ننشر تباعًا تحت هذا العنوان خير ما يؤخذ عن آداب الغربيين قديمًا وحديثًا، لأن ذلك يكسب لغتنا ثروة طائلة من المعاني والأفكار الجديدة فيطلعنا على مجرى الحركة الأدبية عند الأمم. وقد كان لما عربناه في العدد الماضي (راجع ص ٦٨) من رواية شانتكلير وقع حسن عند جمهور القراء وتناقلت الترجمة جرائد عديدة. وقد أحببنا اليوم أن نأخذ شيئًا من قصة أندروماك بمناسبة تمثيل روايتها الفرنسوية على مرسح الأوبرا الخديوية أثناء وجود جوق جورج أفندي أبيض في مصر.
أندروماك
ثلاثة شعراء كبار طرقوا هذا الموضوع الجليل: هوميروس اليوناني وفرجيل اللاتيني وراسين الفرنسوي. وأندروماك هذه امرأة هكتور الطروادي الذي قتله آخيل وقد كانت بين السبايا من نصيب بيروس بن آخيل. وأبت الاقتران به محافظة على عهد زوجها المقتول.
وإننا ناقلون شيئًا من إلياذة هوميروس ورواية راسين مكتفين بالقليل من الكثير لضيق المقام.
١ - وداع هكتور لأندروماك
قبل نزول هكتور لمبارزة آخيل أقبل يودع امرأته وولده هذه القطعة من أرق ما جادت به قرائح البشر. قالت أندروماك لزوجها:
يا شقي البخت ذا اليأس الوخيم سوف يلقيك بلجات الجحيم
ولي الإرمال والطفل يتيم
[ ١ / ١١٥ ]
سوف تلقاك جماهير عداك وتلقيك مضاضات الهلاك
فلمن أبقى إذا مت سواك
أه لو ألقى إلى جوف الثرى قبل أن تلقى على الأرض قتيل
إن تموتن الأسى يخلد لي وعنا النفس ودمع المقل
لا أب أسلو به لا أم لي
أنت كل الأهل لي إذا أنت حي آه فارحم وانعطف رفقًا علي
آه فارفق بي وبالطفل لدي. .
قال: ما يشجيك يؤليني الشجا إنما الموقف أضحى حرجا
نزل الروع وبي العزم أبى أن يكون الروع في القلب نزيل
بين أقوامي وربات السدول لست أرضى العار أن تعل النصول
أو عن الهيجاء يثنيني الخمول
وأنا دومًا بصدر الفيلق شأن (فريام) وشأني أتقي
وأقي قومي بحد المخفق
آه لكن فؤادي والحجى ينبئاني أن صمصامي كليل
سوف تندك (باليون) القلاع وتوافينا الملمات الفظاع
كل هذا قلبي منه لا يراع. . .
بيد أن الخطب كل الخطب آه أن تكوني في سبيات العداه
تذرفين الدمع عن مر الحياه
[ ١ / ١١٦ ]
تستقين الماء كالعبد الأسير من (مسيس) أو ينابيع (هفير)
تنسجين القطن والقلب كسير
كل بؤس كل رزء وعنا كله إن حل ذا الرزء قليل
كله لا شيء إن صح الصحيح والذي يلقاك بي هزءًا يصيح
تلكم زوجة هكتور الشديد خير ما في القوم من قرم عنيد
كم له قرع بدراع الحديد
تل صدر الجيش تلًا وهنا سبيت زوجته وهو تليل
فتصحين وتصلين السعير تستجيرين ولكن من يجير. . .
يا لحود الأرض واريني التراب قل أن يدهمني هذا المصاب
وأنلني أيها الخطب البلا قبلما زوجي للسبي تنيل
ثم مد اليد للطفل فصد جازعًا لما رأى تلك العدد
من نواص سابحات وزرد
وبصدر المرضع الطفل ارتمى فلديه أبواه بسما
وبرفق عنه هكتور رمى
ذلك المغفر. والطفل بدا بيديه بين تقبيل يجيل
ودعا يسأل أسياد الأنام أنت يا (زفس) وأربابًا عظام
عونكم أسأله في ذا الغلام
فليكن مثلي هصار الأسود وإذا من موقف الحرب يعود
[ ١ / ١١٧ ]
فليقل فوق أبيه قد سما سل سيف الفوز يا نعم السليل
فليجندل كل جبار أبي فائزًا منه بحر السلب
تتلقاه ببادي الطرب
أمه جاذلة مما ترى ثم ألقاه لها مستبشرًا
وهي ضمته لصدر عطرا
لبس المغفر حالًا ووثب ومضت تلفت من حيث ذهب
تذرف العبرة والقلب التهب
هوميروس: النشيد السادس من الإلياذة
تعريب سليمان البستاني
٢ - وفاء أندروماك
أندروماك الآن أسيرة بيروس بن آخيل قاتل زوجها وهو يعرض عليها الاقتران به لينقذ لها ولدها وإلا اضطر إلى قتله مرضاة لليونان. وهي بين عامل الحب لابنها وعامل الوفاء لزوجها (من رواية راسين).
أندروماك - لا تظهر الضعف فإنك في البسالة آية. وانعم بإحسان مجرد، فخير الإحسان ما كان بلا غاية.
أيغلبك العشق فتخضع له اضطرارًا ولا تخاف في إظهاره عارًا. وتزعم أن أندروماك يطب لها هذا الغرام، وهي على ما ترى من الأسر والحزن
[ ١ / ١١٨ ]
والسقام. وأي جمال يلوح لك في عينين حكمت عليهما فعالك بالبكاء؟ فخلهما واحترم مشهد تعاستنا بعد النعمة والهناء. وأنقذ غلامًا بات في أسرك ذليلًا، وكان من قبل جليلًا. ورده على والدة حزينة باكية، ولا تجعلها تفديه ببقية مهجة بالية. أنقده ولو أبت أمه إجابة طلبك، فهو جارك وجار الكريم لا يضام. فذلك عمل يليق بابن آخيل الهمام.
بيروس - أعيذك من البغض اللازم، والقصاص الدائم. فقد أسقمتني بالتجني والصد، وأتلفتني بعدوان ما له حد. فإن كنت قد أبكيتك دمعًا يوم كانت يدي ملطخة بدم أقوامك، فقد أبكيتني دمًا في غرامك. وإن كنت لقيت بسببي عذابًا فقد احتملت صنوف عذاب في الغرام عذاب فكفانا يا سيدتي معاقبة تقضي بإتلافنا وليكن أعداء ولدك أعدائي سببًا لائتلافنا. (ثم يجدد لها تأكيد حبه ويعرض عليها تلقاء يدها أن يحمي ابنها ويعيده إلى مجد أبيه).
أندروماك - سيدي إن جميع هذه الوعود لا تغني في حزني شيئًا. وكنت أعد بها ابني لو كان أبوه حيا. . . فيا أيها الأطلال البالية وأيا أيتها الأوطان الفقيدة الغالية. إن في قلبنا من الشوق إليك نارًا حامية. ومن لنا بأن نراك بعد موت المقاتلة والحامية. . . رحماك يا مولاي إن دمعي الهامع لا يسالك غير الرحيل فهو غاية رجاه. فاسمح لي أن أذهب بابني فأخفيه وأبكي أباه. وقد علمت أن ميلك إلينا يورثك بغض قومك والويل - فارغب في هرميون عني (هرميون خطيبته اليونانية).
[ ١ / ١١٩ ]
بيروس -. . . ليس بإمكاني أن أرغب في هرميون وأميل إليها. . وقد ملكتك قلبي فلك فيه الأمر والسلطان، فكيف أهواها وليس لي قلبان: من يرى مالك عندي ولا يظن أنك الأميرة وأنها الأسيرة. أواه قول مغرم لو سمعته هرميون لنال فؤادها مناه.
أندروماك - أمل يكفها سوء حالي وأسري وإذلالي. أم تريد أن تضرم في قبر هكتور نارًا. أي ذكر رهيب لهكتور من حبا أباك مجدًا كما حبوتك بدمعي اشتهارًا.
بيروس - لقد عز الصبر ولم يبق للعفو منال. . . واعلمي أن بغضي يكون كحبي شديدًا. وإن الابن يؤخذ بأعمال أمه لا محال فسأسلمه إلى اليونان. . .
أندروماك - يموت ابني. . . ابني يموت ولا معين له ولا شافع إلا دمعي. . . وعسى أن يقصر ذلك عذابي ويريحني مما ألاقيه فألحق به لنلتقي معًا بأبيه. . . .
(راسين)
تعريب أديب إسحق
[ ١ / ١٢٠ ]