أرفعها إلى
ما جاء الليل حتى انهزمت الأعداء وفي ظهورهم بضع السيوف ووخز الرماح، فعاد الظافرون وحاملين ألوية الفخر، منشدين أهازيج النصر، على توقيع حوافر خيولهم المتساقطة كالمطارق على حصباء الوادي.
أشرفوا على الجبة وقد طلع القمر من وراء فم الميزاب، فظهرت تلك الصخور الباسقة متشامخة مع نفوس القوم نحو العلا، وبانت غابة الأرز بين تلك البطاح، كأنها وسام مجد أثيل علقته الأجيال الغابرة على صدر لبنان.
ظلوا سائرين، وأشعة القمر تتلمع على أسلحتهم، والكهوف البعيدة تتقلد تهاليلهم، حتى إذا ما بلغوا جبهة العقبة أوقفهم صهيل فرس واقف بين الصخور الرمادية، كأنه قُدَّ منها. فاقتربوا إليه مستطلعين، وإذا بجثة هامدة مرتمية على أديم التراب المجبول بنجيع الدماء. فصرخ زعيم القوم قائلًا أروني سيف الرجل فأعرف صاحبه.
[ ١ / ١٤١ ]
فترجل بعض الفرسان وأحاطوا بالمصروع مستفسرين. وبعد هنيهة التفت أحدهم نحو الزعيم، وقال بصوت أجش لقد عانقت أصابعه الباردة قبضة السيف بشدة فمن العار أن أنزعه.
وقال آخر: لقد لبس السيف غمدًا من الدماء، فاختفى فولاذه.
وقال آخر: لقد تجمدت الدماء على الكف والقبضة، وأوثقت الشفرة بالزند فصيرتهما عضوًا واحدًا.
فترجل الزعيم، واقترب من القتيل قائلًا: أسندوا رأسه ودعوا أشعة القمر أن ترينا وجهه.
ففعلوا مسرعين، وبان وجه المصروع من وراء نقاب الموت، ظاهرة عليه ملامح البطش والبأس والتجلد، وجه فارس قوي يتكلم بلا نطق عن شدة رجوليته، وجه متأسف فرح، وجه من لقي العدو عابسًا، وقابل الموت باسمًا، وجه بطل لبناني حضر موقعة ذلك النهار ورأى طلائع الاستظهار، ولكنه لم يبق لينشد مع رفاقه أهازيج النصر.
ولما أزاحوا كوفيته، ومسحوا غبار المعمعة عن وجهه المصفر، ذعر الزعيم وصرخ متوجعًا: هذا ابن الصعبي فيا للخسارة. . .!
فردد القوم هذا الاسم متأوهين، ثم جمدوا في أماكنهم، كأن قلوبهم السكرى بخمرة النصر قد
فاجأها الصحو، فرأت أن خسارة هذا البطل هي أجسم من مجد التغلب وعز الانتصار. ومثل تماثيل قد أوقفهم هول المشهد وأيبس ألسنتهم فسكتوا، وهذا كل ما يفعله الموت في نفوس الأبطال، فالبكاء والنحيب حري بالنساء، والصراخ والعويل خليق
[ ١ / ١٤٢ ]
بالأطفال، ولا يجمل برجال السيف غير السكوت هيبة ووقارًا - ذلك السكوت الذي يقبض على القلوب القوية مثلما تقبض مخالب النسر على عنق الفريسة، ذلك السكوت الذي يرتفع عن الدموع فيزيد بترفعه البلية هولًا وقساوة، ذلك السكوت الذي يهبط بالنفوس الكبيرة من قمم الجبال إلى أعماق اللجة. ذلك السكوت الذي يعلن مجيء العاصفة، وأن لم تجيء كان هو نفسه أشد فعلًا منها.
خلعوا أثواب الفتى المصروع ليروا أين وضع الموت يده، فبانت كلوم الأشفار في صدره، كأنها أفواه مزبدة تتكلم في هدوء ذلك الليل عن همم الرجال. فاقترب الزعيم وجثا مستفحصًا، فوجد دون سواه منديلًا مطرزًا بخيوط الذهب، مربوطًا حول زنده، فتأمله سرًا، وعرف اليد التي غزلت حريره، والأصابع التي حاكت خيوطه، فستره بالأثواب وتراجع قليلًا إلى الوراء حاجبًا وجهه المنقبض بيده المرتعشة. تلك اليد التي كانت تزيح بعزمها رؤوس الأعداء قد ضعفت وارتجفت وصارت تمسح الدموع لأنها لامست حواشي منديل عقدت أطرافه أصابع محبوبة حول زند فتى جاء ليشهد يوم كريهة مدفوعًا ببسالته فصرع وسوف يرجع إليها محمولًا على أكف رفاقه.
وبينما نفس زعيم القوم تتراوح بين مظالم الموت وخفايا الحب، قال احد الواقفين: تعالوا نحفر له قبرًا تحت تلك السنديانة، فتشرب أصولها من دمه وتتغذى فروعها من بقاياه، فتزيد قوةً وتصير خالدة وتكون له رمزًا فتمثل لهذه الطلول بطشه وبأسه.
[ ١ / ١٤٣ ]
فقال آخر: لنحملنه إلى غابة الأرز ونقبره بقرب الكنيسة فتظل عظامه محفورة بظل الصليب إلى آخر الدهر.
وقال آخر: اقبروه ههنا حيث جبل التراب بدمائه واتركوا سيفه في يمينه واغرسوا رمحه بجانبه وانحروا حصانه على قبره ودعوا أسلحته تؤنسه في هذه الوحدة
وقال آخر: لا تلحدوا سيفًا مضرجًا بدم الأعداء ولا تنحروا مهرًا يخوض المنايا ولا تتركوا في الوعر سلاحًا تعود هز الأكف وعزم السواعد، بل احملوها إلى ذويه لأنها خير ميراث.
وقال آخر: تعالوا نجثو حوله مصلين صلاة الناصري، فتغفر له السماء وتبارك انتصارنا.
وقال آخر: لترفعه على الأكتاف جاعلين له نعشًا من الرماح والتروس، فنطوف به في هذا الوادي ناشدين أهازيج النصر، فيشاهد أشلاء الأعداء وتبتسم شفاه جراحه قبل أن يخرسها تراب القبر.
وقال آخر: تعالوا نعليه سرج جواده ونسنده بجماجم القتلى، ونقلده رمحه وندخله الأحياء ظافرًا، فهو لم يستسلم إلى المنية إلا بعد أن حملها من أرواح الأعداء حملًا ثقيلًا.
وقال آخر: تعالوا نودعه لحف هذا الجبل فيكون له صدى الكهوف نديمًا وخرير السواقي مؤنسًا، فترتاح عظامه في برية يكون فيها وطئ أقدام الليالي خفيف الوقع.
وقال آخر: لا تغادروه ههنا، ففي البرية وحشة مملة ووحدة قاسية،
[ ١ / ١٤٤ ]
بل تعالوا ننقله إلى جبانة القرية، فيكون له من أرواح جدودنا رفاقًا يناجونه في سكينة الليل ويقصون عليه أخبار حروبهم وأحاديث أمجادهم.
فتقدم الزعيم إذ ذاك إلى وسط رجاله وأسكتهم بإشارة ثم قال متنهدًا: لا تزعجوه بذكرى الحروب ولا تعيدوا على مسامع روحه الحائمة فوق رؤوسنا أخبار السيوف والرماح، بل هلموا نحمله ببطء وهدوء إلى مسقط رأسه، ففي ذلك الحي نفس ساهرة تترقب قدومه، نفس حبيبة تنتظر رجوعه من بين الأسنة، فلنعيده إليها كيلا تحرم نظرة من وجهه وقبلة من جبينه.
حملوه على المناكب، مطأطئي الرؤوس خاشعي العيون، ومشوا ببطء محزن يتبعهم فرسه الكئيب يجر مقوده على الأرض ويصهل من وقت إلى آخر فتجيبه الكهوف بصداها، كأن للكهوف أفئدة تشعر مع البهيم بشدة الضيم والأسى.
بين أضلع ذلك الوادي حيث أشعة القمر تسترق خطواتها، سار موكب النصر وراء موكب الموت، وقد مشى أمامهما طيف الحب جارًا أجنحته المكسورة.
- باريس ٤ (أيار) مايو ١٩١٠
جبران خليل جبران
جبران خليل جبران كاتب اشتهرت كتاباته في أمريكا وامتاز برقة الشعور وسمو الخيال ثم سافر إلى باريس لإتقان فن التصوير. فأصبح يصور بالكلام أو بالألوان ما يجيش في
خاطره أجمل تصوير. وقد أرسل إلينا هذه المقالة اللطيفة من فرنسا بعد أن انقطع مدة عن الكتابة.
[ ١ / ١٤٥ ]