للأستاذ خالد قوطرش
الخطاب الذي ألقاه رئيس هيئة التعليم الابتدائي في حفلة التكريم التي أقامتها الهيئة للأستاذ رمزي الركابي بمناسبة تعيينه مفتشًا.
_ أنا معلم!
قالها المسيح عيس ابن مريم.
_ لو لم ابعث رسولًا لكنت معلمًا.
قالها النبي العربي محمد بن عبد الله.
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
رددها شوقي أمير، الشعراء، في أغانيه.
_ يصنع المعلم للوطن الزعماء، وللحكومة الوزراء، وللجيش الأمراء، وللأمة الأدباء، ولم يصنع لنفسه غير الجهد والعناء. قالوا عنه إنه شمعة منير ولكنه يصبح وقد قارب القبر فتيلة سوداء. فهو أبدًا ينتج ويصنع وغيره يملك ويجمع. . .
كتبها عربي معاصر. . .
_ رفعتم للجندي تمثالًا أسميتموه الجندي المجهول، فكان اصدق لمنطق الواقع أن ترفعوا تمثالًا وتسموهالمعلم المجهولألم تدركوا أن المعلم هو زرع العقيدة في قلب الجندي وقوى البأس والجأش في جوانحه فاندفع إلى الجهاد فالاستشهاد فالنصر. . .
نفحها برنارد شو، في إحدى مسرحياته، بوجه القائد المنتصر المتغطرس. . .
_ وعندما ندرك إن تغذية الأرواح بالعلم والعرفان لا يقل منزله عن تمزيق الأبدان بشظايا القنابل وأسنة المران وأنه يجب يكون بجانب قواد الجيوش وبطارق الجحافل، ممن تنحصر مهمتهم في التقتيل والتذبيح، معلمون مكرمون
ومربون ممجدون. عندها نكون قد بلغنا مستوى الإنسان. . .
كتبها كارليل، واضع كتاب الأبطال. كارليل الذي مارس التعليم ثلاث سنين في قريته ثم غادرها إلى المدينة الكبرى ليصبح معلم الآداب وأستاذ الأدباء. . .
صاحب المعالي! سادتي!
[ ٣ / ٤٦ ]
عندما رأت التعليم الابتدائي إن من واجبها تكريم الأستاذ رمزي الركابي بمناسبة تعيينه مفتشًا، شعرت في الوقت نفسه، إنها فطنت متأخرة، على هذا الواجب، وان هذه الحفلة التكريمية، كان يجب أن نقام منذ زمن بعيد. لأنكم في الواقع لا تكرمون المفتش رمزي الركابي، بل تكرمون المربي المخلص والمعلم النابه، المتمكن من مهنته نظريًا وعمليًا. فلذا نشعر وتشعرون بأننا مقصرون في حقه وفي كل معلم مجد مخلص. إلى الآن اعتدنا أن نقيم حفلات التأمين ولكن يجب أيضًا أن نعمل على إقامة حفلات التكريم، اعترافًا بفضل العاملين وتقديراَ للنابهين، وتكريم المجدين المخلصين، عادة يجب أن نؤمن بها وان تعم في مجتمعنا. وهي دليل على تراص الأمة وغروب الأنانية وانتشار الغيرية. وبرهان صادق على حب الوطن، فما حب الوطن بالأمر الغامض المبهم، بل من دلائله، تمجيد الأفراد الذين يخدمونه بصمت ورغبة وتفان. . .
لقد أخذت وزارة المعارف أخيرًا برأي الأستاذ الحصري. فعينت مفتشًا من أسرة التعليم الابتدائي. كان من المستحسن أن تجنح إلى ذلك قبل أمد غير قصير لا سيما وقد سبق لها أن لمست نجاح الفكرة عندما عينت منذ أربع سنين، الأستاذ عبد الغني الباجقني مفتشًا. وتنفيذ هذه الفكرة، كانت ولا تزال أمنية قديمة للمعلمين طالما سعت هيئاتهم إلى تحقيقها. فقد جاء في مقررات مؤتمر حماه ما يلي: لا يخفى ما للتفتيش من أثر بليغ في نهضة المدارس وحسن سيرها. فأساليب التفتيش القويمة تزيد في تقدمها وانتظامها. لذلك يقترح المؤتمر: انتقاء المفتشين من ملاك التعليم الابتدائي، ممن مضى على وجودهم في الخدمة مدة لا تقل عن عشر سنين، فرجال التعليم الابتدائي مارسوا فن التربية وطرق التدريس عمليًا، فإذا حضروا درسًا أدركوا حالًا نواحي الضعف فيه وتمكنوا من إرشاد المعلم. وفي تشرين الأول من هذه السنة، قدمت هيئة التعليم الابتدائي إلى وزارة المعارف، عريضة تطلب فيها تعيين مفتشين من ملاك التعليم الابتدائي. . . ولقد أحسنت الوزارة حسنتين في تعيينها الأستاذ رمزي الركابي مفتشًا: أولا حسنة الفكرة، إذ فتحت أمام المعلمين أفقًا واسعًا وأملًا رحبًا، قد يوصلون إليه أو لا يصلون، ولكنه، على كل حال، أمل حلو يثير طموحهم المتبدد في سبيل مستقبل طلابهم، وإذ شئت فقل: طموحها المنحور بآهات التدريس. أما الحسنة الثانية، فهي حسنة الاختيار فالأستاذ الركابي بأخلاقه العالية، سيكون مرشدًا وموجهًا
[ ٣ / ٤٧ ]
لإخوانه المعلمين، يتقبلون إرشاده وتوجيهه، ويأخذون بها عن طيبة خاطر. لان المعلم أدرى بالمعلم، مثل نضربه إذا سمح لنا به ضاربو الأمثال: اكثم وابن ساعده والإمام.
سادتي:
إن المعلم السوري المثالي، استطاع طوال سني الاستعمار البغيض أن يقوم بواجبه وأن يكيف بذكائه، ووطنيته وإخلاصه كثيرًا من التواءات البرامج والخطط التي وضعها المستعمر لعرقلة النهوض الوطني والوعي القومي وبلوغ الاستغلال. فالبرامج التي وضعت في عهد الاستعمار كانت تهدف قيد المعلم السوري وتنشئة الجيل تنشئة فيه الخمول والتواكل واللامبالاة، ليستفيء الأجنبي في ظلالنا الوارفة ويستمرئ خيراتنا. ولكن هل نجح المستعمر فيما أراد وابتغى؟ طبعًا كلا! ولا ريب أن من جملة الأسباب التي لم نمكن المستعمر من تنفيذ خططه الاستعمارية هو عمل المعلمين الذين كانوا في ذلك العهد الإرهابي يعلمون طلابهم معنى الوطنية وفكرة القومية وحب الحربة. . . ولكن المعلم إذا كان في عهد الاستعمار والانتداب مكبلًا مراقبًا، ورغم كل ذلك أثر تأثيرًا فعالًا في نفوس الطلاب فأوجد للوطن جماعة من المكافحين المناضلين، فمن الواجب إذن أن نفسح له اليوم مجال العمل، ليتحرر من قيود العهد البائد وأثقاله ومن الفاقة والحرمان والراتب الضئيل
المذل. فالعهد الجديد يفرض علينا أن نسير على خطط جديدة وبرامج جديدة. وهل إمكانياتنا حكومة وشعبًا تسمح بذلك؟ إن التاريخ والحاضر يضعان أمام بلادنا سورية التي تملك إمكانيات التطور بعد تحررها من كل ضغط استعماري واحتلال عسكري، تؤهلها هذه الإمكانيات لتصبح دولة الطليعة في الأقطار العربية. إن السؤال الموضوع أمامنا هو! إما أن نتقاعس ونستذل ونرضخ أو أن نحث الخطى في طريق العلى، نجاري المدنية الحديثة ونسابق الأقطار المتقدمة ونسبقها. إن التاريخ يضع هذا السؤال دون شفقة أو رحمة أمامنا بل أمام كل شعب طامح للنور، راغب في بناء مكان لائق به تحت الشمس.
أجل إن المهمة صعبة وشاقة والإمكانية الحالية ليست تامة ولكن إذا أحسنا استعمال القوى الموجودة المتوفرة لدينا الآن، استطعنا أن نعمل شيئًا. . .
إن الاستغلال في نظر الكثيرين كان أمنية بعيدة المنال، ولكن أصبح اليوم بفضل الوطنيين وكفاح الشعب، واقعًا ملموسًا. من كان يظن إن تهيئة سرب من الطائرات أمر هين، ولكن
[ ٣ / ٤٨ ]
وفي مدة قصيرة، ظهر هذا السرب في سماء دمشق الخالدة. وكذلك خلق نهضة جبارة في مدارسنا، ليس بالأمر المستحيل أو الصعب طالما يكمن في شعبنا قوى تنتظر من يقدمها، وطالما يشترك في قدحها وبعثها وتوجيهها رجال مخلصون وشباب عاملون. . .
أيها السادة!
إن نظام التعليم لا تزال غايته إعداد الطالب لنيل الشهادات ليصبح فيما بعد موظفًا يعمل عملًا آليًا، ويتقاضى راتبًا، ولا ينتج شيئًا، يفخر بشهاداته ويزين بها الجدران. ويجب أن نعترف بأن ما نسميه النشاط المدرسي والأعمال الحرة ليس له في الحقيقة أي ملموس في مدارسنا، لان الوقت المخصص لهذه الغاية، قليل جدًا ولأن معظم المعلمين ليس لديهم من أوقات الفراغ والمعرفة العملية ما يساعدهم على انجاز ذلك. وما زال همُّ المعلمين إتمام مواد البرامج وإنهاك أذهان التلاميذ بالمعلومات الفارغة الغامضة دون أن يخلقوا جوًا مدرسيًا، يعود التلاميذ على المطالعة والعمل المشترك والتعاون والتنظيم. ولكن كيف يتاح للمعلمين أن يقوم بهذه المهمة وواحدهم يدرس في الأسبوع أربع وثلاثين ساعة.
إن دوام هذا الوضع الخاطئ لا يتآلف ونفوس الشبيبة التواقة للمجد والعمل فتأمل من المسؤولين، الذين لا نشك في إخلاصهم وكفاءاتهم، أن يعنوا أولا بالمعلمين عناية، تدفعهم إلى القيام بواجباتهم عن حب ورغبة. فيؤّمن لهم على الأقل الحد الأدنى من ضرورات المعيشة، وتؤسس لهم نواد، يجتمعون فيها بعد عمل النهار يتداولون شتى الأحاديث عن مهنتهم وعن مصير الجيل الموكول إليهم أمره. . .
أما ثانية فيجب تغيير مناهجنا النظرية الرتيبة التي تنشئ أناسًا نظريين، ضعافًا في أبدانهم ونفوسهم وأخلاقهم، وإيجاد منهاج نظري_عملي_فني، يوافق ما تحتاج إليه حياتنا اليومية من صناعة وزراعة وفن. فيرّبي هذا المنهاج جيلًا قادرًا على إتقان استخدام يديه وعقله، ويخلق نوعًا من الإنسان مفعمًا بشجاعة لا تغلب وإرادة لا ينطفئ اتقادها، وعزيمة لا تلين، وإخلاص لا يبهره الدرهم والجاه، إنسان مزود بقطبي الحياة: الفكر والعمل، يدفعه إلى انجاز عمله، إدراكه المنتقد المستمر لواجباته مهما كان نوع تلك الواجبات، كفرد مساهم في تقدم مجتمعه، معتقد بكل بساطة أن ما يبذل من جهد وعمل هو في سيل حرية شعبه وسعادة وطنه، محطم القيود التي تغل عبقرياته وملكاته، يدير مقدراته بنفسه، وقد انكشف مواهبه
[ ٣ / ٤٩ ]
وانبعثت بطولته، وتخلص من أثقال التقاليد والجمود، وآثار الاستعمار وأصفاد الاستبداد، وفوق ذلك كله يعرف كيف يموت في سبيل وطنه.
عندئذ يمكن أن يكون المدارس بمثابة معامل راقية تصدر أدوات إنسانية راقية قد تبدو هذه الرغبات حلمًا من الأحلام الذهبية ولكن أوكل لأحلام إلى مربين نابهين أمثال الأستاذ الركابي، تجد الأحلام، بإرادتهم الغالبة قد أصبحت واقعًا لا يقهر. .
فما استعصى على قوم منال إذا الإقدام كان لهم ركابًا
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
خالد قرطوش
[ ٣ / ٥٠ ]