ليلى العفيفة والبرّاق
هي ليلى لكيز بن مرة بن أسد من ربيعة بن زار نشأت في حجر أبيها وبرعت بفضلها وكانت تامة الحسن كثيرة الأدب وافرة العقل شاع ذكرها عند العرب حتى خطبها كثيرون من سراتهم. وكانت ليلى تكره أن تخرج من قومها وتود لو أن أباها زوجها بالبراق بن روحان ابن عمها. إلا أنها لم تعص أمر أبيها وصانت نفسها تعففًا فلقبت بالعفيفة.
وكان والدها يتردد على عمرو بن ذي صهبان ابن أحد ملوك اليمن فيجزل عطيته، ويحسن إكرامه، فخطب منه ليلى وجهز إليه بالهدايا السنية، فأنف أن يرد طلبته، وأمل أن يكون الملك فرجًا لشدائد قومه، وحصنًا في جوارهم، وذخيرة في عظائم أمورهم، فصعب الأمر على البراق لما بلغه الخبر، وأتى إلى أبيه وإخوته وأمرهم بالرحيل فارتحلوا.
وثارت في أثناء ذلك حرب ضروس بين بني ربيعة قوم البراق وقبائل قضاعة وطي. فاتسع الخرق ودارت الدوائر على بني ربيعة. هذا والبراق معتزل عنهم برجاله لرغبة عمه عنه بابنته ليلى. فاجتمع إليه كليب بن ربيعة وإخوته يستنجدونه فقالوا له: يا أبا النصر قد طم الخطب ولا قرار لنا عليه. وأنشده كليب:
إليك أتينا مستجيرين للنصر فشمر وبادر للقتال أبا النصر
وما الناس إلا تابعون لواحد إذا كان فيه آلة المجد والفخر
[ ١ / ١٦٦ ]
فناد تجبك الصدي من آل وائل وليس لكم يا آل وائل من عذر
فأجابه البراق متهكمًا:
وهل أنا إلا واحد من ربيعة أعز إذا عزوا وفخرهم فخري
سأمنحكم مني الذي تعرفونه أشمر عن ساقي وأعلوا على مهري
وأدعو بني عمي جميعًا وإخوتي إلى موطن الهيجاء أو مرتع الكر
ثم ردهم خائبين
وبلغ الأعداء امتناع البراق من القيام بقومه، فأرسلوا إليه يعدونه بما شاء من الكرامة والسيادة فيهم إن آزرهم على قتال ربيعة. فأخذت البراق الغيرة لذلك، وزال ما كان في قلبه من الحقد والضغينة على قومه وأجاب بني طي:
لعمري لست أترك آل قومي وأرحل عن فنائي أو أسير
بهم ذلي إذا ما كنت فيهم على رغم العدى شرف خطير
أأنزل بينهم إن كان يسر وأرحل إن ألمَّ بهم عسير
ألم تسمع أسنتهم لها في تراقيكم وأضلعكم صرير. . .
وأمر رجاله بالركوب فركبوا وامتطى هو مهرته شبوب وكسر قناته وأعطى كل واحد من إخوته كعبًا منها وقال لهم: حثوا أفراسكم، وقلدوا نجبائكم قلائد الجزع في الاستنصار لقومكم.
فامتثلوا رأيه وتفرقوا في أحياء ربيعة. واستصرخوا قبائلهم، فجزعت ربيعة لجزع البراق، وأخذت أهبتها للحرب وتواردت قبائلها من كل فج وعقدوا له الرئاسة في قومه. ثم ساروا إلى ديار قضاعة وطي فأغاروا عليهم
[ ١ / ١٦٧ ]
وانطبقت عليهم الفرسان البراق من كل جانب فبرّحوا بهم القتل وانهزم الباقون، ثم عاد القوم إلى القتال وطالت الحرب بينهم، تارة لقوم البراق وأخرى عليهم، إلى أن أظفره الله بأعدائه وامتلأت أيديه من الغنائم وانقادت له قبائل العرب. وكان قد فك أسرى قومه، واسترجع الظعائن وكانت من جملتهن ليلى، واصطلحت القبائل بعد ذلك وأقروا للبراق بالفضل والشرف الرفيع.
أما عمرو بن ذي صهبان خطيب ليلى فإنه أرسل إلى ليكز والدها يستنجزه وعده في أمر ابنته. فلم ير بدًا من إجابة دعواه. إلا أن ابنًا لكسرى ملك العجم حال دون مرامه فأرسل فرسانًا سبوها في طريقها وحملوها إلى فارس مرغمة. فبقيت هناك أسيرة لا ترضى بزواج. ولما ضيق عليها العجم وضربوها لتقنع بمراد ملكهم استصرخت بالبراق وبأخوتها في قصيدتها المشهورة.
فلما بلغ بني ربيعة استنجاد فتاتهم استفزتهم الحمية وخنقتهم العبرة. فحشد البراق الفرسان وسار إلى بلاد العجم. ولم يزل يكد ويسعى حينًا بالقتال وآخر بالحيلة حتى خلص ليلى من يد مغتصبيها، وأعادها إلى ديار بني ربيعة. فأثنى عليه قومه ثناء جميلًا وتزوج بليلى وتولى رئاسة قومه زمانًا فأعطى وكسا وقرى وصارت ربيعة بحسن تدبيره أوسع العرب خيرًا لما حازوه من الغنائم وكانت وفاته قبل الإسلام بقرن ونصف تقريبًا.
[ ١ / ١٦٨ ]