ننشر تباعًا تحت هذا العنوان خير ما يؤخذ عن آداب الغربيين قديمًا وحديثًا. لأن ذلك يكسب لغتنا ثروة طائلة من المعاني والأفكار الجديدة، ويطلعنا على مجرى الحركة الأدبية عند الأمم.
رواية شانتكلير
ومن لم يسمع برواية شانتكلير؟ فإن ذكر مؤلفها - ادمون روستان - قد طبق الآفاق. وحديثها قد شغل الصحف والأندية والمجتمعات الأدبية لما فيها من الجمال الفتان والتفنن الغريب.
١ - حول الرواية
قضى روستان عدة سنين في تنسيق مشاهد هذه الرواية وصياغة أشعارها والعالم الأدبي ينتظر بذاهب الصبر شقيقة روايتي الايجلون وسيرانو ده برجراك إلى أن كان الشهر الماضي فبرزت رواية شانتكلير على ملعب بورت سان مارتن فقوبلت بهاتف إعجاب لم تصادفه رواية قبلها وتردد صداها من باريس إلى شمالي أوروبا وجنوبا، وإلى شرقا وغربها، بل تجاوز البحار وبلغ أربعة أنحاء المعمور.
عمد المؤلف إلى الحيوانات وجعلها أشخاصًا ناطقة في روايته بما بهر الأبصار وخلب الألباب من رونق المناظر وجزالة الشعر.
وقد عرف القراء أن مدير مجلة الالوستراسيون قد حفظ لنفسه حق نشر هذه الرواية في مجلته مقابل مبلغ مليون من الفرنكات. وأفادنا روتر
[ ١ / ٦٨ ]
أن الريش الذي لزم لملابس الممثلين كلف خمسين ألف فرنك وكلفت الأسلاك والأقمشة أربعين ألف. وبلغ وزن الريش تسعمائة كيلو وبلغت ألوانه المختلفة اثنين وثلاثين لونًا. وقد وضع منه على رأس مدام سيمون (ممثلة دور الدجاجة) ما يساوي خمسمئة فرنك. وكلف ريس الديك (بطل الرواية) ألفًا ومئتي فرنك. أما الستارات فهي أبدع ما شوهد على ملعب تمثيل فما قول الشيخ سلامة وإسكندر أفندي فرج؟. .
وفي الرواية من الحيوانات الممثلة مئة وثلاثون حيوانًا من ذوات الأجنحة وذوات الأربع منها: ثمانية وأربعون نوعًا من الديوك والدجاج وعشرون بومة وثمانية أرانب ومثلها من
الضفادع وثلاث حمامات وكلبان وثلاثة وطاويط وفأر وخلد وفراشة ونحل إلخ. . .
وقد اشتغل بالملابس اللازمة ثلاثون عاملًا مدة أربعة أشهر تسع ساعات في اليوم أعني ٣٢ ألفًا و٤٠٠ ساعة. واشترك في معداتها أرباب ثماني عشرة حرفة من خياطين ونساجين ونجارين وحفارين ونقاشين ومزينين إلخ. . .
ومن عرف كل ذلك يفهم معنى قول مدير المرسح عند رفع الستار لتمثل الرواية لأول مرة:
- إن ستمئة ألف فرنك معلقة بهذا الستار. . . .
وقد بلغت نفقات التلغرافات التي تبودلت بشأن ترجمة شانتكلير وتمثيلها في عواصم أوروبا عشرين ألف فرنك. وستترجم إلى تسع عشرة لغة بعد دفع رسوم الترجمة. ومثلت خلال شهر واحد في أماكن مختلفة
[ ١ / ٦٩ ]
بين جبل طارق وبطرسبورج أربعمئة مرة أعني أكثر من ثلاث عشرة مرة في كل ليلة. والمفهوم أننا سنراها قريبًا في مصر. فأهلًا ومرحبًا. . .
وبلغ دخل المرسح في الليلة الأولى خمسة وثلاثين ألف فرنك. ويقدرون أن ادمون روستان سيربح من تمثيلها ونشرها بالطبع عشرة ملايين فرنك. . فما رأي المؤلفين وأصحاب المطابع في مصر وسورية. .؟
وكان المسيو جيتري ممثل دور الديك قد أبى تمثيل دوره دون إشارات بيديه. وكان هذا موضوع خلاف بينه وبين المؤلف. فاتفق ذات يوم أن زار الممثل أحد أصدقائه وكان المسيو جيتري في الحمام ينشد تحية الشمس من دوره على خرير الماء فسمعه صديقه فشاقته تلك النبرات الخالبة فباغته في غرفة الحمام فوجده ضامًا يديه إلى فخذيه رافع الرأس شاخص العينين يتلو دوره على أفخم أسلوب. فصاح به: ما أبدعك هكذا. . .! فاقتنع الممثل ورضي بإخفاء يديه تحت الجناحين.
٢ - الموضوع
أقام أصحاب الحق بنشر رواية شانتكلير قضية على بعض المجلات والصحف يتقاضونها مبلغًا وافرًا من المال لأنها نشرت قبل التمثيل موضوع هذه الرواية وبعض فقرات تمكنت من الحصول عليها. أما وقد برزت الرواية الآن على الملاعب ونشرتها المجلة صاحبة الحق بنشرها، فلا خوف علينا من القضايا إذا نحن لخصنا موضوعا للقراء وترجمنا لهم
بعض مقاطيع منها.
[ ١ / ٧٠ ]
الفصل الأول: يمثل المرسح حوش الدجاج في إحدى المزارع. وتبتدئ الرواية بمؤامرة الطيور الداجنة على الديك (شانتكلير) لأنه قد استبد بسلطته وهو فوق ذلك يدعي أن الشمس لا تشرق في كل صباح إلا بفضل صياحه. وبينما ذوات الأجنحة على هذه الحال، إذا بطلقات نارية قد دوت في الفضاء، ووقعت في الحوش دجاجة برية. فأسرع الديك إلى استقبالها وما لبث أن وقع في جبال هواها. وبينما هو يطارحها أحاديث الغرام، تأخذ هي تصف للطيور الداجنة أفضيلة عيشة الطيور في الغابات والأحراج، وتشرح أجمل شرح معنى الحرية.
الفصل الثاني: يمثل المرسح جانبًا من الغابة في الليل، وطيور الظلام تتواطئ على الإيقاع بالديك، لأن صياحه في كل صباح ينذرها بطلوع الشمس التي لا تتحملها عيون طيور الليل. وبينما طائر البوم يخطب في الجماعة محرضًا على الفتك بشانتكلير يسمع صياح الديك معنًا إقبال كتائب النور واندحار جيوش الظلام. وكان الديك قد غادر حوش الدجاج في المزرعة، ولحق بالدجاجة البرية في الغابة. ولما كان قضى ليلته بعيدًا عن رفيقاته الداجنات، متتبعًا إثر عشيقته الجديدة، أحب أن يستطلع طلع أخبارهن، فعمد إلى زهرة هناك ليكلمهن بالتلفون؟ فعرف ما أصابهن من الغم والهم أثناء غيابه عن مملكته، فزاده ذلك إعجابًا بنفسه. وبينما هو على هذه الحالة أقبلت عليه الدجاجة البرية، وأخذت تعاتبه عتاب الأحباب على انشغاله بغيرها عنها. فعاد يبثها ما بين جناحيه من لواعج الهيام. . .
[ ١ / ٧١ ]
الفصل الثالث: لا تزال في الغابة بين أشجار السنديان والصنوبر وشانتكلير والدجاجة البرية في شهرهما العسلي. وهي لا تزال تغريه بالحرية وتفند قوله بأن شروق الشمس متوقف على صياحه. على انه يبقى متشبثًا برأيه ومعتقدًا بأن مبعث النور من حلقه. وكانت جماعة الضفادع قد عرفت بمجيئه وفضلت صياحه على تغريد البلبل سلطان الغابة فقصدته لتعرض عليه إقامته مقام البلبل الغرد. فوعدها الديك خيرًا. وقصد البلبل، وكان هذا واقفًا على غصن شجرة قريبة، وبينما هو يحادثه أطلقت بندقية فأصاب طلقها البلبل، ووقع على الحضيض وظهر كلب الصياد حارس المزرعة ليأخذ الطريدة، فوجد شانتكلير صديقه، فعرض عليه الرجوع معه إلى المزرعة فأبى الديك لأن الحرية والحب قد أسرا
فؤاده على ما فيهما من المخاطر. فعاد الكلب حزينًا، والديك يصفق بجناحيه ويصيح منشدًا نشيد الغابة.
الفصل الرابع: وفيه حل عقدة الرواية على أجمل أسلوب فإن الدجاجة البرية - وقد صور فيها المؤلف الأنثى من الحيوانات الناطقة وغير الناطقة - أسكرت الديك بحبها وقضت الليل تغازله حتى أنه استغرق في النوم صباحًا، وأشرقت الشمس وهو لا يعي. ولما أفاق من سباته العميق، وجد كوكب النهار قد اعتلى في الأفق على عادته دون الحاجة إلى صياحه. فحزن واكتأب واضمحلت أحلامه واشتد به اليأس حتى قضي عليه. . .
[ ١ / ٧٢ ]
٣ - مقاطيع من الرواية
وها نحن نترجم بعض فقر من هذه الرواية الشائقة لتكون أنموذجًا. يعرف القارئ منه بعض ما فيها من رقيق الشعور وسامي التصورات. ومن طالع الأصل يجد هذه الترجمة خيالًا ضئيلًا له لأنه يشق على المترجم أن يؤدي في ترجمته تلاعب روستان في الكلام والمعاني تلاعبًا يستحيل أحيانًا نقله إلى لغة غير اللغة التي كتب فيها.
نشيد الشمس
وهي قصيدة ينشدها الديك في الفصل الأول ليحيي الشمس عند بزوغها:
أنا أعبدك أيتها الشمس، أنت التي تنشف دموع أدق النباتات، وتحول الزهرة الذابلة إلى فراشة حية عندما يتلاعب هواء جبال البيرينه بزهر اللوز في وادي روسيليون بعد أن ينثره كما ينثر حظوظ البشر. . .
أعبدك يا من تدخل أشعتها في كل زهرة وفي كل كوخ وتبارك كل جبهة وتنضج كل خلية فهي تتجزأ ولكنها تبقى كاملة كحب الأم.
أنا أتغنى بك ويمكنك أن تقبليني عابدًا لك يا من تنعكس على فقاقيع الدنان الزرقاء، وتختار عند مغيبها زجاج نافذة حقيرة لترسل وداعها الأخير.
أنت تديرين زهرة دوار الشمس وتضيئين شقيقي الذهبي في أعلى القبة. وعند ما تمرين من خلال أغصان الزيزفون تعكسين
[ ١ / ٧٣ ]
وتحركين على الأرض دائرات ساطعة يستوقف جمالها الماشي فلا يجرأ أن يدوسها.
تحولين طلاء الآنية إلى ترصيع بديع كما تحولين الخرقة إلى لواء خفاق. فالمجد لك في
الحقول، ولك المجد في الكروم. ولتكوني مباركة بين العشب وعلى رتاج القصور، في عين الضب وعلى جناح الإوز اللامع. . .
أنت تشقين لكل مخلوق شقيقًا يمتد وراءه فأوجدت لكل شيء ظلًا كثيرًا ما يكون أبهى منه وهكذا جعلت كل ما يبهجنا مزدوجًا.
أعبك يا شمس: أنت تنثرين وردًا في الهواء، وتنيرين شعاعًا في الماء، وتضعين إلهًا في الأدغال. فتؤلهين الشجرة الشاحبة. فلولاك أيتها الشمس لبقيت الأشياء على ماهيتها.
معنى صياح الديك
في الفصل الثاني تحاول الدجاجة البرية أن تعرف من الديك سر صياحه. فيتمنع عن أن يبوح به، ثم يتغلب عليه الحب فيأخذ يشرح ذلك بأبيات بديعة كأنه الشاعر يصف مهمته في هذه الدنيا:
الديك: لاحظيني وأنا بذاهب الصبر ومنتهى العجب أجرح الأرض بأظفاري كأنني أفتش دائمًا في الأرض عن شيء ما. . .
الدجاجة البرية: تكون على ما أعرف تفتش حينذاك عن شيء من الحبوب.
[ ١ / ٧٤ ]
الديك: لا ليس ذلك ما أبحث عنه. وإذا وجدت عرضًا في حين من الأحيان شيئًا من الحب فإني أدعه لدجاجاتي.
الدجاجة: وعم تفتش إذن وأنت تبحث في الأرض. .؟
الديك: أفتش عن مكان أنشب فيه لأصيح، ولا أصيح إلا متى تمكنت أظافري في الأرض بعد تقليه العشب وإبعاد الحصى. وعند ما تخالط نفسي الأرض الطيبة أغني وأنشد. وهذا بعض سر صياحي. وهو لا يشبه الغاني التي تنشد بعد التفتيش عنها ولكنه يصعد من الأرض إلي كما تصعد المادة الحيوية إلى الشجرة. ويكون ذلك خصوصًا عندما يقف الفجر مترددًا على طرف السماء القاتمة فتتكلم الأرض فيّ ولا أبقى في تلك الساعة طائرًا أيًا كان. بل أصير النفير الذي ينطلق منه صوت الأرض إلى السماء. وهذا الصراخ الذي ينبعث من الأرض هو صراخ الشوق إلى النور، هو هتاف الحب الشديد الهائل نحو ذاك الكائن الذهبي الذي نسميه للنهار وهو ما تتوق إليه كل الكائنات. وهو هتاف الرجاء الذي يبعثه الحقل لمبتل طالبًا قوس قزح لكل بقعة خضراء، والغابة راجيةً نورًا لكل منعطف
مظلم فيها.
هذا الهتاف الذي يمر بي ليصعد إلى السماء الزرقاء هو هتاف كل ما يشعر أنه في هاوية وقد غضبت عليه الشمس دون أن يعرف السبب. هو هتاف الوردة الواجفة وحدها في الظلام، هو هتاف الهشيم الذي يريد أن ينشف لينقل إلى الرحى، هو هتاف الأدوات وقد تركها الحاصد في الخلاء
[ ١ / ٧٥ ]
فباتت تخشى الصدأ، هو هتاف كل أبيض ناصع ليكون لامعًا ساطعًا. هو هتاف كل الحيوانات الطاهرة التي لا تود ستر أعمالها، هو هتاف النهر الذي يريد أن تصل عين الناظر إلى قمره، هو هتاف الوحل الذي يريد أن ينشف ليعود تربة خصبة، هو هتاف فخيم ينطلق من المزارع التي تريد أن تشعر بالنبات يتحرك في جوفها، هو هتاف الشجرة التي تريد أن تزيد على زهرها زهرًا، هو هتاف عنقود العنب الأخضر الذي يريد أن يحمرّ جانبه، هو هتاف الجسر الذي يتشوف إلى خفقان الأقدام عليه، وإلى تلاعب ظل العصافير بين ظل الأغصان فوقه، هو هتاف كل من يريد الإنشاد وخلع ثياب الحداد، والعودة إلى الحياة. . . هو هتاف إلى النور ينطلق من كل جمال وكل عافية، ومن كل من يريدان يعمل عمله في النور فيرى ذلك العمل ويراه الغير.
. . . وعندما يتصاعد في هذا النداء للنهار أكبر نفسي لتكون أكثر اتساعًا وبالتالي أكثر رنينًا. وقبل أن أطلق هذا النداء أردده في صدري بخشوع ثم ينبعث صياحي واضحًا قاطعًا فخيمًا حتى أن الأفق الخافق احمرارًا يطيع ندائي هذا. وعبثًا يحاول الليل أن يرضيني بنور الغلس الضئيل فإني لا أزال أصيح حتى أجل الشمس تتلألأ.
[ ١ / ٧٦ ]