للدكتور نور الدين حاطوم
يختلف الكثير من أهل العلم والأدب في مفهوم التاريخ هل هو علم أو فن، ولقد كان هذا الاختلاف وما زال محور نقاش طويل ومثارًاُ لجدل كثير، ولكل من الفريقين حججه. وسبب هذا الاختلاف ناجم عن أن تقدم العلوم في أواخر القرن التاسع عشر قد أدى إلى أتساع الدراسات التاريخية على أساس علمي وحبا التاريخ مفهومًا علميًا وجعل منه علمًا له موضوعه وطرقه وأدوات بحثه.
على أن الصحيح الثابت، مهما بالغ أنصار التاريخ كعلم، أن التاريخ أي دراسة الحوادث البشرية الماضية لا بد له، ليرتفع إلى مصاف العلوم بمعناه الحقيقي، من أن يخضع إلى جميع مراتب المعرفة العلمية كما هي الحال في العلوم الطبيعية. غير أن هذه الصفة لا تتأتى لتاريخ إذ لا تمكن دراسة الحوادث التاريخية مباشرة، كما أن الاختبار والملاحظة والتجريب أمور غير ممكنة أثناء الدراسة التاريخية. وإذا فهم من التاريخ أنه أعادت بناء الماضي وبعثه من جديد فليس بالإمكان أن تتكرر نفس الظروف التي وقع فيها الحادث التاريخي، أضف إلى ذلك أن هذه الدراسة لا تصلنا إلى وضع قوانين عامة كالقوانين الطبيعية، ولذا فأن فهم التاريخ، على النحو الذي تفهم فيه العلوم الطبيعية فهم ضيق. وشتان بين العالم الطبيعي المؤرخ، فبين الأول يدرس الحوادث الطبيعية مباشرة في مخبره المجهز بأحسن أدوات الفن، يجرب المادة ويختبرها، نرى المؤرخ مجبرًا على العمل في دراسة الحوادث التاريخية بطرق غير مباشرة خلال الوثائق التي أن سلمت من أيدي الحدثان صدفة فوصلت إليه، فلم تسلم من التغيير والتحريف والتلاعب الألفاظ والميول والأهواء.
ولذا فليس ثمة علوم تاريخية كما يقال علوم طبيعية وإنما هنالك علم يمسى علم التاريخ وليس المقصود من كلمة علم هنا أن نفهم منها ما نفهمه من العلوم الطبيعية مثلًا وإنما نفهم منها أنه يتقرب من العلم من حيث موضوعه وطريقته الإنتقادية وغايته، إلى أنه ما زال علم نقد وإيضاح لا علم ملاحظة وتجربة فهو أذن علم قاصر ألا أن له مزاعم يرمي إلى تحقيقها من حيث اكتشاف القوانين ووضع المبادئ العامة.
[ ٢٩ ]
إن غاية التربية تهيئة الطفل للحياة في هذا العالم. وهذا العالم الذي نعيش فيه معقد التراكيب ولمعرفته وفهمه والاهتمام به والاستعداد للعمل به لا بد لكل فرد من قسط معين من معارف مختلفة النسب أذا اجتمعت ألفت مزيجًا علميًا هو ما يسمى عادة الثقافة العامة. ويدخل تحت هذا المركب كثير من ضروب العلم والأدب والفن واللغات الخ. . . ولعلنا أن تأملنا مليًا في هذه العناصر الثقافية وجدنا أن كل منها فائدة علمية في الحياة، ولكن ما هي فائدة العلمية التي نرجوها من دراسة التاريخ؟ قد تكون الإجابة على فائدة العلوم وتعلم اللغات أسهل من الإجابة على فائدة التاريخ لأن دراسة التاريخ لا تجدي نفعًا بصورة مباشرة. وإذا كان المقصود من ذلك الوصول إلى هذه النتيجة فلماذا ندرس التاريخ ونحشو أدمغة التلاميذ بحوادث هم أشد الناس غنى عن معرفتها.
غير أنه من العبث أن نتقول أن التاريخ لا يفيد شيئًا ولا لما درس في المدارس وفي جميع مراحل التحصيل. فالفائدة التي نرجوها من تعليم التاريخ في الحقيقة هي فائدة غير مباشرة.
ما هي الغاية التي نرمي إليها من تدريس التاريخ؟ أن أحرى الناس بالإجابة على السؤال هم الأساتذة نفسهم لأن إيمانهم بالفائدة التي يرجوها من تدريس التاريخ هو الذي يزيد في ارتياحهم ونشاطهم لعملهم ويعين لهم الخطة التي يجب إتباعها في تدريسهم هذه المادة.
هناك مفهومان قديم وحديث في قيم تدريس التاريخ والفائدة المرجوة منه وأقصد من هذه الفائدة، الفائدة العلمية التي نريدها في الحياة لا التي يريدها المؤرخ أذان هذا الأخير لا يرمي من بحثه سوى الكشف عن الحقيقة ومعرفتها ولذا فبحثه مجرد عن طلب الفائدة.
المفهوم القديم._الغاية التي يرمي إليها المفهوم القديم من تدريس التاريخ غاية التعليمية إذ يظن أن التاريخ يلقى علينا درسًا في الأخلاق: إن التلميذ باطلاعه على حوادث العالم الغبرة يرى أن منحنى التاريخ لكل أمة من الأمم لا بد وأن يكون تارة في صعود وطورًا في هبوط. يرى فيه الغث والسمين ويرى العوامل التي أدت إلى التقدم والعوامل التي آلت إلى الانهيار فيأخذ من كل ذلك عبرة ويحتذي الحسن ويطرح السيئ ويعين له منهجًا يسلكه في حياته.
غير أن الممعن في دراسة التاريخ يرى أنه لا يعطينا عبرًا نسترشد بها فالتاريخ لا يفيد
[ ٣٠ ]
نفسه وليست غاية التاريخ حل المشاكل وتفادي الأخطاء وهو أن يدرس الحوادث البشرية الماضية فهو يدرس كل حادث بنفسه في شروطه الخاصة وظروفه الخاصة. ومن الخطاء أن نتخذ من الحادث الواقع في زمان معين ومكان معين درسًا نحل به المستقبل ولنضرب لذلك مثلًا:
إن الاعتقاد الذي ولدته الحرب العامة الأولى ١٩١٤_١٩١٨ في نفوس الجنود المحاربين هوان هذه الحرب يجب أن تكون الأخيرة واعتقادهم هذا أدى بهم إلى التفاني مؤثرين أن يموتوا لتحيا أبناؤهم. وهم وأن تألوا وذاقوا صنوف الجوع والبرد وما تجره الحرب من بؤس فليس أحب إليهم من أن يخرجوا من ساحات الوغى وأبنائهم سالمون من التعرض لحرب ثانية تبيدهم. وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى تهيأ العالم للحرب ثانية أشد اضطهادًا للنفوس وأكثر سفحًا للدماء، وزاد الأمر شقًا اشترك في هذه الحرب العالمية الثانية جيلان من الآباء والأبناء أو قل أنها جندت ثلاث أجيال. أن هذه الحرب الأخيرة قد حطمت الآمال.
ولم تفد دراسة التاريخ الحرب الأولى في منع الثانية ولو أن دراسة التاريخ عبرة لدعت الإنسانية أن تحول دون وقوع الكارثة الكبرى.
وبعضهم يفهم أن التاريخ يلقى علينا درسًا في الوطنية. قد يكون في هذا القول نوع من الصحة: أن تسرب القومية من أوربة إلى بلادنا في أواخر القرن التاسع عشر عن طريق البعثات الأجنبية كان أكبر عامل في قيام رجال الرعيل الأول في وجه الأتراك. كما أن تدريس الوحدات القومية وتنبه الشعور القومي كان من أهم الدوافع التي دعت طلابنا إلى مقاومة النفوذ الفرنسي في فترة الربع الماضي من القرن. وإن كثيرًا من الأساليب التي جرى عليها الطلاب في مظاهراتهم وخطبهم وحركاتهم التحررية كانت ولاشك مقتبس إلى حد ما من دراسة التاريخ.
أما وأن التاريخ ينمي فينا الشعور القومي والواجب الوطني فهذا صحيح نسبيًا ولكن يجب ألا نغالي في قيمته لأن هذا التاريخ الذي يلهب العاطفة القومية هو الذي يخفف من اشتعال الحماس الوطني ولا سيما عند الطبقة المثقفة ويولد عندها خيبة أمل يرافقها شعور بالضعف قد يؤدي إلى التخاذل والاقتناع بعدم تكافؤ القوى.
[ ٣١ ]
ومنهم من يقول أن في التاريخ قدوة حسنة: وفي الحقيقة أن دراسة التاريخ تكشف لنا سير الأبطال وقادة الرأي وعظماء الرجال الذين كان لحياتهم وأعمالهم تأثير حاسم في مجرى الحوادث. يرى التلميذ فيهم مثالًا صالحًا فيقلدهم وينسج على منوالهم. غير أن يجب ألا يغرب عن البال الشروط والظروف التي أحاطت بعمر ومعاوية وخالد ليست هي التي تحيط الآن بعدنان ووائل وأسامة، أن التاريخ ضنين أن جاد بالحادث مرة فلمن يجود به مرة أخرى.
وفريق يرى أن التاريخ خير مكتب لدعاية ويهتم كذلك كثير من الرجال السياسة والدين ليجعلوا من المدارس ألسنة تفضل ديانة على أخرى أو مذهبًا سياسيًا على أخر كل تحبيب بالجمهورية وترغيب بالشيعية الفاشيتية ويحاولون أن يضغطوا على المدرسين ليضربوا على الوتر نفس النغمة مرات ومرات وليس أكره إلى التمييز من أمور تلقاها في صغره وكان يعتقد فيها الخير والصلاح ثم أخذ يشك في قيمتها إذ ما تقدمت به السن أنه ينفر منها ويزدري الداعين لها وكثيرًا ما يؤدي به هذا الانفعال إلى رد فعل شديد وحري بالأساتذة ألا يورطوا أنفسهم بالوقود في مثل هذا الخطأ إذ أن واجب المربي قبل كل شيء أتن يجعل من التلميذ مواطن صالحًا ومفكرًا حرًا وآخرين يريدون من تدريس التاريخ غاية بديعة ويقصدون من هذا التاريخ دراسة أدبية وإلهية شريفة ومن الممكن أن يتخذ التاريخ كمسلات ولاسيما إذ أوتيا الكاتب ملكة سحرية تصور مأسية التاريخ أو دراما ته الإبداعية تصوير ييسر القارئ ويثير عواطفه ومواطن اهتمامه فيقضي وقته في سرور ولذة فكرية ما نظن أننا في حاجة إلى رد على هذا الزعم فمفهوم التاريخ بمعناه العلمي الحديث بعيد عن الأدب وصناعة الألفاظ وتلاعب الخيال وما نعتقد أن دراسة التاريخ هذا المعنى وسيلة من وسائل التسلية بل هي أقرب إلى إعمال الذهن وحمله على التفكير.
مفهوم الحديث_لا شك أن دراسة التاريخ تنمي فينا بعض العواطف وتثير منا مكامن الاهتمام غير أن الغاية التي نتوخاها من تدريسه لهذا الغرض وإلا أنفقد التاريخ واستقلاله وحال عن غايته الأساسية وهي البحث عن الحقيقة ما هي الفائدة العلمية التي نحصل عليها من دراسة التاريخ دراسة مجردة أي من دراسته كعلم مستقل لا كأداة لتحقيق بعض الأغراض أو وسيلة لجذب بعض المنافع؟ الفائدة التي نرجوها من التاريخ فائدة غير
[ ٣٢ ]
مباشرة هي: الرياضة الذهنية التي تساعد التلميذ على تعلم معارف مجهولة لديه وتفهمه إياها كما تحبب إليه وتولد فيه رغبة للقيام ببعض الأعمال فهي إذًا فائدة فكرية من شأنها تنمية الذكاء وزيادة النشاط ولذا كان التاريخ عنصرًا من عناصر الثقافة الفاعلة، عنصرًا لا غنا عنه لكل مثقف يريد أن يعيش في هذا العالم ويتفهمه ويساهم في العمل به.
اكتساب المعارف_ما هي المعارف التي يكتسبها التلميذ من دراسة التاريخ وكيف تعمل في نمو ذكائه وزيادة نشاطه؟ التاريخ يدرس الحوادث البشرية الماضية من حروب وثورات وانقلابات وإصلاحات وما إليها تعلم التلميذ خلالها هذه الحوادث كلمات يرددها كالشعب والأمة والدولة والحكومة والجيش والوحدة القومية والعادات والتقاليد والتشريع والمجالس ومصالح والطبقات الاجتماعية وأشكال الحكم إلا غير ذلك مما له علاقة مباشرة للهيئة الاجتماعية أن هذه المعارف تدخل في ذهن التلميذ بشكل صور مختلطة مبهمة متشابكة وهي ليست في الحقيقة سوى معاني غامضة أو تجريديات ولعلة التلميذ أن ترك وشأنه لا يستطيع أن يفهم منها شيئًا غير أن الأستاذ إذا أحسن استعمال الأمثلة وقايس بين الحاضر والماضي أستطاع التلميذ أن يجعل لهذه المعاني المجردة قوام مشخصة تساعده على تصور هذه المعارف التي تسره عليه أو يقرؤها ولا يراها، واكتسابه لهذه المعارف وحسن تصوره له يجعلانه أهلًا يتفهمه الهيئة الاجتماعية أي معرفة العلاقات التي تربط الأفراد يبعضهم سواءً أكانت هذه الهيئة الاجتماعية ماضيه أو حاضره وكذا الاعتياد على هذا التحليل يؤثر في نشاط التلميذ إذ يظهر أنه ليس بغريب عن الحوادث التي يدرسها فيتأملها كحادثه طبيعية ويؤلفها وقد تدفعه هذه الألفة إلى العمل في الحقل الذي يراه ملائمًا برغباته من سياسة واجتماع واقتصاد.
الإيمان بالتطوع وضرورة الإصلاح_يدرس التلميذ خلال التاريخ المراحل المتعاقبة التي مرت بها كل أمة ويرى أن التاريخ هذه الأمة ليس سوى مسرح يمثل فيه جميع الأدوار لهذه الأمة. فإذا ترك التلميذ وقواه الفردية لا يرى سوى أعمال وأقوال، غير أن الأستاذ يريده ما هو أبعد من ذلك. أنه يريد الأسباب التي دعت لهذه الأعمال والأقوال والنتائج التي نجمت عنها ويعوده على تفهم هذه الأسباب والنتائج. وهو بدراسته تاريخ أمة على سلسلة من العصور يستطيع أن يدرك متا تطورات التي ألت إليها هذه الأمة ويرى خلالها
[ ٣٣ ]
ذلك أنه في هذه التطورات منها ما هو بطيء ومنها ما هو سريع ومنها ما هو سطحي ومنها ما هو عميق أنه يستطيع بعد ذلك أن يحلل الحاضر الذي يعيش فيه ويعرفه إلى أي حد هو مثقل بأعباء الماضي. ولعل ما يسترعي انتباه التلميذ في البادئ الحوادث والتغيرات المفاجئة والفتوحات والثورات والانقلابات غير أن الأستاذ يبين له أن هناك تطورات تدريجية أقل ظهور وربما كان لها أثر فعال أكثر من غيرها.
إن محصلة هذه الدراسة تترك في فكر التلميذ أن الجماعات البشرية في تطور دائم
مستمر إذا ليس هنالك هيئة اجتماعية ثابتة كطبيعة لا تتغير: فالقوانين والأنظمة والأوضاع وأشكال الحكم ليست سوى تسويات واتفاقات يمكن أن تتحول تحت ظروف وشروط خاصة. وكذا يرى أن بين التقاليد والعادات منها ما يتغير ببطء وصعوبة ومنها ما يتغير بسرعة وسهولة فإذا ما ساهم في العمل ضمن الهيئة الاجتماعية وهو راشد، عرف ما يؤمل تغييره بسرعة وما تمكن إزالته إلا مع الصبر وطول الأناة. ولذ تكسبه هذه المعرفة سقا بعمله وتفاؤلًا بنجاحه.
وكذا يعلم من دراسة التاريخ أن النظام السائد عند الشعب من الشعوب، إن ما وضعه أُناس قد ماتوا، ون هذا التراث الذي خلفه الأموات وتخضع له الأحياء وقد أعتمد في بنائه على شروط الحياة في عصر مضى وإنه ليس من الضروري أن يتبقى الشروط نفسها في الوقت الحاضر إذ أن منها مادية وما زالت باقية وليس في الوسع تغييرها ومنها ما هم مجرد أوهام وعادات ومصالح ومطامع وامتيازات من الممكن تبديلها ولهذا فهو يعرف مناهج التي الذي أتبعها حصل على تغيرات فعلية ويعلم أيضًا أن التغيير العقلية لا يحدث سواء وفجأة عند السواد الأعظم من أبناء الأمة، أن فكرت الإصلاح والتجديد لا تحدث ألا عند فئة مختارة يطلق عليها اسم مجددين ومصلحين، ولأن كل فكرة من هذا النوع لا بد وأن تلقى عناصر مقاومة وعناصر تحبيذ، وأنه هؤلاء المصلحين أن تركوا وحدهم كانوا غير قادرين على دفع الآخرين إلى تبني فكرتهم ولذا لا بد من نجاح الإصلاح من تهيئة وتخمير ودعاة ووسطاء.
وهو بمعرفته هذه يستطيع أن ينفي عن فكرة الوقود في الأخطاء الناجم عن الاعتقاد بالتقدم العفوي للكتل البشري وبعبادة الأصنام التي اعتاد الناس أن يقدسوا ويسموها أبطالًا. وكذا
[ ٣٤ ]
يستطيع أن يدرأ عن نشاطه أشد خطرين أولهما الشعور. أن الفرد غير قادر أن يحرك ساكنًا في الجماعة وهذا الشعور بالضعف يؤدي على التخاذل والنكوص، وثانيهما شعوره أن الكتل البشرية تتطور بالغريزة ولذا فالتقدم حاصل ولا حاجة للعمل في المجتمع، وكمحصلة لكل ذلك جمود في الحركة وركود في الفاعلية.
غير أن التاريخ يرينا أن الأفكار الثابتة من الممكن مكافحتها وأن للهيئة الاجتماعية رأيًا يسمى الرأي العام وهذا الرأي لا يتبدل وحده وإن شخصًا بمفرده قادر على تغييره، إلا أن تكتل الأفراد وتنظيم جهودهم وتوجيهها في اتجاه معين تغير هذا الرأي. إن هذه المعرفة تمنحنا الشعور بالقوة وتدفعنا إلى القيام بالواجب وتعين لنا الطريق التي نسلكها في توجيه الرأي توجيهًا مفيدًا ونافعًا. إنها التفاهم والتعاون مع أقراننا ممن أشبعوا بنفس النوايا مثلنا للعمل سوية في تحويل الرأي وتوجيه سواء بتربية الجيل الناشئ أو الدعاية بين الراشدين. وخاصة الشباب الذين يكونون عادة أكثر استعدادًا لقبول الأفكار الحديثة.
اتساع أفق التفكير._إن الحوادث التي يدرسها التاريخ كثيرًا ما تكون معقدة مبهمة ولفهمها وجب تحليلها وبيان جميع الشروط التي أوجدتها. والتاريخ يوضح أن ليس هناك حوادث منعزلة وإنما سلسلة من الحوادث تتوالى وتتشابك مع بعضها وتؤلف مل يسمى قضايا. والفائدة التي تعود علينا من هذه الدراسة هي أن التاريخ يعودنا إلا ننظر إلى قضية من القضايا التي تعرض علينا في حياة زاوية خاصة أو ضمن نطاق يضق بمنظار مكبر يستجمع العناصر التي تدخل في تركيب القضية. النزاهة الفكرية._أن دراسة الحوادث البشرية الماضي ترمي إلى البحث عن الحقيقة وحكمنا على الماضي يكون أكثر تجددًا وأكثر موضوعية أما حكمنا على الحاضر فكثيرًا ما يكون مشوبًا بالهواء ومصطبغًا بصبغة نفعية. ولذا فان التاريخ يفيد في الاعتياد على الحياة وعدم التحيز أي ما نسيه بالنزاهة الفكرية.
نمو الفكر ألانتقادي._أن مزاولة الطريقة الخاصة بالتاريخ أي الطريقة ألانتقاديه تنقي الفكر من جرثومة التصديق العامي وتجعله لا يقبل بما يعرض عليه ألا بعد الانتقاد والتمحيص. وليس من الضروري مثلًا في التدريس أن يلقن الأستاذ التلميذ مبادئ الانتقاد التاريخي ليحسن استعمالها ولكنه ينهز الفرصة لتطبيقها عمليًا دون الالتجاء إلى أي تغيير فني.
[ ٣٥ ]
إن أبسط طريقة لتدريس التاريخ هي القصة. وهذه القصة قد تكون صحيحة أو أسطورة وواجب الأستاذ هنا أن يعرف التلميذ هنا أن من القصص ما هو صحيح ومنها ما هو خطأ فتبدأ عنده يقظة الفكر ألانتقادي.
وقد يرى التلميذ أن من الحوادث ما يروى بقصتين متناقصتين فيعلم أن كل قصاص لا يقول الحقيقة. يستفيد الأستاذ من هذا التنبيه فيبين للتلميذ فكرة اختلاف المصادر وقيمة كل منها ويجعله يتثبت أن الشاهد العيان أفضل من المخبر الذي يعتمد على التواتر. وبهذه الطريقة يكتسب التلميذ عادة الشك الذي هو بدء التمرن على الانتقاد. وعادة الشك هذه تفيد في الحياة الخاصة لأنها تدفع إلى الحيطة والحذر من الوقوع في الخطأ إذا ما استسلم المرء إلى ضجيج الأخبار، وفي الحياة العامة لأنها تقي من الثقة بشهادة الشهود وبأخبار الصحف وتصريحات رجال السياسة.
يتضح لنا مما تقدم أن الفائدة التي نحصل عليها من دراسة التاريخ هي الفائدة لها أثرها في التربية الفرد والجماعة. ولذا يمكن القول أن التاريخ من هذه الناحية يستطيع أن يهيئ للحياة. ولسنا بحاجة إلى الإلحاح أن هذا الواجب ملقى على عاتق الأساتذة قبل غيرهم إذ لا يخفى أن بين تلاميذهم من سيكون منهم العالم والأديب والمصلح ورجل السياسة والإدارة وكل هؤلاء أهل ثقافة وكل مثقف لا بد له من معرفة التاريخ.
إن من يتأمل في وضع بلادنا الحاضر يرى أنه زاخر بالشذوذ من بقايا الأتراك ومخلفات الفرنسيين. وإن خير وسيلة لانتشالنا مما نتخبط فيه من تقاليد بالية ومحافظة ضيقة وبلبلة فكرية هو إصلاح جزري يتناول جميع مرافق الحياة ولعل رجال الإصلاح يهتدون في أصلاحهم على نور التاريخ.
حلب
نور الدين حاطوكم
[ ٣٦ ]