريحاني ما يؤنسها. ومن القرويات من تضاهي الأميرات حسنًا وجمالًا. . . درس صاحب الريحانيات لغات الأجانب وعرف كيف يستمد منها ما يناجي به النفس، واكتفى صاحب النظرات بلغة أجداده فتمكن أن يستخرج من أسرارها ما يناغي به الروح ولو بالهمس.
لقيت السيد المنفلوطي منذ بضعة أيام وفي يدي الريحانيات فقال: ما بيدك؟ - فقلت: شقيقة النظرات ودفعت إليه الكتاب فأعاده إلي ثاني يوم وقد كتب في أول صفحة منه:
[ ١ / ٨٤ ]
نظرت في هذا الكتاب كتاب الريحانيات الذي أعارنيه صديقي. . . انطون أفندي الجميل فلم أجد فيه من اللغة العربية إلا حروفها دائمًا، ومفرداتها غالبًا، وجملها نادرًا. فلم أحفل بذلك كثيرًا لأني وجدت فيه من سمو الخيال الشعري، ودقة الملك النظري، ما استوقفني ساعتين كاملتين، وهي المرة الثانية التي وقفت بها هذه المدة أمام كتاب عصري منذ أعوام بعد كتاب روح الاجتماع. . . .
وبالحقيقة إن في النظرات والريحانيات ما يستوقف القارئ ساعات. فيحفظ الكتابين في
مكتبته ويعود إليهما من حين إلى حين. . .
* * *
ديوان المصري - وهو شباب شعر عبد الحليم أفندي المصري وشعر شبابه زفه إلى قراء العربية وهو خير هدية يهديها شاب إلى أمته: باكورة سعيه واجتهاده. . . ي شعر المصري كل صفات الشباب: نخوة وإباء وهمة وإعجاب وحياة تتدفق كالماء الصافي من الصخرة البيضاء. وفي شعره أيضًا عيوب الشباب - إن كان للشباب عيوب - وأي سن بلا عيب. بل ربما كان جمال كل سن في ما يعد عيوبًا. جرد الشاب من اندفاعه وهوسه وعدم مبالاته بالعواقب فترى أمامك ما يمجه الذوق كالثمرة الناضجة قبل أوانها. وإذا آخذنا المصري بشيء فنؤاخذه بمحاولته الخروج في بعض قصائده من رياض الشباب إلى كهف الشيخوخة.
[ ١ / ٨٥ ]
فتبدو في شعره آثار التصنع. ولكن إن هي إلا سحابة صيف تنقشع أمام شمس الطبيعة الساطعة. ولسنا نغلط في حكمنا إذا وضعنا المصري في طليعة شعراء الطور الجديد وقد أحله ديوان هذا المحل وأكسبه منزلة هو جدير بها. ونحن ندعو له بان يمتد حبل عمره، ويشتد أزر شعره، لنرى الفرق بين شعر الطفولة وشعر الكهولة.
(ونرجئ الكلام في سائر ما لدينا من المطبوعات إلى العدد القادم)