بين شعراء مصر والشام
نشرنا في العدد الماضي (ص ١٠٧) قصيدتين لشاعرين من سورية جوابًا على قصيدة عبد الحليم أفندي المصري التي شكا فيها من كساد الشعر في مصر وسأل زملاءه في الشام عن حالتهم. (راجع قصيدته ص ٥٩) وننشر اليوم قصيدتين ثانيتين وردتا على المجلة من سورية بهذا المعنى. وتسرنا هذه المراسلة الأدبية بين كتاب القطرين فنحن إنما أنشأنا هذه المجلة لتكون رابطة أدبية بين الأقطار العربية.
١ - يا شعراء النيل
يا دهر من أغراك بي للحرام ما مهجتي مرمى لكل السهام
إن كان ذنب العاشقين الهوى يا دولة الحب عليك السلام
قد كان لي قلب به صبوة ومقلة ترعى نجوم الظلام
قد كان - والعهد قريب بنا مذ جزت بالعشرين عفت الغرام
أصبحت لا أشتاق وادي النقا ولا أجاري نائحات الحمام
أمسيت لا أبكي بسقط اللوى ولا أناجي فيه بدر التمام
لأنصف الدهر بأحكامه لو كان للدهر وفاء الذمام
ولا رعوى عن غيه تائبًا لو ينكأ الدهر قراع الملام
* * *
[ ١ / ١٥٧ ]
يا شعراء النيل لا تجزعوا قد صافحتكم شعراء الشام
لكم بهم في قومهم أسوة ما أغنياء الشام ري الأوام
لا يبصر الشاعر دينارهم عينًا ولا طيفًا له في المنام
يدعوهم الفضل فلا مسمع هم في القصور الساهرون النيام
ما في قصور اليوم من نخوة قد كانت النخوة بين الخيام!!
لهفي على قوم كرام مضوا قد أنصفوا بالفضل قومًا كرام
يكاد لو نادى بهم آمل في الترب يحيي نخرات العظام
كلام أخل الشعر في عهدهم جواهر واليوم أمسى كلام
لا مصر ترضيهم ولا مصرنا ما أطيب السكنى ببردي لتام
لا كنت لي يا موطني مسكنًا إن كان فيك الحر خلقًا يضام
* * *
إن كان هذا الحظ لا ينجلي ما أضيق العيش وأشقى المقام
- (لبنان)
ف. نصار
٢ - حالتنا
عبد الحليم! عليك ألف سلام مني ومن شعراء بر الشام
عبد الحليم! لقد أثرت عزائمًا في النفس قد سئمت من الإقدام
أبرزت من سجر القريض فرائدًا طربت لهن جوانب الأهرام
ناديتنا متسائلًا مستفهمًا عن حالة الشعراء والأقلام
* * *
[ ١ / ١٥٨ ]
فعلام يا ابن النيل تنب حالة أنتم بها من أسعد الأنام؟؟
أتبيت في أرض النضار وتشتكي من غمرة البأساء والآلام؟
أتبيت في ربع الأمام وتختشي من نائبات الدهر والأيام؟
* * *
هلا ركبت البحر نحو ربوعنا فترى لأهل العلم قلبًا دامي
هلا أتيت إلى الشام فتلتقي بحر التعصب والغباوة طامي
عجل تجد روح التحاسد عابثًا بمبادئ الحكام في الأحكام
فإذا الأديب أراد نشر معايب طويت عن الأفكار والأفهام
يترصدون له الوقيعة والأذى ويسددون عليه سهم ملام
وترى الصحافي الجريء مهددًا بالضيم من حكامه الظلام
يبغي التقدم للبلاد فينثني عن عزمه لمفاسد الأقوام
تلقى يراع الحر معتقلًا فلا يحيا بغير المدح والإكرام
إن خط آيات الحقائق مرة قامت عليه قيامة الحكام
فكأنه طير الحمام إذا شدا يلقى من القناص كأس حمام!!
* * *
فإليك - يا عبد الحليم - مثالنا صورته ليلًا ودمعي هامي
فلئن تكن مصر تضيق بكم على رحب الديار فكيف أرض الشام؟؟
- (بيروت)
حليم إبراهيم دموس
[ ١ / ١٥٩ ]
شكوى المنفي
(قالها ناظمها حين نفي إلى سيواس وتخلى عنه أصحابه)
حيي ربوعها قطر يا وطنًا هو مصر
ما لي إليك سبيل هذا خلاء وبحر
غر الأعادي انكساري والانكسار يغر
وسرهم طول نفيي ومثل نفيي يسر
هم يحسبوني أقضي عنهم وما لي ذكر
هيهات بعدي رجال والفجر يتلوه فجر
عين بكت قبل هذا وسوف يبسم ثغر
ارتجعي يا أماني بالوصل قد طال هجر
إنا عهدناك أوفى عهدًا إذا خان دهر
فبينما أنت زهر إذا بك اليوم غير
فليس يرفع جد وليس يخفض هذر
* * *
مرت عذاب الليالي وكل عذب يمر
التزم الصبر كرهًا وليس للحر صبر
وأسلك الحلم نفسي ومسلك الحلم وعر
لبيك يا مجد قومي لبي نداءك حر
دافعت دون فروق قومًا رحلت وقروا
[ ١ / ١٦٠ ]
سادوا بها فلكل نهي عليها وأمر
ما كنت اغلب لولا قوم ثبت وفروا
ضاق المجال عليهم ضيقًا ولم يغن كر
وفي العيون ازورار وفي الجوانح ذعر
فبت تلقاء ليث كأنما هو قصر
له شباة وظفر ولي شباة وظفر
يعدو إلي فأعدو إليه زأر فزأر
فربع في البيد ذئب وريع في الجو نسر
وظلت الحرب بيني وبينه تستمر
فاضطر للصلح رغمًا ومن بغى يضطر
واغتالني بعد غدرًا وشيعة النذل غدر
لا يقصدوني بعذر فما على الجبن عذر
بين وبين الأعادي يوم إذا طال عمر
حتام أخفض قدري وما تعالاه قدر
أن أمس فيه أسيرًا قد يعتري الحر أسر
* * *
رضيت سيواس دارًا وما بسيواس شر
جنوا عليها فأمست قد أقفرت فهي قفر
فلا بها الروض خصب ولا بها الزهر نضر
[ ١ / ١٦١ ]
اندست مطرباتي وأصبحت وهي دثر
فليس لي ثم نظم وليس لي ثم نثر
وكم بمصر أديب يشدو فترقص مصر
لهفي على سانحات كأنما هي سحر
يقولها قائلوها فيعتري الناس سكر
ولي الدين يكن
مقابلة الذم والاغتياب
لسعادة إسماعيل باشا صبري
بذرت شؤمًا ولؤمًا فاحصد أناة حليم
روث اللسان سماد في روض كل كريم
* * *
ولحضرة السيد مصطفى لطفي المنفلوطي في هذا الموضوع
إذا ما سفيه نالني منه نائل من الذم لم يحرج بموقفه صدري
أعود إلى نفسي فإن كان صادقًا عتبت على نفسي وأصلحت من أمري
وإلا فما ذنبي إلى الناس إن طغى هوها فما ترضى بخير ولا بشر
[ ١ / ١٦٢ ]