روت الصحف الأمريكية تلغرافًا تلقته جريدة الورلد النيويوركية، ومفاده أن رجلًا عربيًا مر بمحطة برلنغام في السادس من الشهر الفائت، وكانت ساحة المحطة غاصة بالعربات والسيارات وكلها بانتظار قدوم القطار إلى ذلك القسم الجميل من المدينة حيث يسكن الأشراف وكبار المتمولين. فإذا بذلك العربي - وقد انقبضت سحنته وامتقع لونه - أخذ يتكلم بحدة شديدة ويردد كلمات لم يفهمها أحد من الذين تجمهروا حواليه. وحاول بعضهم أن يستفسره عن سبب تأثره واستيائه. فأشار العربي بيده إلى واجهة بناية المحطة. فظن القوم أن الرسوم العربية المنقوشة على الواجهة قد أثارت فيه عواطف الذكر وحب الوطن، فأحدثت هذا التهيج الظاهر على محياه. ولم تعرف الحقيقة حتى وصل أحد الطلبة في مدرسة اللغات الشرقية وعرض نفسه للترجمة. فسمع العربي يتلو الشتائم واللعانات الموجهة إلى إدارة السكة الحديدية وخطوطها وعرباتها ومأموريها وأصحابها وهو محدق بنظره إلى واجهة البناية كأنه يقرأ عليها ما يقول. فأنعم الترجمان النظر في الرسوم، فأدرك سر تهيج العربي، وقال للمتجمهرين: إن ناقش هذا الزخرف العربي قد نحت في الحجر سلسلة شتائم لشركة السكة الحديدية.
[ ١ / ١٧٨ ]
ويقول هذا العربي أنه لا يعرف في لغته كلامًا أفظع وأسفه من الكلام المنقوش على هذه البناية.
فدهش القوم لذلك واستغربوا الأمر وقصدوا مهندس الشركة يطلبون الوقوف على سر هذا الخبر. فلما سمع الرواية منهم استلقى على ظهره ضحكًا وقال: الحمد لله فقد وجد أخيرًا من يقرأ هذه اللعنات ويفسر معانيها فيشفي غليلي. وليس في نقش ما رأيتم سهو ولا غلط. فإنني أنا فعلت ذلك عمدًا مني وبعد إمعان النظر. وكيفية ذلك أنني حين كنت أبني هذه المحطة طلبت من الشركة جوازًا للسفر مجانًا على خطوطها كما تفعل كل شركة مع موظفيها فأبت إجابة طلبي. فتحصلت على أقبح ما جاء في اللغة العربية من الشتائم، ونقشته على الواجهة لعنة ثابتة على كر الأعوام. وهكذا قد أثبت هذه اللعنات منقوشة على اجر مشوي في النار، وحفرت انتقامي من الشركة على حجرٍ أصم بإزميل من فولاذ. . .