ليست مطارحات بالمعنى الدقيق، ولكنها مناقشات جادة، دارت على صفحات المجلة في مسائل مختلفة ولعل قضية المرأة كانت أهم هذه المسائل، لأن وفاة قاسم أمين قد أعقبت جدلًا امتد إلى سنوات حول ما أثاره في كتابيه تحرير المرأة والمرأة الجديدة، وكان من اللافت للنظر أن بعض الفضليات من الكاتبات لم تشأ أن تتجاوز دعوة قاسم في التربية والتعليم إلى ما فهمه المتسرعون والمتسرعات من الدعوة إلى التبرج والاختلاط ومحاكاة الغربية في السهرات الحافلة والرقص اللاهي، وهذا ما حذرت منه فضليات الكاتبات على صفحات الزهور، وقد ابتدأت به الآنسة الأدبية (هدى كيورك) بالعدد الثامن (أكتوبر سنة ١٩١٠) حيث قالت: إن الذي فهمه نساء اليوم من التقدم العصري هو (المودة) المتحضرة في مشابهة الغربيات ملبسا وسلوكا، فالفتاة لا تقنع بحياة والدها المتواضع بل تطالبه بما فوق قدرته، واستنزفت عرق جبينه لتصبح مترفة مرفهة، تقول الكاتبة الفضلى عن هذه (المتمدنة):
[ ١ / ١١ ]
"نفختها روح الكبرياء، فظنت نفسها أرفع قدرا من والديها، فجاءت إليهم متحكمة آمرة، فإذا لم يتموا رغابئها خشنت أخلاقها، وأوقعت الاضطراب بالمنزل غاضبة على هذا، ومستهزئة بتلك، فإذا رزقت بمولود رمت به إلى المراضع منصرفة إلى زينتها ولهوها، وأنفت أن تستعمل وسائل التطريز والحياكة".
وكانت الكاتبة صادقة حين قالت:
"نحن لم نتشبه بالغربية إلا في مادة (المودة) وحدها، لماذا لا نأخذ عنها نشاطها وجدها، وتعلقها بلغتها؟ هل رأينا فتاة أوربية أتقنت لغة أجنبية قبل لغتها؟ أما نحن الشرقيات فنرى أن لغة الأجنبي دليل التقدم، والغربية بذلك تستخف بنا وتسخر".
مقال حار النفس، ملتهب اللهجة، دفع بعض القارئات إلى معارضته، فكتبت الآنسة ادماكيرلس من بيروت تقول في العدد العاشر: "إن الآنسة هدى أصابت في كل سطر من سطورها أخواتها وبنات جنسها بسهام حادة إذ أجادت وصف صاحبات اللهو والزينة، وتركت الكثيرات ممن تحلين بالفضائل، فكم من امرأة تضحي بصحتها وتحرم نفسها من كل ملاهي الحياة لتسهر على حاجة منزلها وتربية أولادها، وهي حين تتبع (المودة) تعتدل دون إسراف، أما تقليد المرأة الغربية فالذنب في ذلك يرجع إلى الرجال فهم يعظمون لابسات البرنيطة. والمتكلمة بلغة أجنبية والمقلدة للغربية في حركاتها ومشيتها، فعلى الرجال أن يمدوا يد المساعدة لنا، لنرافقهم في طريق الفلاح ولا نكون عبئا ثقيلا عليهم".
ولم تسكت الكاتبة الأولى عما وجه إليها من مآخذ لا تراها صحيحة في مضمونها، فاندفعت الآنسة (هدى) إلى الرد بمقال مستفيض نشر بالجزء الحادي عشر يناير ١٩١١ م فأثنت على الكاتبة وقالت: "إنها لا تعارض الزينة المعقولة، ولكن المندفعات بالنسبة إلى المعتدلات كثرة كاثرة واللاتي يضحين بملاذّهن في سبيل سعادة الأسرة من المتعلمات عدد قليل لا يبلغ عشرة في المائة بالنسبة للاهيات، وقد ضج الآباء في سبيل ردع اللاهيات دون جدوى، وكم من أب يترحم على العهد الماضي حين يري ما يشاهد من التبذل، ونظرة إلى الجرائد السيارة التي تضج من ذيوع الترف الكاذب، والانغماس في حمى التقليد الضار ترينا الدليل القاطع .. ".
ومن هذا الوادي ما نشر بالعدد التاسع تحت عنوان (المقيَّدات) وهن اللاتي يسرفن في الأناقة وتضييق الخطو في الطريق تحت ثقل القبعات المليئة بالزهر، والثياب المضغوطة بالحزام، والحذاء الضيق ذي الألم المحتمل لأجل المظهر، حتى أصبحت الفتاة من هؤلاء ترسف رسف المكبل بعد أن كانت تسرع كالحجل". وقد أوحي هذا المقال الناقد للشاعر الإسكندري خليل شيبوب قصيدة متهكمة نشرت بالعدد التالي، تحدث فيها عن المرأة المتصونة في القديم فأطراها إطراء مشجعا. ليكر على أختها المسرفة في الزينة فيقول:
قم بي أريك الآن كيف تغيرت تلك العهود وبدلت تبديلا
وتشوهت تلك الخدود وأصبحت تلك النهود بما حشين تلولا
قد ضيقت خصرا يذوب وعرّضت كفلًا بتنفير النفوس كفيلا
ومشت مقيدة الخطى فكأنما (ركب الكمى جواده مشكولا)
وتكاد تسقط إن رنت وإذا مشت شِمْتَ الأسير مصفدا مغلولا
[ ١ / ١٢ ]
أما النقدات العلمية فما أكثرها، حيث حفلت بها مباحث المعلوف والأب إنستاس ماري الكرملي، وقد رمز لاسمه بتوقيع (سانستا) وما كنت أعلم أنه الكرملي لولا ما أشار إليه الأستاذ روفائيل بطي خاصا بتوقيعاته المتعددة فيما كتبه بمجلة الكتاب (مارس سنة ١٩٤٧) ومن بينها (سانستا) ولو كان التوقيع (أنستا) فقط لقلنا إنه مرخم (أنستاس) على غير قياس؛ وهم سادتنا اللغويون يحللون ويحرمون، وبحوث الزهور اللغوية والأدبية ذات طرافة بالنسبة لزمانها، وهي الآن من المطروقات!