للأستاذ مظهر علم الدين
يختلف تفسير الجمال باختلاف النظر الفلسفي إليه. فالمثاليون يرتأون رأيًا في الجمال غير رأي أهل التطور. والماديون ينحرفون في تصورهم للجمال انحرافًا ملحوظًا عن رأي أهل التطور. ولعل سائلًا يتساءل في هذا العدد: أليست الفلسفة المادية هي نفس فلسفة التطور؟ ولا خفاء أن الفلسفة المادية هي قريبة من فلسفة التطور غير إنها تختلف عنها اختلافًا في معظم خطوطها الكبرى، والعناصر التي ترتكز عليها فلسفة التطور هي متغايرة عن العناصر التي ترتكز عليها الفلسفة المادية، ولذا كان من ابرز الأخطاء العلمية هي المزج بين الفلسفتين، هذا الخطأ الذي وقع فيه كثير من الشرائح وجهابذة العلم الحديث أمثال بختنر في الغرب والدكتور شبلي شميل في الشرق.
والواقع إننا لا نحاول هنا لتفريق بين الفلسفتين، وإنما حاولنا أن نزيل الالتباس فيما فسرنا الجمال على ضوء التطور، ولئلا يذهب البعض في الظن بأن تفسيرنا التطوري إنما هو نفس التفسير المادي.
ترى فلسفة التطور إن الجمال هو الغاية القصوى التي يسعى إليها النشؤ الأدبي والعضدي معًا. ولا مراء إن غاية العضديات في سيرها التطوري أن تبتغي الجمال وتهدف نحوه. ومن الظاهر إذن تبعًا لهذا النظر إن الأحياء كلما ارتقت في مدارج التطور كلما سمت جمالًا وتدرجت في مراتب الجمال ونسبه. فالجمال هو العامل الحافز والمشوق للأحياء العليا في سيرها التطوري ابتداء كما انه الهدف التي نسعى إليه انتهاء. والواقع إن هذا يجري بصورة لا شعورية إذ إننا نرى أن الانتخابات الطبيعي يهدف في معمعة التناحر على البقاء للحصول على الأقوى والأنسب بين الأفراد.
ومفهوم فكرةبقاء الأنسب هو بقاء الأقوى والأصلح بين الأفراد من ناحية الجمال الجسمي والعقلي بعد معركة التنازع على البقاء. ولعل عنصر الجمال الجسمي يظهر أثره بصورة ابرز في الانتخاب الجنسي الذي يهدف بصورة محضة وراء بقاء الأنسب جمالًا بين الأحياء.
وما من باحث الم بدراسة التاريخ التطوري للأحياء إلا ويعلم إن مسايرة التخصص
[ ٣ / ٥١ ]
والتناسق في الأعضاء تدرجًا لتطور العضويات لا تدلنا على شيء مثل دلالتها على سيطرة مبدأ الجمال على الأحياء. ولا خفاء انه إذا القينا نظرة عامة على تاريخ العضويات التطوري لا لقينا إن مبدأ الجمال ولم يزل القوة المسيطرة على المخلوقات والمسيرة لها منذ لبدء وان المخلوقات كلما ازدادت ارتقاء ازدادت جمالًا، فالزواحف أكثر جمالًا من البرمائيات والطيور أكثر جمالا من الزواحف، والثدييات ارفع منزلة في الجمال من الطيور والإنسان أكثر جمالا من الثدييات. (والبرمان) سيكون أعلى المخلوقات مرتبة من حيث الجمال لان منتهى درجات التطور.
هذه محاولة بسيطة لتفسير الجمال من ناحية التطور، والذين ألموا بدراسة النشؤ وفلسفته يعملون إن رأينا في الجمال هنا قد تؤيده مشاهدات صحيحة مقتطعة من صلب التاريخ الطبيعي، ويحسن بنا ألا نغالي في تقدير رأينا التطوري في الجمال قبل أن نشرح الفلسفة المثالية للجمال ونناقشها مناقشة صحيحة.
١_الرجل المثالي
يعرف المثاليون الجمال بأنه العاطفة التي تحصل في النفس حين التأمل وتنعكس على الموضوع المتأمل فيه، وبتعبير آخر هو تشخيص العواطف السارة الناشئة عن التأمل ويستمد هذا التعريف عناصره من فن الذوق والجمال وهذا يعرف الاختبار (الاستاتيكي) بأنه الاختيار التأملي الذي تنعكس من عواطفنا في موضوع التأمل. ومن الجلي إن الرأي المثالي في الجمال هو رأي فاعلي أي أن الشعور بالجمال وتذوقه هما نتيجتان لاختباراتنا الشخصية ولانعكاس عواطفنا فقد نقول عن السماء المتلبدة بالغيوم بأنها قاتمة ونوصف السماء بالغضب عندما نسمع صوت الرعد أو نقول عن الألوان بأنها مسرة وزاهية وعن الطبيعة بأنها فرحة بينما ليس هذا الانعكاس لعواطفنا وشعورنا. والمثالية لا تنكر تسرب عناصر التفكير، بيد انه تحصر هذا التسرب في حالة تحليل الموضوع وتذوقه. وهي ترى إن ليس ثمة في الطبيعة سوى الالكترونات والبروتونات تسير في دورانها اللانهائي. ثم إن الظواهر التي يتصورها الإنسان عن الطبيعة، والكيفيات التي يتخيلها عن الأشياء إن هي إلا أفكار شخصية واختبارات ذاتية كما إن رؤيتنا لها جميلة أو قبيحة هي نتيجة محضة لانسكاب عواطفنا عليها. ثم إن الشعور بالجمال الذي يشعر به الإنسان يتوقف على عدة
[ ٣ / ٥٢ ]
عوامل كمقدرته على الرجع العاطفي وعلى شروطه الصحية وماضي حياته. فالمثاليون إذن يرون الجمال شيئًا فاعليًا فهو ليس بنظرهم ميزة أو خفة للشيء ولكن نتيجة محضة لتأملنا به وهم يرون إن هذا التأثير يولد غالبًا ضمن ظروف خاصة. فالبناية لا تخلق الشعور بالجمال إذا رؤيت من الطائرة، وان أحب الأشخاص إليك قد لا تراه جميلًا في كل مواقفه ونواحيه، فبعض مواقف تبدو غير مستحبة والبعض الآخر يبدو جميلًا. والمتأمل في الشيء يجب أن يكون قادرًا على تذوق نواحي الجمال فيه كما يجب أن يكون في حالة نفسية تساعده على تذوقه.
ويتبين لنا من النظرية المثالية للجمال أنها تراه بشكل ذاتي بينما يتصوره التطور موضوعيًا. ولا مرية إن الاعتقاد بان الجمال هو شيء ذاتي محض لهو قول يشوبه كثير من الضلال، إذ كيف نفسر الأمر بان ليست كل الأشياء قادرة على أثارة الإحساس بالجمال في نفوسنا وانه من الجائز، في مكنتنا، أن نعين شروط الجمال، ونصف عناصره من حيث الخطوط والشكل واللون. ثم كيف نحتم وجود التناسق والاتساق في الأشياء الجميلة، هذه الأسباب التي يعتبرها التطور كمظاهر أساسية نتجت عن حركته ثم شخصها الإنسان في الجمادات.
لا شبهة إن المثالية كانت اقدر من التطور على العناية بماهية الجمال بيد إن التطور كان أسبق منها في العناية بالأهداف حتى استطاع أن يلقي ضوءًا ساطعًا عن الجمال وغاياته وأسباب تذوقه.
مظهر علم الدين
[ ٣ / ٥٣ ]