للأستاذ خالد قوطرش
يقول فولتير: ليس إنسانًا كل من يضغط على غيره لمخالفته في رأيه والتسامح كان أبدًا من صفات كبار المصلحين وعظماء الإنسانية الخالدين. أولئك الذين دفعوا عجلة التقدم وشاركوا في بناء الحضارة، أما التعصب والتزمت والاستئثار بالرأي والرغبة في فرضه على الآخرين بالقوة والتهديد والعنف، فقد كانت هذه الصفات من خصائص المغرورين المتعنتين الذين ساهموا في تقويض دعائم المدنية إلى حين، وعملوا على تهديم التعاون بين الأفراد والجماعات. والغرور مبعثه الأنانية وسلاحه ذو حدين، يرضي بحد وإلى وقت معين غرور المغرور، ويحز بالحد الآخر رقبة صاحبه. وما حوادث هتلر زعيم المغرورين في دنيا قرن العشرين ببعيدة عن ذاكرة الناس. . .
إن دارس التاريخ العربي الإسلامي، يدرك من خطبة أبي بكر في جيش أسامة قبل غزو الإسلام، وأمره الجنود باحترام الشيوخ وعدم التعرض للأطفال والنساء والرهبان، مدى اتساع المدنية التي بشّر بها الإسلام. وكذلك المسيحية في أول عهدها، أما المذابح الدينية التي حدثت في الغرب والشرق: في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا والنمسا، سواء بين المسيحيين أنفسهم من بروتستانت وكاثوليك أو بين هؤلاء وبين المسلمين، وتعذيب وإعدام كثير من العلماء والفلاسفة الذين جاؤوا بحقائق علمية جديدة كغاليلة وبرونو وابن الحلاج وغيرهم وإذا ما أضفنا إلى هذه المآسي والمخازي، التي شوهت ناصية التاريخ القديم، معسكرات التعذيب والتقتيل والإفناء في الحروب الحديثة، لتأكد لدينا أن مبعث هذه الحوادث والفتن كان التعصب الديني أو العنصري. ولن يعد التاريخ مثيريها وموقديها من حماة الحضارة وسلالم الرقي. . .
وكذلك الجدل المتعنت، والقول الشطط، والباطل المتطاول، والتمادي في تبني هذه العلل المعوجة، ضرب من ضروب التعصب الذميم أو هو التعصب نفسه.
ومن هنا يمكن أن ننتقل إلى بحث أخلاقي في التسامح وتحديد آداب المناظرة وكيفية المناقشة مع الناس، نلقنها للصغار في درس الأخلاق أو في إحدى المناسبات، مستعينين بالوسائل والمواد التي يتعلمونها ويشاهدونها في وسطهم المدرسي. كأن يكتب المعلم مثلًا
[ ٤ / ٥٠ ]
على اللوح الكبير الأسئلة التالية:
١ - ٣ ٤ =؟
٢ - أي الصناعات تفضل؟
٣ - ما هي الفاكهة التي تلذ لك كثيرًا؟
٤ - ما هي عاصمة الجمهورية السورية؟
من المؤكد أن أجوبة الطلاب لا تتفق جميعها. فهي إن اتفقت في الجواب الأول والرابع، لا تتفق ولا ريب في الجواب الثاني والثالث. ذلك أن حاصل ضرب ثلاثة في أربعة يساوي حتمًا اثني عشرة، وإن عاصمة الجمهورية السورية في قرار الحكومة وكتب الجغرافيا وفي عرف الناس هي مدينة دمشق. ولكن هل يتفق الطلاب مثلًا على أن العنب هو ألذ الفواكه وأن الخياطة أفضل الصناعات. . . طبعًا كلا. فمنهم من يفضل البرتقال أو الموز أو الكرز ومنهم من يفضل التجارة أو الحدادة أو الطبابة. . .
ومعنى ذلك أن هناك حقائق ثابتة لا تحتاج إلى جدل أو مناقشة، وأن هنالك أشياء يختلف الناس في تفهمها وتحديدها. والناس يتجادلون في الأمور التي تدخل في باب التفسير والاجتهاد، ويتفقون أخيرًا على رأي، ولكن إن لم يتفقوا أو تصلبت كل جماعة برأيها ضاع الجهد مع الريح وتبدد العمل مع الأوار. . .
إن المجادلة في سبيل رأي يعود بالنفع على الصالح العام، أمر مشروع مرغوب فيه ووسيلة من وسائل التطور والتقدم. والناس ليسوا دمى تنضد خلف واجهات حوانيت ألاعيب الأطفال، وكذلك الأفكار ليست حصى تكدس في قوالب الاسمنت، بل إن هذه وأولئك بحاجة إلى الحركة والاحتكاك ومن الاحتكاك ينفلق النور. ولكن المجادلة التي تستمد زادها من مستنقع الهوى الرخيص تعيق الإنتاج ولا تكسب صاحبها شرف النطق. . .
فالمعلم يلمس أجوبة كثيرة مختلفة للأسئلة الأربع التي عرضها على طلابه، فيجب أن يدفع كل تلميذ إلى تبرير رأيه، وبيان أسباب اختياره للفاكهة التي اختارها والصنعة التي فضلها، ويعمل بعد استكمال الجدل واحتدام النقاش، إلى توجيه الطلاب بضرورة احترامهم آراء بعضهم بعضًا، والتعود على الإصغاء والاتزان أثناء المناظرة. ولا بد أن يبدو بعضهم
[ ٤ / ٥١ ]
عنيدًا وبعضهم لينًا، فيقارن المعلم بين البعضين ويقارب بين الطرفين ويستخرج الحكمة العليا في النقاش والتخاطب.
يقول مونتين في كتابه فن المناظرة: يجب أن لا نجادل لنفرض رأينا فرضًا ولنصل إلى استصوابه مهما كلف الأمر، بل يجب أن نجادل لمعرفة الحقيقة والاقتناع بها وأن نتمشى مع قائلها وصاحبها ولو كان خصمًا لنا ولم يكن دهاة المجادلين والمتناظرين كالمأمون والغزالي وابن رشد من المتعنتين، بل كانوا أبدًا إلى جانب الحق ولو كان عليهم. لأنهم كانوا يقولون: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ومناصرته ظفر. . .
والإقناع لا يكون إلا بالحجة البريئة النزيهة والتعاون لا يتم إلا بالعمل المتجرد المخلص، أما الضغينة، فمآلها إلى القطيعة التي تغرق صاحبها في لجة اليأس والشر. .
فعلى المدرسة أن تثير في الأطفال غرائز التعاون المشترك والتسامح النبيل والرفقة الصادقة، ولا يمكن أن يثير هذه المزايا غير الأصحاء من المعلمين. . .
خالد قوطرش
[ ٤ / ٥٢ ]