للأستاذ كامل بنقسلي
الشخصية هي مجموع المزايا المتجسدة في شخص ما، وبتعريف آخر هي الطابع البشري الذي يتجسد في أعمال المرء، فهي كالمرأة تجذب عشاقها إليها إما لجمالها أو لحديثها أو لرشاقتها أو لأدبها أو لذكائها، أو لمجموع هذه الصفات.
فالشخصية مرح وذكاء وصحة وعقيدة ومظاهر وعاطفة. . .
ولنتبين هذه المزايا والصفات في الشخصية السورية، نجد الإبهام والغموض قد لفا شخصيتنا فهي ما زالت منطقة مجهولة وجميع ما يقدم إليها اليوم من برامج وقوانين ونظم ستلفظه النفس لأنه لا يطابق روحها وشخصيتها، وسأبسط هنا بعض ما تلمسته، بعد طول اختبار، من نواحي الشخصية السورية آملا أن يثير هذا البحث مفكرينا وقادتنا ويدفعهم لخوضه ومعالجته.
ابدأ الحديث عن العاطفة لأنها أكثر فيضانًا على شخصيتنا وحياتنا.
العاطفة:_أعمالنا تمتزج بالرحمة والشفقة وهذا ما يدفعنا للتدخل في شؤون
غيرنا ويحول أحيانًا دون تطبيق القانون والوصول إلى الهدف وهذا التطفل لم
يكن كله شر ففيه بعض الخير ذلك انه يمسك على صلة الرحم بين الأقارب وصلة
المودة بين الأصدقاء. وهو مصدر الحب الاستطلاع ورمز الرابطة العائلية وجسر
لعبر الحياة الاجتماعية.
الذكاء:_أما الذكاء فهو سلاح ذو حد واحد يستثمره السوري لمصلحة
الخاصة ولهذا تجد أعمالنا الفردية ناجحة، وهذا السلاح ينقصه حدٌ ثانٍ هو
الأخلاق، القادر على إعطاء حيتنا طابعًا وطنياُ أخلاقيًا، وقد قيل: إن سوريًا
واحدًا يعادل عشرة أوربيين، ولكن عشرة سوريين لا يعادلون أوربيا واحدًا.
الحقيقة إن المواطن السوري ليس مسؤولًا عن هذا النقص، واحسب إن المسؤولية تقع على أنديتنا وجمعياتنا ومدارسنا وأحزابنا التي لم تمرس أعضاءها على الحياة الاجتماعية المشتركة، فالمسؤولون لا يتخلون سواهم عن مقاعدهم ولا يسمحون
لأعضائهم ممارسة بعض المسؤوليات الإدارية والفنية، ونسي هؤلاء إن هذه المؤسسات
[ ٣ / ٥٤ ]
خلقت لتكون مدرسة لتدريب المواطنين ودفعهم إلى الحياة الاجتماعية.
المظاهر:_تعد الملابس أدنى مراتب الشخصية وهي تتجسم لنا كمخلوقات، فنقرر أن فلانًا من طبقة الفلاحين أو التجار أو العسكريين أو الموظفين.
أما جيلنا فقد رفع هذه الحواجز واتخذ الفقير والمتوسط والغني الملابس الفاخرة مظهرًا لحياته وقد نسي إن الشخصية العظيمة لا يهمهما المظهر الخارجي فهي تفاخر بالجوهر فالخرقة البيضاء التي التفت بها غاندي لم تنقص من قدره ومكانته، والسعي وراء الملابس الفاخرة احدث اضطرابًا في موازنة العائلة والحياة الزوجية، وصرف النفس عن التحلي بآداب الحياة المثلى.
أنا لا أنكر ذوق السوري أو السورية ولكن هذا الذوق لو استثمر في تجميل الثياب البسيطة لكان ذوقًا مدنيًا جميلًا. وباستطاعة المدرسة أن تعالج هذه الناحية فتصب دروس الحساب والاقتصاد على هذه الناحية وباستطاعة المعلمين والمعلمات أن يكونوا خير قدوة في هذا السبيل.
الوراثة:_إن الوراثة خير غذاء روحي لجيلنا، فالجيل يفخر بالخلفاء الراشدين والأمويين، وقد اهتمت برامج التاريخ بهذه الناحية، قال احد العلماء: إن من الأمور الموروثة هي: قوة الحكم وحفظ العهود، وخفة الروح، والتعاظم، والمقدرة العامة وأحسب إن الجيل قد ورث خصلة التعاظم وأغفل أو نسي أكثر الصفات الأخرى.
على إن بذور الصفات الأخرى مستقرة في نفسه تظهر إبان الحوادث والمناسبات الوطنية والقومية فعلى المؤسسات الوطنية من أحزاب ومدارس وجمعيات أن تسعى لنمو هذه البذور واستقرار تلك الصفات والوراثة تفتقر إلى عقيدة وإيمان، فالإيمان ببطولة الأجداد يخلق عقيدة حب الخير والفضيلة، ومن ثم فالفضيلة هي خلاصة الشخصية بها يتمايز الرجال والشعوب والحكومات وقد قال: فولتر: إن المشاركة الوجدانية هي الحلقة الفضية أو الرباط الحريري الذي يصل القلب بالقلب ويربط العقل والجسم بالجسم.
والعقيدة تحتاج إلى قوة أعصاب تسندها وقت الشدة وجيلنا لم يؤت بعد اكتمال قوة في الأعصاب لذلك ضعفت عنده العقيدة بعض الشيء واشتد تعلقه بالنظريات المجردة التي لا تتطلب نظافة القلب وعمق الوجدان وهذه الظاهرة شعبية لا تحتاج إلى بطولة وزعامة
[ ٣ / ٥٥ ]
وقيادة. والجيل معجب بجميع المدنيات ولكنه لا يؤمن بواحدة منها وهذا مرض عضال يحتاج إلى قادة مصلحين ذوي أعصاب وإرادة وعقيدة وإيمان.
الثقافة:_وللثقافة تأثير قوي على الشخصية. قال: عبد الملك: يا بني تعلموا العلم فإن كنتم سادة فقتم، وإن كنتم وسطًا سدتم، وإن كنتم سوقة عشتم.
والظاهر إن جيلنا قد أخذ بالشق الأخير من هذه النصيحة فدفع بالثقافة في طريق مادي تجاري وأصبح عنوان الثقافة الكسب، لا الكسب الحقائق، ونحن لا نزال متطفلين على موائد العلم الخالص والثقافة المحصنة وإن كنا نسير مع الطلائع بالنسبة للبلدان العربية.
وثقافتنا تحتاج إلى شيء من العمق والوضوح والتنظيم وهذا لا يكون إلا إذا طبعت الثقافة بطابع علمي خلقي.
ومما أضعف ثقافتنا قلة احترامنا للعلم والعلماء وضعف اتصالنا بالأوساط العلمية العالية ومن ثم شيء من الفقر دفع الجيل لاختصار ومماشاة الواقع. وللثقافة علاقة مباشرة بالفنون، ونعد الثقافة وتطبيقها على عالمنا المادي ضربًا من المدنية، وأما اتصال الفنون بالحياة فضرب من الحضارة، والأخلاق ترتبط بالحضارة أكثر مما ترتبط بالمدنية، وعلى هذا فإن الخجل يعترينا إذا سئلنا أين متاحفكم وأين فنانوكم وأين موسيقاكم وأين أين. . .؟ ومتى بذلت العناية في المدارس والمجتمع في سبيل نهضتنا الفنية نكون قد سرنا بخطى واسعة نحو الحضارة.
الحياة الاجتماعية:_كما يكون العش يكون العصفور، وكذلك الحياة الاجتماعية فكما تكون يصبح المواطن مرآه لها، والمرء يتلقى شخصيته وشعوره من الحياة الاجتماعية، لقد خلف لنا السلف معتقدات وعادات حسنة ولكنها أهملت لان المتمسكين بها والمؤمنين بها قد تواروا أمام تيار الفوضى.
كنا نلاحظ إن كثيرًا من الناس كانوا يتولون تأديب بعض الصبية لمخالفتهم الآداب الاجتماعية وكان ولي الصبي يرحب بهذا التأديب لاعتقاده إن ابنه ملك المجتمع لأن جميع المواطنين عائلة واحدة يحق لكل فرد إصلاح المعوج من الأفراد الآخرين.
والآن احتل مكان هؤلاء الحكومة والأحزاب والجمعيات والأندية والعائلة نفسها، فالمسؤولية الاجتماعية تقع عليه وسيظل المواطن بوهيميًا في حياته الاجتماعية حتى يلقى تدخلًا
[ ٣ / ٥٦ ]
مباشرًا من هذه المؤسسات.
كامل بنقسلي
[ ٣ / ٥٧ ]