في هذا اليوم الذي كان فيه قدماء المصريين يقدمون لك فتاة من أجمل فتياتهم، ويلبسونها أجمل الأثواب وأثمن الحلى، ويأتون بها إلى وسط مياهك الهادئة ويطرحونها ضحية في أمواجك اللطيفة، نأتي نحن أيضًا أبناء القرن العشرين بتقدماتنا وضحايانا.
كنت إلهًا عظيمًا، لأنك كجميع آلهة البشر قوة عجيبة من قوى الكون ومظهر غريب من مظاهر الأرض. فحسبوك إلهًا كسائر آلهتهم التي يعبدونها تحب النقمة وترتاح إلى سفك الدماء وتصبو إلى الذبائح والضحايا، لذلك كانوا يزفون إليك كل عام فتاة فتانة لتكون لك عروسًا أيها الإله وابن الآلهة. .!
هذا الوحش الضاري السفاح الذي يشرب الدماء والإثم كالماء الذي نسميه إنسانًا قد صنعك أنت أيضًا كسائر الآلهة على صورته ومثاله. . .
على نغمات العود والقيثارة والمزمار، وبين أناشيد الغناء وضجيج الاستحسان كانوا يأتون إليك بأميرة من أميراتهم في ربيع صباها وريعان جمالها يترقرق الحسن في وجنتيها ويتألف الجمال في خديها، ولا يخشون أن يطرحوها في أحشائك أنت إله الرحمة والصلاح!
* * *
كنت إلهًا عظيمًا، ولا تزال إلهًا فخيمًا بيدك الخير والشقاء، وبين شفتيك الموت والحياة، تضرب وتشفي، وتميت وتحيي.
[ ١ / ٢٥١ ]
لبثت الوفاء من السنين محجبًا بحجب الأسرار ومستترًا بستر الألغاز، فاقتفى البشر آثارك في البيد والقفار، وتتبعوا مسيرك في الصحارى والرمال، وناجوك كما ناجوا كل إله سواك ليعلموا من أنت وما أنت وهم يحسبون الآن أنه قد كشفوا سرك وأوضحوا أمرك - أيخترقون أحشاء الأرض، أيشقون الأطواد الراسيات بعضها بجانب بعض؟ إنهم لمقصرون عن ذلك تقصيرًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.
تسير في عقيقك الفخيم العجيب، كما تسير الآلهة في طرقها، لا تلتفت يمنة ولا يسرة - تضحك من أبناء آدم وعلومهم وأفراحهم وأتراحهم وبخارهم وكهربائيتهم كما يضحك منهم جوبتير من نوافذ أولمبس.
الإنسان ابن أمس أما أنت فكائن منذ الأزل وستبقى إلى الأبد!
عبدوك لأن لك نفعًا يرجى وضرًا يخشى كسواك من الآلهة الأخرى.
عبدناك وقد عبدنا قبلك الفلك الدائر، والنجم السائر، والهواء والسحاب، والجو والضباب، والشموس والأقمار، والأحراج والأشجار، والطيور في أوكارها، والأسماك في بحارها والوحوش في أوجارها.
عبدنا من قبلك الخنافس والثيران، والجبل والبركان والهوام والحشرات، والأصلال والحيات، وكل ما سبح في الهواء، وغاص في الماء، ودب في الغبراء.
ولما لم تبق مادة في هذا الكون الذي لا تحيط به العقول، وليس إلى معرفة كنهة من وصول خلقنا من الوهم أكوانًا جديدة وقوى عديدة واتخذناها إلهًا ومعبودًا، نخر لها ركعًا وسجودًا.
[ ١ / ٢٥٢ ]
عندنا آلهة نصفها بشر ونصفها إنسان ومخلوقات رأسها إله وجسمها حيوان.
ولما لم تكفنا كل هذه الآلهة وهي الكون بأسره والوهم بجملته عبدنا الرذائل والأرواح، والشياطين والأشباح، وعقدنا محالفات مع أبالسة جهنم لنقوى بها على سلطة الإله الأحد والفرد الصمد.
فلماذا لا نعبدك أنت أيضًا أيها النيل السائر وسطنا بجلال يسحر العقول، وسر يدعو إلى الحيرة والذهول، الجاري أمامنا في منبسط الغبراء، كما تجري الآلهة في منبسط السماء والمجرة في عقيق الفضاء.
* * *
بيد أننا قد انتقلنا الآن من عبادة الأوثان، ووحدنا الآلهة والأديان وجعلنا إلهنا الأحد دينارًا، واتخذناه لديننا شعارًا، هذا النقد ذو الوجهين نظيرنا هو هو إلهنا ومعبودنا، نتبارى إلى مسجده، ونتجارى إلى معبده.
ولكن أليست مياهك أنت يا إله الخير والصلاح ومصدر الحياة والفلاح هيا لتي حولت نضرة مصر نضارًا، وتربتها تبرًا؛ ألست أنت الذي خلق هذا الإله الذي تعبده أمم الأرض طرًا وتعفر وجهها أمامه ليلًا ونهارًا، فأنت أنت إذًا إله الآلهة!
* * *
في قلبك أسرار مصر وفي أحشائك ألغاز كهنتها المنافقين، وسحرتها المشعوذين، وفيك
حديث ملوكها وغرائب أهرامها، وعجائب هياكلها، وفنون بنائها وضروب رسومها وسر موميائها.
[ ١ / ٢٥٣ ]
دفن في جوفك مجد مصر المؤثل وشرفها الباذخ ومدينتها القديمة التي وقف العالم أمامها مدهوشًا والتي تحج إليها عظماء الأرض وأمراؤها وملوكها لتشاهد آثارها فلا ترى إلا أطلالًا دارسة وأنقاضًا متردمة وهياكل ينعب اليوم في خرائبها ومدافن تحوم الغربان حول مواضعها، يحدق العالم فيها ويستنطق آثارها ويستفسر أسرارها ويجلو عن وجهها الصبوح حجب الخفاء والإبهام، فلا تنطق بحرف ولا تبوح بكلمة بل تنظر إليه شاخصة شخوص أبي الهول في الفضاء وأصنام الآلهة في الصحراء!
من يقدر في العالم أن يزيح اللثام عن محيا الآلهة أيزيس التي هي رمز الطبيعة وقد نقش على تمثالها أبلغ ما نقشته يد على حجر أنا هو ما كان وما هو كائن وما سيكون وليس لبشر أن يحسر لثام الإبهام عن محياي!.
* * *
في أحشائك أسرار هذا الكائن المجيب الذي نسميه بشرًا والذي توارت أخباره طي الخفاء والكتمان. ألم تتبسم يا إله مصر يوم مست يد الإنسان الأول مياهك المقدسة. هلا فقهت حينئذ أن هذا الوحش الغريب الذي نفتش الآن عن حلقته المفقودة سوف يصير إلهًا نظيرك؟
شاد على ضفافك عروشًا باذخة ودولًا كبيرة ومدائن غناء، وبنى لنفسه صرحًا من المجد كان معجزة الأولين وأعجوبة الآخرين، ثم ضاقت أحشاؤك بمجده فجر جيوشه وجحافله واجتاح الأرض برًا وبحرًا ودوخ الممالك شرقًا وغربًا، ودوى العالم بحديث جرأته وتجاوب الجو بصدى
[ ١ / ٢٥٤ ]
انتصاراته وبسط ظل مجده على أقاليم المعمور ونقش اسمه في صفيحة الكون بين أسماء الآلهة بجانب اسمك لأنه ابنك وثمرة أحشائك.
* * *
بيد أنه إله فانٍ كجميع مصنوعاته أما أنت يا من هو صنع الإلاهة (إيزيس) فإنك شطر منها كنت وكائن وسكون وليس لبشر أن يزيح لثام الإبهام عن محياك.
تكونت من مياه الأرض التي تنعقد سحابًا في الجو وتنزل دموعًا كاللؤلؤ على فنن الجبال،
وتتفجر بحارًا في جوف الأرض تجري إلى اليم من حيث ولدت.
إنك منذ الأزل وسوف تبقى إلى الأبد وليس لملكك انقضاء - سيأتي زمن ينقطع فيه صفير البخار الذي يهز أمواجك، وتنطفئ شموس الكهربائية التي تنير وجهك، وتندك هذه البنايات الشامخة القائمة على ضفافك، وتصمت آلات الطرب وأناشيد الغناء على شواطئك، وينقرض هذا الإله الصغير الذي يطاول مجدك مع أهرامه وهياكله وبواخره وآلاته ومدنه. ومدينته ليست هي إلا ألاعيب صبيانة تزول كما يزول اللاعبون بها وتبقى أنت وحدك جاريًا في طريقك الأبدية، كما تجري الآلهة في السماء والمجرة في عقيق الفضاء.
* * *
تعود حينئذ إلى جمالك الطبيعي الذي ورثته من إيزيس يوم ولدتك منذ بدء العالم تجري وسط هذا السكون الأبدي بعد أن تكون قد
[ ١ / ٢٥٥ ]
قطعت هذا السد الصبياني الذي وضعه الإنسان حاجزًا في طريقك، كما يقطع الجبار خيطًا من القنب يشده طفل إلى ذراعيه.
تجري بسكون وصمت، وتسير بجمال وجلال، كما أنت سائر الآن غير مبال بهذا الإله الصغير الذي يجهل سر الآلهة - لا تنبت على ضفافك شجرة معرفة الخير والشر لئلا يأكل منها ويحيا إلى الأبد فيملأ بلادك هياكل وآلهة وجوك لغطًا وصخبًا وشواطئك إثمًا وفجورًا كما هو فاعل الآن.
تجري حينئذ بسكون وصمت، وتسير بجمال وجلال، لأنك جميل وكل ما حولك جميل من سهول منبسطة وجبال راسية وأشجار باسقة وزهور باسمة - تنظر السماء غليك وتنظر إليها وهي كأنها رقعة من زمرد مرصعة بالماس، تتلألأ دراريها وتتألق أنوارها.
إذا كانت شجرة معرفة الخير والشر موجودة الآن على ضفافك فاجرفها إلى قلب البحر وأعماق الأوقيانس لأن هذا الإله الصغير الساحر الذي هو بجانبك، إذا صار إلهًا خالدًا، أفسد الأرض والجو وشوش نظام إيزيس واستأثر بالقوة والسلطان وأقلق راحته وراحة الأكوان.
* * *
ذهب هذا الإله الصغير أمس إلى ضفافك ليعبدك كما كانت تعبدك أجداده وجاء بالسفينة التي كانت أسلافه تضع فيها عروسك لتقدمها ضحية لك لأنه حسبك كنفسه تحب الانتقام
وتصبو إلى الضحايا.
جاء إليك على نغمات العود والقيثارة والمزمار وأصوات الغناء وأناشيد السرور كما كان يجيء قديمًا منذ ألوف من السنين. وإذا كان لم يأت بفتاة
[ ١ / ٢٥٦ ]
يقدمها ضحية لك فذلك ليس لأنه قد عرفك الآن إلهًا تحب الخير وتصبو إلى الصلاح بل لأنه قد أصبح أشد حبًا لذاته وأكثر استئثارًا من ذي قبل فحفظ الفتاة لنفسه - إنه غبي جاهل ولا يزال يصنع آلهة أخرى على صورته ومثاله!
هذا وفاؤك أيها النيل فسر في طريقك الأبدية وسبيلك الخالد كما تسير الآلهة في السماء والمجرة في عقيق الفضاء.
الدكتور سعادة
وهذا نص الحجة التي تكتب سنويًا في الاحتفال بوفاء النيل بحضور فضيلة مفتي الديار المصرية والعلماء والأعيان:
في ليلة كذا الموافق كذا سنة كذا قبطية في المجلس المنعقد بالصيوان المنصوب برأس الخليج الحاكمي بمصر المحروسة لدى. . . . بمحضر كل من. . . . وحضرات الأساتذة. . . . وحضرات. . . . من أعيان مصر وغيرهم من الفضلاء والوجوه قد تحقق وفاء النيل المبارك بأن بلغ في يوم كذا المرقوم السابق لهذه الليلة كذا ذراعًا وكذا قيراطًا من الذراع المعتاد بمقياس الروضة في القاهرة. وذلك من فيض الله وإحسانه وتكرمه، ورأفة بعباده، وقد انشرحت بذلك الصدور وطلب الجميع من المولى الغفور أن يجعل النفع به عامًا، ويديم السرور. وقد وجب الخراج على أرباب الأطيان وأداء الأموال والمرتبات لجهة الخزينة العامرة حكم المعتاد، والحمد لله على منته، والمرجو من فيض فضله أن يجرينا على عوائده وإحسانه، أنه ولي ذلك والقادر عليه، وفي يده مقادير كل شيء وكل شيء راجع إليه.
[ ١ / ٢٥٧ ]
والنخل كالغيد الحسان تزينت ولبسن من أثمارهن قلايدا
ظافر الحداد
وللنخيل منظر مهيب تراع في جماله القلوب
فوق الضفاف ظلها رهيب صفًا بصف زانها الترتيب
من كل جبار عظيم القدر
تحسبها مردة طوالا تحت مظلات زهت جمالا
في النيل جاءت تبتغي اغتسالا سحرها النيل فلن تزالا
واقفة هنا بفعل السحر
إلياس فياض
[ ١ / ٢٥٨ ]
١ - الجزيرة
جزيرة مصر لا عدتك مسرة ولا زالت اللذات فيك اتصالها
فكم فيك من شمس على غصن قامة يميت وحيي هجرها ووصالها
شاعر عربي
٢ - ليالي الجزيرة
أنا في الحب صاحب المعجزات جئت للعاشقين بالايات
كان أهل الغرام قلبي أمي ين حتى تلقنوا كلماتي
فانا اليوم صاحب الوقف حقًا والمحبون شيعتي ودعاتي
ضربت فيهم طبولي وسارت خافقات عليهم راياتي. . .
فعلى العاشقين مني سلام جاء مثلا لسلام في الصلوات
يعشق الغصن ذا الرشاقة قلبي ويحب الغزال ذا اللفتات
يا حبيبي وأنت أي حبيب لا قضى الله بيننا بشتات
إن يومًا تراك عيني فيه ذاك يوم مضاعف البركات
أنت روحي وقد تملكت روحي وحياتي وقد سلبت حياتي
مت شوقًا فأحيني بوصال أخبر الناس كيف طعم الممات
* * *
فرعى الله عهد مصر وحيًا ما مضى لي بمصر من أوقات
حبذا النيل والمراكب فيه مصعدات بنا ومنحدرات
هات زدني من الحديث عن النيل ودعني من دجلة وفرات
وليالي بالجزيرة والجيزة فيما اشتهيت من لذاتي
[ ١ / ٢٥٩ ]
بين روض حكى ظهور الطواويس وجو حكى بطون البزاة
حيث مجرى الخليج كالحية الرقطاء بين الرياض والجنات
ونديم كما نحب ظريف وعلى كل ما نحب مواتي
كل شيء أردته فهو فيه حسن الذات كامل الأدوات
يا زماني الذي مضى يا زماني لك مني تواتر الزفرات
بهاء الدين زهير
محطة مصر
لما أنشئت محطة القاهرة الكبرى اقترحت الحكومة المصرية على الشعراء نظم أبيات ترسم على جدران المحطة، وجعلت جائزة للذي يحرر قصب السبق، فنال الأفضلية فقيد الأدب المرحوم الشيخ نجيب الحداد. وإليك الأبيات التي يراها المسافر منقوشة على باب المحطة:
[ ١ / ٢٦٠ ]
يا حسن عصر بعباس العلى ابتسما حتى الحديد غدا ثغرًا له وفما
طرائق في ضواحي القطر تبلغنا أقصى البلاد ولم ننقل بها قدما
مصر كصفحة قرطاس بتربتها غدا القطار عليها الخط والقلما
أرض به كان خصب النيل منتثرًا حتى أتاها قطار النار فانتظما
لنا غنى عن قطار السحب منسجمًا ولا غنى عن قطار النار مضطرما
يجري بها الرزق في جسم البلاد كما يجري دم في عروق الجسم منتظما
محطة هي قلب والخطوط بدت مثل الشرايين فيها والقطار دما
مع السلامة يا من سار مرتحلًا عنا وأهلًا وسهلًا بالذي قدما
نجيب الحداد