فلسفة النشوء والارتقاء
قال بعضهم يومًا للدكتور شميل: إنك لمصيبة على الناس، لمغايرتهم في أفكارهم. فأجابه الدكتور: إذا جازت الشكوى فمن منا أولى بالشفقة، أنتم الذين مصيبتكم بي واحدة، أم أنا الذي مصيبته بكم متعددة!.
هذه النكتة التي رواها الدكتور في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه فلسفة النشوء والارتقاء - وهو الجزء الأول من مجموعته التي هي قيد الطبع - تصور أحسن تصوير موقف الدكتور شميل تجاه البشرية. . . ويعرف ذلك أتم معرفة من جالسه وباحثه فسمعه يتذمر ويتأفف من حالة المجتمع الإنساني وخرافاته وسخافاته، شأن الذين لم يفهمهم معاصروهم. . .
صاحب كتاب فلسفة النشوء والارتقاء أشهر من نار على علم، قضى ثلاثين سنة ونيفًا وهو يحارب ويقاتل بقلمه - لأنه لم يكتب إلا ليشن الغارة على ما يراه من الأوهام في أبناء جنسه - وهو من هذا القبيل أجرأ كاتب عرفناه في الشرق، وأمثاله في الغرب ليسوا بالعدد الكثير. يبحث وينقب ويستقري، مستنيرًا بنور العقل والطبيعة، ولا يخشى في إعلان نتيجة بحثه واستقرائه ولو كان فيها ما يغضب ويؤلم ويخالف معتقد عموم الناس - وهي كثيرًا ما تكون من هذا القبيل. وكفى برهانًا على ذلك
[ ١ / ١٦٩ ]
أنه قام ينشر في الشرق مذهب دارون وشرح بختر عليه يوم كان أنصار هذا المذهب في أوروبا نفسها لا يتجاوزون عدد الأصابع. ولذلك قامت القيامة على هذا الكاتب الجديد الذي كان يريد أن ينقض كل ما بناه أسلافه. ولكن كل ذلك لم يثبط منه العزائم ولم تزده المعاكسات إلا رسوخًا في آرائه حتى ألفها الناس منه ولو لم يوافقوا عليها. وتعودوا سماعها الآن من طبيبهم وفيلسوفهم الشيخ بعد أن استكبروها من الشاب منذ ثلاثين سنة. والثبات على المبدأ - أيًا كان - والتفاني في سبيله لمما يدعو إلى الإعجاب بصاحبه. ولو كان الدكتور شميل مؤمنًا، لكان من أحر المبشرين وأعظم الشهداء. لأنه من الفئة المهاجمة في هذه الدنيا لا الفئة المدافعة. ولذلك هو الآن مبشر حار، ومؤمن متعصب بعدم الإيمان. وإن شئت، قل هو متعصب في كفره كما أن غيره متعصب في إيمانه. وقد يكون كلا المتعصبين سواء.
هو يقول عن نفسه أنه تقلب على مقالب التردد في الأديان من اليقين إلى الشك فالنفي ولكن هذا التردد لم تطل مدته عنده. بل طار به سريعًا إلى النتيجة الأخيرة وهي النفي ووقف عندها منكرًا نافيًا داعيًا الجميع إلى مثل نفيه وإنكاره. وتكاد تجد في ما كتبه منذ ربع قرن ما لا يزال ينسج عليه اليوم. ولم يحاول قط أن يلبس يده الحديدية قفازًا من المخمل، ولم يعمد أبدًا إلى الطرق اللينة. بل إنه يجرح بقلمه معتقدات العقل، كما يجرح بمشرطه دمامل الجسم، ولكن دون استعمال بنج أو مخدر. وهو يقر بذلك إذ يقول (ص ٢٤): رأيت أن أخوض غمار
[ ١ / ١٧٠ ]
البحث غير حافل بالمصاعب التي ستعترضني في هذا السبيل، وأن انخعه بتلك الصراحة الجازرة، منكبًا عن خطة الذين يرون أن الحكمة إنما هي المصاداة، لعلي أزحزح الأفكار عن مألوفها، لعلمي أن تحريك الأفكار لا يكون غالبًا إلا بمثل هذه المصادرة العنيفة. . .
وهذه هي طريقته الإصلاحية. ولم نر في كتابه الضخم ذكرًا للشفقة والرحمة إلا مرة واحدة حيث قال: لماذا كل هذا الغضب على هذا الإنسان الضعيف الذي أقل احتياج من احتياجاته كافٍ لأن يدفعه إلى ارتكاب الجريمة لأن الاحتياج مؤلم، فالجوع فضاح، والحاجة قاتلة
وعليه فأقصد هذا الطبيب الاجتماعي إذا كنت مصابًا بدمل أو كنت ذا عضو معتل، فهو يبتره لك بلا شفقة. وإذا كنت ذا جرح يحتاج إلى بلسم أو مسكن، فإياك والدكتور شميل. فأقل ما هناك أن يكويه بالنار أو بحجر جهنم.
وإذا كان هو يؤلمك فلأنه متألم منك ومن نظامك الاجتماعي في حاضرك وماضيك.
اسمع ما يقوله عن الماضي (ص ٦): إني لا أتمنى لك تمدنًا كتمدن عصر سقراط، ولا تمدن باني الأهرام، ولا تمدن الرومان، حتى ولا تمدن عصر العباسيين، ولا تمدن الأمم النصرانية بعد خروج الإسلام من الأندلس وقبل الثورة الفرنسوية. وإلا فأكون قد تمنيت لك أن تكون عبدًا ذليلًا لا تملك أدنى حرية لا في القول ولا في الفكر ولا في العمل وليس هذا كل مبلغ غضبه على النظام الاجتماعي في الماضي بل إنه يتمنى لو
[ ١ / ١٧١ ]
أحرقت كل منقولات التاريخ وما فيه من التلفيق والكذب (ص ١٠).
أما غضبه على النظام الاجتماعي الحالي فتكاد تقراه في كل صفحة من المقدمة والخاتمة. ونكتفي بإيراد شاهد واحد على ذلك وهو قوله: صارت علوم اللغة مماحكات لا طائل
تحتها، لا كلامًا وضع للتعبير عن الفكر والشعر إغرابًا لا إبداعًا في وصف الحقائق. وعلوم الفقه سخافات يتنزل العقل فيها إلى حد التبذل. والطب شعوذة لاستنزال الأسرار وتحويل الأقدار وعلوم القوانين لاهوتًا ثانيًا لا يفهم. وعلم المحاماة مخرقة وتفننًا في المشاغبات لا دليلًا مرشدًا إلى الحق رادعًا للباطل إلخ. . . وعلى هذه المبادئ النخرة شاد الإنسان بنيان نظاماته الاجتماعية المتقلقلة.
وبعد أن هدم هذا البنيان أخذ يرشد إلى كيفية تشييد بنيان اجتماعي جديد. فجعل الأساس العلوم الطبيعية. فبها يصح نظر الإنسان في لغاته، وينتظم قياسه في دليله، وتقوى فلسفته بارتباطها، وتعلوا آدابه لانطباقها على العمل، وتصلح شرائعه. . . ويتسع عقله إلخ. . .
ويرى أن هذه العلوم هي المخل الذي يستكفل بقلب ما بني من النظامات المتقلقلة والشرائع الخائفة. أما العلوم الكلامية فالعداوة بينه وبينها شديدة وهو يبشرها بالانقراض القريب متى ترقى النظام الاجتماعي حسب السنة الطبيعية.
وإذا استعملنا مع الدكتور شميل تشبيهًا طيبًا، فلا نكون قد خرجنا عن الموضوع: يستخرج الأطباء المصل الشافي والواقي من الأمراض، بان يلقحوا بمركوب الوباء حيوانًا ما. فيتركب في دمه حالًا مادة مقاومة
[ ١ / ١٧٢ ]
لسريان الداء بموجب نواميس الطبيعة. ويزيدون كمية التلقيح يومًا فيومًا، حتى تبلغ مقدارًا كان يقتل ذلك الحيوان لو لقح به دفعة واحدة. وبزيادة كمية المادة الوبائية، تزداد كمية المادة المقاومة. ومن هذه الأخيرة يؤخذ المصل الذي يستعمل للتطعيم. . . قل ذلك عن مذهب الدكتور شميل ولا تكون بعدت كثيرًا عن الحقيقة.
أو إن شئت فاحكم عليه كما يحكم هو نفسه على العلماء وقل معه: إن للعلماء أحلامًا كالعوام، والعقل خزانة كثيرة الأدراج.
هذا ما يسمح المجال ببسطه عن فلسفة الدكتور المتطرفة. ولو أردنا التفصيل لما كفى الكتاب العريض الطويل. أما عبارة الشميل فهي آية في الإيجاز مع أداء المطلوب. وقلما قرأنا كاتبًا عربيًا جاراه في هذا الأسلوب.
* * *
معنى الحياة - وكثيرنا يجهل معنى الحياة الحقيقي ولربما كان هذا الجهل سبب ما تراه في مفاوز هذه الدنيا من الرزايا والحطوب، والتعاسة والشقاء، والخصام والتنافر، والضغائن
والأحقاد، ومتى فهمنا هذه الحياة بمعناها الصحيح يسود السلام في العالم، وتعم المحبة بني الشر، ويذوق الإنسان منتهى السعادة الممكنة. طالع كتاب لورد افبري يتضح لك ذلك تمامًا. وترى أن واضع هذا الكتاب من الفلاسفة الذين لم يضيعوا في عالم الأوهام ولا في بهرجة الكلام. ونحن في أشد الحاجة إلى مثل هؤلاء
[ ١ / ١٧٣ ]
المفكرين الذين ينشرون المبادئ الصحيحة ولذلك يسرنا أن نصوغ أجمل كلمات الثناء على حضرة الشاب الذكي النجيب وديع أفندي البستاني الذي خدم بلاده أحسن خدمة بتعريب هذا السفر النفيس وسبكه في عبارة عربية بليغة سلسة. كما أنه يسرنا أن نرى الإقبال الذي صادفه هذا الكتاب فقد كادت تنفد طبعته الأولى قبل مرور العام عليها. وعن قريب سيطبع ثانية. وقد قررت مدارس المرسلين الأمريكان تدريس معنى الحياة في مدارسها.
* * *
نفحات الوردتين - أو مجموع الفصول الشائقة والمقالات اللطيفة التي دبجها يراع الأديبتين المرحومتين أنيسة وعفيفة كريمتي حضرة اللغوي الشهير الشيخ سعيد الشرتوني. يفوح من هذه المجموعة أريح طيب نشرته هاتان الوردتان قبل أن يذبلهما نفس الموت السام. وخليق بنسائنا وفتياتنا أن يطالعن هذه المجموعة النفيسة حتى يعرفن الدرجة التي تبلغ إليها الفتاة الشرقية. متى ترتب تربية حقيقة وصرفت أوقات فراغها بالدرس والمطالعة بدلًا من قتل وقتها وقواها العقلية بالأمور التافهة. فنثني على حضرة الأديب ميخائيل أفندي الشرتوني الذي حفظ هذه الفصول الجميلة من الضياع بنشرها بالطبع. ونسأل للأديبتين الراحلتين رحمة واسعة ولحضرة والدهما المفضال عزاء وسلوانًا.
[ ١ / ١٧٤ ]